Indexed OCR Text

Pages 41-60

الذمر
إِلَى
٤٥
والتاء للمبالغة، أي: كان العمى محبوبًا هَرُونَ بَِّايَدِّنَا وَسُلْطَانِ مُّبِينٍ
فِرْعُونَ وَمَلَيْهِ، فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ تَقَوْنَاْ عَالِينَ
فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا
٤٦
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ
٤٧
عَبْدُونَ
[المؤمنون: ٤٥-٤٨].
٤٨
لهم، والعمى: هنا مستعار للضلال في
الرأي، أي: اختاروا الضلال بكسبهم.
وضمن (استحبوا) معنى: فضلوا، وهياً لهذا
التضمين اقترانه بالسين والتاء للمبالغة؛ لأن
المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على
بقية المحبوبات، فلذلك عدي (استحبوا)
بحرف على، أي: رجحوا باختيارهم،
وتعليق على الهدى بفعل (استحبوا)
لتضمينه معنى: فضلوا وآثروا(١).
ثم ذكر جزاءهم على ما اختاروه لأنفسهم
فقال: ﴿اَلْمُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ الْعَذَابِ المُونِ
بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ ﴾، أي: فأرسلنا عليهم
صيحة ورجفة وذلًا وهوانًا، بما كانوا
یکسبون من الآثام بكفرهم بالله وتكذيبهم
رسله (٢).
وكان العقاب مناسبًا للجرم؛ لأنهم
استحبوا الضلال الذي هو مثل العمى،
فمن يستحبه فشأنه أن یحب العمى، فكان
جزاؤهم بالصاعقة؛ لأنها تعمي أبصارهم
في حين تهلكهم(٣).
٣. قوم فرعون.
ذم القرآن الكريم قوم فرعون.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
قال تعالى:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٢/٢٤.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١١٨/٢٤.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٢/٢٤.
يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه
السلام، وأخاه هارون إلی فرعون وملئه،
بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين
القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا
عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما
بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة
الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك
الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد
أجمعين (٤).
ثم ذمهم بأوصافهم القبيحة فقال:
﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ جميعًا عن الاستماع إلى
دعوة موسى وهارون عليهما السلام،
﴿وكَانُوا قَوْنَاعَالِينَ﴾ أي: مغرورین متکبرین،
مسرفين في البغي والعدوان(٥).
ثم ذكر ما استتبعه هذا العتو والجبروت:
﴿فَقَالُواْ أَنْنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا
عَبِدُونَ﴾، أي: فقال فرعون وملؤه كيف
ندین لموسى وأخيه، وبنو إسرائيل وقومهما
خدمنا وعبيدنا يخضعون لنا ويتلقون
أوامرنا؟ وما قصدوا بهذا إلا الزراية بهما
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٥/٥.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٣٧.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الذال
والحط من قدرهما، وبيان أن مثلهما غير
جدير بمنصب الرسالة، وقد قاسوا الشرف
الديني والإمامة في تبليغ الوحى عن الله
بالرياسة الدنيوية المبنية على نيل الجاه
والمال(١).
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ
اٌلْمُهْلَكِينَ﴾، أي: فكذب فرعون وأتباعه
موسى وهارون عليهما السلام فيما جاءا
به من عند ربهما عز وجل، فكانت نتيجة
هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه
جميعًا (٢).
وقد جاء ذم قوم فرعون في آيات أخر،
منها قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَبِكَ تَخْرُجْ
بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِي نِسْعِ ءَايَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِ؟
إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [النمل: ١٢].
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
وقوله سبحانه:
إِلَى فِرْعَوْنَ
بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
وَمَلَإِيْهِ فَانَبِّعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَّ وَمَآ أَمْهُ فِرْعَوْنَ
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ
٩٧
بِرشيدٍ
وَأُتْبِعُواْ
النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ()
فِى هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الرِّقْدُ الْمَرْفُودُ
:[هود: ٩٦-٩٩].
٤. قوم نوح.
ذم القرآن الكريم قوم نوح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ
(١) انظر: تفسير المراغي ٢٦/١٨.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٨/١٠.
الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَحَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ مَايَةٌ
وَأَعْتَدْنَا لِلَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
[الفرقان: ٣٧].
ذم الله تعالى قوم نوح عليه السلام
بسوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة، ووصفهم
بالتكذيب، وقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ
الرُّسُلَ أَغْرَقْتَهُمْ﴾، والمراد بالرسل: نوح
ومن قبله، أو نوح وحده، وعبر عنه بالرسل،
لأن تکذیبهم له یعتبر تکذیبًا لجمیع الرسل؛
لأن رسالتهم واحدة في أصولها.
﴿وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ
وقوله سبحانه:
ءَايَةً﴾، أي: بعد أن أغرقناهم بسبب
كفرهم، جعلنا إغراقهم أو قصتهم عبرة
وعظة للناس الذين يعتبرون ويتعظون،
والتعبير بـ﴿مَايَةٌ﴾ بصيغة التنكير، يشير
إلى عظم هذه الآية وشهرتها، ولا شك أن
الطوفان الذي أغرق الله تعالی به قوم نوح
من الآيات التي لا تنسى.
وقوله سبحانه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
عَذَابًا أَلِيمًا﴾، بيان لسوء مصير كل ظالم
يضع الأمور في غير مواضعها، أي: وهيأنا
وأعددنا للظالمين عذابًا أليمًا موجعًا،
بسبب ظلمهم و کفرهم، وعلى رأس هؤلاء
الظالمین قوم نوح، الذين كفروا به وسخروا
منه(٣).
وقد جاء ذم قوم نوح عليه السلام
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠ / ١٩٦.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
لِلْعُرْآن الْكْرِيْمِ
٢٢٠

الذمر
في آيات أخر منها: قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ
نُوجِ مِّن قَبْلَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (١)
[الذاريات: ٤٦]، خارجين عن الاستقامة
بالكفر والعصيان(١).
﴿وَقَّوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌّ ◌ِنَّهُمْ
وقوله سبحانه:
كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى ﴾ [النجم: ٥٢].
ذمهم الله تعالى بالظلم والطغيان لطول
دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية
والتكذيب، وهم الباقون بالظلم والمتقدمون
فیه، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر
من عمل بها، والبادىء أظلم، وأما أطغى
فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد
ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم، ولا
يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار العظيم
والظالم(٢).
٥. قوم لوط.
ذم القرآن الكريم قوم لوط عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ
اَلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ
وَمَا
النِّسَاءِ بْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم
مِن قَّرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِّ يَنَظْهَّرُونَ
فَأَنْجَّنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥٠/٥.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٢٢١/١٨.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًّاً فَانْظُرْ
٨٣
الْغَبِرِينَ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ { وَإِلَى
مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا
اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتَكُم
بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ
وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِينَ
٢)﴾ [الأعراف: ٨٠ -٨٥].
ذم الله تعالى قوم لوط عليه السلام
بأفعالهم القبيحة التي تخالف الفطرة، وسوء
العاقبة، فيخبر تعالى عن عبده لوط عليه
السلام، أنه أنذر قومه نقمة الله بهم، في
فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد
من بني آدم، وهي إتیان الذكور دون الإناث،
وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال
بالرجال، والنساء بالنساء(٣).
وقوله: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ- أَتَأْتُونَ
اٌلْفَحِشَةَ﴾، أي: واذكر لوطًا حين قال لقومه
موبخًا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت
الغاية في القبح والفحش (٤).
وابتداء قصة لوط وقومه بذكر (لوطًا)
لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به، وقوم
لوط كانوا خليطاً من الكنعانيين وممن نزل
حولهم، ولذلك لم يوصف بأنه أخوهم؛
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٠٠.
(٤) انظر: تفسير المراغي ٢٠٤/٨.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الذال
إذ لم يكن من قبائلهم، وإنما نزل فيهم الفاحشة (٤).
واستوطن ديارهم، ولوط عليه السلام هو
ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وكان لوط
علیه السلام قد نزل ببلاد (سدوم) ولم یکن
بينهم وبينه قرابة (١).
﴿أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ﴾، أي: أتفعلون تلك
الفعلة التي بلغت نهاية القبح والفحش،
والتي ما فعلها أحد قبلكم في زمن من
الأزمان، والاستفهام في ﴿آآتُونَ ﴾ للإنكار
والتوبيخ، والإتيان المستفهم عنه مجاز في
التلبس والعمل، أي: أتعملون الفاحشة،
وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي
كناية مشهورة، والفاحشة: الفعل الدنيء
الذميم(٢).
ثم ذمهم بأنهم أول من عملها: ﴿مَا
سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِيِنَ الْعَلَمِينَ﴾، أي:
ما عملها أحد قبلکم في أي زمان، بل هي
من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة
إلى يوم القيامة(٣).
ثم انتقل من غرض الإنكار إلى غرض
الذم والتحقير والتنبيه إلى حقيقة حالهم
والجملة مستأنفة مسوقة لتأکید النکیر
وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبح
بقوله: ﴿بَلَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، أي:
قبيح واختراعه أقبح، فأنكر عليهم أولًا إتيان إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٩/٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٨،
التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٥/٥.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٢٠٤/٨.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٥/٥.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٢٠٤/٨، التفسير
الوسيط، طنطاوي ٣١٥/٥.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣١/٨.
(٧) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٥/٥.
٢٢٢
فَضْو
القرآن الكريمِ
ثم بين الأفعال الذميمة التي يعملونها
فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن
دُونِ النِّسَآءِ﴾، أي: إنكم أيها القوم
لممسوخون في طبائعكم حيث تأتون
الرجال الذين خلقهم الله ليأتوا النساء،
ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة
الخبيئة القذرة، ولا ذم أعظم منه، لأنه
وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من
جهة العقل ألبتة كطلب النسل ونحوه(٥).
والإتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع،
من أتى المرأة إذا غشيها، والتأكيد -بان
واللام- كناية عن التوبيخ؛ لأنه مبني على
تنزيلهم منزلة من ينكر ذلك، لكونهم
مسترسلين عليه غير سامعين لنهي الناهي.
والإتيان كناية عن عمل الفاحشة (٦).
وفي إيراد لفظ الرجال دون الغلمان
والمردان ونحوهما، مبالغة في التوبيخ
وقدوة، فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعکم فيها والتقريع(٧).

الذمر
على ما فعلتم، بل أنتم قوم مسرفون فيها القذارة، وقد بلغ من وقاحتهم وفجورهم أن
يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها ويحتقروا من
وفي سائر أعمالکم ولا تقفون فيها عند حد
الاعتدال (١).
يتنزه عنها، وهذا أسفل الدركات، ولا يهبط
إليه إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر(٣).
والإسراف مجاوزة العمل مقدار
أمثاله في نوعه، أي: المسرفون في الباطل
والجرم، ووصفهم بالإسراف بطريق الجملة
الاسمية الدالة على الثبات، أي: أنتم قوم
تمکن منهم الإسراف في الشهوات، فلذلك
اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات
المعتادة (٢).
ثم أخبر القرآن عن جوابهم القبيح على
نصائح نبيهم لهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ
جَوَابَ قَوْمِهِ* إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن
قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَطَهَّرُونَ﴾، أي:
وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك
النصيحة شيئًا من الحجج المقنعة أو الأعذار
المسكنة لثورة الغضب، بل كان جوابهم
الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قریتهم،
وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن
قالوا: إن هؤلاء أناس يتطهرون ویتنزهون عن
مشارکتھم في فسوقھم ورجسھم، فلا سبیل
إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم، لما بينهم
من الفوارق في الصفات والأخلاق، وهذا
الجواب منهم يدل على منتهى السخرية
والتهكم، والافتخار بما كانوا فيه من
(١) انظر: تفسير المراغي ٢٠٥/٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٢/٨.
والتطهر: تكلف الطهارة، وحقيقتها
النظافة، وتطلق الطهارة -مجازًا- على
تزكية النفس والحذر من الرذائل وهي
المراد هنا، وتلك صفة كمال، وقولهم:
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَتَطَهَّرُونَ﴾، قصدوا به ذمهم،
وهم قد علموا هذا التطهر من خلق لوط
عليه السلام وأهله لأنهم عاشروهم، ورأوا
سيرتهم، ولذلك جيء بالخبر جملة فعلية
مضارعية لدلالتها على أن التطهر متكرر
منهم، ومتجدد، وذلك أدعى لمنافرتهم
طباعهم والغضب عليهم وتوجه إنكار لوط
علیه السلام علیهم(٤).
فَأَنْجَنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا
وقوله تعالى:
أَمْرَتَهُ, كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ﴾، أي: فأنجيناه
وأهل بيته الذين آمنوا معه إلا امرأته، فإنها
لم تؤمن به، بل خانته بولاية قومه الكافرين،
فكانت من جماعة الهالكين أو الباقين الذين
نزل بهم العذاب في الدنيا، وبعده عذاب
الآخرة(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم
مَّطَرًا﴾، أي: وأرسلنا عليهم مطرًا عجيبًا
(٣) انظر: تفسير المراغي ٢٠٥/٨.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٥/٨.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٢٠٦/٨.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الذال
أمره، وهو الحجارةالتي رجموا بها، ﴿قانقُرْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اَلْمُجْرِمِينَ﴾، أي:
فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق
التأمل، لتعلم عقاب الأمم على ذنوبها في
الدنيا قبل الآخرة، وهذا العقاب أثر طبيعي
لذلك، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان
أخلاق الأمم ويذهبان بيأسها ويفرقان
كلمتها ويجعلانها شيعًا وأحزابًا متعادية،
فيسلط الله عليها من يستذلها ويسلبها
استقلالها، ویسخرها لمنافعه، ولا يزال بها
هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين (١).
وقد ذم القرآن قوم لوط عليه السلام في
آیات أخر.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ»
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم
٢٨
بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ
أَمِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتِنَا
بِعَذَابٍ اَللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ )
[العنكبوت: ٢٨-٢٩].
وقال سبحانه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَيُّكُمْ مِّنْ أَزَّوَِكُمْ بَلْ
١٦٥
أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦].
أي: متجاوزون لحدود الفطرة وحدود
الشريعة، وقال جل وعلا: ﴿أَيْتَّكُمْ لَتَأْتُونَ
(١) انظر: المصدر السابق.
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريم
الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: ٥٥].
وهو يشمل الجهل الذي هو ضد
العلم، والجهل الذي هو بمعنى السفه
والطيش، ومجموع الآيات يدل على أنهم
كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط
الخلق، وإيثار الغي والعدوان على الرشاد
(٢)
والتدبر
٦. يأجوج ومأجوج.
ذم الله تعالى يأجوج ومأجوج بأفعالهم
القبيحة.
قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السََّّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (
٩٣
قَالُواْ يَئِذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْآَرْضِ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا )
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
١٢٠٠١٠٠٠
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ٥°،َاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدٍ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيِّ
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ، فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا أَسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٣ -٩٧].
يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين:
﴿حَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، وهما جبلان
متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج
ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم
فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٦/٥.
٢٢٤

الذمر
ومأجوج من سلالة آدم، عليه السلام(١).
﴿قَالُوْيَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَاْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى
اُلْأَرْضِ﴾، أي: قال مترجموهم: إن يأجوج
ومأجوج يفسدون أرضنا بالقتل والتخريب
وأخذ الأقوات وسائر ضروب الإفساد.
﴿فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَ أَن ◌َّْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ
سَدًّا﴾، أي: فهل تحب أن نجعل لك جعلًا
من أموالنا، فتجعل بيننا وبينهم حاجزًا
یمنعھم من الوصول إلينا؟
﴿قَالَ مامگّنى فيهِ رَبّ خيرٌ﴾، أي: قال ذو
القرنين: إن ما مكننى فيه ربي من بسطة
الملك والسلطان ووفرة المال، خير مما
تبذلونه لي من الخراج، فلا حاجة بي إلیه،
والدول القوية يجب أن تحافظ على الدول
الضعيفة، ولا تأخذ منها مالًا مادامت قادرة
على إغاثتها(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، أي: ولكن ساعدونى بفعلة
وصناع يحسنون العمل والبناء، أجعل بينكم
وبین يأجوج ومأجوج سدًا منيعًا، وحاجزًا
حصينًا أمنع مما تريدون.
ثم بين تلك القوة التي طلبها فقال:
﴿مَاتُوِ زُّبَرَ الْحَدِيِّدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ
أَنْفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونيّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ
قِطْرًا﴾، أي: جيئوني بقطع الحديد، فلما
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٥/٥.
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٨/١٦.
جاءوه بها أخذ پني شيئًا فشيئًا حتى إذا جعل
ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساويًا
لهما في العلو، قال للعملة: انفخوا بالكيران
في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين
ففعلوا، ومازالوا كذلك حتى صارت كالنار
اشتعالًا وتوهجًا، فصب النحاس المذاب
على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض،
وسد الفجوات التي بين الحديد وصار
جبلاً صلدًا، ﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا
أُسْتَطَعُواْ لَهُنَقْبًا﴾، أي: إِن يأجوج ومأجوج
ما قدروا أن يصعدوا من فوق السد لارتفاعه
وملاسته، ولا استطاعوا نقبه لصلابته
وثخانته (٣).
ثالثًا: الملل المذمومة في القرآن
الكريم:
ذم القرآن الكريم مللًا كالكفر والشرك
والنفاق وأهل الكتاب، وبيان ذلك كما يأتي:
١ . الكافر.
ذم القرآن الكريم الكفر.
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَآَةً صُمْ بُكِمُ
عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ١٧١].
الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف
الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع
لستره البذر في الأرض، وكفر النعمة
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٩/١٦.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الذال
وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ.
كَتِبُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
فعل مذموم من الكفر.
وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاءُ﴾، أي:
إن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم
وأعظم الكفر: جحود الوحدانية أو ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من
الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود الضلال، وعدم تأملهم فيما يلقى إليهم
من الأدلة، مثل البهائم التي ينعق عليها
النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين
أکثر، والکفور فيهما جمیعًا.
الراعي، ويسوقها إلى المرعى، ويدعوها
إلى الماء، ويزجرها عن الحمى، فتستجيب
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى
قال سبحانه:
خَلَقَ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى
الظَّالِمُونَ إِلَّ كُفُورًا ﴾ [الإسراء: ٩٩].
دعوته وتنزجر بزجره، وهي لا تعقل مما
يقول شيئًا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع
أصواتًا تقبل لسماع بعضها وتدبر لسماع
بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببًا للإقبال
ولما كان الكفران يقتضي جحود النعمة
صار يستعمل في الجحود، قال: ﴿وَءَامِنُواْ
بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ
كَافٍِ بِّ وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابَتِى ثَمَنَا قَلِيلاً وَإَِنِىَ فَاتَّقُونِ
:[البقرة: ٤١].
٤١
والإدبار، ثم بالغ في ذمهم وتقريعهم فقال:
﴿مٌُّ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: إنهم
یتصامون عن سماع الحق، فکأنهم صم، ولا
یستجیبون لما يدعون إليه، فكأنهم خرس،
أي: جاحد له وساتر، والكافر على ولا ينظرون في آياته تعالى في الآفاق وفي
أنفسهم، فكأنهم عمي، لا يعقلون لعملهم
مبدأ ولا غاية، بل ينقادون لغيرهم كما هو
شأن الحيوان، ومن ثم اتبعوا من لا يعقلون
ولا يهتدون(٢).
الإطلاق متعارف فیمن یجحد الوحدانية، أو
النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: کفر
لمن أخل بالشريعة، وترك ما لزمه من شکر
لله عليه(١).
ذم الله تعالی الکافرین بأنهم لا يسمعون
الحق ولا يعقلونه وأنهم كالأنعام، ولما
جعل كل فعل محمود من الإيمان جعل كل
وذم القرآن الکریم الکافرین بأنهم شر ما
دب على الأرض.
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ
[الأنفال: ٥٥].
كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٧١٤.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٤٦/٢.
٢٢٦
جوية
القرآن الكريمِ

الزهر
أي: إن شر ما یدب على وجه الأرض في
حکم الله وعدله هم الكافرون الذین أصروا
علی الکفر ولجوا فیه بحیث لا یرجی إيمان
جملتهم أو إیمان جمهورهم(١).
وقد لقبهم الله بالدواب وهو اللفظ الذي
غلب استعماله في ذوات الأربع، لإفادة أنهم
ليسوا من شرار البشر فقط، بل هم أضل من
العجماوات؛ لأن لها منافع، وهؤلاء لا
خیر فیھم ولا نفع لغیرهم منهم، كما قال
تعالى في أمثالهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّكَالْأَنْعَمِّ بَلّ هُمْ
أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤].
كما ذمهم بأنهم شر الدواب لا شر
الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى
به الناس من تعقل وتدبر للأمور؛ لأن لفظ
الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه
عند إطلاقه علیھم یلقی ظلّا خاصًا يجعل
العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق
عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل
أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفي
وصفه سبحانه لهم بأنهم شر الدواب زيادة
توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دواب فحسب، بل
هم شرها وأخسها(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾، أي:
إنهم -بسبب إصرارهم على الكفر - صار
(١) انظر: المصدر السابق ١٠/ ٢٠.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣٣/٦.
الإيمان بعيدًا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو
لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد (٣).
وذم سلوكهم وتصرفاتهم، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ
وَالنَّارُ مَنْوَّى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢
وهو تصوير زري، يذهب بکل سمات
الإنسان ومعالمه، ويلقي ظلال الأكل
الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ،
بلا تذوق، وبلا تعفف عن جميل أو قبيح،
إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا
من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا
رادع عنه من ضمیر، وهذا غاية الذم لهم في
بلاغة التشبيه (٤).
٢. المشركون.
ذم القرآن الكريم الشرك.
﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيِّرَ مُشْرِكِينَ
قال تعالى:
بِهِّ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَّ مِنَ السَّمَآءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ مَكَانٍ
[الحج: ٣١].
سَحِقٍ
في الآية ذم وتقبيح الشرك والمشركين
بسوء العاقبة، وأن الوقوع في الشرك يؤدي
إلى الهلاك الذي لا نجاة معه بحال، وقوله:
﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾، أي: تمسكوا
بهذه الأمور على وجه العبادة لله وحده دون
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٢٩٠.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الذال
إشراك أحد سواه معه(١).
وقوله: ﴿حنفاء ﴾ جمع حنيف، وهو
المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه،
الحق (٢).
ثم صور سبحانه حال من يشرك بالله
تصويرًا تنخلع له القلوب، ويحمل كل
عاقل على اجتناب هذا الرجس، فقال:
﴿وَمَن يُشْرِك ◌ِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرُِّ فِ مَكَانٍ
سَحِيقٍ ﴾، أي: ومن يشرك بالله تعالى في
عبادته، ومات على ذلك، فكأنما سقط من
السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح الطير
بسرعة فمزقت أوصاله، أو تسقطه الريح
في مكان بعيد أشد البعد بحيث لا يعثر له
على أثر، والمقصود من هذه الجملة تقبيح
حال الشرك والمشركين، وبيان أن الوقوع
في الشرك يؤدى إلى الهلاك الذي لا نجاة
معه بحال، لأن من يسقط من السماء فتتمزق
أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقي به الريح في
مکان بعید لا يطمع له في نجاة، بل هو هالك
لا محالة، فالجملة الكريمة مقررة لوجوب
اجتناب الشرك بأبلغ صورة (٣).
وذم الله تعالى الشرك بأنه ظلم عظيم،
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ.
يَبْنَىّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
(١) انظر: تفسير المراغي ١٧ / ١١٠.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٩/ ٣٠٦.
(٣) انظر: المصدر السابق ٩/ ٣٠٧.
[لقمان: ١٣].
أي: واذكر أيها الرسول الكريم موعظة
وأحبهم لدیه حین أمره أن يعبد الله وحده،
ونهاه عن الشرك، وبین له أنه ظلم عظيم أما
كونه ظلمًا، فلما فيه من وضع الشيء في غير
موضعه، وأما أنه عظيم، فلما فيه من التسوية
بين من لا نعمة إلا منه، وهو سبحانه وتعالى،
ومن لا نعمة لها، وهي الأصنام والأوثان (٤).
وذم الله تعالى المشركين في القرآن على
اتباع ما شرع لهم شرکاؤهم من الدین ما
لم يأذن به الله من عبادة غيره وفعل ما لم
یشرعه من الدين.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوُاْ شَرَعُواْ
لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا
كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الشورى: ٢١].
كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه
الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه
الله ولا دين إلا ما شرعه(٥).
٣. المنافقون.
ذم القرآن الكريم المنافقين، قال
تعالى: ﴿اَلْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم
مِّنْ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَبْدِيَهُمْ
(٤) انظر: تفسير المراغي ٨١/٢١.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢٤/٣.
٢٢٨
فَضْو
ـَ النفسية
جَوْسُور
القرآن الكريم

الذمر
نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
٦٧
الْفَسِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا
هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمُ
﴾ [التوبة: ٦٧-٦٨].
٦٨
يذم الله تعالى المنافقين بصفاتهم
القبيحة، وسوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة،
واقترانهم مع الكافرين، ﴿اٌلْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾، أي: إن أهل
النفاق رجالا ونساء يتشابهون في صفاتهم
وأخلاقهم وأعمالهم (١).
المنافقون والمنافقات من طينة واحدة،
وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان
وفي کل مکان، تختلف أفعالهم وأقوالهم،
ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين
واحد، سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز
والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن
عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة (٢).
ثم ذم سلوكهم وأخلاقهم القبيحة:
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ
﴿يَأْمُرُونَ
عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، أي: يأمرون غيرهم
بكل ما تستنكره الشرائع، وتستقبحه
العقول، وینھونهم عن کل أمر دعت إليه
الأديان، وأحبته القلوب السليمة، وقوله:
﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، أي: إن من صفات
(١) انظر: تفسير المراغي ١٠/ ١٥٥.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١٦٧٣/٣.
هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل
المال في وجوهه المشروعة(٣).
واقتصر من منكراتهم الفعلية على
الامتناع عن البذل، لأنه شرها وأضرها
وأقواها دلالة على النفاق كما أن الإنفاق في
سبيل الله أقوى دلائل الإيمان (٤).
وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيهُمْ﴾، كناية
عن رسوخهم في الكفر، وانغماسهم في
كل ما يبعدهم عن الله تعالى (٥)، أي: نسوا
أن یتقربوا إلیه بفعل ما أمر به وترك ما نھی
عنه، ولم يعد يخطر ببالهم أن له عليهم حق
الطاعة والشكر، واتبعوا أهواءهم ووساوس
الشيطان، فجازاهم على ما فعلوا بحرمانهم
من لطفه وتوفيقه في الدنيا، ومن الثواب في
الآخرة(٦).
إنهم ﴿نَسُواْ اللَّهَ﴾، فلا يحسبون إلا
حساب الناس وحساب المصلحة، ولا
يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم
ويدارونهم، ﴿فَنَسِيهُمْ﴾، الله فلا وزن
لهم ولا اعتبار، وإنهم لكذلك في الدنيا
بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند
الله. وما يحسب الناس حسابًا إلا للرجال
الأقوياء الصرحاء، الذین یجهرون بآرائهم،
ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٣٤٣.
(٤) انظر: تفسير المراغي ١٥٦/١٠.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٣٤٣.
(٦) انظر: تفسير المراغي ١٥٦/١٠.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الذال
بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح يذوقون العذاب الذي هو أشد وأبقى، بسبب
النهار (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
هُمُ﴾، تذييل قصد به المبالغة في ذمهم.
أي: إن المنافقين هم الكاملون في الخروج
عن طاعة الله، وفي الانسلاخ عن فضائل
الإيمان، ومكارم الأخلاق(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، بیان
لسوء مصيرهم، بعد بيان جانب من صفاتهم
الذميمة، أي: وعد الله تعالى المنافقين
والمنافقات والكفار المجاهرين بكفرهم
﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾ خلودًا أبديًا (٣).
وزيادة ذكر الكفار هنا للدلالة على أن
المنافقين ليسوا بأهون حالًا من المشركين
إذ قد جمع الكفر الفريقين (٤).
وقوله جل جلاله:
ـبُهُمْ﴾ أي:
إن تلك العقوبة الشديدة كافية لإهانتهم
وإذلالهم بسبب فسوقهم عن أمر ربهم،
﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾، أي: طردهم وأبعدهم من
رحمته ولطفه، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾، أي:
ولهم عذاب دائم لا ينقطع، فهم في الدنيا
يعيشون في عذاب القلق والحذر من أن
يطلع المسلمون على نفاقهم، وفي الآخرة
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٧٣/٣.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٣٤٤.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٦/١٠.
إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان،
وبذلك نری الآیتین الکریمتین قد بينتا جانبًا
من قبائح المنافقين، ومن سوء مصيرهم في
عاجلتهم وآجلتهم(٥).
ومن صفات المنافقين الذميمة الجامعة
للخصال الرذيلة (الكذب والخداع).
قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقو
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُحَدِعُونَ
اُللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
وأما قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَتَّرَبَّصُونَ
بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اَللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ
[النساء: ١٤١].
فإن التربص صفة للمنافقين وحدهم
بدليل قوله ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَثِفِرِينَ نَصِيبٌ ﴾
[النساء: ١٤١]، والتربص حقيقة في المكث
بالمكان، ومن بديع النظم القرآني آية
جمعت ذم المنافقين لما في دواخلهم وذم
أفعالهم وذم نیتھم.
كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ
لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُمْ بِالسُّوْءِ
وَوَدُّواْلَوْتَكْفُرُونَ ﴾ [الممتحنة: ٢].
وغيرها من الصفات التي وردت في
الآيات القرآنية(٦).
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٤٤/٦.
(٦) انظر: الذم والمدح في القرآن الكريم، معن
الحيالي ١/ ٢٦٦.
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٢٣٠

الذمر
٤. أهل الكتاب.
ذم القرآن الكريم أهل الكتاب الكفرة،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَاً أُوْلَئِكَ هُمْ
[البينة: ٦].
شَرُّ الْبَرِيَّةِ
يذم الله تعالى الكفرة من أهل الكتاب
المخالفين لكتب الله، بسوء العاقبة،
واقترانهم بالمشركين، وأنهم شرار الخلق،
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ
فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا﴾، أي: إن هؤلاء
الذين دسوا أنفسهم بقبيح الشرك واجتراح
المعاصي، وإنكار الحق الواضح بعد
أن عرفوه كما يعرفون أبناءهم، يجازيهم
ربهم بالعقاب الذي لا يخلصون منه أبدًا،
فیدخلهم نارًا تلظى جزاء ما كسبت أيديهم،
وجزاء إعراضهم عما دعا إليه الداعي،
وهدت إليه الفطرة(١).
ثم ذمهم الله تعالى فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ
الْبَرِيَّةِ﴾، أي: هم شر الخليقة على الإطلاق،
الإصرارهم على الكفر والإشراك مع علمهم
بالحق (٢)، وتوسيط ضمير الفصل لإفادة
اختصاصهم بكونهم شر البريئة، لا يشاركهم
في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر(٣).
وذمهم الله تعالى على كفرهم وتضليل
(١) انظر: تفسير المراغي ٢١٦/٣٠.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٥/ ٤٧٢.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٤/٣٠.
المؤمنین وصدهم عن دينهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ لِمَ
تَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
مَنْ ءَامَنَ تَّبْغُونَهَا عَوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللّهُ
بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: ٩٨ -٩٩].
وغير ذلك من الآيات.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الذال
ذم في غير موضعه
نقل القرآن الكريم ذم الكفار للملائكة
والأنبياء والمرسلين والكتب السماوية
والمؤمنين، وبيان ذلك من خلال النقاط
الآتية:
أولًا: ذم المشركين للملائكة:
یخبر تعالی عن ذم المشرکین للملائكة،
قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَتِكَةَ الَّذِينَ هُمْ
عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَأْ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ
شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ ﴾ [الزخرف: ١٩].
يخبر الله تعالى أن الكفار افتروا على
الملائكة أنهم إناث، زاعمين أنهم بنات
الله، ثم توعدهم سبحانه بسوء المصير
بسبب افترائهم الكذب، فقال: ﴿ وَجَعَلُوا
الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَا أَشَهِدُواْ
خَلَقَهُمْ﴾، والجعل هنا بمعنى القول
والحكم على الشيء، كما تقول: جعلت
زيدًا أفضل الناس، أي: حکمت علیه بذلك،
أي: أن هؤلاء المشرکین زعموا وحكموا بأن
الملائكة الذين هم عباد الرحمن، وصفوة
خلقه، وأهل طاعته، زعموا أنهم إناث،
فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى
حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟(١).
ثم وبخهم على ذلك توبيخًا شديدًا،
وأنكر عليهم ذلك في قوله: ﴿أَشَهِدُواْ
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣/ ٧٠.
خَلْقَهُمْ ﴾، أي: أحضروا خلق الله لهم،
فشاهدوهم بنات حتى يحكموا بأنوثتهم؟
وفي هذا تجهیل شدید لهم، ورمي لهم
بالسفه والحمق، ثم توعدهم على مقالهم
فقال: ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾، أي:
ستكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في
الدنيا في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها
يوم القيامة ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن
يجدوا لذلك سبيلاً(٢).
وقد حكى القرآن ذلك في آيات أخر،
قال تعالى: ﴿أَفَأَ صْفَتَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَأَّخَذَ
مِنَ الْمَلَتِكَةِ إِنَّثَاْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا:
٤٠
[الإسراء: ٤٠].
وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثًا، فقد
ذكرها، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِلَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنَ
[النجم: ٢٧].
وقوله جل وعلا: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ
أَكِرَتِكَ أَلْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ
[الصافات: ١٤٩].
ثانيًا: ذم المشركين للأنبياء والمرسلين:
يخبر تعالى أن الكفار ذموا الأنبياء
والمرسلين.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِ اْأَسْوَاقٌ لَوْلَا أُنزِلَ
(٢) انظر: تفسير المراغي ٧٨/٢٥.
٢٣٢
جَوَسُولَةُ الْبَقِيم
القرآن الكريمِ

الزهر
اوبُلْتَ
إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (
إِلَيْهِ كَنزّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً
وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا
مَسْحُورًا (٥)﴾ [الفرقان: ٧-٨].
يقول تعالى مسليًا لرسوله الله صلى الله
عليه وسلم، عما كان يتعنت به المشركون،
فيما كانوا يقولونه عن الرسول، ﴿وَقَالُواْمَالِ
هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي
الْأَتْوَاقِ﴾، أي: إن مشركي قريش لم يكتفوا
بقولهم: إن محمدًا صلی الله عليه وسلم قد
افترى القرآن، وإن القرآن أساطير الأولين.
بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل
السخرية والتهكم والإنكار لرسالته: كيف
یکون محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا،
وشأنه الذي نشاهده بأعيننا، أنه ﴿يأكُلُ
الطَّعَامَ﴾، كما يأكل سائر الناس، ﴿وَيَمْشِى
فِي الْأَسْوَاقِ ﴾، أي: ويتردد فيها كما نتردد
طلبًا للرزق. ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ
مَعَهُ نَذِيرًا﴾، أي: هلا أنزل إليه ملك
یعضده ويساعده ویشهد له بالرسالة ويكون
هذا الملك، ﴿مَعَهُ نَذِيرً﴾، أي: منذرًا
من يخالفه بسوء المصير، ﴿أَوْ يُلْتَ إِلَيْهِ
كَنزُّ﴾، أي: مال عظیم یغنیه عن التماس
الرزق بالأسواق كسائر الناس، ﴿أَوْ تَكُونُ
لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، أي: حديقة مليئة
بالأشجار المثمرة، لكي يأكل منها ونأكل
معه من خيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن
تَتَِّعُونَ إِلَّرَجُلًا مَسْحُورًا﴾، أي: ما تتبعون
إلا رجلًا مسحورًا مغلوبًا على عقله، ومصابًا
بمرض قد أثر في تصرفاته(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا (١)
إِن كَادَلَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلًا أَنْ صَبَّرْنَا
عَلَيْهَاْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ
أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤١-٤٢].
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين
بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، إذا
رأوه، وقولهم ساخرين: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن
يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللهُ
رَسُولًا﴾، أي: على سبيل الذم والتنقص
والازدراء، قبحهم الله(٢).
وهذا صنف من الأذى تبعثهم إليه
مشاهدة الرسول في غير زي الكبراء
والمترفين، لا يجر المطارف ولا يركب
النجائب، ولا يمشي مرحًا ولا ينظر خيلاء،
ويجالس الصالحين ويعرض عن المشركين،
ويرفق بالضعفاء ويواصل الفقراء، وأولئك
يستخفون بالخلق الحسن، لما غلب على
آرائھم من أفن، لذلك لم يخل حاله عندهم
من الاستهزاء به إذا رأوه بأن حاله ليست
حال من يختاره الله لرسالته دونهم، ولا هو
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٧٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١١٣.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الذال
أهل لقيادتهم وسياستهم، وهذا الكلام صدر
من أبي جهل وأهل ناديه، وإسناد يتخذونك
إلی ضمیر الجمع للدلالة على أن جماعاتهم
يستهزئون به إذا رأوه، وهم في مجالسهم
ومنتدياتهم، وصيغة الحصر للتشنيع عليهم
بأنهم انحصر اتخاذهم إياه في الاستهزاء به
يلازمونه ويدأبون عليه، ولا يخلطون معه
شيئًا من تذکر أقواله ودعوته، فالاستثناء من
عموم الأحوال المنفية، أي: لا يتخذونك
في حالة إلا في حالة الاستهزاء(١).
وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ
رَسُولًا ﴾، مقول لقول محذوف وعائد
الموصول محذوف أيضًا، أي: كلما
وقعت أبصار أعدائك عليك - أيها الرسول
الكريم- سخروا منك، واستنكروا نبوتك،
وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم: أهذا
هو الإنسان الذي بعثه الله تعالى ليكون
رسولًا إلينا، وقولهم هذا الذي حكاه القرآن
عنهم، يدل على أنهم بلغوا أقصى درجات
الجهالة وسوء الأدب(٢).
ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه،
لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه صلى
الله عليه وسلم كانوا في واقع أمرهم،
وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة الحجة،
وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢/١٩.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٢٠٠.
جَوَبُواحَة التَّقِينَ
لِلْعَرَآن الْكْرِيْمِ
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلًاً أَنْ
صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾، يعنون: أنه كاد يثنيهم عن
عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلدوا
واستمروا على عبادتها(٣).
فهم يسمون الهداية إضلالًا لسوء
تقدیرهم للحقائق و تقویمهم للقيم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، تهديد لهم
على سوء أدبهم، وعلى جحودهم للحق
بعد أن تبين لهم، أي: وسوف یعلم هؤلاء
الكافرون حين يرون العذاب ماثلاً أمام
أعينهم، من أبعد طريقًا عن الحق، أهم أم
المؤمنون (٥).
ثالثًا: ذم المشركين للكتب السماوية:
يخبر تعالى أن الكفار ذموا الكتب
السماوية.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا
إِلََّ إِفْكُ أَفْتَرَنَهُ وَأَعَانَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ
جَهُ و ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
اُكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾
[الفرقان: ٤-٦].
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١١٣،
التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٠٠/١٠.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٦٥/٥.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٢٠٠.
٢٣٤

الذمر
يخبر تعالى عن سخافة عقول الجهلة
من الكفار، في قولهم عن القرآن: إنه إنك،
وإنه أساطير، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ
إِفْكُّ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونَ﴾، أي:
وقال الكافرون: إن هذا القرآن ليس من
عند الله، بل اختلقه محمد، وأعانه على
ذلك جماعة من أهل الكتاب ممن أسلموا،
وكان يتعهدهم ويختلف إليهم فيلقون إليه
أخبار الأمم الغابرة، وهو يصوغها بلغته
وأسلوبه الخاص (١)، وإسناد هذا القول إلى
جميع الكفار لأنه واقع بين ظهرانيهم وكلهم
يتناقلونه (٢)
فرد الله عليهم مقالهم فقال: ﴿فَقَدْ
◌َهُو ظُلْمًا وَزُورًا﴾، أي: فقد وضعوا الأشياء
في غير مواضعها، وكذبوا على ربهم، إذ
جعلوا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه إفكّا مفترى من قبل
البشر، وكيف يتقولون ذلك على الرسول،
وقد تحداهم أن يأتوا بمثله، وهم ذوو اللسن
والفصاحة والغاية في البلاغة، فعجزوا
أن يأتوا بمثله، ولو كان ذلك في مكنتهم
ما ادخروا وسعًا في معارضته، وقد ركبوا
الصعب والذلول ليدحضوا حجته، ويبطلوا
دعوته، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو
في ذلك بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا هم
بغيرهم(٣).
ثم حكى الله تعالى عنهم مقولة أخرى
من مقولاتهم الفاسدة: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ
الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَعِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ
بُكْرَةُ وَأَصِيلًا﴾، أي: ما هذا إلا أحاديث
الأولين الذين كانوا يسطرونها في كتبهم
من نحو أحادیث رستم وإسفندیار، اکتتبها
من اليهود فهي تستنسخ منهم وتقرأ عليه،
ليحفظها غدوة وعشيًا، أي: قبل انتشار
الناس وحين يأتون إلى مساكنهم، وقد عنوا
بذلك أنها تملى عليه خفية لئلا يقف الناس
على حقيقة الحال، وهذه جرأة عظيمة منهم،
قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد یکون مرادهم
أنها تملى عليه دائمًا (٤).
ثم أمره الله تعالى بإجابتهم عما قالوا
بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾، أي: قل لهم ردًا وتحقيقًا للحق:
ليس ذلك كما تزعمون، بل هو أمر سماوي
أنزله الذي لا يعزب عن علمه شيء، وأودع
فیه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع
لا تحوم حوله الأفكار، ومن ثم أعجزكم
بفصاحته وبلاغته، کما أخبر کم فیه بمغیبات
مستقبلة، وأمور مكنونة، لا يوقف عليها
كان محمد صلى الله عليه وسلم قد استعان إلا بتوفيق العليم الخبير، ﴿إِنَّهُ كَانَ
(١) انظر: تفسير المراغي ١٨/ ١٥٠.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٥٠/١٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٢/١٨. (٤) انظر: المصدر السابق ١٥١/١٨.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الذال
غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، أي: إنكم استوجبتم العذاب رابعًا: ذم المشركين للمؤمنين:
بمكايدتكم لرسوله، لكنه لم يعجله لكم
رحمة بكم، رجاء توبتکم وغفران ذنوبكم،
ولولا ذلك لصب عليكم العذاب صبًا (١).
قال ابن كثير: ((وهذا الكلام لسخافته
و کذبه وبهته منهم كل أحد يعلم بطلانه،
فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا
رسول الله لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة،
لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بین
أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله
نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله
ومخرجه، وصدقه، وبره وأمانته ونزاهته من
الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة،
حتی إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى
أن بعث إلا الأمين، لما يعلمون من صدقه
وبره.
فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له
العداوة، ورموه بهذه الأقوال التي يعلم
كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يقذفونه
به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة
يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون،
وتارة يقولون: كذاب.
قال الله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيّفَ ضَرَبُواْ لَكَ
الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾
[الإسراء: ٤٨]))(٢).
(١) انظر: تفسير المراغي ١٨/ ١٥٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٩٤.
يخبر تعالى أن الكفار ذموا المؤمنين.
قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
قَوْمِهِ، مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَتِكَ
أُتَبَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ اٌلَِّ
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلّ نَظُنُّكُمْ
كَذِبِينَ ﴾ [هود: ٢٧].
پخبر تعالى أن قوم نوح عليه السلام كان
ردهم له علی دعوته ذم أتباعه واستنقاصهم،
﴿وَمَا نَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَافِلْنَا﴾، أي: سفلتنا، والرذل الدون
من كل شيء، قيل: هم الحاكة والأساكفة
وأصحاب الصنائع الخسيسة.
وإنما قالوا ذلك جهلا منهم أيضًا؛ لأن
الرفعة في الدين ومتابعة الرسول لا تكون
بالشرف ولا بالمال والمناصب العالية، بل
للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل، ولا
يضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم
في الدین.
﴿بَادِىَ الرَّأْيِ﴾، أي: أنهم اتبعوك في
أول الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك،
ولو تفكروا ما اتبعوك، وقيل: معناه: ظاهر
الرأي، يعني: أنهم اتبعوك ظاهرًا من غير أن
تفكروا باطنًا.
﴿وَمَا نَرَىْ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾، يعني:
بالمال والشرف والجاه.
وهذا القول أيضًا جهل منهم؛ لأن
٢٣٦
جَوْنُوحَة التَّقِين
القرآن الكريمِ

الزمر
الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان فقال هرقل: هم أتباع الرسل(٢).
والطاعة لا بالشرف والرياسة، ﴿بَلّ نَظُنُّكُمْ
كَذِينَ﴾.
قیل: الخطاب لنوح ومن آمن معه من
قومه، وقيل: هو لنوح وحده، فعلى هذا
يكون الخطاب بلفظ الجمع للواحد على
سبيل التعظيم (١).
قال ابن كثير: ((هذا اعتراض الكافرين
علی نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل
علی جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس
بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق
في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو
الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع
الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين
يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء.
ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء
الناس، والغالب على الأشراف والكبراء
مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَّفُوهَا إِنَّا
وَجَدِّنَاَءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَىْ ءَاتَّرِهِم مُقْتَدُونَ
(٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان
صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله
عليه وسلم، قال له فيما قال: أشراف الناس
اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٨١/٢.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَلَّذِينَ كَفَرُوا
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاْ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ
يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَآَ إِنْكٌ قَدِيمٌ (١)﴾
[الأحقاف: ١١].
أي: وقال الذين كفروا للذين آمنوا -على
سبيل الذم والسخرية والاستخفاف بهم-، لو
کان هذا الذي أنتم عليه من الإيمان بما جاء
به محمد صلی الله علیه وسلم حقّا وخیرًا،
لما سبقتمونا إليه، ولما سبقنا إليه غيركم من
المؤمنين لأننا نحن العظماء الأغنياء، وأنتم
الضعفاء الفقراء (٣).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٦/٤.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣ / ١٨٧.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الذال
مقاصد الذم في القرآن
إن مقاصد الذم في القرآن الكريم هو
الحرص على الحفاظ على الكليات الخمس
الضرورية: (الدين والعقل والنفس والمال
والنسل)، وصيانتها من كل ما يفسدها
ويدمرها، وبيان ذلك كما يأتي:
أولًا: الذم لحفظ الدين:
ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم
هو تطهير المجتمع الإسلامي من العقائد
الفاسدة الموروثة، والحفاظ على العقيدة
الصحيحة، والتي هي سبب الفوز والنجاح
والفلاح في الدنيا والآخرة.
وهي السبب في الحفاظ على الفرد
والأسرة والمجتمع، وهي التي تحفظ الفرد
من البدع والضلالات والشبهات، ولذلك
ذم الله تعالى كل العقائد الفاسدة والسبل
المؤدية إلى الضلال من الشرك والكفر،
واليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد
القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والشذوذ
والأهواء والطوائف، كما بين العاقبة السيئة
التي انتهى إليها كل هؤلاء بسبب كفرهم
وإعراضهم عن الحق، وأشير إلى ذلك في
آيات كثيرة، كما سبق في البحث (١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٣٨/٧، تفسير القرآن الكريم، ابن القيم
ص ١٨، تفسير المراغي ٢٥/٢٥، في ظلال
القرآن، سيد قطب ٣/ ١٢١٧.
وكما ذم القرآن الكريم كل العقائد
الفاسدة وتوضيحها وتطهير المجتمع
منها، فقد ذم أيضًا كل ما يفسد الدين من
الأخلاق القبيحة والفاسدة، وعالج عناصر
الضعف البشري مع علاج رواسب الجاهلية
والعصبية، في كل صورها وإقامة هذا
المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية،
على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة
التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة
والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء
والميول والشهوات!(٢).
وعامة ما ذم الله به المشركين في
القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو
الشرك والتحريم، كما حكي عنهم في
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْلَوْ شَآءَ اللَّهُ
مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَحْرَّ
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ ذَاقُواْ
بَأْسَنَاقُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَاً
إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
[الأنعام: ١٤٨]، وأما من ترك المأمور
١٤٨
به فقد ذمهم الله كما ذمهم على ترك الإيمان
به وبأسمائه وآياته وملائكته وكتبه ورسله
والبعث بعد الموت والجنة والنار وترك
الصلاة والزكاة والجهاد وغير ذلك من
الأعمال (٣).
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٥٢.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١١٣/٢٠.
مُوسَو ◌َرَ
جوبي
القرآن الكريم
٢٣٨