Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الرِّزْق
عناصر الموضوع
مفهوم الرزق
١٧٦
الرزق في الاستعمال القرآني
١٧٧
الألفاظ ذات الصلة
١٧٨
الله خير الرازقين
١٨٠
حقيقة الرزق وتنوع صوره
١٨٧
المعبودات من دون الله والرزق
١٨٩
أسباب الرزق
١٩٠
علاقة المعاصي بالرزق
٢٠٢
٢٠٥
الرزق في الآخرة
المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر

حرف الراء
مفهوم الرزق
أولًا: المعنى اللغوي:
الرزق: الراء والزاء والقاف أصيلٌ واحدٌ، يدلّ على عطاءٍ لوقت، ثم يحمل عليه غير
الموقوت؛ والرزق: بالفتح مصدر، وبالكسر اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما ينتفع به،
وجمعه أرزاق، والرازق والرزّاق: صفة الله تعالى، فعّال من أبنية المبالغة، لا يقال إلا لله
تعالى، ولأنه يرزق الخلق أجمعين، وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها
وأوصلها إليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ اَلْأَرْضِ إِلََّ عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦](١).
قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]، أي: فليأتكم بقوت منه(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الرزق: کل ما ينتفع به، سواءً كان ماديًّا کالأموال من ذهب وفضة وحيوان وزروع وثمار
وعقار، و کل ما هو مأکول ومطعوم وملبوس ومشروب ومسکون ونحو ذلك، أو کان معنويًّا
كالمعارف والعلوم والمنزلة والجاه والسلطان والعقل والذكاء وحسن الخلق ونحو ذلك،
وسواء كان ما ينتفع به في الدنيا وهو ما ذكرناه، أو ينتفع به في الآخرة وهو رضوان الله تعالى
وثوابه ونعيم الجنة، ونحو ذلك مما أخبرنا الله تعالى به(٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٣/٢، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٥١، لسان العرب، ابن
منظور ١٠/ ١١٥.
(٢) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٢٩٥.
(٣) السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، عبد الكريم زيدان ص٢٦٤.
١٧٦
جوسين
القرآن الكريمِ

الرزق
الرزق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رزق) في القرآن الكريم (١٢٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣٧
يُحْبِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠]
﴿بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ (٧)﴾ [آل عمران: ١٦٩]
فعل الأمر
٥
٣٧]
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
٦
(٣)﴾ [سبأ: ٣٩]
صيغة المبالغة
١
٥٨ # [الذاريات: ٥٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
اسم
٥٥
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
(١٣) ٢﴾ [طه: ١٣١]
وجاء الرزق في القرآن على وجهين (٢):
الأول: العطاء بكل أنواعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَارَنَقْهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، يعني: مما
أعطيناهم من الأموال والعلوم والجاه وغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، يعني:
طعامًا أو فاكهة.
الثاني: النفقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، يعني: نفقتهنّ.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣١١-٣١٢، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٥٧٦ -٥٧٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٣٤ -٢٣٥، نزهة الأعين النظائر في علم الوجوه والنظائر، ابن
الجوزي، ص٣٢٤ -٣٢٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٦٥/٣-٦٧، عمدة الحفاظ، السمين
الحلبي، ٨٧/٢-٨٨.
www. modoee.com
١٧٧
اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ
الفعل المضارع
١٩
(٢)﴾ [إبراهيم:
﴿وَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
اسم الفاعل

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
١
الكسب:
الكسب لغة:
طلب الرزق وابتغاؤه، والسعي في تحصيله، وأصله: الجمع، كسب يكسب كسبًا وتكسّب
واكتسب، قال سيبويه: ((كسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد))(١).
الکسب اصطلاحًا:
هو: الأفعال الموصلة إلى المادة، والتصرف المؤدي إلى الحاجة (٢).
وقال الراغب في مفرداته: ((الكسب: ما يتحرّاه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع، وتحصيل
حظٍ، ككسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به
مضرة))(٣).
وعلى ذلك فالكسب هو: ما يحصل ويجتمع من المال بالاكتساب من حلالٍ أم من
.(٤)
حرام (٤).
الصلة بين الكسب والرزق:
الکسب لا يأتي إلا بسعي و طلب، و الرزق قد يأتي بسعي و بدون سعي، فکل کسب رزقٌ
و لیس کل رزقٍ کسبًا.
العطاء:
٢
العطاء لغة:
مأخوذٌ من العطو: وهو التّناول، يقال: عطوت الشّيء أعطو: تناولته، وفي الأثر: (أربى
الرّبا عطو الرّجل عرض أخيه بغير حقٌّ)(٥)، أي: تناوله بالذم ونحوه، وهو في اللغة: اسم لما
يعطى به، والجمع عطايا، وأعطية وجمع الجمع: أعطيات (٦).
العطاء اصطلاحًا:
(١) لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٣٨٧٠.
(٢) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ٢٥٧.
(٣) المفردات ص ٤٣٠.
(٤) الاكتساب في الرزق المستطاب، محمد بن الحسن الشيباني ص٢١.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣/ ٥٠٨.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ٦٨/١٥.
١٧٨
جَوَنُو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الرزق
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي في أن معناه يدور حول المناولة، قال
ابن العربي: ((حقيقة العطاء هي: المناولة، وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن: كل نفع أو
ضريصل من الغير إلى الغير))(١).
وقال المناوي: ((العطاء: التناول، والمعاطاة: المناولة، لكن استعملها الفقهاء في مناولة
خاصة))(٢).
والعطاء نوعان: العطاء العام: وهو ما يكون للخلائق عامة، والعطاء الخاص: وهو ما كان
خاصًّا كإجابة الدعاء، وتحقيق مطلب الأنبياء والصالحين(٣).
الصلة بين العطاء والرزق:
يقال للعطاء الجاري: رزقٌ، دينيًّا كان أم دنيويًّا، فالرزق يشمل العطاء وغيره، وقيل:
الرّزق: ما يفرض للرّجل في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية، مشاهرةً أو مياومةٌ (٤).
والعطاء: ما يفرض للرّجل في كل سنةٍ لا بقدر الحاجة بل بصبره وعنائه في أمر الدّين (٥).
(١) أحكام القرآن ٤/ ٧٤.
(٢) التوقيف على مهمات التعريف ٢٢٧/١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٩٨.
(٤) ياومه في مياومةً، ويوامًا: عامله أو استأجره باليوم.
انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٥٦/٢.
(٥) الموسوعة الفقهية الكويتية ١٥٠/٣٠.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الراء
الله خير الرازقين
أولًا: الله هو الرزاق:
((الرازق: المفيض على عباده ما لم يجعل
لأبدانهم قوامًا إلا به، والمنعم لهم باتصال
حاجتهم من ذلك إليهم؛ لئلا تتنغص عليهم
لذة الحياة بتأخره عنهم، ولا يفقدوها أصلًا
بفقدهم إياه.
والرزاق: هو الرازق رزقًا بعد رزق،
والمكثر الواسع لها))(١).
يقول العلامة الشيخ السعدي: ((الرزاق
لجميع عباده، فما من دابة في الأرض إلا
على الله رزقها، والرزق الحلال الذي يعين
على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين
على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته
ورحمته» (٢).
لقد ضمن الله تعالى لكل مخلوق رزقه
كما وقت له أجله، وذلك ظاهر في آيات يا من تمتّع بالدّنيا ولذّتها
متعددة منها:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: ٥٨].
فالآية تثبت أن الله هو الرازق مطلقًا
لخلقه، المتكفّل بأقواتهم، ذو القوة
المتين (٣) ويعتبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
(١) المنهاج في شعب الإيمان، الحليمي
٢٠٣/١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٤٨.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٥٥.
الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾؛ تعليلًا لما تقدّم من
الأمرين؛ فقوله: ﴿هُوَ الَرَّزَّقُ﴾ تعليلٌ لعدم
طلب الرزق، وقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾
تعليل لعدم طلب العمل؛ لأن من يطلب
رزقًا يكون فقيرًا محتاجًا، ومن يطلب عملاً
من غیرہ یکون عاجزًا لا قوة له، والله لیس
كذلك(٤).
ومن لطائف ما جاء في هذا الباب: ما قاله
السفاريني: «قال العمريّ: رأیت البهلول وقد
دلّی رجله في قبر وهو يلعب بالتّراب، قلت
أنت ها هنا؟ قال: نعم عند قوم لا يؤذوني،
وإن غبت لا يغتابوني. قلت له إنّ السّعر قد
غلا، قال: لو بلغت كلّ حبّةٍ بمثقالٍ لا أبالي،
نعبده کما أمرنا، ویرزقنا كما وعدنا، ثمّ أنشد
يقول: رحمه الله تعالى:
أفنيت عمرك فیما لست تدر كه
ولا تنام عن اللّذّات عيناه
يقول لله ماذا حين يلقاه))(٥)
وجاءت الآية التالية لتثبت تعميم الرزق
على السماء والأرض: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْمِّنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَنْ
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ
وَمَن يُدَبُِّ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
[يونس: ٣١].
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ١٩٥.
(٥) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب،
السفاريني ٢/ ٤٢١.
ـُ النَّسَبـ
جوبيبو
القرآن الكريمِ
١٨٠

الرزق
يعترف بذلك المشركون بأن الرزق بيد فكما أنه الخالق فهو الرازق(٢).
الله وحده، ومن علی الأرض یعلم أن الرزق
بيد الله الواحد، قال صاحب الظلال: ((من
المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع،
ومن طعام الأرض نباتها وطيرها وأسماكها
وحيوانها، ثم سائر ما كانوا يحصلون عليه
من الأرض لهم ولأنعامهم، وذلك بطبيعة
الحال ما كانوا يدركونه حينذاك من رزق
السماء والأرض، وهو أوسع من ذلك
بكثير، وما يزال البشر يكشفون - كلما
اهتدوا إلی نوامیس الکون - عن رزق بعد
رزق في السماء والأرض، يستخدمونه
أحيانًا في الخير، ويستخدمونه أحيانًا في
الشر حسبما تسلم عقائدهم أو تعتلّ، وكله
من رزق الله المسخّر للإنسان، فمن سطح
الأرض أرزاق، ومن جوفها أرزاق، ومن
سطح الماء أرزاق، ومن أعماقه أرزاق،
ومن أشعّة الشمس أرزاق، ومن ضوء
القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه
عن دواء وترياق)»(١)، ثم جاءت الآية التي
تخصص بعد تعميم فتذكر رزق الدواب،
قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّّ عَلَى
اَللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي
كِتَبٍ قُّبِينٍ﴾ [هود: ٦]. إن المتأمل في
آيات القرآن المتلوة، وآيات الكون المرئية
يجد - بلا ريب - أن الرزق بيد الله وحده؛
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٧٨١.
أثر الإيمان بهذه الأسماء في ترسيخ
العقيدة وزيادة الإيمان:
١. إفراد الله بالعبادة.
٢. زيادة التوكل على الله.
٣. زيادة الرضا عن الله تعالى.
٤. زيادة محبة العبد لله تعالى.
٥. الشكر لله تعالى.
٦. دعاء الله تعالى.
٧. الإحسان إلى الناس.
٨. تزكية النفس من التكبر والحسد(٣).
ثانيًا: الحكمة في تفاوت الأرزاق:
من سنة الله في الخلق التفاوت في
الأرزاق بين الناس، وله حكم عظيمة يعلمها
الله عز وجل، وقد يظهر لنا بعض منها،
وسأعرض لبعض الآيات التي تبين بعضًا
من هذه الحكم.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ فِي الرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِرَآدِ رِزْقِهِمْ
عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُرْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[النحل: ٧١].
قال المفسرون: أخبر الله عز وجل في
هذه الآية أن الرزق متفاوت بين البشر، قد
(٢) الرزق في القرآن الكريم، عدي عصفور
ص٤.
(٣) دراسة لاسمي الله الرازق والرزاق وما في
معناهما من أسماء الله تعالى، أحمد المزيد
٥٢-٥٣.
www. modoee.com
١٨١

حرف الراء
قسمه الله عز وجل، أي: جعلكم متفاوتين في يخلو أحد من برّه، إلا أن البرّ أصناف، وله
أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على
حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير،
فيطير لبعض العباد صنف من البرّ لم يطر
مثله لآخر، ويصيب هذا حظٌّ)(٣).
الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق ممالیککم
وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن
تردّوا فضل ما رزقتموه علیهم، حتى تتساووا
في الملبس والمطعم(١).
وقيل: جعلكم متفاوتين فيه، فوسّع
على بعض عباده حتى جعل له من الرّزق
ما يكفي ألوفًا مؤلّفةً من بني آدم، وضيقه
على بعض عباده حتى صار لا يجد القوت
إلا بسؤال الناس والتكفّف لهم؛ وذلك
لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلّها،
والاطلاع على حقيقة أسبابها، وكما جعل
التفاوت بين عباده في المال جعله بينهم في
العقل والعلم، والفهم وقوة البدن وضعفه،
والحسن والقبح والصحّة والسقم، وغير
ذلك من الأحوال (٢).
قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَّرْزُقُّ مَن
يَشَاءُ وَهُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
لطيف بعباده، بُّ بلیغ البرّ بهم، قد توصّل
برّه إلى جميعهم، وتوصّل من كل واحد
منهم إلی حیث لا يبلغه، وهم أحدٌ من کلیاته
وجزئياته.
يقول صاحب الكشاف: ((فإن قلت: فما
معنى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ بعد توصّل
برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون لا
(١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٢٠.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢١٣/٣.
جوية
القرآن الكريمِ
ومن أروع ما قرأت في هذا الباب ما قاله
الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: ((ومن لطفه
بهم تبارك وتعالى: أن يقدر لهم أرزاقهم
بحسب علمه تبارك وتعالى بمصالحهم،
لا بحسب مراداتهم، فقد یریدون شيئًا
وغيره الأصلح وإن کرهوا؛ لطفًا بھم وبرًا
وإحسانًا)) (٤).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((إن العبد
ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر
له، فینظر الله إليه من فوق سبع سماوات،
فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن
يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عز
وجل عنه، فيظلّ يتطّر يقول: سبقني فلان،
دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل
عليه))(٥).
ويتضح من النصوص السابقة أن الرزق
وسعته وضیقه من الله، فهو سبحانه وتعالى
يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء وفق قضائه
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢١٨/٤.
(٤) المواهب الربانية من الآيات القرآنية، السعدي
ص١٢٥.
(٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل
السنة والجماعة ٢٦١/٣.
١٨٢

الرزق
وقدره المبني على علمه وحكمته على [الزخرف: ٣٢].
الأوجه التالية: إما أن يكون:
فضلا منه ورحمةً ابتداءً.
امتحانًا واختبارًا.
٠
استدراجًا وإمهالًا وعذابًا.
٥
ويضيق الله الرزق على من يشاء وفق
قضائه وقدره المبني على علمه وحكمته
على الأوجه التالية:
: إما حمايةً لعبده منةً ورحمةً به.
أو امتحانًا له واختبارًا.
أو حرمانًا وعذابًا.
وهو سبحانه يبسط الرزق لبعض عباده؛
لأنه يعلم أنه لا يصلحه إلا بسط الرزق،
ویضیق الرزق على بعض عباده؛ لأنه يعلم
أن التضييق عليه في الرزق أصلح له، ولله
في قضائه وقدره حکم عظيمة، وکل ما
(١)
يقدره ويقضيه لعباده فيه الخير والصلاح
.
ومن حكم التفاوت في الرزق كما جاء
بها القرآن:
١. ليتخذ بعضنا بعضًا سخريا.
قال تعالى: ﴿أَهُرْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَيٌِّ
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنيَا وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
(١) الرزق: مصدره، أسباب حصوله وزيادته،
حلاله وحرامه، شروطه، مسفر الغامدي
ص٢٥١.
والمعنى: ﴿فَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ
أي: أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا
قسمةً تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم
والمصالح، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾
في الرزق وسائر مبادى المعاش وأسبابه
﴿دَرَجَتٍ﴾ متفاوتة. فقد فاوتنا بينهم فيما
أعطيناهم من الأموال والأرزاق والعقول
والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة
والباطنة، فكان منهم القوي والضعيف،
والعالم والجاهل، والحاذق والأبله،
والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير. وإنما
فعلنا ذلك ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾،
أي: ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال
لاحتياج بعضهم إلى بعض، وبهذا يمكن أن
يتعايشوا ويحصل كل منهم على ما يحتاجه
بمساعدة الآخرين، ولولا هذا التفاوت فيما
ذكرنا لما أمكن أن يقضي بعضهم حاجة
بعض، ولا أن يخدم بعضهم بعضًا(٢).
٢. المنع من البغي.
ومن حكمة التفاوت في الرزق: منع بغي
الناس في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوْبَسَطَ
اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ
مَّا يَشَاءُ إِنَّه بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
والمعنى: لو وسع الله على عباده
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٤٨/٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٠٩/٢٧.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الراء
في الرزق ﴿لَغَوْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: لطغوا الحكمة في رزق الكفار:
وعصوا، أو لتكبروا في الأرض وفعلوا ما
يتبع الكبر من الفساد والعلو فيها، ﴿وَلَكِن
يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ أي: ينزل أرزاقهم بقدر
ما يشاء لكفايتهم، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
یعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فیقدر لهم ما
هو أقرب إلى جمع شملهم، فيرزقهم من
الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم
بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من
يستحق الفقر کما توجبه حکمته تعالی. ولو
أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم جميعًا
لهلكوا، ولا شبهة في أن البني مع الفقر
أقل، ومع الغنى أكثر وأغلب(١)، والمؤمن لا
يحزن لهذا التفاوت الذي اقتضته حكمة الله
حتى ولو كان شديد الفقر، لأن كل ما يؤتاه
الإنسان من الدنیا فهو متاع قلیل وزائل، ولا
يستحق أن تستشرف له نفس المؤمن، ولا أن
يكون مقصدها وهمها، ولا أن يحزن على
فوته أو فقده، لأن مقصده الآخرة، وغايته
طلب مرضاة الله، ولأنه يعلم مدى حقارة
الدنيا عند الله تعالى. ومما يدل على حقارة
الدنيا عند الله تعالى وإنها وكل ما فيها مما
تستشرف إليه النفس، شيء تافه وزائل ومتاع
قليل(٢).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٢٣/٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٢٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ١٢٧.
إن حقيقة أرزاق الكفار وأهل المعاصي
تكمن في أن الله سبحانه قد ضمن الرزق
لكل مخلوقاته مؤمنهم وكافرهم؛ فعموم
الأدلة الشرعية تدل على شمول رزق الله
لكل مخلوقاته، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا
مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ
[هود: ٦].
ولذلك لما دعا إبراهيم عليه السلام ربه
أن يرزق من آمن من ذریته من أهل البیت بیّن
الله تعالى له أنه يرزق الكافرين أيضًا (٣).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا
بَلَدًّا ءَاِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم ◌ِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ:
إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
قال الشيخ السعدي: ((قيد عليه السلام
هذا الدعاء للمؤمنین، تأدبًا مع الله، إذ كان
دعاؤه الأول فيه الإطلاق، فجاء الجواب
فیہ مقيدًا بغير الظالم، فلما دعا لهم بالرزق،
وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملًا
للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال
تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾، أي: أرزقهم كلهم،
مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين
بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى
نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلًا
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٩/٢.
١٨٤
◌ُ البَِّيـ
جوية
القرآن الكريم

الرزق
﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أي: ألجئه وأخرجه مكرهًا جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا عن الآخرة
لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا
عند الله)»(٢).
﴿إِلَى عَذَابٍ النَّارِوَبِنسَالمَصِيرُ)))(١)؛لأنه ربهم
ولا رازق إلا هو، ولكنه سبحانه يمتعهم
برزقهم ذلك في الحياة الدنيا، ويعذبهم في
الآخرة على خلاف المؤمنين الذين يرزقهم
في الدنيا، ویکمل لهم رزقهم ویمتعهم به
خالصًا في الآخرة.
بل لربما يزيد الله في أرزاق بعض الكفار
أكثر من أرزاق المؤمنین في الدنيا، وذلك
ابتلاءً للمؤمنين وامتحانًا لهم، كما في قوله
تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا
بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرًِا
وَرَحْتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿ وَلَوْلَا أَنْ
يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ
بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ
عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا
يَتَّكُونَ ﴿ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا
مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
﴾ [الزخرف: ٣٢ - ٣٥].
٣٥
قال القرطبي في تفسير هذه الآيات:
((ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده
من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة
ودرجها ذهبا وفضةً لولا غلبة حب الدنيا
على القلوب فيحمل ذلك على الكفر.
قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٦.
ويستفاد من الآيات: أن الميل إلى الدنيا
وطلب متاعها فطري في الإنسان؛ فلذا لو
أعطيها الكافر بكفره لمال إليها كل الناس
وطلبوها بالكفر، وكذا: هوان الدنيا على الله
وعدم الاكتراث بها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لو كانت الدنیا تعدل عند الله جناح بعوضة
ما سقى كافرًا منها شربة ماء)(٣).
وقوله عليه الصلاة والسلام: (الدنيا
سجن المؤمن وجنة الكافر) (٤).
ثم: بيان أن الآخرة خير للمتقين (٥)،
والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب،
ولا يعطي الإيمان إلا من يحب.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَنُ إِذَا مَا أَبْثَلَتْهُ رَبُّهُ.
فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَّتَ أَكْرَ مَنِ ﴿ وَأَمَّا إِذَا
مَا أَبْتَلَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَّنِ )﴾
[الفجر: ١٥ - ١٦].
يقول شيخ الإسلام: ((فالجواب يقول:
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٨٥.
(٣) أخرجه الإمام الترمذي في سننه، أبواب
الزهد، باب هوان الدنيا على الله عز وجل،
٤/ ٦٥٠.
وصححه الألباني صحيح الجامع، رقم ٥٢٩٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، ٢٢٧٢/٤، رقم ٢٩٥٦.
(٥) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٦٤٠.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الراء
ورحم الله الشافعي إذ قال (٤):
تموت الأسد في الغابات جوعًا
ولحم الضأن تأكله الكلاب
الضراء، فمن رزق الشکر والصبر کان وعبدٌ قد ینام على حریٍ
وذو نسب مفارشه التراب
ما کل من وسعت علیه أکرمته، ولا کل من
قدرت علیه أكون قد أهنته، بل هذا ابتلاء،
ليشكر العبد على السراء، ويصبر على
کل قضاء یقضیه الله خيرًا له(١)، كما في
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم یقض
له قضاءً إلا کان خیرًا له، وليس ذلك لأحد
إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا
له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)(٢).
فالمؤمن يصبر على البلاء ولكن لا يسأل
الله الصبر قبل وقوع البلاء، قال صلى الله
عليه وسلم لرجل سمعه يقول: اللهم إني
أسألك الصبر، فقال: (لقد سألت الله البلاء،
فسله العافية)(٣).
لكن عند وقوع الضيق والشدة يسأل
العبد ربه الصبر على ما ابتلي به، ولعل من
الحكمة في هذا - يعني أن الفضلاء يقلل
لهم، والجهلاء يضيق عليهم- لئلا يتوهم
الفضلاء أن الفضل يرزقهم، وإنما يرزقهم
الله تعالی.
(١) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٢٦٢/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير،
٢٢٩٥/٤، رقم ٢٩٩٩.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٤١/٥، رقم ٣٥٢٧.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة،
٢٥/١٠، رقم ٤٥٢٠.
(٤) ديوان الشافعي ص١٨.
١٨٦
جوسين
القرآن الكريم

الرزق
حقيقة الرزق وتنوع صوره
قد یرزق الله عباده بسبب وبغیر سبب،
ويطلب وبغير طلب، وقد يرث الإنسان مالًا
فیدخل في ملكه من غير قصد إلى تملكه،
وهو من جملة الأرزاق، وكل ما وصل منه
إليه من مباح فهو رزق الله، على معنى أنه
قد جعله له قوتًا ومعاشًا، إلا أن الشيء إذا
کان مأذونًا له في تناوله فهو حلال حكمًا،
وما کان منه غیر مأذون له فيه فهو حرام
حكمًا(١).
قال تعالى: ﴿اللَهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
◌ِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ" وَسَخَّرَ لَكُمْ
اَلْفُلْكَ لِتَجْرِئَ فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِهٌِ وَسَخَّرَ لَكُمْ
اُلْأَنْهَرَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ
٣٣
دَآيِبَيْنِ" وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنََّارَ
وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ
نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ
كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: ٣٢-٣٤].
وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده أن نوع
أرزاقه وفضله ونعمه وعددها؛ فجعل منها
ما هو ظاهر، وما هو باطن، ومنها ما هو
أول، ومنها ما هو آخر، ومنها ما هو مادي،
ومنها ما هو معنوي؛ ومنها ما عجله لعباده
في الحياة الدنيا، ومنها ما أخره، والآية فيها
(١) شأن الدعاء، الخطابي ص٥٥.
إشارة إلى ذلك حيث خلق لنا كل شيء،
وسخر لنا كل شيء، وأعطانا من كل شيء
سألناه، ومن کثرة نعمه لا یمکن أن يحصيها
أحد، ولا يمكن أن يعدها عاد، فلله الحمد،
وله الشكر، وله الثناء الحسن.
وللرزق مفهومان: مفهوم عام، ومفهوم
خاص.
فالعام: هو كل ما تفضل به الله على عباده
وأنعم، سواءً في الدنيا أو في الآخرة، وسواءً
كان هذا الرزق ماديًّا أو معنويًّا.
أما الخاص: فهو المادي في الدنیا، ومن
کسب الإنسان.
ومن أمثلة على الرزق العام فيما يأتي:
١. خلق المخلوقات علويها وسفليها
لصالح الإنسان. قال تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا
ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ
سَمَوَتٍ وَهُوَ يَكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].
٢. تفضله سبحانه وتعالى على من يشاء
بالملك والعز والخير. قال تعالى:
﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ اَلْمُلْكَ
مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَأَةُ
بِيَدَِّ الْخَيْرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
٣. إنزال المطر وإنشاء الجنات والأنعام.
قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ
مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
مُخْتَلِفَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
www. modoee.com
١٨٧

حرف الراء
مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُكَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِوِهِ
إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ.
وَلَا تُرِفُوَاْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَأَ
١٤١
كُلُواْ مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ شُبِينٌ
[الأنعام : ١٤١ - ١٤٢]
١٤٢)
٤. ومن رزق الله: البحر وما فيه من أرزاق
وخيرات، قال عز وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِى
اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِعٌ شَرَابُهُ.
وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا
طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى
الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [فاطر الآية ١٢].
أخرج البخاري في صحيحه من حديث
جابر، قال: غزونا جيش الخبط، وأمر
أبو عبيدة فجعنا جوعًا شديدًا فألقى
البحر حوتًا میّتًا لم نر مثله، يقال له:
العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ
أبو عبيدة عظمًا من عظامه فمرّ الرّاكب
تحته، فأخبرني أبو الزبير أنّه سمع جابرًا
يقول: قال أبو عبيدة: کلوا، فلما قدمنا
المدينة ذکرنا ذلك للنّبيّ صلی الله علیه
وسلم فقال: (كلوا رزقًا أخرجه اللّه،
أطعمونا إن كان معكم)، فأتاه بعضهم
بعضوٍ فأكله)(١).
(١) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
هذه الغزوة: غزوة سیف البحر، أو سرية
الخبط (٢)، وكانت في رجب سنة ثمانٍ،
بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى
ساحل البحر يتلقون عيرًا لقريش، بينهم
وبین المدینة خمس ليال، وخرج بهم أبو
عبيدة رضي الله تعالى عنه، ولما كانوا في
أثناء الطريق انتهى زاد الجيش، فأمر أبو
عبيدة بأزواد الجیش، فجمعها فكانت مزود
تمر، والمزود هو: ما یوضع فيه الزاد، قال
جابر: فكان أبو عبيدة يعطينا تمرةً تمرةً،
فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها
كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء
فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا
الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا
في ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل
البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي
دابة تدعى العنبر فأكلنا منها نصف شهر ..
الحدیث.
باب غزوة سيف البحرِ، رقم ٤٣٦١.
(٢) الخَبَط: ورق الشّجر السّاقط بمعنى
المخبوط، وخبط الشجرة بالعصا يخبطها
خبطًا: شدّها ثم ضربها بالعصا ونفض ورقها
منها ليعلفها الإبل والدواب.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٦٩/٧.
١٨٨
الوضوي
جَوَنُواحَرَ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

لرزق
المعبودات من دون الله والرزق
أولًا: لا تملك المعبودات من دون الله
الرزق:
من ثوابت الإيمان التي يجب على
المسلم أن يؤمن بها ويتمسك بها أن تكون
ثقته أن الرزق بيد الله، وأنه سبحانه هو
الرزاق ذو القوة المتين، وأن على الإنسان
أن يلجأ في طلب الرزق إليه سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَإِّزْهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ وَاتَّقُوةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِنْدَ اللّهِ
اَلْرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُوا لَهُّهَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[العنكبوت: ١٧].
في الآية السابقة: وجوب إفراد الله
تعالى بالدعاء والعبادة، أما هذه الآية فهي
كالتفسير الآية السابقة، وقد دلت على
وجوب الدعاء لله وحده وطلب الرزق منه،
وعلى وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة
﴿واعْبُدُوهُ﴾، وعلى وجوب شكر الله على
نعمه، ﴿وَاشْكُرُواْ ﴾ هذا فعل أمر.
ثانيًا: التقرب إلى المعبودات من دون
الله بنصيب من رزق الله:
العبادة حق لله وحده لا شريك له سواءً
كانت ذبحًا أو نذرًا أو سجودًا أو ركوعًا
أو طوافًا ونحوها، فإن من جعل شيئًا منها
لمخلوق كائناً من كان فقد أشرك بالله
تعالى في عبادته، واتخذ مع الله أندادًا.
وبيان ذلك أن الذبح أو النذر لغير الله تعالى
شرك بالله تعالى؛ لأنهما عبادتان يجب
صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما
لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين
ينحرون أو ينذرون لغير الله تعالى سواءً
كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة عليهم
السلام، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما
يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها
تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم
تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات
من أجل أن تقربهم عند الله زلفى.
يقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
اُلْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ،
وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَاَلنَّطِيحَةُ وَمَآ
أَكَلَ السَّبُعُ إِلََّمَا ذَكَيْنُمُ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ
تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَرَّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ [المائدة:
٣].
يقول ابن عطية في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِهِ،﴾ ((يعني: ما ذبح لغير
الله تعالی، وقصد به صنم أو بشر من الناس
كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى،
وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ویصیح به،
www. modoee.com
١٨٩

حرف الراء
فذلك إهلاله)»(١).
يقول ابن تيمية: ((قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ
لِغَيْرِ اَللَّهِبِهِ﴾ [المائدة: ٣].
ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل
أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو
المقصود، فسواءً لفظ به أو لم يلفظ، فإن
العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة
بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا
به إليه لحرم، وإن قال فيه باسم الله، كما
قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين
قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور
ونحو ذلك، وإن کان هؤلاء مرتدین لا تباح
ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة
مانعان)»(٢).
ويقول ابن كثير: ((وقوله تعالى:
ذُرِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
وَمَا
قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب
حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي
ثلاثمائة وستون نصبًا، فنهى الله المؤمنين
عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه
الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى
ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح
عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه
الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على
هذا))(٣).
(١) المحرر الوجيز ٢١/٥.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢ / ٥٦٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٢.
أسباب الرزق
أولًا: الإيمان والتقوى:
الإيمان بالله تعالى سبب من أسباب
الرزق، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ
وَاَلْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [٩٦: الأعراف].
ومن لوازم الإيمان بالله تعالى: شكره
سبحانه، فكما أن الإيمان سبب في الرزق
فالشكر سبب في زيادته، والشكر مبني
على ثلاثة أركان هي: الاعتراف بها -أي:
بالنعمة- باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا،
وتصريفها في مرضاة وليّها ومسديها
ومعطيها سبحانه (٤).
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَيْن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ فقد بينت الآية
الكريمة أن الشكر سبب في زيادة النعم،
والمزيد يتضمن الحفظ والزيادة، ومتى لم
یر الإنسان نفسه في مزيدٍ فليستقبل الشكر.
وذكر القرطبي أن الآية نص في أن الشكر
سبب المزيد في الرزق وأنه أحد الأقوال
في الآية (٥)، وأن الكفر عمومًا بعدم الإيمان
وعدم رد النعمة إلى الله تعالى سبب في
(٤) الوابل الصيب، ابن القيم ص ١٧.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٣٤٢/٩.
١٩٠
جَوَسُولَة
القرآن الكريمِ

الرزق
العذاب لأن الكفر بالنعمة كفر ببارئها. كما تعالى، أما من عرض نفسه بالمعصية لسخط
جاءت الأحاديث الشريفة مؤكدة للمعنى
الذي أشارت إليه الآية الكريمة، فعنه صلى
الله عليه وسلم أنه قال: (لا يرزق الله عبدًا
الشكر فيحرمه الزيادة)؛ لأن الله تعالى
يقول: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(١).
الله وعقوبته فقد أخرج نفسه عن وصف
المتقين، والدليل على ارتباط التقوى بالرزق
قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ
وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن
فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمَّ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَاً
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦].
كما جعل الله تعالى التقوى في الآية
نفسها سببًا من أسباب الرزق، وفي هذا
إشارة إلى أن رغد العيش وسعة الرزق تكون
بالإيمان والتقوى.
وفي آية أخرى أفرد الله سبحانه التقوى
سببًا من أسباب الرزق، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَهًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: ٢].
وقد يتصوّر أكثر الناس أن السعي في
الأرض والمشي في مناكبها هو السبب
الوحيد لتحصيل الرزق، ولكن اللّه سبحانه،
الذي هو باسط الرزق ومسبب أسبابه، يؤكد
في كتابه المجيد أن الأمر مختلف، فالتقوى
والإيمان في البيان القرآني من أسباب الرزق
أيضًا:
التقوى عرفها العلماء بقولهم: امتثال
أمر الله، واجتناب نهيه، والوقاية من سخطه
وعذابه عز وجل؛ ولذا من صان نفسه عن
المعاصي هو متق لله، ومن قام بالواجبات
والأوامر وحافظ عليها كان من المتقين لله
(١) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٣٣٦/٣.
أي: لأكثر الله الرزق النازل عليهم من
السماء، والنابت لهم من الأرض، ولأسبغ
عليهم الدنيا إسباغًا (٢).
ومن صور التقوى: التفرغ لعبادة الله
عز وجل: ومعناه: حضور القلب وخشوعه
وخضوعه لله أثناء العبادة، فعن معقل بن
يسارٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يقول ربّكم تبارك
وتعالى: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي، أملا
قلبك غنىً، وأملأ یدیك رزقًا، يا ابن آدم،
لا تباعد منّي، فأملأ قلبك فقرًا، وأملا یدیك
شغلًا)(٣).
ثانيًا: التوكل:
جعل الله التوكل عليه من أسباب
الرزق كذلك. وحقيقة التوكل على الله هي
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٦/٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢١/١٤، رقم
٨٦٩٦، والترمذي في سننه، أبواب صفة
القيامة، ٦٤٢/٤، رقم ٢٤٦٦.
وصححه الألباني في السلسة الصحيحة،
٣٤٦/٣، رقم ١٣٥٩.
www. modoee.com
١٩١

حرف الراء
والتفويض الكامل له، واستسلام القلب
له؛ اعتمادًا على كفاية الله عبده، وإحسان
العبد الظنّ بربه، وإثباتًا للتوحيد في الأمر
کله لله سبحانه، حیث لا خالق ولا فاعل إلا
هو، وهو تام العلم والقدرة والرحمة، فمن
آمن بذلك توكل على الله (١)، كما دل قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَحَسْبُهُ﴾ ﴾ إلى
کفایة الله لکل من تو کل عليه في أي أمر من
الأمور، ويدخل في هذا العموم الرزق. وفي
سنن الترمذي عن عمر رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لو
أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم
كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح
بطانًا)(٢)
.
ففي هذا الحديث دلالة على الجمع بين
الرزق والتوكل، وأن الناس لو توكلوا على
الله لرزقهم كما يرزق الطير، التي تخرج
من أعشاشها صباحًا خاوية البطون من
الجوع تبحث عن رزقها، وتعود مساءً ممتلئة
الحواصل، شبعةً من رزق الله(٣).
فترك الأسباب ومجرد تفويض الأمر إلى
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣١٨/٣.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد
عن رسول الله، باب في التوكل على الله،
٥٣٧/٤، رقم ٢٣٤٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٩٣٢/٢، رقم ٥٢٥٤.
(٣) شرح السنة، البغوي، ٣٠١/١٤.
الاعتماد عليه سبحانه، وإسناد الأمر إليه، الله في نظرهم هو الإيمان. وحقيقة الأمر
أن التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم
والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا
يتركنّ سنّته (٤)، والتوكل على الله في عموم
حاجات المسلم من علامات إيمان المرء،
ويتأكد ذلك في التوكل على الله في الرزق،
وتحصيله، قال أبو حاتم بن حبّان رحمه الله
الواجب على العاقل: لزوم التوكل على من
تكفل بالأرزاق؛ إذ التو کل هو نظام الإیمان،
فالنظام: هو السلك الذي تنظم فيه حبات
العقد.
وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي
إلى نفي الفقر، ووجود الراحة، وما توكل
أحدٌ على الله جل وعلا من صحة قلبه، حتى
كان الله جلّ وعلا بما تضمّن من الكفالة
أوثق عنده بما حوته یده: إلا لم یکله الله إلی
عباده، وآتاه رزقه من حیث لم يحتسب.
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي (٥).
توكل على الرحمن في كلّ حاجةٍ
أردتّ فإن الله يقضي ويقدر
متى ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده
يصبه، وما للعبد ما يتخيّر
وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه
وینجو بإذن الله من حیث یحذر
(٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي،
٤٩٨/٢.
(٥) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان
البستي ص ١٥٣، ١٥٤.
جَوْسُورٌ
القرآن الكريمِ
١٩٢

الرزق
قال ابن حجر: والمراد بالتوكل اعتقاد ما
دلت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ
فِي كِتَبِ قُبِينٍ ﴾ [هود: ٦].
وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد
علی ما یأتي من المخلوقین لأن ذلك قد يجر
إلى ضدما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد
عن رجل جلس في بيته أو في المسجد،
وقال: لا أعمل شيئًا(١).
ثم إن التوگّل على الله -ولیس بمعنی
التواك- من أبواب الرزق، فعلى الإنسان
أن يعمل ويجدّ في طلب الرزق، ولا يعني
أن عمله بالطاعة يغنيه عن العمل الدّنيوي
لجلب الرزق، وقد قال النبي - صلى الله
عليه وسلم: (لو توكّلتم على الله حق توكّله
لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا،
وتروح بطانًا) (٢).
وقد قال ابن تيمية: وأما قوله: (يا عبادي،
كلّكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني
أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته،
فاستكسوني أكسكم)(٣).
فيقتضي أصلين عظيمين؛ أحدهما:
وجوب التوكّل على الله في الرزق المتضمّن
جلب المنفعة؛ كالطعام، ودفع المضرّة
(١) فتح الباري، ابن حجر ٣٠٥/١١.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧.
كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام
والكسوة قدرةً مطلقةً(٤).
قال ابن القيم رحمه الله: ((التوكل أصل
لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع
أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة
الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا
على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته
وأعماله إلا على ساق التوكل (٥).
ثالثًا: الاستغفار:
والاستغفار: طلب المغفرة قولًا وفعلًا،
والغفران والمغفرة: هو أن يصون الله عز
وجل العبد من أن يمسه العذاب (٦).
ثمرات الاستغفار:
إن من منن الله الكبرى، والفضائل
العظمى، ما رتّب على الاستغفار من عظيم
الجزاء، ومن ذلك:
١. أن الاستغفار سبب المغفرة، ولو
عظمت الذنوب، وبلغت من الكثرة
عنان السماء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
أي: من تجرأ على المعاصي، واقتحم
على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا،
(٤) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ١٠٦/١.
(٥) طريق الهجرتين، ابن القيم ص٣٨٩.
(٦) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ١٣٦/٤.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الراء
والإقلاع، والعزم على ألا يعود، فهذا
قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة
والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب،
ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب،
ويعيد إليه ما تقدّم من الأعمال الصالحة،
ويوفّقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل
ذنبه حائلا عن توفیقه؛ لأنه قد غفره، وكذا
سائر المعاصي الصغيرة والكبيرة، وسمي
﴿سُوءًا﴾؛ لكونه يسوء عامله بعقوبته،
ولکونه في نفسه سيئًا غير حسن، وكذلك
ظلم النفس عند الإطلاق، يشمل ظلمها
بالشرك فما دونه، وسمى ظلم النفس ظلمًا؛
لأن نفس العبد ليست ملكًا له، يتصرف
فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى قد
جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على
طريق العدل، بإلزامها الصراط المستقيم
علمًا وعملًا، فیسعى في تعليمها ما أمر به،
ويسعى في العمل بما يجب(١).
٢. أن الاستغفار سبب لرفع البلاء والنقم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وقد دلّت هذه الآية على فضيلة الاستغفار
وبركته، بإثبات أن المسلمين أمنوا من
العذاب، الذي عذّب الله به الأمم؛ لأنهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٥٦.
يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، استغفروا من الشرك باتّباعهم الإسلام(٢)
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في
هذه الأمة أمانان: رسول الله صلى الله عليه
وسلم، والاستغفار، فذهب أمان، يعني:
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي
أمان، يعني: الاستغفار (٣).
٣. الاستغفار سبب للمتاع الحسن في
الدنیا.
قال تعالى على لسان نوح عليه السلام:
﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
١٠
يُرْسِلِ السَّمَلَةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴿ وَيُعْدِدَكُ بِأَمْوَلٍ
وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتِ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا
١٢
[نوح: ١٠ - ١٢].
هذه الآيات نزلت في قوم نوح لما كذبوه
زمانًا طويلًا فحبس الله عز وجل عنهم
المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة،
فرجعوا فيه إلى نوح، فقال نوح عليه السلام:
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا﴾، أي:
استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح علیکم
أبواب نعمه، والغفار أبلغ من الغفور، وهو
من الغافر، وأصل الغفر: الستر والتغطية،
والمغفرة من الله ستره للذنوب وعفوه عنها
بفضله ورحمته لا بتوبة العباد وطاعتهم (٤).
ولتحريك داعي الاستغفار قال الله عز
وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، فبين أنه دائم
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٣٥/٩.
(٣) الدر المنثور، السيوطي ٥٨/٤.
(٤) روح البيان، إسماعيل حقي ١٤٨/١٦.
١٩٤
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ