Indexed OCR Text

Pages 21-40

الزمر
الصفات القبيحة، التي على رأسها تعمدهم من غضب الله عليهم، لا من رضي الله
الكذب، وإصرارهم عليه، والكذب: هو عنهم (٢).
الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه
سواء فيه العمد والخطأ، والكذب: الخبر
المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر
من غير نظر إلى كون الخبر موافقًا لاعتقاد
المخبر أو هو على خلاف ما يعتقده،
ولكنه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع
والمخالفة لاعتقاد المخبر كان ذلك مذمومًا
ومسبة، وإن كان معتقدًا وقوعه لشبهة أو سوء
تأمل فهو مذموم، ولكنه لا يحقر المخبر به.
والأكثر في كلام العرب أن يعني بالكذب
ما هو مذموم، والكذب خلاف الصدق، وهو
جامع لكل الصفات الرديئة(١).
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾، استفهام للتعجيب من
حال هؤلاء المنافقين، حيث اتخذوا اليهود
حلفاء لهم، ينقلون إليهم أسرار المؤمنین،
والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم
القوم الذين غضب الله عليهم، وهم اليهود
والكفار، وهذا الإنكار يدل على شدة منع
ذلك التولي، والمراد بالقوم الذين غضب
الله عليهم: اليهود، ووصفهم بذلك للتنفير
منهم، ولبيان أن المنافقين قد بلغوا النهاية
في القبح والسوء، حيث والوا وناصروا
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٥٢٨/٢،
التعريفات، الجرجاني ص ١٨٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٤/ ١٠.
وقوله تعالى: ﴿مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾،
أي: فلا هم بالمؤمنين حقًّا بل هم مؤمنون
من طرف اللسان مداراة للمؤمنين وخوفًا
من بطشهم، ولا هم مع اليهود، لأنهم لا
يعتقدون أنهم على الدين الحق، ولكنهم
يريدون أن ينتفعوا بما عندهم من عرض
الدنيا، وأن يحتفظوا بمودتهم إذا احتاجوا
إليها(٣)
وقوله: ﴿وَلَامِنْهُمْ﴾، احتراسًا وتتميمًا
لحكاية حالهم، وعلى هذا الاحتمال يكون
ذم المنافقين أشد؛ لأنه يدل على حماقتهم،
إذ جعلوا لهم أولياء من ليسوا على دينهم،
وقوله تعالى: ﴿أَلَوْتَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا فهم لا يوثق بولايتهم وأضمروا بغض
المسلمين فلم يصادفوا الدين الحق (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَعْلِفُونَ عَلَ اُلْكَذِبِ وَهُمْ
يعلمُونَ﴾، أي: أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار
المؤمنين، مع أنهم لا تربطهم باليهود أية
رابطة، لا من دين ولا من نسب، وفضلًا
عن كل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين يواظبون
ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف
للواقع، والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٥٥٣/٧،
التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤/ ٢٦٧.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٢٢/٢٨.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨/٢٨.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الذال
علمًا لا يخالطه شك أو ريب(١).
وجملة: ﴿وَيَعْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾، عطف
على ﴿َلَّواْ﴾، وجيء به مضارعًا للدلالة
على تجدده ولاستحضار الحالة العجيبة في
حین حلفهم علی الکذب للتنصل مما فعلوه،
والكذب الخبر المخالف للواقع، وهي
الأخبار التي يخبرون بها عن أنفسهم في
نفي ما يصدر منهم في جانب المسلمين (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًاً
إِنَّهُمْ سَلَهُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: أرصد الله
لهم نكالًا وعذابًا أليمًا جزاء صنيعهم بغش
المسلمين واطلاع أعدائهم على أسرارهم
(٣)
ونصحهم لهم(٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلُ مِمَنِ اُفْتَرَى
عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِثَايَتِهِ: إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: ١٧]، أي:
لا أحد أشد ظلمًا عند الله، وأجدر بعقابه
وغضبه، ممن افترى عليه الكذب، بأن
نسب إليه سبحانه ما هو بريء منه، أو كذب
بآياته وحججه التي أنزلها لتأييد رسله (٤)،
فأظلم الظالمين من يجرؤ على ركوب هذا
المركب المهلك فيتقول على الله، ويفتري
الأحادیث علیه.
وأظلم الظالمين من يرى آيات الله،
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤/ ٢٦٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨/٢٨.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٧/ ٤٢.
جوية
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ
ويستمع إليها، ثم يكذب بها، ويصم أذنيه
عنها، ويغلق عقله وقلبه دونها (٥).
والاستفهام إنكاري، والظلم: هنا بمعنى
الاعتداء، وإنما كان أحد الأمرين أشد
الظلم؛ لأنه اعتداء على الخالق بالكذب
عليه ويتكذيب آياته(٦).
وإنما كانوا أشد الظالمين ظلمًا؛ لأن
الظلم الاعتداء على أحد بمنعه من حقه
وأشد من المنع أن يمنعه مستحقه ويعطيه
من لا يستحقه، وأن يلصق بأحد ما هو بريء
منه، وتقييد الافتراء بالحال الموكدة في
قوله كذبًا لزيادة تفظيع الافتراء؛ لأن اسم
الكذب مشتهر القبح في عرف الناس، وإنما
اختير الافتراء للدلالة على أنهم يتعمدون
الاختلاق تعمدًا لا تخالطه شبهة. وتقييد
تكذيبهم بالحق بقوله لما جاءه لإدماج ذم
المكذبين بنكران نعمة إرسال الحق إليهم
التي لم يقدروها قدرها، وكان شأن العقلاء
أن يتطلبوا الحق ویرحلوا في طلبه، وهؤلاء
جاءهم الحق بین أیدیهم فكذبوا به، وأيضًا
فإن (لما) التوقیتیة تؤذن بأن تکذیبھم حصل
بدارًا عند مجيء الحق، أي: دون أن يتركوا
لأنفسهم مهلة النظر(٧).
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
وقوله تعالى:
(٥) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
يونس ٦/ ٩٧٤.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٤/١١.
(٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥/٢١.
٢٠٠

الزمر
المُجْرِمُونَ ﴾، تذييل قصد به التهدید
والوعيد، أي: إن حال وشأن هؤلاء
المجرمين، أنهم لا يفلحون، ولا يصلون
إلى ما يبغون ويريدون (١).
٦. العناد.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
العناد.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ
ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَاَلْفُمَّلَ
١٣٣١٢
وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ
قَوْمًا تُجْرِمِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٢ -١٣٣].
ذم الله تعالى قوم فرعون بسبب عنادهم
وعتوهم، للحق وإصرارهم على الباطل،
﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا
غَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي: إنك إن جئتنا
بكل نوع من أنواع الآيات التي يستدل
بها على أنك محق في دعوتك، لأجل أن
تسحرنا بها وتصرفنا بها بدقة ولطف عما
نحن فيه من ديننا ومن تسخيرنا لقومك في
خدمتنا، فما نحن بمصدقين لك ولا بمتبعين
رسالتك (٢).
وجملة: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾،
مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم
بموسى؛ لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٢/٧.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٤٢.
الجملة الاسمية التي حكته من الدلالة على
ثبوت هذا الانتفاء ودوامه، وبما تفيده الباء
من توكيد النفي، وما يفيده تقديم متعلق
(مؤمنين) من اهتمامهم بموسى في تعليق
الإيمان به المنفي باسمه، ومنطقهم هذا يدل
على منتهى العناد والجحود، فهم قد صاروا
في حالة نفسية لا يجدي معها دلیل ولا ينفع
فيها إقناع، لأنهم قد أعلنوا الإصرار على
التکذیب حتى ولو أتاهم نبیھم بألف دليل
ودليل، وهكذا شأن الجبارين الذين قست
قلوبهم، ومسخت نفوسهم(٣).
ثم أخبر تعالى ما حل بهؤلاء الفجرة
من عقوبات جزاء عتوهم وعنادهم فقال:
﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُّوفَانَ وَالْجْرَادَ وَاَلْقُمَّلَ
وَالضَّفَاِعَ وَالدَّمَ مَيَّتٍ مُّفَصَّلَتِ فَأُسْتَكْبَرُوا
وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾، والفاء في قوله:
فَأَرْسَلْنَا﴾، لتفريع إصابتهم بهذه
المصائب على عتوهم وعنادهم(٤)، أي:
فأرسلنا عليهم عقوبة على جرائمهم تلك
المصایب والنكبات، وهي آيات بينات على
صدق رسالة موسى، إذ قد توعدهم بوقوع
كل واحدة منها على وجه التفصيل، لتكون
دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل تأويلا
بأنها وقعت لأسباب لا ارتباط لها برسالته،
فاستكبروا عن الإيمان بها لرسوخهم في
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٩/٩،
التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٥٨/٥.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٩/٩.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الذال
الإجرام والإصرار على الذنوب وإن كانوا وأكل منهم شعور رؤسهم وأهدابهم
يعتقدون صدق دعوته و صحة رسالته(١).
ثم بين صنوف العذاب، ومنها الطوفان:
وهو ما طاف بهم وغشی أماکنھم وحروثهم
من مطر أو سيل، فهو اسم جنس من الطواف.
وقيل: إنه في الأصل مصدر، وهو اسم
لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم؛
كالماء الكثير، والقتل الذريع، والموت
الجارف، وقد اشتهر في طوفان الماء.
وقيل: الموت، وقيل: هو الطاعون.
ثم أرسل علیهم الجراد، وهو جند من
جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من
عباده، فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم
وسقوف دورهم، ولم يدخل دور بني
إسرائيل.
فضجوا إلى موسى وفزعوا لشدة ما
حل بهم، وأعطوه العهود والمواثيق بأنه إذا
کشف عنهم هذا الضر يؤمنون به ويرسلون
معه بني إسرائيل، فدعا ربه فكشفه بعد أن
دام سبعة أيام، وقبل أن يقضي على البقية
الباقية من مواشيهم.
فلما كشف عنهم، قالوا: بقي لدينا ما
یکفینا، ما نحن بتارکی دیننا من أجلك،
ونكثوا عهودهم، فدعا عليهم فأرسل الله
.
وَالْقُمَّلَ
عذابًا سابعًا ذكره بقوله:
فملأ طعامهم وشرابهم وآلمهم بقرحة
وحواجبهم، ولم يصب بني إسرائيل شيء
منه، فاشتد عليهم البلاء أكثر من ذي قبل،
فعجوا إلى موسى واستغاثوا به ووثقوا إليه
العهود وعظموا له الايمان بأنه إذا كشف
عنهم هذه المرة يؤمنون ولا يعودون إلى
الكفر ويرسلون معه بني إسرائيل، وذلك
بعد أن دام عليهم سبعة أيام أيضًا، فرق لهم
موسی ورحمهم ودعا ربه، فکشف عنهم،
فلم يبق منه واحدة، فقالوا: ما كنا نوقن أنه
ساحر مثل اليوم!
كيف ذهب ما كنا نراه بكلمة واحدة،
ونكثوا عهدهم، ونقضوا أيمانهم، فدعا
عليهم، فأرسل عذابًا ثامنًا بينه بقوله:
﴿وَالضَّفَائِعَ﴾.
وهکذا توالت الآيات حتى بلغت تسعًا،
و کلما کشف عنهم عادوا إلى سابق عهدهم
من الكفر والضلال، وسمى الله تعالى هذا
العذاب الذي أرسله على بني إسرائيل آيات؛
لأنها دلائل على صدق موسى؛ لاقترانها
بالتحدي، ولأنها دلائل على غضب الله
عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا على
الكفر والعناد، و﴿مُفَصَّلَتِ﴾ وصف لآیات.
فيكون مرادًا منه معنى الفصل المجازي
وهو إزالة اللبس؛ لأن ذلك هو الأنسب
بالآيات والدلائل، أي: هي آيات لا شبهة
في کونھا کذلك لمن نظر نظر اعتبار.
(١) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٤٣.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِدْ
القرآن الكريمِ
٢٠٢

الزمر
وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن
بعض في الزمان، أي: لم تحدث كلها في
وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض.
وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على
تراخي المدة بين الواحدة والأخرى.
ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا،
وأطول زمنا، کما دل عليه قوله تعالى:
﴿وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَآيَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ
أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
[الزخرف: ٤٨].
وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل
﴿مُفَصَّلَتِ﴾ حالًا ثانية من الطوفان والجراد،
وأن لا يجعل صفة لآيات، ثم أخبر الله
تعالى أن هذه الآيات لم تنفع فيهم وأنها لم
تزدهم إلا كبرًا وعتوًا وبعدًا عن الحق.
والفاء في قوله تعالى: ﴿ناسْتگبرُواْ ﴾،
للتفريع والترتيب، أي: فتفرع على إرسال
الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على
أخذهم بالسنین غرورهم بأن ذلك من شؤم
موسى ومن معه، فعلم أن من طبع تفكيرهم
فساد الوضع، وهو انتزاع المدلولات من
أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم
في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن
السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في
وحل الشقاوة، فالاستكبار: شدة التكبر كما
دلت عليه السين والتاء، أي: عد أنفسهم
كبراء، أي: تعاظمهم عن التصديق بموسى
وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك
الآيات المفصلات.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾
[الأعراف: ١٣٣]، معطوفة على جملة
﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾، فالمعنى: فاستكبروا عن
وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة
الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف
الإجرام فیھم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم
من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه
على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة
للاستكبار الصادر منهم، فـ (كان) دالة على
استمرار الخبر وهو وصف الإجرام.
وهذه الآيات التي أرسلها الله تعالى على
فرعون وقومه كانت متعلقة بالزرع وآفاته،
وهم أهل زرع وضرع من أقدم العصور(١).
ومن صفات الذم عنادهم وتكبرهم
عن اتباع الحق والرضى بالكفر، كقوله
تعالى: ﴿مِّنَ اُلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ
مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِى أَلِينِ﴾
[النساء: ٤٦].
قال القرطبي: «وذمهم الله تعالى بذلك
لانهم يفعلونه متعمدين))(٢).
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٥٢/٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٦٩.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٣/٥.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الذال
٧. الغرور.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الغرور.
قال تعالى: ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا
مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
ذَالِكَ
٢٣
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ
بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ
وَغَّهُمْ فِ دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ [آل
عمران: ٢٣- ٢٤].
يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين
أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا
أقوم الناس به وأسرعهم انقيادًا لأحكامه،
فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم
الكتاب تولی فريق منهم وهم يعرضون،
تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا
غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن
نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما
أصابهم، بل الواجب علی کل أحد إذا دعي
إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد(١).
ثم ذكر السبب الذي غر أهل الكتاب
بتجرئهم على معاصي الله، وهو قولهم:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَتَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًاً
◌َّعْدُودَاتٍ وَغَّهُمْ فِ دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾،
افتروا هذا القول فظنوه حقيقة، فعملوا على
ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٢٦.
منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا
في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما
مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة (٢).
والغرور: هو سكون النفس إلى ما يوافق
الهوى، ويميل إليه الطبع، والغرور: هو كل
ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه
أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر
الإنسان وتخدعه وتجعله غافلا عن اتباع
الحق(٣).
وذم الله تعالى الغرور في الدين
والجنس.
قال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ
أَنْفُسَهُمّ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَلِبٌ وَكَفَى بِه
٤٩
إِثْمًا مُبِينًا
* [النساء: ٤٩- ٥٠].
ويذم الله تعالى الغرور، كما قال تعالى:
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُم﴾، أي: انظر
واعجب من الذين يدعون أنهم أذكياء بررة
عند الله، مع ما هم عليه من الكفر وعظيم
الذنب، زعمًا منهم أن الله یکفر لهم ذنوبهم
التي عملوها، والله لا يغفر لكافر شيئًا من
كفره ومعاصيه (٤)
٠
وقد رد الله عليهم دعواهم الزكاة
والطهارة فقال: ﴿بَلِ اَللَّهُ يُزَّكِى مَن يَشَاءُ﴾،
أي: لا عبرة بتزكيتكم أنفسكم بأن تقولوا:
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٦١.
(٤) انظر: تفسير المراغي ٥٩/٥.
٢٠٤
بوبوبحة النفسية
القرآن الكريمِ

الزمر
نحن أبناء الله وأحباؤه، وبأنكم لا تعذبون
في النار، لأنكم شعب الله المختار،
وتتفاخروا بنسبکم ویدینکم، بل الله یزكى
من يشاء من عباده، من أي شعب كان،
ومن أي قبيلة کانت، فیهدیھم إلی صحيح
العقائد، وفاضل الآداب، وصالح الأعمال.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، أي:
ولا ينقص الله هؤلاء الذين يزكون أنفسهم
شيئًا من الجزاء على أعمالهم(١).
وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَِّبَ﴾، أي: انظر كيف يكذبون على الله
بتزكية أنفسهم وزعمهم أن الله يعاملهم
معاملة خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا ﴾، أي:
إن تزكية النفس، والغرور بالدين والجنس،
مما يبطئ عن نافع العمل الذي يثاب عليه
الناس، وکفی بهذا إثمًا ظاهرًا، لأنه لا أثر
له من حق، ولا سمة علیه من صواب، فالله
لا يعامل شعبًا معاملة خاصة تغاير سننه
التي وضعها في الخليقة، وما مصدر هذه
الدعوى إلا الغرور والجهل، وکفی بذلك
شرًا مستطيرًا(٢).
٨. الاستكبار.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الاستكبار.
(١) انظر: تفسير المراغي ٦٠/٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ٦١/٥.
قال تعالى: ﴿قِيلَ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى الْمُنَّكَبِرِينَ
[الزمر: ٧٢].
ذم الله تعالى المتكبرين بسوء العاقبة،
والاستكبار: طلب العبد كبر الشأن بتصغير
غيره، وهي صفة ذم (٣).
وقوله: ﴿قِلَ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ
فیھا﴾، أي: کل من رآهم وعلم حالهم يشهد
عليهم بأنهم مستحقون للعذاب؛ ولهذا لم
يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه
ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم
مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير
عليهم به، ﴿خَلِينَفِيهَا ﴾، أي: ماکثین فيها
لا خروج لکم منها، ولا زوال لکم عنها،
﴿فَئْسَمَثْوَىالْمُتَكِينَ ﴾، أي: فبئس
المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم
في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي
صیرکم إلی ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس
المال (٤).
﴿فَتْسَ مَثْوَىَ
سبحانه:
وقال
المُتَكَتِينَ﴾، ولم يقل: فبئس مدخل
المتكبرين، للإشارة إلى خلودهم في جهنم،
إذ الثواء معناه: الإقامة الدائمة، مأخوذ من
ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة (٥).
وجاء ذم التكبر في آيات أخر، قال تعالى:
(٣) انظر: تفسير ابن فورك ٢١٨/٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٩/٧.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢/ ٣١٢.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الذال
فَادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَلَيْسَ
مَثْوَىَ الْمُتَكَِّرِينَ ﴾ [النحل: ٢٩].
ويوم القِيَمَةِ تَرى
وقال جل وعلا:
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَهُ
أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَّبِِّنَ ®
[الزمر: ٦٠].
وأخبر سبحانه: أن أهل الكبر والتجبرهم
الذين طبع الله على قلوبهم، فقال جل في
علاه: ﴿الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمٌّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللّهِ وَعِندَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِ قَلْبٍ مُتَكَيٍِّ
جَبَّارٍ ﴾ [غافر: ٣٥](١).
ثالثًا: الصفات الخلقية المذمومة في
القرآن:
من أسباب الذم عند الناس في القرآن
الكريم الصفات الخلقية.
قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى
فَلَوَّلَا أَلْغِىَ عَلَيْهِ
٥٢
هُوَ مَهِينٌّ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ ﴾ [الزخرف: ٥٢-٥٣].
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده
وعتوه و کفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادی
فيهم متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه
فيها: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌّ وَلَا
يَكَادُ بُبِينٌ﴾، وأم هنا للإضراب على تلك
(١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣١٦/٢.
وَضوري
المشاعر التي يراها فرعون تتحرك في صدور
قومه، من استخفاف به، وإكبار لموسی.
فهو يقول لهم: لا تظنوا هذه الظنون
بموسى، ولا تجعلوه معي على كفة ميزان،
إنه ليس مثلي، ولا خيرا مني، بل أنا خير
من هذا الذي هو مهين، لا ملك معه، ولا
سلطان له، ولا منطق مستقيم على لسانه (٢).
والمعنى: بل أنا ولا شك خير -بما
لي من السعة في المال والجاه والملك
العريض- من هذا المهين الحقير الذي
لا يكاد يفصح عما يريد، إذ كان في لسانه
حبسة في صغره فعابه بها، وهو لا يعلم أن
الله استجاب سؤله حين قال: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً
مِنْ لِسَانِ ، يَفْقَهُواْ قَوْلِ (٥)﴾﴾ [طه: ٢٧-٢٨].
فحل عقدة لسانه كما جاء في قوله: ﴿قَالَ
قَدْ أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴾ [طه: ٣٦](٣).
ومقصوده: تصغير شأن موسى في
نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة،
انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون
بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة
قومه إياه، والمهين: الذليل الضعيف، أراد
أنه غريب ليس من أهل بيوت الشرف في
مصر وليس له أهل يعتز بهم، ولعل فرعون
قال ذلك لما يعلم من حال موسى قبل أن
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
يونس ١٣/ ١٤٤.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢٣١،
تفسير المراغي ٩٩/٢٥.
٢٠٦
جوسين
القرآن الكريمِ

الزمر
يرسله الله حين كان في بيت فرعون، فذكر ابذل أيها النبي جهدك في مقاومة هاتين
ذلك من حاله ليذكر الناس بأمر قديم(١).
الطائفتين اللتين تعيشان بين ظهرانيك بمثل
ما يبذلان من جهد في عداوتك، وعاملهما
بالغلظة والشدة التي توافق سوء حالهما(٣).
قال ابن کثیر: «وهذا الذي قاله فرعون
لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على
هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى،
عليه السلام، بعين كافرة شقية، وقد كان
موسى عليه السلام، من الجلالة والعظمة
والبهاء في صورة تبهر أبصار ذوي الأبصار
۵﴾، كذب، بل هو
والألباب، وقوله: ﴿
المهین الحقیر خلقة وخلقًا ودینًا، وموسى
عليه السلام هو الشريف الرئيس الصادق
البار))(٢).
رابعًا: سوء العاقبة:
من أسباب الذم في القرآن الكريم: سوء
العاقبة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنهُمْ جَهَنٌَّ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: ٧٣].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ
٢٨
نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ
٢٩
[إبراهيم: ٢٨-٢٩].
ذم الله تعالى الكفار والمنافقين
بسوء العاقبة، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٢٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣١/٧.
وقرن المنافقون هنا بالكفار: تنبيهًا على
أن سبب الأمر بجهاد الكفار قد تحقق في
المنافقين، فجهادهم كجهاد الكفار، وإلقاء
الرعب في قلوبهم، فإن كل واحد منهم
يخشى أن يظهر أمره فيعامل معاملة الكفار
المحاربين فيكون ذلك خاضدًا شوكتهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْلُظْ عَلَّهِمْ ﴾، من
الغلظة التي هي نقيض الرقة والرأفة، يقال:
أغلظ فلان في الأمر إذا اشتد فيه ولم
يترفق (٥).
وإنما وجه هذا الأمر إلى الرسول عليه
الصلاة والسلام لأنه جبل على الرحمة،
فأمر بأن يتخلى عن جبلته في حق الكفار
والمنافقين وأن لا يغضي عنهم كما كان
شأنه من قبل(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّهٌ وَيِئْسَ
المصیرُ ﴾، تذییل قصد به بیان سوء مصیرهم
في الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين
نحوهم في الدنيا، أي: عليك -أيها النبي-
أن تجاهدهم وأن تغلظ علیهم في الدنيا، أما
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٦٣/١٠.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٥/١٠.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٥١/٦.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٧/١٠.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الذال
في الآخرة فإن جهنم هي دارهم وقرارهم، بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم في الكفر
والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: والعناد حتى ماتوا على ذلك، والبوار:
وبئس المصير مصيرهم، فانه لا مصير أسوأ
من الخلود في جهنم.
ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على
المؤمنين -في كل زمان ومكان- أن
يجاهدوا أعداءهم من الكفار والمنافقين
بالسلاح الذي يرونه كفيلا بأن يجعل كلمة
الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى(١).
وقوله سبحانه: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾، الخطاب فيه للنبي صلى والاستمرار (٣).
الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب،
والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة،
و(بدلوا) من التبديل بمعنى التغيير
والتحويل، والمراد به: وضع الشيء في
غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم
الشكر، ونعمة الله التي بدلوها، تشمل
کفرهم بالرسول صلی الله عليه وسلم الذي
أرسله الله تعالى لإخراجهم من الظلمات
إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم -أي:
أهل مكة- بأن جعلهم في حرم آمن،
وجعلهم سدنة بيته، ولكنهم لم يشكروا الله
على هذه النعم، بل أشركوا معه في العبادة
آلهة أخرى.
ثم بین رذيلة أخرى من رذائلهم، فقال:
﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَّارِ﴾، والمراد
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٥٢/٦.
الهلاك والخسران، ويطلق أيضًا على
الكساد، يقال: بار المتاع بوارًا، إذا كسد، إذ
الكاسد في حكم الهالك(٢).
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾، أي: جهنم يصلون
حرها وسعيرها، ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ قرارهم
فيها، والمخصوص بالذم محذوف، أي:
بئس القرار هي، أي: جهنم. وفيه إشارة
إلی أن حلولھم فیھا کائن على وجه الدوام
(٢) انظر: المصدر السابق ٥٥٥/٧.
(٣) انظر: المصدر السابق ٥٥٦/٧.
٢٠٨
القرآن الكريم

الذمر
نماذج مذمومة في القرآن الكريم
لقد ذم القرآن الكريم الذين خالفوا ما
شرعه الله من أمور دينهم ودنياهم سواءً
كانوا أفردًا أو أممًا أو مللًا، وبيان ذلك في
النقاط الآتية:
أولًا: أفراد ذمها الله تعالى:
ذم القرآن الكريم أفرادًا؛ كالشيطان
والنمرود وفرعون وهامان وقارون ويأجوج
ومأجوج وامرأة لوط وامرأة نوح، وبيان
ذلك كما يأتي:
١. الشيطان.
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَنَّبِعُواْ
قال تعالى:
خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَن يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْتُهُ, مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبْدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِّي
مَنْ يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٢١].
ذم القرآن الكريم الشيطان في مواضع
كثيرة، وورد لفظ (الشيطان) في (ثمانٍ
وستين) آيةً(١).
وحذرت الآية المؤمنين من الشيطان
وخطر اتباعه، وأن يستجيبوا له فيما يدعوهم
إلیه، فإن دعوته لا تكون إلا إلى شر.
﴿َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، بدء الخطاب بالنداء
المؤكد للمؤمنين بـ (أيها) لتنبيه المخاطبين
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن
الكريم، محمد فؤاد ١ /٤٦٩.
على أنما بعده أمر خطير، يستدعي مزيد
العناية والاهتمام بشأنه، ووصفهم بالإيمان
لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة علیه،
ووازع عن الإخلال به(٢).
وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان
فيتبع المؤمنون خطاه، وهم أجدر الناس أن
ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقًا غير
طريقة المشئوم! صورة مستنكرة ينفر منها
طبع المؤمن، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر
لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة
المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر
والحساسية(٣).
وقوله تعالى: ﴿لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنِ﴾، أي: لا تسلكوا مسالكه في كل
ما تأتون وتذرون من الأفاعيل، والتي من
جملتها: منع الإحسان إلى من أساء إليكم
غضبًا وحميةً، وخطوات جمع خطوة، وهي
ما بين القدمين في المشي، فكأن المعنى: لا
تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة،
فشبه حال فاعلها في كونه متلبسًا بوسوسة
الشيطان، بهيئة الشيطان يمشي، والعامل
بأمره يتبع خطى ذلك الشيطان.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ
وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ﴾، تمثيلٌ مبني على
تشبيه حالة محسوسة بحالة معقولة، إذ لا
(٢) انظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام،
الصابوني ٤٧٨/٢.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٠٤/٤.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الذال
يعرف السامعون للشيطان خطوات حتى
ينهوا على اتباعها(١).
والشيطان النون فيه أصلية، وهو من:
شطن أي: تباعد، وقيل: بل النون فیه زائدة،
من: شاط يشيط: احترق غضبًا، فالشيطان
مخلوق من النار، كما دل عليه قوله تعالى:
﴿وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِجَ مِّنْ ثَّارٍ ﴾
[الرحمن: ١٥].
ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة
الغضبية والحمية الذميمة، وامتنع من
السجود لآدم، وقيل: الشيطان اسم لكل
عارم من الجن والإنس والحيوانات(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنِ﴾، وضع الظاهر موضع المضمر،
حيث لم يقل: ومن يتبعها، أو: ومن يتبع
خطواته؛ لزيادة التقرير والمبالغة في الذم
والتنفير من خطوات الشيطان وأساليبه،
وهذا من أبلغ الذم(٣).
وفَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾،
والفحشاء: ما أفرط قبحه، والمنكر: ما تنكره
النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٢/٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٦/١٨.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٤٥٤.
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢٢/٤.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ٢٢١.
وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، أي: لولا
فضله بأن هداكم إلى الخير ورحمته بالمغفرة
عند التوبة ما كان أحد من الناس زاکیًا؛ لأن
فتنة الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها
الناس لولا إرشاد الدين، قال تعالى حكاية
عن الشيطان، ﴿ قَالَ فَبِعِزَّيِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
(٢)﴾ [ص: ٨٢](٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِ مَن يَشَآءُ﴾،
ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح
أمارة على سبق السعادة له، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾،
لجمیع أقوالهم و کلامهم من قذف وغيره،
﴿عَلِيمٌ﴾، بحق ذلك من باطله، لا يجوز
عليه في ذلك وهم ولا غلط (٦).
٢. النمرود.
ذم القرآن الكريم النمرود بن كنعان الذي
غره ملكه وسلطانه.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبَهِكَمَ
فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رََّ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ
إِنَّهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
◌ِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
بينت الآية الصفات الذميمة التي حملت
هذا الذي جادل إبراهيم عليه السلام في ربه،
وجرأته على الإقدام على هذا الغلط العظيم
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٧/١٨.
(٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٢/٤.
٢١٠
جوسي
القرآن الكريمِ

الزمر
في الجدال والذي سهله له كبره وإعجابه
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَّ إِبَهِئِمَ فِى
بنفسه،
رپّهِە﴾، ألف ﴿أَلَمْ﴾، استفهام، وفيها معنى
التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه(١).
و ﴿إلى﴾، جاءت هنا لتدل على أنه أمر
بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد
بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه
وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي
حاج إبراهیم في ربه، لأنه لا یعنینا التشخيص
سواءً كان النمروذ أو غيره(٢).
وذمه بأن سبب هذا الجدال: ﴿أَنْ ءَاتَنُ
اللهُ الْمُلْكَ﴾، أي: أبطره إيتاء الملك
وحملہ علی المحاجة وأورثه الکبر، فحاج
لذلك، أو حاجه لأجله، وضعًا للمحاجة
التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما یجب
عليه الشكر، وهي من الصفات الذميمة (٣).
فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿رََِّ أَلَّذِى
يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾، وهذه هي براعة القرآن في
أن يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء
إلى أصله، فقوله الحق: ﴿إِذْ قَالَ إِّرَاهِئُمُ دََّ
الذى يُخْي،وَيُمِيتُ﴾، فكان الذي حاج
إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم:
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١/ ٨٥٦.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢/ ١١٢٣.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥٥/١،
محاسن التأويل، القاسمي ١٩٦/٢.
﴿رََّ اَلَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ (٤).
﴿يُچی۔
وعبر بالمضارع في قوله:
وَيُمِيتُ﴾، لإفادة معنى التجدد والحدوث
الذي یری ویحس بين وقت وآخر، أي: ربي
هو الذي یحیی الناس ويميتهم، كما ترى
ذلك مشاهدًا في كثير من الأوقات، فمن
الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع
وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان
وضلال(٥)
ثم ذكر جواب النمرود، ﴿قَالَ أَنَا أُمِىء
وَأُمِيتُ﴾، أي: أنا أحيي من حكم عليه
بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت
إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك
الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول
إبراهيم عليه السلام، فإن الحياة في جوابه
بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية
من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة
بالموت، وفي جواب نمروذ بمعنى أنه
يكون سببًا في الإحياء والإماتة، من أجل
هذا أوضح إبراهيم جوابه كما حكى سبحانه
عنه (٦).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهُ يَأْتِ
بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾،
أعرض إبراهيم عليه السلام عن الاعتراض
على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ٢/ ١١٢٦.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ٥٩٣.
(٦) انظر: تفسير المراغي ٢١/٣.
www. modoee.com
٢١١

حرف الذال
بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعًا قَوْمَهُ﴾، والإضلال: الإيقاع في الضلال،
للمشاغبة، وهو في الحقيقة عدول عن وهو خطأ الطريق الموصل، ويستعمل
مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي
يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجة إلى
أخری، ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل
کل جنس یفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك،
وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته، أو
اعتقاد الحلول.
وقيل: لما كسر إبراهيم عليه السلام
الأصنام سجنه أیامًا ثم أخرجه ليحرقه، فقال
له: من ربك الذي تدعو إليه؟ وحاجه فيه،
﴿فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَ﴾، فصار مبهوتًا، وقرئ
﴿فَهُهتَ﴾، أي: فغلب إبراهيم عليه السلام
الكافر، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الطَّلِمِينَ﴾،
الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول
الهداية.
وقيل: لا يهديهم محجة الاحتجاج أو
سبيل النجاة، أو طريق الجنة يوم القيامة (١).
٣. فرعون.
ذم القرآن الكريم فرعون عن إضلاله
قومه عن دين الهدى.
قال تعالى: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، وَمَا هَدَى
﴾ [طه: ٧٩].
بينت الآية الصفات الذميمة لفرعون،
وأنه كان سببًا في ضلال قومه، ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٥٥.
بكثرة في معنى الجهالة وعمل ما فيه ضر،
وهو المراد هنا، والمعنى: أن فرعون أوقع
قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بث فيهم
من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم
يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت
خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في
تکذیب دعوة موسى عليه السلام (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَدَى ﴾، أي: ما
أرشدهم قط إلى طريق موصلٍ إلى مطلب
من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ لإضلاله
وتأکیدٌله إذرب مضل قد یرشد من یضله إلى
بعض مطالبه، وفيه نوع تهکم به، وتكذيب
له في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيُّكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى
وَمَآ أَهْدِيَكُمْ إِلََّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
فإن نفي الهداية عن شخص مشعرٌ بكونه
ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك
إنما يتصور في حقه بطريق التهکم، وحمل
الإضلال والهداية على ما يختص بالديني
منهما يأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى
مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارةً عن
الإضلال في البحر والإنجاء منه مما لا يقبله
العقل السليم (٣).
وذم الله تعالى فرعون بسوء العاقبة.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٢/١٦.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٣٢/٦.
جَوَسُورُ النَّفِيَة
القرآن الكريمِ
٢١٢

الزهر
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم
على أيديهم، فالجملة اعتراض لتأكيد
خطئهم أو لبيان الموجب لما ابتلوا به (٢).
إِلَى فِرْعَوْن وَمَلَإِبْهِ،
وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ).
فَأَبْعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
٩٧
وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ، وَأَتْبِعُواْ فِىِ هَذِهِ،
٩٩
لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِقْدُ الْمَرْفُودُ
[هود: ٩٦- ٩٩].
٤. هامان.
قال تعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُ: مَالُ فِرْعَوْنَ
◌ِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ
وَهَمَنَ وَحُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِينَ ﴾
[القصص: ٨].
ذمت الآية هامان في الاقتران الجماعي،
حیث اقترن ذكره مع شخصيات مذمومة،
وخص تعالی هامان بالذکر تنبيهًا على مكانه
من الكفر، ولکونه أشهر رجال فرعون،
وكان وزيره المدبر لمكائده، المعين له على
ظلمه وبطشه (١).
وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُوَ ءَالُّ فِرْعَوْنَ
تعلیل
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾،
لالتقاطهم موسى عليه السلام بما هو عاقبته
ومؤداه تشبيهًا له بالغرض الحامل عليه،
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ
خَطِينَ﴾، في كل شيء، فليس ببدع
منهم أن قتلوا ألوفًا لأجله، ثم أخذوه يربونه
ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٥٥٤.
وجاء ذم هامان مقترنًا بشخصيات
مذمومة في قوله تعالى: ﴿وَقَرُونَ
وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى
بِالْبَيْنَتِ فَأَسْتَكْبَرُوا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ
[العنكبوت: ٣٩]، وقوله
سَبِقِين
لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بَِايَتِنَا
سبحانه:
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ
[غافر: ٢٣-٢٤].
في الآيات ذم لهامان باقترانه بشخصيات
مذمومة، وبسوء عاقبته، وتكبره.
وقوله: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ
وَلَقَدْ جَآءَهُم قُوسَى﴾، أي: وأهلكنا أيضًا
قارون صاحب الأموال الطائلة والكنوز
الكثيرة، وفرعون ملك الملوك في عصره
ومصره ووزيره هامان، ولقد جاءهم موسى
بآيات بينات تدل على صدق رسالته،
فاستكبروا في الأرض وأبوا أن يصدقوه وأن
يؤمنوا به، وما كانوا فائتين الله ولا هاربين
من عقابه، بل هو قادر عليهم وآخذهم أخذ
عزيز مقتدر(٣).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِى
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ١٧٢.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٤٠/٢٠.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الذال
﴾ [القصص: ٧٦].
الْأَرْضِ﴾، ذم لهم لأنهم كفروا عن عناد إِنَّاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
وكبرياء لا عن جهل وغلواء، والاستكبار:
شدة الكبر، واستكبر: يعني افتعل الكبر،
فلم يقل: تکبر، إنما استکیر کأنه في ذاته ما
بشيء ذاتي فيه، إنما بشيء موهوب؟ لأنه قد
يسلب منه فكيف يتكبر به؟(١).
ب﴿فَاسْتَكْبرُوا ﴾، للإشعار بأن استكبار
كل منهم كان في جميع البلاد التي هو
منها، فیومئ ذلك أن كل واحد من هؤلاء
كان سيدًا مطاعًا في الأرض فالتعريف في
الأرض للعهد، فیصح أن یکون المعهود هو
أرض كل منهم، أو أن يكون المعهود الكرة
الأرضية، مبالغة في انتشار استكبار كل منهم
في البلاد حتى كأنه يعم الدنيا كلها، ومعنى
السبق في قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ﴾،
الانفلات من تصريف الحكم فيهم (٢).
٥. قارون.
ذم القرآن الكريم قارون، بطغيان المال
والتكبر، والتمرد على أمر الله.
إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
قال تعالى:
مُوسَى فَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَغَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ٢٥٠،
تفسير الشعراوي ١١١٦٤/١٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٠/٢٠.
بينت الآية الصفات الذميمة لقارون
وسوء عاقبته، وقوله: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ
مِن قَوْمِمُوسَى﴾، أي: من بني إسرائيل، وكان
كان ينبغي له أن يستكبر؛ لأن الذي يتكبر ابن عم موسى عليه السلام، وكان ممن
آمن به، ﴿فَبَعَيْهِمْ﴾، أي: تجاوز الحد
في احتقارهم، والقرابة كثيرًا ما تدعو إلى
البغي (٣).
﴿فِي الأَرْضِ ﴾،
قوله:
و تعليق
والبغي: الاعتداء، والاعتداء على الأمة
الاستخفاف بحقوقها، وأول ذلك خرق
شريعتها (٤)
ولم یذکر فیم کان البغي، ليدعه مجھلا
يشمل شتى الصور، فربما بغى عليهم
بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم -كما
يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان-
وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك
المال، حق الفقراء في أموال الأغنياء، فتفسد
القلوب، وتفسد الحياة، وربما بغى عليهم
بهذه وبغيرها من الأسباب(٥).
وذكر سبب هذا البغي وهو الثراء،
﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، من الأموال المدخرة،
﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾، مفاتيح صناديقه، جمع
مفتح بالکسر، وهو ما يفتح به.
وقيل: خزائنه، وقياس واحدها المفتاح.
وَسَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ﴾، خبر إن
(٣) انظر: تفسير المراغي ٩٣/٢٠.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/٢٠.
(٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧١١/٥.
٢١٤
القرآن الكريمِ

الزمر
والجملة صلة ما وهو ثاني مفعولي آتى، ويكلفه إياه تكليفًا، كي لا يتزهد الزهد الذي
يهمل الحياة ويضعفها(٢).
وناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة
والعصابة الجماعة الكثيرة، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ.
لَا تَفْرَحْ﴾، لا تبطر، والفرح بالدنيا مذموم
مطلقًا؛ لأنه نتيجة حبها والرضابها والذهول
عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة
مفارقه لا محالة یوجب الترح(١).
﴿لَا تَفْرَحْ﴾، فرح الزهو المنبعث من
الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق
بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ، لا
تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال
وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد
والشكران، لا تفرح فرح الذي يستخفه
المال، فیشغل به قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول
به على العباد.
وعلل النهي ها هنا بكونه مانعًا من محبة
الله تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾،
أي: بزخارف الدنيا، ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ
اَللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾، بصرفه فيما يوجبها لك
فإن المقصود منه أن يكون وصلة إليها،
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، وهو أن
تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك،
وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي
القويم، المنهج الذي يعلق قلب واجد المال
بالآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من
المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٨٥.
﴿وَأَحْسِنِ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ﴾،
فيما أنعم الله عليك، وقيل: أحسن بالشكر
والطاعة كما أحسن إليك بالإنعام، ﴿وَلَاتَبْغ
اَلْفَسَادَ فِ الْأَرْضِ﴾، بأمر يكون علة للظلم
والبغي، نهي له عما كان عليه من الظلم
والبغي، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لسوء
أفعالهم.
٦. امرأة لوط.
ذم القرآن الكريم امرأة لوط عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطَا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِذْ تَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ ﴾ إِلَّا عَجُوزَافِ
١٣٣
الْغَيِينَ (٣٥)﴾ [الصافات: ١٣٣ -١٣٥].
بينت الآية الصفات الذميمة لامرأة لوط
عليه السلام بسوء عاقبتها القبيحة.
﴾،
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطَالَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ
أي: وإن لوطًاً عليه السلام ﴿لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
﴾،
الذین أرسلناهم لهداية الناس، وقد أرسل
الله تعالى لوطًا إلى قرية سدوم -من
قرى الشام- وكان أهلها يعبدون الأصنام
ويرتكبون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها
.(٣)
أحد من العالمين
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُمْ
أَجْمَعِينَ﴾، الظرف ((إِذ)) هو قيد لنجاة لوط
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧١١/٥.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ١١٠.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الذال
وأهله بسبب أنه كان من المرسلين، الذين
اختارهم الله لحمل رسالته إلى عباده(١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّ عَجُوزًا فِ الْغَيِينَ﴾.
إشارة إلى امرأة لوط، التي كانت من
الضالين، الذين لم يستجيبوا لدعوته،
وكانت تفشي أسرار زوجها، فأهلكها الله
فیمن أهلك من قوم لوط، وقد ضربها الله
سبحانه وتعالى مثلًا لنبتة السوء تنبت في
الأرض الطيبة.
فقال تعالى فيها وفي امرأة نوح:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ
وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا
صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّ ◌ِينَ ﴾
[التحريم: ١٠].
فبین أنها خائنة، وأنها من أهل النار، وأنها
واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك(٢).
٧. امرأة نوح.
ذم القرآن الكريم امرأة نوح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوٍ كَانَنَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَكَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ
يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ
مَعَ الدَّارِخِلِينَ ﴾ [التحريم: ١٠].
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
يونس ١٠٢٦/١٢.
(٢) انظر: المصدر السابق، أضواء البيان،
الشنقيطي ٣٥/٢.
بينت الآية الصفات الذميمة لامرأة نوح
عليه السلام، فبين أنها خائنة، وأنها من أهل
النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من
الهلاك، واقترانها بشخصية مذمومة مثلها،
وسوء عاقبتها.
﴿ضَرَبَ اَللّهُ مَثَلًاٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ
نُوجِ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ﴾، وضربها مثلًا لبيان
قبحها، وضرب المثل في مثل هذا الموقع
عبارة عن إيراد حالة غريبة لتعرف بها حالة
أخرى مشاكلة لها في الغرابة، أي: جعل الله
تعالى مثلًا لحال الكفرة حالًا ومالًاً(٣).
ومن لطائف التقييد بقوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أن المقصد الأصلي
هو ضرب المثل للذين كفروا، وذلك
من الاحتراس من أن يحمل التمثيل على
المشابهة من جميع الوجوه والاحتراس
بكثرة التشبيهات، ومنه تجريد الاستعارة،
ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط
تعريض لطيف بالتحذير من خطر الاعتزاز
بغناء الصلة الشريفة عنهما في الوفاء بحق
ما يجب من الإخلاص للنبي صلى الله عليه
وسلم ليكون الشبه في التمثيل أقوى (٤).
وقوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَیْنِ مِنْ
عِبَادِنَاصَالِحَيْنِ﴾، وهما نوح ولوط عليهما
السلام، ووصفهما بالصلاح، مع أنهما نبيان
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٥٦/١٤.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٤/٢٨.
٢١٦
القرآن الكريم

الذمر
والنبوة أعظم هبة من الله لعبد من عباده
تنويهًا بوصف الصلاح، وإيماء إلى أن
النبوة صلاح ليعظم بذلك شأن الصالحين،
ولتكون الموعظة سارية إلى نساء المسلمين
في معاملتهن أزواجهن، فإن وصف النبوءة
قد انتهى بالنسبة للأمة الإسلامية، مع ما في
ذلك من تهويل الأذى لعباد الله الصالحين
وعناية ربهم بهم ومدافعته عنهم(١).
وقوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، أي: في
الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا
صدقاهما في الرسالة، وليس المراد بقوله:
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، في فاحشة، بل في الدين،
فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع
في الفاحشة، والخيانة والخون ضد الأمانة
وضد الوفاء، وذلك تفريط المرء ما اؤتمن
عليه وما عهد به، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اْللَّهِ
شَيْئًا﴾، وتنكير ﴿شَيْئًا﴾ للتحقير، أي:
أقل غنى وأجحفه بله الغنى المهم، وزيادة
مع الداخلين لإفادة مساواتهما في العذاب
لغيرهما من الكفرة الخونة (٢).
﴿وَقِيلَ﴾، لهما عند موتهما أو يوم
القيامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع،
﴿أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الذَّاسِينَ﴾، أي: مع سائر
الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم
وبين الأنبياء عليهم السلام (٣).
(١) انظر: المصدر السابق ٣٧٥/٢٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٧٦/٢٨.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٤ / ٣٥٧.
ثانيًا: الأمم المذمومة في القرآن الكريم:
ذم القرآن الكريم أممًا كعاد وثمود وقوم
فرعون وقوم نوح وقوم لوط، وبيان ذلك
كما يأتي:
١. عاد.
ذم القرآن الکریم قوم عاد.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌّ جَحَدُواْ بِئَايَتِ
رَبِهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ، وَأَنَّبَعُواْ أَقْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَقْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَّ
إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَّهُمُّ أَلَ بُعْدًا لِعَادِ قَوْمِ هُورٍ ﴾
[هود: ٥٩ - ٦٠].
بينت الآية الصفات الذميمة لقوم عاد
علیه السلام، فبینت أنهم جحدوا آیات ربهم،
وعصوا رسله، واتبعوا أمر رؤسائهم الطغاة،
﴿وَتَلَكَ عَادٌ﴾، أي: وتلك هي قصة قبيلة عاد
مع نبيها هود عليه السلام وتلك هي عاقبتها،
وكانت الإشارة للبعيد تحقيرًا لهم، وتهوينًا
من شأنهم بعد أن انتهوا، وبعدوا عن الأنظار
والأفكار، وقد كانوا يقولون: من أشد منا
قوة (٤).
والجحد: الإنكار الشديد، مثل إنكار
الواقعات والمشاهدات، وهذا يدل على أن
هودا أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها(٥).
وجمع الرسل في قوله: ﴿وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ.
﴾، وإنما عصوا رسولًا واحدًا، وهو هود
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١١٠.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٢٨/٧.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الذال
عليه السلام؛ لأن المراد ذكر إجرامهم، بُعْدَّا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، دعا عليهم بالهلاك أو
باللعنة، وفيه من الإشعار بالسخط عليهم،
فناسب أن یناط الجرم بعصیان جنس الرسل؛
لأن تکذیبھم هودا لم یکن خاصًا بشخصه
لأنهم قالوا له: ﴿قَالُواْيَهُودُ مَاجِئْتَنَابِئْنَةِ
وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَ الِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْرُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: ٥٣].
والمقت، ما لا يخفى فظاعته، وتشهير
بالقوم، وإذاعة لجريمتهم في الناس،
واستدعاء لكل ذي سمع ونظر، أن يشهد
هؤلاء القوم، وينظر إليهم وهم متلبسون
بهذا الجرم الغليظ، فلا يقول فيهم إلا ما
فکل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام
فهم مکذبون به(١).
یسوءهم ويخزيهم، وتكرير حرف التنبيه،
وإعادة (عاد) للمبالغة في تهويل حالهم،
والحث على الاعتبار بنبئهم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَكُلِّ جَبَّارٍ
عَنیدٍ﴾، أي: أطاعوا في الشرك أمر كل جبار
عنيد لا يستدل بدليل، ولا يقبله من غيره،
يريد رؤساءهم وكبراءهم، ودعاتهم إلى
تكذيب الرسل، والجبار: المتكبر، والعنيد:
مبالغة في المعاندة، يقال: عند، إذا طغى،
ومن كان خلقه التجبر، والعنود لا يأمر بخير
ولا يدعو إلا إلى باطل، فدل اتباعهم أمر
الجبابرة المعاندين على أنهم أطاعوا دعاة
الكفر والضلال والظلم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً
وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾، أي: جعلت تابعة لهم في
الدارين، أي: لازمة، والتعبير عن ذلك
بالتبعية للمبالغة، فكأنها لا تفارقهم، وإن
ذهبوا كل مذهب، بل تدور معهم، حيث ما
داروا(٣).
وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ عَادَا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ أَلَا
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٥/١٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٢ / ١٠٦.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١١١.
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢. ثمود.
ذم القرآن الكريم قوم ثمود.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ
اَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ أَلُّونِ
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧].
في الآية الكريمة ذم قوم ثمود عليه
السلام بسوء العاقبة وصفاتهم الذميمة،
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلى
الْمُدَى﴾، أي: وأما ثمود فبينا لهم الحق
على لسان نبيهم صالح، ودللناهم على
سبل النجاة بنصب الأدلة التكوينية، وإنزال
الآيات التشريعية، فكذبوه واستحبوا العمى
على الهدى، والكفر على الإيمان (٥).
واستحبوا العمى معناه: أحبوا، فالسين
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١١١/٦،
التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
١١٦٠/٦.
(٥) انظر: تفسير المراغي ١١٧/٢٤.
٢١٨