Indexed OCR Text
Pages 21-32
جاء
ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت
له النفوس العالية من لذات الكمالات
الروحية (١).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٩/١١.
أساليب القرآن في الحديث عن الرجاء
تتنوع أساليب القرآن الكريم في الحث
على الشيء المرغوب فيه، فتارةً بالأمر
الصريح به، وتارةً بالنهي عن ضده، وتارةً
بذكر ثوابه، ونجد هذا التنوع في الأسلوب
في الحث على الرجاء، حيث جاء في القرآن
على النحو الآتي:
أولًا: الأمر به:
من وسائل القرآن الكريم في الحث على
الشيء الأمر به؛ إذ لا يأمر الله تعالى إلا
بالأمر المحبوب إليه، المطلوب من العباد
فعله؛ لحسنه عقلًا وشرعًا، وقد جاء الأمر
بالرجاء في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْیَنَ
أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَرْجُواْ
اَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
﴾ [العنكبوت: ٣٦].
وهذا الأمر أقل أحواله الندب، وإن كان
الأولى به ها هنا الوجوب؛ وبخاصة أنه
اقترن بأمر أعظم، وهو عبادة الله تعالى،
فقد أمر شعیب علیه السلام قومه بأمرین،
هما: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾
[العنكبوت: ٣٦] ونهي واحد وهو: ﴿وَلَا
تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦].
ومعناه كما قال السمعاني: ((أي: واخشوا
اليوم الآخر، وقيل: الرجاء ها هنا على
www. modoee.com
٢٧
حرف الراء
حقيقته، وهو الأمل)»(١).
وقال مقاتل: ((يعني: واخشوا البعث
الذي فيه جزاء الأعمال))(٢).
وقال أبو حيان: ((والأمر بالرجاء أمر
بفعل ما يترتب الرجاء علیه، أقام المسبب
مقام السبب.
والمعنى: وافعلوا ما ترجون به الثواب
من الله، أو يكون أمرًا بالرجاء على تقدير
تحصیل شرطه، وهو الإيمان بالله، وقال أبو
عبيدة: ﴿وَآَرْجُواْ ﴾، أي: خافوا جزاء اليوم
الآخر من انتقام الله منكم إن لم تعبدوه،
وتضمن الأمر بالعبادة والرجاء أنه إن لم
يفعلوا ذلك وقع بهم العذاب؛ کذلك جاء:
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وجاءت ثمرة التكذيب،
وهي: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَاصْبَحُوا فِى
دَارِهِمْ جَئِمِينَ﴾))(٣).
أو أنهم: أمروا بالرجاء، والمراد اشتراط
ما يسوّغه من الإيمان؛ كما يؤمر الكافر
بالشرعيات على إرادة الشرط (٤).
وقال أبو السعود: ((أي: توقّعوه وما سيقع
فيه من فنون الأهوال، وافعلوا اليوم من
الأعمال ما تأمنون غائلته)»(٥).
وإنما قال شعيب بلفظ الرجاء؛ لأن عبادة
(١) تفسير القرآن ٤ /١٨٠.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٣٨٢/٣.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٥٦/٨.
(٤) السراج المنير، الشربيني ١٤٠/٣.
(٥) إرشاد العقل السليم ٣٩/٧.
الله يرجى منها الخير في الدارين (٦).
وهذا موافق لما جاء في الحديث
الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: (أنا
عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن
ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني
في ملإ، ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب
إلي بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي
ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته
هرولةً)(٧).
فالظن الحسن بالله يعني: الرجاء.
قال ابن الجوزي في التعليق على هذا
الحديث: ((اعلم أن صدق رجاء المؤمن
لفضل الله عز وجل وجوده يوجب حسن
الظن به، وليس حسن الظن به ما يعتقده
الجهال من الرجاء مع الإصرار على
المعاصي)» (٨).
وقال النووي: ((قال العلماء: معنى حسن
الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو
عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا
راجيًا، ويكونان سواءً، وقيل: يكون الخوف
(٦) مراح لبيد، الجاوي ٢/ ٢١٧.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُ كُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ﴾، ١٢١/٩، رقم ٧٤٠٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة
والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى،
٤/ ٢٠٦١، رقم ٢٦٧٥.
(٨) كشف المشكل من حديث الصحيحين
٣٢٣/٣.
صَوَسُو عَر التفسير
القرآن الكريم
٢٨
الرجاء
أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء حَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبَكَ يَرْجُونَ
أو محضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف
[البقرة:
رَحْمَتَ اللَّهِ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
٢١٨].
عن المعاصي والقبائح، والحرص على
الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر
ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب
إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله
تعالى، والإذعان له))(١).
والمقصود: أن من أساليب القرآن في
الحث على الرجاء الأمر به، كما في قوله:
﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وهذا الأسلوب
من أقوى أساليب الحث على الشيء، إذ هو
أمر صريح به.
ثانيًا: الثناء على فاعله:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث
على الشيء الثناء على فاعله، والقائم به،
وقد حث الله تعالى في القرآن الكريم على
أهل الرجاء، الراجين للقاء الله، وحسن
ثوابه.
لله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَنَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ
يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨)
[البقرة: ٢١٨].
فعن قتادة قال: ((أثنى الله على أصحاب
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن
الثناء، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٢١٠/١٧.
هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله
أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب،
ومن خاف هرب))(٢).
وقال ابن عثيمين: ((والرجاء: الطمع في
حصول ما هو قريب، ومعلوم أن الطمع بما
هو قريب لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون
قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة
قريبة منهم، والذي فعلوه: الإيمان والهجرة
والجهاد، فإذا لم يرج هؤلاء رحمة الله فمن
الذي يرجوها؟ فهؤلاء هم أهل الرجاء،
فالرجاء لا بد له من أسباب، وحسن الظن
لا بد له من أسباب»(٣).
والمقصود: أنه مدح أهل الرجاء، مما
يدل على فضل الرجاء، والحث عليه،
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا
وَجَهَدُواْ﴾، وكرر الموصول لتعظيم
الهجرة والجهاد، كأنهما مستقلان في
تحقيق الرجاء، ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ
اللَّهِ﴾ أثبت لهم الرجاء إِشعارًا بأن العمل
غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما
والعبرة بالخواتيم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لما فعلوا
خطأً، وقلة احتياط ﴿رَحِيمٌ﴾ بإجزال الأجر
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢٠/٤.
(٣) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة
والبقرة ٣/ ٦٤.
www. modoee.com
٢٩
حرف الراء
والثواب(١).
في الوصول إلى ثواب أعمالهم، أو لا
ومما يدل على مدح أهل الرجاء قوله يخافون، على اللغة التهامية))(٢).
تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ
إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.
وَخَافُونَ عَذَابَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٧].
فهؤلاء جمعوا بين رجاء رحمته، ومخافة
عذابه، وهذا هو الرجاء المحمود الذي
یکون مع العمل، وبذل الأسباب.
ثالثًا:دم تار که:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث
على الشيء ذم تاركه؛ فقد ذم القرآن الكريم
الذين لا يرجون الحساب، قال الله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ [النبأ:
٢٧].
وهذا خبر عن أصحاب النار بأن من
صفاتهم أنهم كانوا في الدنيا لا يرجون
الحساب.
ونظير الآية السابقة قوله تعالى: ﴿بَلْ
كَانُوْلَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠].
قال في الكشاف: ((﴿بَلْ كَانُواْ﴾ قومًا
كفرةٌ بالبعث، لا يتوقعون ﴿شُورًا﴾ وعاقبةً،
فوضع الرجاء موضع التوقع؛ لأنه إنما يتوقع
العاقبة من يؤمن، فمن ثم لم ينظروا ولم
یذکروا، ومرّوا بها کما مرّت رکابهم، أو لا
يأملون نشورًا كما يأمله المؤمنون لطمعهم
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٣٧.
رابعًا: النهي عن ضده:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث
على الشيء النهي عن ضده، فقد نهى الله
تعالى في القرآن الكريم عن اليأس والقنوط،
الذين هما نقيض الرجاء والأمل، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تَأْتَسُواْ مِنْ زَّوْعِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْتِفَسُ
مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾
[الزمر: ٥٣].
والقاعدة: أن النهي عن الشيء أمر
بضده(٣).
زوج
، المراد به: رحمته وفرجه،
الله
و
وتيسيره ولطفه في جمع الشتات، وتيسير
المراد، ثم علل هذا النهي بقوله: ﴿إِنَّهُلَا
يَأَيْئَسُ﴾، أي: لا يقنط ﴿مِن زَّوْجِ اللَّهِ﴾،
أي: الذي له جميع صفات الجلال والإكرام
﴿إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾، عياذاً بالله من سلوك
سبيلهم، ومشابهة أحوالهم.
والمقصود: أن في قوله:
تأيتسُوا﴾، وقوله: ﴿لَا نَقْنَطُوا﴾، نھیین عن
القنوط واليأس، يقتضيان الأمر بضدهما،
(٢) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٢٨١.
(٣) انظر: الفصول في الأصول، الجصاص
١٠١/٢.
٣٠
مَقَالَمُ النَّفْسَيْ
القرآن الكريمِ
ء
الــ
وهو الرجاء والأمل.
خامسًا: اقتران الرجاء بالخوف:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث
على الشيء، والترغيب فيه، والدعوة إليه،
قرنه بشيء مأمور به، ومرغب فيه، وعطفه
عليه.
ومن هذا قرن الرجاء بالخوف الذي
هو مطلوب، ومأمور به، قال الله تعالى:
﴿وَيُرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَدُ﴾ [الإسراء:
٥٧].
وهذا في سياق مدح عباد الله الصالحين
أنهم جمعوا بين رجاء ما عند الله من الثواب،
والخوف من العذاب، فلما قرن بين هاتين
الصفتين دل على الحث عليهما، والدعوة
إليهما، بحيث يكون حال العبد بين الخوف
والرجاء، الخوف من عقاب الله وانتقامه،
ورجاء عفوه ورحمته و فضله.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنْتُ
ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ
رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].
فالحذر هو الخوف.
ونظيره أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا
رَغَبَا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فالرغبة في الدعاء والرهبة كلاهما
مطلوب، بدلالة الجمع بينهما في سياق
المدح.
سادسًا: الاستفهام:
ومن وسائل القرآن الكريم في الحث
على الشيء المحبوب إلى الله، والترغيب
فیه، والدعوة إليه، الإنكار على عدم فعله،
والاستفهام والتعجب من تركه.
كما قال الله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْلَاثَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا
[نوح: ١٣].
١٣
﴿مَّا لَكَم
استفهام وتعجب،
فقوله:
والمعنى: كيف لا ترجون لله وقارًا وهو
خالقكم ورازقكم، ومحييكم وممیتکم،
وإلیه معادكم؟
فلماذا لا ترجونه وتعظمونه وتوقرونه،
وقد دل العقل والشرع على استحقاقه
التوقير والتعظيم، لما له من عظمة وكبرياء،
ولما له من فضل وإنعام.
فهذا الاستفهام والإنكار عليهم تركهم
للرجاء، يدل على الحث عليه، والأمر به؛ إذ
لا ينكر الله عليهم إلا ترك ما ينبغي عليهم
فعله، والقيام به.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ )﴾ [الانشقاق: ٢٠].
وقوله: ﴿قَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
قال السعدي: «أي: لا يفهمون حديثًا
بالكلية، ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون
منه إلا فهمًا ضعيفًا، وعلی کل فهو ذم لهم
وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن
www. modoee.com
٣١
حرف الراء
الله وعن رسوله، وذلك بسبب كفرهم
وإعراضهم.
وفي ضمن ذلك مدح من يفهم عن الله
وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى
الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال
على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق
الموصلة إليه، فلو فقهوا عن الله لعلموا أن
الخير والشر، والحسنات والسيئات، كلها
بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن
ذلك، وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام
لا يكونون سببًا لشر يحدث، هم ولا ما
جاءوا به، لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة
والدين))(١).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٩.
جوبسنجر
القرآن الكريمِ
وسائل تحقيق المرجو
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم بعض
الوسائل لتحقيق المرجو، منها:
أولًا: العمل الصالح:
من وسائل تحقيق المرجو العمل
الصالح، قال الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ
رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِِّ
أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فمن كان يرجو لقاء الله وثوابه ورضوانه
وجنته فليعمل، ولا يكتفي بالرجاء المجرد
عن العمل، فإن الرجاء الخالي عن العمل
عجز وضعف، وأمانٍ باطلة، ولهذا جاء في
حدیث شداد بن أوس عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (الكيس من دان نفسه،
وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع
نفسه هواها، وتمنی علی الله)(٢).
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ
رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ
أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠].
وهذا شرط، ولا يتحقق الشرط إلا
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٠/٢٨،
١٧١٢٣، الترمذي في سننه، أبواب صفة
القيامة والرقائق والورع، ٤ /٦٣٨، رقم
٢٤٥٩، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد،
باب ذكر الموت والاستعداد له، ١٤٢٣/٢،
رقم ٤٢٦٠.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص ٦٢٥،
رقم ٤٣٠٥.
٣٢
الرجاء
بوجود المشروط.
وشرط العمل أن يكون صالحًا، لا أي
عمل، والعمل الصالح هو العمل الموافق
لشرع الله، من واجب ومستحب، وقد وضع
العلماء له شرطين:
١. أن يكون خالصا لوجه الله تعالى.
٢. أن يكون متبعًا به سنة رسول الله، وهو
ما عبر عنه بقوله تعالى: ﴿ِبْلُوكُمْ آَتُگو
أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وهو أخلصه
أصوبه(١).
فالعمل الصالح شامل لأفعال الخير كلها
الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله،
وحقوق عباده الواجبة والمستحبة.
والمقصود: أن من أعظم الوسائل التي
يتوصل بها إلى تحقيق المرجو والمطلوب
العمل الدؤوب للوصول للهدف المطلوب،
وهذه قاعدة ثابتة ليست في أمور الآخرة
فقط، بل هي حتى في أمور الدنيا، فمن رجا
شيئًا سعى إليه، وجد في طلبه، وإلا فقد فرط
في الطريق الصحيح للوصول إليه، فمن رجا
ولدًا سعى في الزواج، ومن رجا زرعًا زرع
وسقى وتعب وجد واجتهد، ومن رجا مالًا
سعى في طلبه في العمل، وبذل الجهد.
وأعظم مرجو على الإطلاق هو الحصول
على رضوان الله وجنته، ولهذا لا بد أن
یکون السعي إليه وطلبه عظیم، لا تواني فيه،
(١) تفسير التستري ص ١٧٢.
ولا تكاسل ولا تردد.
ثانيًا: ترك المناهي:
ومن وسائل الحصول على المرجو
ترك المناهي، وأعظمها الشرك بالله تعالى،
قال الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلاً صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِە أحدًا﴾ [الكهف:
١١٠].
وما يرجوه المؤمن هو دخول الجنة،
ومعلوم أنها محرمةٌ على أهل الشرك، لهذا
كان ترك الشرك من أعظم الوسائل لتحقيق
المرجو الأخروي، وهو رضوان الله،
و دخول جنته.
والشرك يشتمل الأكبر والأصغر، ويشمل
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّهِ أَحَدَا﴾ أيضًا
ترك الرياء.
فيكون معنى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ
أَحَدًا﴾، أي: لا يرائي بعمله، بل يعمله
خالصًا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع
بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما
يرجو ویطلب، وأما من عدا ذلك فإنه خاسر
في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه،
ونيل رضاه(٢).
وهكذا من يرجو النجاة من عقاب الله
عليه أن يترك عموم المعاصي والسيئات،
وإلا كان رجاؤه خائبًا، إذ كيف ينجو من
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٩.
www. modoee.com
٣٣
حرف الراء
العقاب وهو قد فعل كل الأعمال التي
يستحق بها العبد عقاب الله وعذابه، قال
الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَيْهِ، وَنَهَى
النَّفْسَ عَنِ الْوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى )﴾
[النازعات: ٤٠-٤١].
المقصود: أن من وسائل تحقيق المرجو
-وأعظمه الفوز في الآخرة- اجتناب
المعاصي، وأعظمها الشرك بالله الذي لا
رجاء لمن أتى ربه مشركا به غيره، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا
يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ [طه: ٧٤].
ثالثًا: الدعاء:
ومن وسائل تحقيق المرجو الدعاء،
فالدعاء من أعظم الأسباب في حصول ما
يرجوه الإنسان ويتمناه من الفوز في الدنيا
والآخرة، وانظر إلى دعاء يعقوب عليه
السلام لما كان قلبه معلقًا بابنه، و کان یرجو
عودته إليه مرة أخرى، لم يفقد الأمل في
ذلك، بل کان راجيًا من الله عودة ابنه إليه،
ولهذا استعان على ذلك بالدعاء.
قال الله تعالى: ﴿فَصَبِّرٌ جميلٌ عَسَى
اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِ بِهِمْ جِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ
اَلْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣].
الذي يعلم حاجته، وهذا دعاء، ورغبة
إلى الله، ولجوء إليه، فبالدعاء تتحقق جميع
المطلوبات والرغبات والرجاءات.
فحقق الله ما رجاءه من عودة ابنه إليه
بعد طول السنين والأعوام، قال السعدي في
قوله: ﴿وَلَا تَأْشَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ﴾ [يوسف:
٨٧]: فإن الرجاء يوجب للعبد السعي
والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له
التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل
الله وإحسانه ورحمته وروحه ﴿إِنَّهُ،لَا يَائِشَسُ
مِن رَّوْحِ اللَّهِإِلََّّ الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
فإنهم لكفرهم يستبعدون رحمته،
ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالکافرین،
ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون
رجاؤه لرحمة الله وروحه(١).
والمقصود: أن من أعظم وسائل
الحصول على ما يرجوه العبد من خيرات
الدنيا والآخرة الدعاء، ومما يبين ذلك قول
أصحاب الجنة: ﴿عَسَىْ رَبَُّا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾
هذا رجاء ﴿إِنَّ إِلَى رَيْنَا رَ غِبُونَ {
[القلم:
٣٢
٣٢].
قال مقاتل بن سليمان: ((في الدعاء
إليه)) (٢).
رابعًا: الاقتداء بالرسول صلى الله عليه
وسلم:
ومن أعظم الوسائل التي يحقق المسلم
بها ما يرجوه في الآخرة الاقتداء بالرسول
صلی الله علیه وسلم، وإلا فأنی له تحقيق ما
(١) المصدر السابق ص ٤٠٤.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٤/ ٤٠٧.
٣٤
صَوْسُو
القرآن الكريمِ
رجاء
يرجو من الفوز والنجاة، وهو بعيدٌ عن سنة
الرسول صلی الله عليه وسلم وهديه.
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ
اُللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْفِيهِمْ
أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَّ وَمَن يَنَوَلَّ
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْفِىُّ الْحِيدُ ﴾ [الممتحنة: ٦].
إذ أنه لا طريق موصل إلى الله إلا عن
طريقه صلی الله عليه وسلم فهو المبلغ عن
الله بأقواله وأفعاله وهدیه وخلقه، و کثیرٌ من
الناس یظنون أنهم علی خیر، وأنهم سالكون
الطريق المستقيم، الموصل إلى الله، والدار
الآخرة، وهم بعيدون عن سنة رسول الله،
بل محاربون لها، مبغضون لأهلها، مبتدعون
طرقًا غيرها، ثم يرجون ويتمنون الأماني،
فأنى لهم الرجاء؟ وكيف لهم النجاة؟ وهم
ما عرفوا هديه ولا استقاموا على شريعته،
وما استضاءوا بنوره!
ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْكَانَ لَكُمْ فِى
رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ
اُلْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
فمن كان يرجو لقاء الله والدار الآخرة
فليقتد بالرسول صلى الله عليه وسلم في
أفعاله وأقواله، هذا هو الطريق الصحيح
الموصل إلى ما يرجوه المسلم.
آثار الرجاء
الرجاء عبادة قلبية عظيمة؛ لها آثار
جليلة، وفوائد كبيرة، وثمار عديدة، تعود
على العبد في حیاته، وبعد مماته، ومن هذه
الثمار والآثار:
أولًا: زيادة الإيمان:
من آثار الرجاء زيادة الإيمان، قال الله
تعالی:
أُوْلَيْكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ
إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.
وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ﴾، أي: يتنافسون في القرب من
ربهم، ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال
الصالحة، المقربة إلى الله تعالى، وإلى
رحمته، ويخافون عذابه، فیجتنبون کل ما
يوصل إلى العذاب، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ كَانَ
◌َحْذُورًا﴾، أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر
منه، والتوقي من أسبابه.
وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء
والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين
عنده، هي الأصل والمادة في كل خير، فمن
تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها
ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور.
وعلامة المحبة ما ذكره الله: أن يجتهد
العبد في کل عمل یقربه إلى الله، وينافس في
قربه بإخلاص الأعمال كلها لله، والنصح
www. modoee.com
٣٥
حرف الراء
ومن آثار الرجاء الحث على العمل، قال
فيها، وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور
عليها، فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك فهو الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
كاذب(١).
والمقصود: أن الرجاء عمل قلبي،
وعبادة عظيمة، وقد مدح الله صاحبه بقوله:
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاجِدًا وَقَآپِمًا يَحْذَرُ
الْآَخِرَةَ وَيَرْبُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ ®
[الزمر: ٩].
فاثبت للراجي العلم، والعلم سبب في
زيادة الإيمان، والعلماء هم أكثر الناس
خشیةً لربهم سبحانه وتعالى، وإيمانًا به،
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمُوا﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال السعدي: ((هذه مقابلة بين العامل
بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل،
فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع
لهواه، کمن هو قانت، أي: مطیع لله بأفضل
العبادات، وهي الصلاة، وأفضل الأوقات
وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل
وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذکر
أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما
سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء رحمة
الله، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن))(٢).
ثانيًا: الحث على العمل:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦١.
(٢) المصدر السابق ص ٧٢٠.
صَلِحًا﴾ [الكهف: ١١٠].
فمن ثمار الرجاء أنه يحث على العمل
والبذل من أجل تحقيق المرجو، سواءً كان
مما يتعلق بأمور الدنيا، أو بأمور الآخرة،
فمن رجا شيئًا سعى إليه، وبذل كل ما في
وسعه للوصول إليه.
وانظر في قصة نبي الله يعقوب عليه
السلام لما كان يرجو عودة ابنه يوسف عليه
السلام كيف أمر أولاده بالسعي والبحث
والتحسس من يوسف، ولم ييأس، بل قال
لهم: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ
وَأَخِيهِ وَلَا تَأيْفَسُواْ مِن زَّوْجِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيْفَسُ
مِن رَّوْحِ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ(٣)﴾ [يوسف:
٨٧].
والمقصود: أن الرجاء أعظم حادٍ يحدو
إلى العمل، ويدفع إلى البذل، فليس الراجي
كاليائس، فلو يأس يعقوب عليه السلام لما
أمرهم بالذهاب ولا البحث ولا التحسس.
وهكذا في أمور الآخرة، فإن الرجاء
في الحصول عليها يحدو إلى العمل، بل
هي أشد من أمور الدنيا، ففي الدنيا ربما
يحصل الإنسان على ما يرجو بغير عمل،
بالوساطة مثلًا، أو بالرشوة، أو بالاحتيال،
أما الرجاء فيما عند الله في الآخرة من
الفضل والرضوان والرحمة والعفو، فإنه لا
٣٦
جَوَسُو ◌َ النَّقيمة
القرآن الكريم
الرجاء
يكون إلا بالعمل والبذل والطاعة؛ ولهذا وفي قضية ميؤوس منها، إنه الموت، ليس
بعده عودة إلى الدنيا، وقد جاءوا على
قال الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْلِقَاءَ رَّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الكهف: ١١٠].
قميصه بدم کذب، فانتهت القضية، وانتهت
معالمها، وغطاها غبار النسيان، إلا أنه لم
ييأس، ولم يفقد الأمل.
فالعمل الصالح يعد وسيلةً لتحقيق
الرجاء، وثمرةًله في نفس الوقت، وسیلةً من
حيث أنه لا رجاء مأمولًا إلا بالعمل والبذل
والسعي له، وثمرةً من ثمار الرجاء من حیث
أن الرجاء دافع وحادي يحدو إلى العمل.
ثالثًا : الصبر:
ومن آثار الرجاء الصبر، فالراجون لما
عند الله يوم القيامة من الأجر والثواب، هم
أكثر الناس صبرًا؛ لما يصيبهم في الدنيا من
اللأواء والبلاء والمصائب؛ ولهذا لما كان
يعقوب يرجو من الله ثواب مصيبته، وعودة
ابنه، قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
والناظر في قصة يعقوب عليه السلام
هذه يلحظ أنه بدأ بالبعيد زمنًا ورجاءً، الذي
هو يوسف، الذي أكله الذئب -حسب
زعمهم- من سنين طويلة، فرجاء عودة
الميت مستبعدة، ثم ذكر القريب، وهو أخوه
بنيامين، فقال: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن
يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [يوسف: ٨٧].
وهذا يدل على عظيم رجائه في عودته
إليه، وعدم اليأس، فلم يفقد الأمل من عودة
يوسف مع تعاقب السنين، ومرور الأعوام،
فيا له من رجاء! ويا له من أمل! ما أوسعه!
هكذا كان الأنبياء أوسع الناس رجاءً،
وأوسعهم أملًا، وأبعدهم يأسًا وقنوطًا؛
ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِئَسُ مِن رَّوْج
اللَّوَإِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
ولهذا جاء في سياق القصة قوله تعالى:
﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ إلى أرض فلسطين،
شم يعقوب ريح القميص، فقال: ﴿إنّ
لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾
[يوسف: ٩٤]، أي: تسخرون مني، وتزعمون
أن هذا الكلام صدر مني من غير شعور؛ لأنه
رأی منهم من التعجب من حاله ما أوجب له
هذا القول.
فوقع ما ظنه بهم فقالوا: ﴿قَالُواْتَلَهِإِنَّكَ
لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ ﴾ [يوسف: ٩٥]،
أي: لا تزال تائهًا في بحر الحب، لا تدري
ما تقول، حيث كنت مترجيًا للقاء يوسف،
مترقبًا لزوال الهم والغم والحزن (١).
وانظر أيضًا إلى قصة أصحاب الجنة،
كيف حداهم الرجاء بما عند الله أن صبروا
علی ما أصابهم من هلاك جنتهم، حیث
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٥.
www. modoee.com
٣٧
حرف الراء
قالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَيِّنَا
رَغِبُونَ (٣)﴾ [القلم: ٣٢].
راغبون في الأجر، راغبون في العوض،
راغبون في العفو.
موضوعات ذات صلة:
الإيمان، التقوى، الخشية، الخوف
٣٨
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريم