Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الرَّجَاة عناصر الموضوع مفهوم الرجاء ٨ الرجاء في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ ١٢ الرجاء في حق المؤمنين ٢٤ الرجاء في حق الكافرين ٢٧ أساليب القرآن في الحديث عن الرجاء ٣٢ وسائل تحقيق المرجو ٣٥ آثار الرجاء المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر حرف الراء مفهوم الرجاء أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (رجا) تدل على الأمل(١). وهو نقيض اليأس، يقال: رجا يرجو (٢). وقد يجيئ الرجاء بمعنى: الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّالَكُمْلَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] أي: تخافون عظمة الله (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب: الرجاء: ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة (٤). وعرفه الكفوي بأنه: الطمع فيما يمكن حصوله، ويرادفه الأمل(٥). وعرفه الجرجاني بأنه: تعلق القلب بمحصول محبوب في المستقبل (٦). وبناءً عليه فمعنى الرجاء اصطلاحًا لا يختلف عن معناه لغةً. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٩٤/٢. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١١/ ١٢٤. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٥٢. (٤) المفردات، ص ٣٤٦. (٥) الكليات ص ٤٦٨. (٦) التعريفات ص ١٠٩. ٨ ◌ُ البَشِيَّة جَوْبُور القرآن الكريمِ الرجاء الرجاء في الاستعمال القرآني وردت مادة (رجا) في القرآن الكريم (٢٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٣) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٢١ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فعل الأمر ١ ﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾[العنكبوت: ٣٦] اسم مفعول ١ ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] وجاء الرجاء في القرآن على وجهين (٢): أحدهما: الأمل والطمع: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ. وَيَخَافُونَ عَذَابَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٧]. أي: يأملون ويطمعون في رحمته وجنته(٣). الثاني: الخوف: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ٧] يعني: لا يخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْلَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧] أي: لا يخافون حسابًا. وعند التأمل نجد أن لفظة الرجاء من الأضداد(٥)، فتستعمل بمعنى الأمل والطمع، وبمعنى الخوف، وقرينة السياق تدل على المعنى المطلوب. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٠٤. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ١٧٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٣٠٨، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص٢٢٧-٢٢٩. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٥١/١. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢١/١٢. (٥) انظر: الأضداد، ابن الأنباري ص٩. www. modoee.com ٩ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة ١ الأمل: الأمل لغة: تدل مادة (أمل) على معنين رئيسين، أحدهما: التثبت والانتظار (١)، ومنه: الأمل، بمعنى: الرجاء، فتقول: أملته أؤمله تأميلًا، وأملته آمله أملًا وإملةً على بناء جلسة(٢). ومنه: التأمل، أي: التثبت في النظر(٣). الأمل اصطلاحًا: عرفه المناوي بقوله: الأمل: توقع حصول الشيء، وأكثر ما یستعمل فیما یبعد حصوله، فمن عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: أملت الوصول، ولا يقول: طمعت إلا إن قرب منها، فإن الطمع ليس إلا في القريب (٤). الصلة بين الرجاء والأمل: الرجاء والأمل لفظان متقاربان في المعنى، حيث يعرف أهل اللغة الرجاء بالأمل، والأمل بالرجاء، إلا أن المتأمل في معناهما في كتب اللغة يجد فرقًا طفيفًا بينهما، وهو أن الرجاء أكثر ما يستعمل فيما يقرب حصوله، بينما الأمل أكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله. وقيل: الأمل: آكد من الرجاء؛ لأن الرجاء معه خوف؛ فلذلك جاء بمعنی خاف نحو: ﴿مَّا لَكُوْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: ١٣](٥). التمني: ٢ التمني لغة: تدل مادة (مني) على تقدير شيء، ونفاذ القضاء به، منه قولهم: منى له الماني، أي: قدر المقدر، وتمني الإنسان: أمل يقدره(٦). والتمني نوع من الطلب إلا أن الطلب يكون باللسان، والتمني شيء يهجس في القلب (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٤٠. (٢) العين، الخليل بن أحمد ٣٤٧/٨. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٤٠. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٦٢. (٥) المصدر السابق ص ١٧٤ . (٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٧٦/٥ - ٢٧٧. ◌ُ التََّّ جوسين القرآن الكريم ١٠ الرجاء يقدره المتمني(١). التمنى اصطلاحًا: التمني: طلب حصول الشيء، سواءً كان ممكنًا أو ممتنعًا (٢). الصلة بين الرجاء والتمني: الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز، والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه (٣). الخوف: ٣ الخوف لغة: الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع (٤). الخوف اصطلاحًا: ((خلاف الأمن، والأمن سكون النفس، والخوف من انزعاجها وقلقها))(٥). وقال التفتازاني: ((غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء)) (٦). الصلة بين الرجاء والخوف: الخوف هو توقع حلول مكروه، أو فوت محبوب، والرجاء عكسه، توقع حصول محبوب، وهما قرناء لا ينفع أحدهما إلا بوجود الآخر، وهما من أركان العبادة التي لا تتم إلا باجتماعهما مع الحب(٧). (١) الكليات، الكفوي ص ٤٦٨. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٦٦، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٠٩. (٣) الروح، ابن القيم ص ٢٤٥. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٣٠/٢. (٥) الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري، ص ٢٠٣. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٦١. (٧) الكليات ص ٤٦٨. www. modoee.com حرف الراء الرجاء في حق المؤمنين الرجاء في الله تعالى، وفيما عنده من العبادات القلبية العظيمة. وقد ذكر القرآن الكريم أن المؤمنين هم أهل الرجاء، وأهل حسن الظن بالله، الذين جمعوا بین حسن العمل، وحسن الرجاء، إذ الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله، ورجا ثوابه، أو تاب من معصيته، ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمنٍ مذموم. ومن صور الرجاء التي أثنى الله بها على المؤمنین: أولًا: رجاء لقاء الله: قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ ﴾ [العنكبوت: ٥] وقال الله تعالى: ﴿فَنَ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِِّة أَحَدَا﴾ [الكهف: ١١٠]. فالمؤمن يرجو لقاء الله. واختلف المفسرون فى المراد بلقاء الله، على أقوال: الأول: أن المراد بلقاء الله: رؤيته سبحانه وتعالى، فالمؤمن يرجو رؤية الله؛ ولهذا يعمل الأعمال الصالحة من أجل أن ينعم بهذه الرؤية، لعل هذا العمل الصالح يكون سببًا في رؤية الله جل وعلا. الثاني: أن لقاء الله: ثوابه، فالمؤمن يرجو ثواب الله بعمله، ویخشی عقاب الله بعمله، فهو يصلي ويقرأ القرآن ويصوم، ويعمل الأعمال الصالحة من أجل حصول الثواب، والابتعاد عن العقاب. الثالث: أن لقاء الله هو يوم القيامة. وقد جمع هذه الأقوال كلها وغيرها أبو السعود، حيث قال: ((﴿مَن كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآءَ اَللَّهِ﴾، أي: يتوقع ملاقاة جزائه ثوابًا أو عقابًا، أو ملاقاة حكمه يوم القيامة. وقيل: يرجو لقاء الله عز وجل في الجنة. وقيل: يرجو ثوابه. وقيل: يخاف عقابه. وقيل: لقاؤه تعالى عبارة عن الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت والبعث والحساب والجزاء. على تمثيل تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد علم مولاه بجميع ما کان یأتي ویذر، فإما أن يلقاه ببشر وكرامة لما رضي من أفعاله، أو بضده لما سخطه، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتِ﴾، أي: فإن الوقت الذي عينه تعالى لذلك لا محالة من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه؛ لأن أجزاء الزمان على التقضي والتصرم دائمًا، فلا بد من إتيان ذلك الجزاء أيضًا ألبتة، وإتيان وقته موجب لإتيان اللقاء حتمًا، والجواب محذوف، أي: فليختر ١٢ جَوَسُ الْقُرْآن الكَرِيمِ الرجاء من الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب؛ وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر وليحذر ما يسوقه إلى سوء العذاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَلِحًا وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفيه من الوعد والوعيد ما لا يخفى، وقيل: فليبادر إلى ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يوجب القربة والزلفى)) (١). نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إلیه، ولکن ما کل من يدعي یعطی بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن الله سمیع للأصوات، علیم بالنيات، فمن كان صادقًا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبًا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح))(٥). والمقصود: أن المؤمنين يرجون لقاء الله، فيعملون لهذا اللقاء، ويستعدون له، بعکس المنکر للقاء الله، الغافل عنه. وقد اختلف في تفسير الرجاء على قولين: فقيل: الرجاء: بمعنى الطمع والأمل، قاله سعید ابن جبير(٢). قال الزجاج: معنى من كان يرجو لقاء الله: من كان يرجو ثواب لقاء الله، أي: ثواب المصير إليه، فالرجاء على هذا: معناه: الأمل(٣). وقيل: الرجاء: بمعنى الخوف. قال القرطبي: ((وأجمع أهل التفسير على أن المعنى: من كان يخاف الموت (٤). وقال السعدي: ((يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، (١) إرشاد العقل السليم، ٧/ ٣٠. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٢٢/٤. (٣) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢٢٢. (٤) الجامع لأحكام القرآن، ٣٢٧/١٣. ولما كان المؤمنون هم الذین یرجون لقاء الله، ویشتاقون له، ويعملون له، أخبر الله عن المشركين أنهم على الضد من ذلك فهم لا يرجون لقاء الله، أي: لا ينتظرون هذا اللقاء، ولا يحسبون حسابه، ولا يقيمون حياتهم وتصرفاتهم على أساسه، ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيپته وجلاله، فتنطلق ألسنتهم بكلمات وتصورات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله. وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ قال الله تعالى: لِقََّنَا لَوْلًا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَى رَبَّنَا لَقَدٍ اسْتَكْبَرُواْ فِيَّ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًلـ [الفرقان: ٢١] ، فقد كانوا يستبعدون أن يكون الرسول بشرًا، وكانوا يطلبون، لكي يؤمنوا بالعقيدة التي يدعوهم إليها أن تنزل عليهم الملائكة تشهد بها، أو أن يروا الله سبحانه وتعالى فيصدقوا، وهو تطاول على مقام الله سبحانه، تطاول الجاهل المستهتر الذي لا (٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٦٢٦. www. modoee.com ١٣ حرف الراء يحس جلال الله في نفسه، ولا يقدر الله حق الأعمال في بحر الإرادات))(٣). قدره(١). ولا يقال: إن الرجاء اعتراض من العبد وقال ابن عاشور: ورجاء لقاء الله: ظن على ما سبق به حكم الله، فليس الأمر كذلك، بل إنما هو تعلق بما سبق به الحكم، فإن العبد إنما يرجو فضلًا وإحسانًا ورحمةً سبق بها القضاء والقدر، وجعل الرجاء أسباب حصولها، فليس الرجاء اعتراضًا على القدر، بل هو طلب لما سبق به قدر الله. وقوع الحضور لحساب الله ... ، ولقاء الله: الحشر للجزاء؛ لأن الناس يتلقون خطاب الله المتعلق بهم، لهم أو عليهم، مباشرةً بدون واسطة ... ، وعبر بفعل الرجاء عن ترقب البعث؛ لأن الكلام مسوق للمؤمنين وهم ممن يرجو لقاء الله؛ لأنهم يترقبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه (٢). والخلاصة: أن هذه الآية: ﴿مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٥] فيها حث الإنسان على أن يكون راجيًا في ثواب المصير إلى الله تعالى، فالرجاء سبب من الأسباب التي ينال بها العبد ما عند الله، من مغفرة ذنوبه، وهدايته، وتوفيقه، وإعانته على طاعته، ودخوله الجنة، ونجاته من النار، فالرجاء هو قطب الرحى الذي يدور عليه صلاح العبادة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح، وهدمت صوامع، وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٥٨/٥. (٢) التحرير والتنوير ٢٠٨/٢٠. وقد ذم الله الكافرين الذين لا يرجون لقاءه، ورضوا بالحياة الزائلة، واطمأنوا إليها، فقد حكم لهم بأن مأواهم النار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَوَةِ الدُّنْيَا وَاْمَأَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ ، أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ [يونس: پِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾﴾ ٧-٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِِّهِ أَحَدَأَ﴾. [الكهف: ١١٠]، وهذه الآية توضح لنا أن العبد إذا کان يرجو لقاء الله صادقًا مخلصًا في ذلك، فإن عاقبة ذلك ونتيجته يؤديان به إلی إصلاح عمله. فهذه الآية فيها إشارة قاطعة إلى أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل. ورجاء العبد لقاء ربه الذي خلقه هو (٣) مدارج السالكين ٢/ ٤٣. ١٤ ◌ُ النَّسِبـ جَوُور القرآن الكريمِ الرجاء من أفضل ما يرجوه العبد المؤمن ويأمله، ومعنى: ﴿وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، أي: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر، وذلك يوم القيامة (٢). قال العلامة ابن القيم: ((رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق، المبغض المنغص للعيش، المزهد في الخلق، هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْحُو ◌ْلِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَيِّدِهِ أَحْدَا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتٍّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [العنكبوت: ٥]، وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزيدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين؛ ولذلك سلاهم الله تعالى بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلًا يسكن نفوسهم ويطمئنها))(١). ثانيًا: رجاء اليوم الآخر: ومما ينبغي أن يرجوه المؤمن اليوم الآخر. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ اُلْآَخِرَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَغِيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦]. (١) المصدر السابق ٥٤/٢. قال أبو السعود: ((معنى: ﴿وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، أي: توقعوه، وما سيقع فيه من فنون الأهوال، وافعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته))(٣). والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة؛ لأنه آخر الأيام، وقيل: وارجوا يوم الموت؛ لأنه (٤) آخر عمرهم (٤). وإنما عبّر شعيب عليه السلام بلفظ الرجاء؛ لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين كما سبق. والرجاء: الترقب واعتقاد الوقوع في المستقبل، وأمره إياهم بترقب اليوم الآخر يدل على أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث(٥). ورجاء اليوم الآخر كفيل بتحويلهم عما كانوا يرجونه في هذه الحياة الدنيا من الكسب المادي الحرام، بالتطفيف في الكيل والميزان، وغصب المارين بطريقهم للتجارة، وبخس الناس أشياءهم، والإفساد في الأرض، والاستطالة على الخلق (٦). (٢) جامع البيان، الطبري ٣٤/٢٠. (٣) إرشاد العقل السليم ٣٩/٧. (٤) روح البيان، إسماعيل حقي ٤٦٨/٦. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٧/٢٠. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٣٤/٥. www. modoee.com ١٥ حرف الراء ثالثًا:رجاء رحمة الله: ومن أعظم ما يرجوه المؤمن رحمة الله. ءَامَنُواْ إِنَّ الَّذِينَ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلِهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ٢١٨]. فهذه الآية بينت أن من صفات المؤمنين أنهم يرجون رحمة الله، بمعنى: أنهم يطمعون في رحمة الله، ويرجون أن يدخلهم الجنة برحمته إياهم، وفضله عليهم. عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: ((أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسن الثناء، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب))(١). والناظر لأول وهلة في هذه الآية يظن أن فيها رجاءً وترغيبًا، لكن المتدبر والمتأمل يجد العكس، وهو أن فيها تخويفًا وترهيبًا، حيث جعل الله تعالى رحمته لمن تحققت فيه هذه الأوصاف (الإيمان، والهجرة، والجهاد) وهي ثقيلة على النفس. وهذه الأوصاف الثلاثة لأولئك المقربين الصديقين: (١) تفسير ابن أبي حاتم ٣٨٨/٢. ١٦ صَوَسُولَة النفسية الْقُرآن الكَرِيْمِ أولها: أنهم آمنوا، والإيمان تصديق للحق، وإذعان لحكمه، وتنفيذ لأوامره، وإخلاص في القلب، ونور في البصيرة، وذلك وحده كاف للجزاء، إن قام المؤمن به، وحقق لوازمه وخواصه، وصار شعاره ومظهره، وسريرته وحقيقته. وثانيها: الهجرة، فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾، وكرر الموصول هنا للإشارة إلى أن الهجرة وحدها عمل زائد على الإيمان يستحق وحده الثواب؛ لأنه ترك للمال والأهل، وطلب للعزة، وإعزاز الدين، بدل البقاء في الذلة والرضا بحياة المستضعفين، وقد أمر الله بالهجرة عند الاستضعاف، ونھی عن البقاء تحت نیر غیر المسلمين. إِنَّ الَّذِينَ توفتُهُمْ ولذا قال الله تعالى: الْمَلَتِكَةُّ ظَالِيّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُوا كُنَّ مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضِِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ ٩٧ مَصِیرًا وَاَلْنِسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ، فَأَوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ ﴿ وَمَنِ يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ للَّهُ عَفَوْاً غَفُورًا يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَّا كَثِيرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَلْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ أَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ ١٠٠ ) [النساء: أَجْرُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمَاَ ٩٧-١٠٠]. الرجاء وثالثها: الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو باب الجنة، وهو رهبانية هذه الأمة، فإن النبي صلی الله علیه وسلم قال لمن طلب منه الوصية: (وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام)(١). ولقد بين سبحانه جزاءهم، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، أي: إن أولئك المتصفين بهذه الصفات ليس من شأنهم أن يخافوا العذاب لخطأ غير مقصود في الجهاد، بل إنهم يرجون الرحمة والثواب (٢). ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار ولم يقع به كما في سائر الآيات؟ رحمته. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء)(٣)، فجعل المخلوق رحمةً له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: (أرحم بك). (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٧/١٨، رقم ٠١١٧٧٤ وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٤٩٨/١، ٢٥٤٣. رقم ٤٣ (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ٦٩٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَتَّقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، ١٣٨/٦، رقم ٤٨٥٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، ٢١٨٦/٤، رقم ٢٨٤٦. أما الرحمة التي هي وصفه، فهي شيء آخر، فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا أدخله الجنة التي هي رحمته (٤). فيكون في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ قولان: الأول: أن المراد منه الرجاء، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله؛ وذلك لأن عبد الله بن جحش -الذي نزلت فيه هذه الآية- (٥) ما كان قاطعًا بالفوز والمراد برحمة الله ها هنا: يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته، والثواب في عمله، بل كان يتوقعه ویرجوه. أي: أن یرحمهم. فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقًا بالرجاء، قال الراغب: قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان، والعمل غير واجب عقلًا، بل بحکم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء. وثانيها: هب أنه واجب عقلًا بحكم الوعد، ولكنه تعلق بأن لا یکفر بعد ذلك، وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع. وثالثها: أن المذكور ها هنا هو الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، ولا بد (٤) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة ٣/ ٦٤. (٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١٨٧/١، تفسير ابن أبي حاتم ٣٨٨/٢. www. modoee.com ١٧ حرف الراء للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن یرجو أن يوفقه الله لها، کما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء. ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالی، یرون أنهم لم یعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فیقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال: ﴿وَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وََِةُ أَنَهُمْ إِلَى يَتِهِمْ رَجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. القول الثاني: أن المراد من الرجاء: القطع واليقين في أصل الثواب، والظن إنما دخل في کمیته وفي وقته، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَيِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. یعمل ما ذكر الله، ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته، فإن قيل: الإنسان راج لرحمة الله وإن لم يبلغ هذه المنازل! قيل: إن الذي نسميه رجاءً لن لم يبلغ مثل هذه المنازل فهو تمن على الله، المعني بقوله عليه السلام: (والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)(١). (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥٠/٢٨، رقم ١٧١٢٣، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، ٤ /٦٣٨، رقم القرآن الكريمِ أو رجاءً لتفصيل غير مستحق، وما ذكره الله عز وجل ها هنا هو الرجاء المستحق الذي وصف به المؤمنین في غير موضع، نحو قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَدُوْ﴾ [الإسراء: ٥٧]. إن قيل: لم ذكر المؤمنين برجاء الرحمة وهي لهم لا محالة؟ قيل: المؤمن وإن بذل الجهد في طاعته فواجب أن يكون بين نظرين: نظر إلى سعة رحمة الله عز وجل، ونظر إلى ما عسى أن يقع، أو وقع منه من ذنب فينتج له خوفًا(٢). ونظير الآية السابقة: قوله تعالى: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَدُنْ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: ٥٧] (٣). وفي الآية دلالة على أن الذي يحق رجاؤه والخبر ﴿يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، ف﴿ أُوْلَيْكَ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفة، أي: يدعونهم آلهة، أو يعبدونهم، يعني: أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة، وهي القربة إلى الله عز وجل، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَتَخَافُونَ عَذَابَهٌُ﴾ كغيرهم من عباد ٢٤٥٩، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ١٤٢٣/٢، رقم ٤٢٦٠. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص ٦٢٥، رقم ٤٣٠٥. (٢) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٤٤٩. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٩٥. ١٨ الرجاء الله فكيف يزعمون أنهم آلهة (١). وقال الطبري: ((قوله: بأفعالهم تلك»(٢). »، أى: وَيُرْجُونَ والمقصود: أن من صفات هؤلاء المؤمنین أنهم يرجون رحمة الله تعالی علی إیمانھم و هجرتهم و جهادهم. فأثبت لهم الرجاء إشعارًا بأن العمل غير موجب، ولا قاطع في الدلالة، سيما والعبرة بالخواتيم(٣). قال القاسمي: ((وإنما ثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للإيذان بأنهم عالمون بأنّ العمل غير موجب للأجر، وإنما هو على طريق التفضّل منه سبحانه، لا لأنّ في فوزهم اشتباهًا))(٤). فوضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله موضع الرجاء من رحمة الله، ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق؛ وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء علی عمل دائم، وجهاد متصل، وهذا على خلاف ما إذا سوّی حسابهم بعد الهجرة، وبعد كل موقف من مواقف الجهاد، فقد یقعد بهم هذا عن أن یضیفوا جدیدًا، أو يخفّوا للجهاد مرةً بعد مرة. ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين (١) مدارك التنزيل، النسفي ٢٦٢/٢-٢٦٣. (٢) جامع البيان ١٤/ ٦٢٧. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٣٧. (٤) محاسن التأويل ١٠٩/٢. آمنوا -مجرد إيمان- ولم يهاجروا ولم يجاهدوا- يريهم شناعة موقفهم، ومغبّة تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين والمجاهدين، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم وبین مواقع رحمة الله ورضوانه؛ إذ يرون المهاجرين المجاهدين، ولمّا يلمسوا بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان، وأنهم ما زالوا على رجاء! فكيف بالذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا؟ إن المدى بعید بینھم وبین أن یصلوا إلى جانب الأمن والسّلامة، وإن عليهم أن يحثّوا المطي إلى ميدان الهجرة والجهاد، ليلحقوا بركب المهاجرين المجاهدين، وليكونوا بمعرض من رحمة الله ورضوانه!(٥). ورجاء المؤمن في رحمة الله لا يخيبه الله أبدًا، ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق، فجاهدوا وصبروا، حتى حقق الله لهم وعده بالنصر، أو الشهادة، وكلاهما خير، وكلاهما رحمة، وفازوا بمغفرة الله ورحمته (٦). رابعًا: رجاء ثواب الله: ومن أنواع الرجاء المذكورة في القرآن رجاء ثواب الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَآءِ اٌلْقَوْرٌ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا (٥) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢٤٢/١. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٨/١. www. modoee.com ١٩ حرف الراء تَأْلَمُونٌَّ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ في الخير، ويجوز أيضًا استعماله في الشر؛ [النساء: ١٠٤]. لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي: رجع إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. فقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، قال مقاتل: يعني: من الثواب والأجر(١). وقال البغوي: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يرهُونَ﴾، أي: وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة، والنصر في الدنيا ما لا يرجون. وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف؛ لأن كل راج خائف أن لا يدركه مأموله، ومعنى الآية: وترجون من الله، أي: تخافون من الله، أي: تخافون من عذاب الله ما لا يخافون، قال الفراء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجدّ، كقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْعُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]، أي: لا يخافون، وقال الله تعالى: ﴿مَا لَكُولًا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَّارًا (٣)﴾ [نوح: ١٣]. أي: لا تخافون لله عظمةً، ولا يجوز رجوتك بمعنى: خفتك، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك(٢). قال في البحر: ((﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرجُونَ﴾، هذه تسلية منه تعالى للمؤمنين، والتأسي فيه أعظم مسلاة)»(٣). ولفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا (١) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤٠٤. (٢) معالم النزيل، البغوي ٦٩٨/١. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٥٣/٣. وأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواءً كان خيرًا أو شرًا، إلا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير، فإن حملنا لفظ الثواب ها هنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردًا على سبيل التهكم، كما يقال: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي: جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب، قال الله تعالى: ﴿فَبَشِرْهَم بِعَذَاب أَلِيمِ ﴾ [التوبة: ٣٤](٤). وفى جعل رجاء المؤمنين من الله في قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ﴾ إشعار للمؤمنین بأنهم في جانب الله تعالى، وأن رجاءهم عنده، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه، ويؤيده بنصره: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ولیس للمشرکین من یرجون إلا أن يكون أصنامًا لا تضر ولا تنفع! وإذا كان الرجاء من الله فهو رجاء من العليم بكل شيء، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، وينصر من ينصره بحكمته؛ ولذا قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٩٠. ٢٠ جوببيو القرآن الكريمِ الرجاء أي: ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من تفسد، وهي تجارة الجنة، يعملون للجنة، أسماء الله تعالى الحسنى(١). ولهذا قال: ﴿لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾، ثوابهم وفي الآية رد على من يقول: لا يصح في الجنة، ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ أن يعبد الله رجاء الثواب، فإن هذه عبادة التجار، وإنما يعبد الله لذاته حبًا فيه. قال القاسمى: ((وتدل على أن للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب؛ لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، فجعل هذا سببًا باعثًا علی الجهاد، هذا معنى كلام الحاکم، ونظير هذا: لو صلى لطلب الثواب أو السلامة من العقاب، وقد ذكر في ذلك خلاف، فعن الراضي بالله: يجزي ذلك، وقواه الفقيه يحيى بن أحمد، وعن أبي مضر: لا يجزي؛ لأنه لم ينو الوجه الذي شرع الواجب له))(٢). ونظير الآيتين السابقتين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ [فاطر: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّنْ تَبُورَ )) ٢٩]. قال السمعاني: ((قوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ نُجَرَةً لَّنْ تَبُّورَ﴾، أي: لن تهلك، ولن تفسد، والمراد من التجارة: ما وعده الله من الثواب)»(٣). وقال يحيى بن سلام في تفسيره: «قوله: ﴿يَرْجُونَ نِجَرَةً لَّنْ تَبُورَ﴾، أي: لن (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/ ١٨٣٧. (٢) محاسن التأويل ٣١٨/٣. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ٤ /٣٥٧. [فاطر: ٣٠]، أي: يضاعف لهم الثواب، قال الحسن: تضاعف لهم الحسنات، يثابون عليها في الجنة)) (٤). فهؤلاء الذين يكثرون من قراءة القرآن الكريم، ويؤدون ما أوجبه الله تعالى عليهم، يرجون من الله تعالى الثواب الجزيل، والربح الدائم؛ لأنهم جمعوا في طاعتهم له تعالى بين الإكثار من ذكره، وبين العبادات البدنية والمالية. قال الرازي: ((وقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَرَةٌ لَّنْ تَبُورَ﴾ إشارة إلى الإخلاص، أي: ينفقون لا ليقال: إنه كريم، ولا لشيء من الأشياء، غیر وجه الله، فإن غير الله بائر، والتاجر فيه تجارته بائرة (٥). ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ذكر ما يوجب الخوف والرجاء، ٢٨ فکونه عزیزًا ذا انتقام يوجب الخوف التام، وكونه غفورًا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ)»(٦). والمقصود: أن المؤمنين يرجون بأعمالهم وعباداتهم ثواب الله، وأجره في الآخرة. (٤) تفسير يحيى بن سلام ٢/ ٧٨٧. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٣٧. (٦) المصدر السابق ٢٣٦/٢٦. www. modoee.com ٢١ حرف الراء خامسًا: رجاء نصر الله وتأييده: ومما يدل على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَّ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فالرجاء هنا كما يحمل على رجاء الثواب والأجر، يحمل أيضًا على رجاء النصر والظفر من العدو، قال الخازن: ((يعني وتأملون من الله من الثواب في الآخرة ما لا يرجون، وقيل: ترجون النصر والظفر في الدنيا، وإظهار دينكم على الأديان كلها))(١). وقال المراغي: ((﴿وَرَّجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا یرجُونَ﴾ من ظهور دینکم الحق على سائر الأديان الباطلة))(٢). سادسًا: رجاء أيام الله: ومن أنواع الرجاء المذكورة في القرآن رجاء أيام الله. قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ الَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) طـ ﴾ [الجاثية: ١٤]. قال مقاتل بن سليمان: ((﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اُلّهِ ﴾، يعني: لا يخشون عقوبات الله، مثل عذاب الأمم الخالية)) (٣). وقال السعدي: ((الذين لا يرجون أيام (١) لباب التأويل، الخازن ١/ ٤٢٣. (٢) تفسير المراغي ١٤٥/٥. (٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٨٣٧/٣. الله أي: لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون، فأنتم يا معشر المؤمنين یجزیکم علی إیمانکم وصفحکم وصبرکم، ثوابًا جزيلا، وهم إن استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد والخزي)) (٤). والذين لا يرجون أيام الله يراد بهم المشركون من أهل مكة، والرجاء: ترقب وتطلب الأمر المحبوب، وهذا أشهر إطلاقاته، وهو الظاهر في هذه الآية. والأيام: جمع یوم، وهذا الجمع أو مفرده إذا أضيف إلى اسم أحد أو قوم أو قبيلة كان المراد به اليوم الذي حصل فيه لمن أضيف هو إليه نصر وغلب على معاند أو مقاتل، ومنه أطلق على أيام القتال المشهورة بين قبائل العرب: أيام العرب، أي: التي كان فيها قتال بين قبائل منهم، فانتصر بعضهم على بعض، كما يقال: أيام عبس، وأيام داحس والغبراء، وأيام البسوس، فإذا قالوا: أیام بني فلان، أرادوا الأيام التي انتصر فيها من أضيفت الأيام إلى اسمه، ويقولون: أیام بني فلان علی بني فلان، فیریدون أن المجرور بحرف الاستعلاء مغلوب لتضمن لفظ أيام أو (يوم) معنى الانتصار والغلب، وبذلك التضمن كان المجرور متعلقًا بلفظ (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٧٦. جَوَبُو ◌َرَ النَّقِينَ القرآن الكريمِ ٢٢ الرجاء أيام أو (يوم)، وإن كان جامدًا فمعنى أيام بانكبابهم على عبادة الأصنام دون عبادة الله، ويأتي في هذا الوجه من التعريض الله على هذا هو من قبيل قولهم: أيام بني فلان، فيحصل من محمل الرجاء على ظاهر استعماله. والتحريض مثل ما ذكر في الوجه الأول؛ لأن المؤمنين هم الذين يرجون نعمة الله، وفسر به قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ معنى الآية للذين لا تترقب نفوسهم أيام لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]. وقوله: ﴿مَّا لَكُمْلَا فَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ [نوح: ١٣]. فيكون المراد بـ﴿بِأَتَمْمِ اللَّهِ ﴾ أيام جزائه في الآخرة؛ لأنها أیام ظهور حکمه وعزته، فهي تقارب الأيام بالمعنى الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ اَلْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩]، أي: ذلك يوم النصر الذي يحق أن يطلق عليه (يوم)، فيكون معنى هذه الآية: أنهم لا يخافون تمکن الله من عقابهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث. ومعنى الآية (١): أن المؤمنين أمروا بالعفو عن أذى المشركين، وقد تكرر ذلك في القرآن قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد ومعنى لا يرجون أيام الله على هذا في هذه الآية: وكان النبي صلى الله عليه التأويل: أنهم في شغل عن ترقب نعم الله وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل بما هم فيه من إسناد فعل الخير إلى أصنامهم (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ٣٤٠. www. modoee.com ٢٣ ومحمل أيام الله على محمل أمثاله أن نصر الله، أي: نصر الله لهم: إما لأنهم لا یتوکلون علی الله، ولا يستنصرونه، بل توجههم إلى الأصنام، وإما لأنهم لا يخطر بيالهم إلا أنهم منصورون بحولهم وقوتهم فلا يخطر ببالهم سؤال نصر الله، أو رجاؤه، وهم معروفون بهذه الصلة بين المسلمين، فلذلك أجريت علیھم هنا وعرفوا بها، وأوثر تعریفهم بهذه الصلة لیکون في ذلك تعریض بأن الله ینصر الذین یرجون أیام نصره وهم المؤمنون، والغرض من هذا التعريض: الإيماء بالموصول إلى وجه أمر المؤمنين أن يغفروا للمشركين، ويصفحوا عن أذى المشركين، ولا يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر. وقد يطلق أيام الله في القرآن على الأيام التي حصل فیھا فضله ونعمته علی قوم، وهو أحد تفسيرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّنِ اَللَّهِ ﴾ [إبراهيم: ٥]. حرف الراء الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والمشركين أذى کثیرًا)، ٦/ ٣٩، رقم ٤٥٦٦. الرجاء في حق الكافرين أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لا يرجون الله، ولا يرجون اليوم الآخر، ولا یرجون ثوابًا ولا حسابًا، قال الله تعالى: [النبأ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَّا يَرْجُونَ حِسَابً )﴾ ٢٧]. وهذا شأنهم في الحياة الدنيا؛ ولهذا لم يعملوا ليوم القيامة، ولم يوقروا الله، وأهملوا العمل للآخرة. قال ابن الجوزي: ((﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا یرُونَ حِسَابًا﴾، فيه قولان: أحدهما: لا يخافون أن يحاسبوا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الجمهور. والثاني: لا يرجون ثواب حساب؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، قاله الزجاج»(٢). واختار السمعاني الأول حيث قال: ((قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢)، أي: لا يخافون، وقد بينا الرجاء بمعنى الخوف فيما سبق)»(٣). وقال مقاتل: ((يعني: أنهم كانوا لا يخافون من العذاب أن يحاسبوا بأعمالهم الخبيثة إذا عملوها))(٤). وقال ابن زيد في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْلَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾، قال: ((لا يؤمنون بالبعث (٢) انظر: زاد المسير ٤ /٣٩٠. (٣) تفسير القرآن، السمعاني ٦/ ١٤٠. (٤) تفسير مقاتل بن سليمان ٤ / ٥٦٣. ٢٤ جَوْنُور القرآن الكريم الرجاء ولا بالحساب، وكيف يرجو الحساب من لا يسقط ما کان حقًّا لغيره علیه، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في الحساب؛ فلهذا یوقن أنه یحیا، ولا يوقن بالبعث))(١). السبب ذكر الرجاء، ولم يذكر الخوف (٢). فإن قيل: الحساب شيء شاق على الإنسان، والشيء الشاق لا يقال فيه: إنه یرجی، بل يجب أن يقال: إنهم كانوا لا يخشون حسابًا. والجواب: من وجوه: أحدها: قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾، معناه: لا يخافون، مَّالَكُمْ ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى: لَّا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً ﴾ [نوح: ١٣]. وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله؛ لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر، فقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ حِسَابًا( ، ٢٧ إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين. وثالثها: أن الرجاء ها هنا بمعنى التوقع؛ لأن الراجي للشيء متوقع له، إلا أن أشرف أقسام التوقع هو الرجاء، فسمي الجنس باسم أشرف أنواعه. ورابعها: أن في هذه الآية تنبيهًا على أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف؛ وذلك لأن للعبد حقًا على الله تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب، ولله تعالى حق على العبد في جانب العقاب، والکریم قد يسقط حق نفسه، ولا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٨/٢٤. والمقصود: أن الله تعالى أخبر عن الكفار في عدة آيات أنهم لا يرجون لقاءه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِاَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَاَلْمَأَنُواْ بِهَا وَلَّذِينَ هُمْ ﴾ [يونس: ٧]. > عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ قال السعدي: ((أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أکبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به ﴿وَرَضُواْ بِالْحَيَّةِ الدُّنْيَا بدلًا عن الآخرة))(٣). وقال الله في آية أخرى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١]، فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء؛ ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلی عقاب الله فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ذلك. وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد، ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير مما يتركه من (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/٣١. (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٥٨. www. modoee.com ٢٥ حرف الراء الحياة (١). ونظير الآيتين السابقتين قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أُسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١﴾ [يونس: ١١]. وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَتّ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ ﴾ [يونس: ١٥]. يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر، منكرين للبعث والقيامة، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه: الأول: قال الأصم: لا يرجون لقاءنا، أي: لا يرجون في لقائنا خيرًا على طاعة، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها. الثاني: قال القاضي: الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع؛ لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه؛ لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب، وهو القصد بالتكليف لا يخاف أيضًا ما یوعده به من العقاب، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور. الأصم، إلا أن البيان التام أن يقال: كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن یکون راجيًا ثواب الله، وخائفًا من عقابه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث، فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة»(٢). والمقصود: أن الكفار لا يرجون لقاء الله تعالى، ولا الدار الآخرة؛ ولهذا ركنوا إلى الدنيا، وأهملوا الآخرة؛ ولهذا أخبر عنهم الله أنهم رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها. قال الرازي: ((إنّ وصفهم بأنهم لا لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها ومعنى: رضوا بالحياة الدنيا أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى، كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة، وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياة ناقصة، فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها، فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها، وناهيك بإخبار الصادق بها، ونصب الأدلة على تعين حصولها، فلهذا جعل الرضا بالحياة الدنيا مذمةً، وملقيًا في مهواة الخسران. وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضا بها يكون مقدار التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة، وليس ذلك بمقتضى الإعراض واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام عن الحياة الدنيا، فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها، وشكره عليها، والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى، والتزود لها، وفي (٢) مفاتيح الغيب، ٢٢٤/١٧. (١) تفسير الشعراوي ٩/ ٥٧٤٩. جَوَسُور القرآن الكريم ٢٦