Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الذَّقْر
عناصر الموضوع
مفهوم الذم
١٨٠
الذم في الاستعمال القرآني
١٨١
الألفاظ ذات الصلة
١٨٢
أسباب الذم
١٨٤
نماذج مذمومة في القرآن الكريم
٢٠٩
٢٣٢
ذم في غير موضعه
٢٣٨
مقاصد الذم في القرآن
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر

حرف الذال
مفهوم الذم
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (ذم م) تدل على خلاف الحمد (١).
يقال: ذممته أذمه ذمًا خلاف مدحته، فهو ذميم ومذموم، أي: غير محمود(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
خلاف المدح، وهو الانتقاد واللوم، والوصف بالمعايب التي في الموصوف(٣).
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤٥/٢.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٢٢٠، المصباح المنير، الفيومي ٢١٠/١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٦٠، معجم لغة الفقهاء، محمد رواس ص ٢١٤.
١٨٠
جَوَسُوبَةُ النَّقِين
القرآن الكريم

الذمر
الذم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ذم م) في القرآن الكريم (٥)، والذي يخص موضوع البحث (٣) مرات(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا مَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْهُومًا تَّخْذُولًا
٢٢
اسم المفعول
٣
[الإسراء: ٢٢]
وجاء الدفع في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي هو خلاف المدح.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٦٠.
www. modoee.com
١٨١

حرف الذال
الألفاظ ذات الصلة
الشتم:
١
الشتم لغة:
السب، والاسم الشتيمة، والشتم: الكلام القبيح وليس فيه قذف(١).
الشتم اصطلاحًا:
وصف الغير بما فيه نقص وإزراء(٢).
الصلة بين الذم والشتم:
والصلة بين الذم والشتم: أن كلا منهما يقال لأجل الانتقاص والاستخفاف.
السب:
٢
السَّبُّ لغة:
هو الشتم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلَّمٍ
كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِمُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ١٠٨](٣).
السَّبَّ اصطلاحًا:
الشتم الوجيع، والسُّبَّة: ما يسب به، وكني بها عن الدبر، وتسميته بذلك كتسميته
بالسوءة (٤).
الصلة بين الذم والسب:
والصلة بين الذم والسب: أن كلا منهما يقصد به الانتقاص والاستخفاف.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣١٨/١٢، المصباح المنير، الفيومي ٣٠٤/١.
(٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٠٢.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٤٥٥.
(٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٩٠.
١٨٢
جوية
القرآن الكريم

الذمر
المدح:
٣
المدح لغة:
نقيض الهجاء وهو حسن الثناء على الغير لما فيه من الصفات، سواء أكانت تلك الصفات
خلقية أم اختيارية، وهو أعم من الحمد(١).
المدح الاصطلاح:
الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا(٢).
الصلة بين الذم والمدح:
العلاقة بين الذم والمدح علاقة ضدية، فكل واحد منها ضد الآخر.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٨٩/٢، المصباح المنير، الفيومي ٥٦٦/٢، الكليات، الكفوي ص
٨٥٧.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٠٧.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الذال
أسباب الذم
من أسباب الذم في القرآن الكريم:
الأعمال السيئة، والصفات الخلقية القبيحة،
والصفات الخلقية، وسوء العاقبة، وبيان
ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الأعمال السيئة:
ذم القرآن الكريم الأعمال السيئة من
عبادة غير الله وتطفيف الميزان والتخلف
عن الجهاد وموالاة الكافرين وبيان ذلك كما
يأتي:
١. عبادة غير الله.
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن
الكريم: عبادة غير الله تعالى من الأصنام
وغيرها.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا
كَانُواْ أَوْلِيَاءٌ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ، إِلَّا الْمُنَّقُونَ
وَمَا
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ
وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٤ -٣٥].
ذم الله تعالى الكفار بأفعالهم القبيحة
وسوء العاقبة واستحقاقهم العذاب، ونفي
الولاية عنهم، وأنهم ليسوا بأولياء البيت
الحرام، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّ بَهُمُ اَللَّهُ﴾،
(أي: وأي شيء يمنع من عذاب مشركي
قريش بعد خروجك -يا محمد - وخروج
المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟
إنه لا مانع أبدًا من وقع العذاب عليهم،
وقد وجد مقتضية منهم، حيث اجترحوا من
المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين
للعقاب الشديد))(١).
ثم بين صفاتهم الذميمة، فقال تعالى:
﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾،
جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم
الشنيعة، أي: لا مانع يمنع من تعذيبهم:
وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يمنعون
المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام،
ومن زيارته، ومن مباشرة عباداتهم عنده .. ؟
إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم (٢).
ثم ذمهم بنفي الولاية عنهم، والمقصود
إظهار اعتدائهم في صدهم عن المسجد
الحرام، ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ﴾﴾، أي: وما
كانوا مستحقين للولاية عليه لشركهم وعمل
المفاسد فيه کطوافهم فيه عراة رجالاً ونساء،
وهذا رد لقولهم: نحن ولاة البيت الحرام،
نصد من نشاء وندخل من نشاء، ﴿إِنْ أَوْ لِيَآؤُهُ.
إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾، أي: إنه لا يلي أمره إلا من كان
برًا تقيًا، لا من كان كافرًا عابدًا للصنم (٣)،
إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه،
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٦/ ٩٢.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٦/٩.
◌ُ البشير
جَوَسُوع
القرآن الكريم
١٨٤

الزهر
إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه! إن بيت الله
الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف،
إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله ..
ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم -عليه
السلام-، فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم
ونسب إنما هي وراثة دين وعقيدة (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ﴾،
تعيين لأوليائه الحق، وتقرير لمضمون
﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ﴾﴾ مع زيادة ما أفاده
القصر من تعیین أوليائه، فهي بمنزلة الدلیل
على نفي ولاية المشركين، ولذلك فصلت،
وإنما لم يكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن
غير المتقين ليسوا أولياء المسجد الحرام،
لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم
المسلمين عن المسجد الحرام بأنهم لا ولاية
لهم عليه، فكانت جملة: ﴿وَمَا كَانُواْ
أَوْلِيَاءَهُ﴾، أشد تعلقًا بجملة: ﴿وَهُمْ
من
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾،
جملة: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ الْمُتَّقُونَ﴾، وكانت
جملة: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ، إِلَّا الْمُنَّقُونَ﴾، كالدلیل،
فانتظم الاستدلال أبدع انتظام، ولما في
إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من
الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت
عنهم ولايته ليسوا من المتقين، فهو مذمة
لهم وتحقيق للنفي بحجة (٢).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٠٦/٣.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٣٣٧.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾، أنهم ليسوا أولياء الله، ولا أن
أولياءه ليسوا إلا المتقين، فهم الآمنون من
عذابه بمقتضى عدله في خلقه والجديرون
بولاية بيته(٣).
ثم ذم أفعالهم القبيحة عند البيت الحرام،
فقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ
الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةً﴾، المكاء:
الصفير، والتصدية: التصفيق، وكان أحدهم
يضع يده على الأخرى ويصفر.
قال ابن عباس: ((كانت قريش تطوف
بالبيت عراة تصفر وتصفق، وروي عنه
أن الرجال والنساء منهم كانوا يطوفون
عراة مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها
ويصفقون))(٤).
فعلى قول ابن عباس كان المكاء
والتصدية نوع عبادة لهم، وهو صحيح،
لأن الله سبحانه وتعالى سمى ذلك صلاة،
فإن قيل: کیف سماها صلاة وليس ذلك
من جنس الصلاة؟ الجواب: إنهم كانوا
يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة،
فخرج ذلك على حسب معتقدهم(٥).
ثم ذمهم بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ
پمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾، ودل فعل الأمر في
(٣) انظر: تفسير المراغي ٩/ ٢٠٣.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١٣/ ٥٢٣.
(٥) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣١٠/٢، غرائب
القرآن، النيسابوري ٣٩٦/٣.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الذال
قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، على عذاب واقع والوزن ولما أن ما يبخس في کیل أو وزن
واحد شيء طفيف، أي: نزر حقير (٤).
بهم، إذ الأمر هنا للتوبيخ والتغليظ، وذلك
هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر، من قتل
وأسر وحرب، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾،
أي: بکفركم فـ(ما) مصدریة، وكان إذا جعل
خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار
والعادة، وعبر هنا بـ﴿تَكْفُرُونَ ﴾
لأن العذاب المتحدث عنه لأجل الكفر
والإضلال وما يجره الإضلال من الكبرياء
والرئاسة (١).
٢. التطفيف في الميزان.
من أسباب الذم في القرآن الكريم:
التطفيف والخيانة في الكيل والوزن، قال
الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُوا
تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ
يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: ١ -٣].
في الآيات ذم التطفيف والخيانة في
الكيل والوزن، وهو أخس ما يقع من
المعصية، وهو التطفيف الذي لا يكاد
يجدي شيئًا في تثمير المال وتنميته(٢).
وقوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قيل: الويل
شدة الشر، وقيل: الحزن والهلاك، وقيل:
العذاب الأليم، وقيل: جبل في جهنم(٣).
والتطفيف: البخس والنقص في الكيل
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٩/٩.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧٣/١٥.
(٣) انظر: تفسير السمرقندي ٥٥٦/٣، روح
المعاني، الألوسي ١٥/ ٢٧٣.
وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلمًا
واختلاسًا ولؤمًا، والعرب كانوا يتعيرون
بکل واحد من هذه الخلال متفرقة ویتبرؤون
منها، ثم يأتونها مجتمعة، وناهيك بذلك
أفنًا (٥).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ
يَسْتَوْفُونَ﴾، أي: إذا أخذوا من الناس ما
أخذوا بحكم الشراء ونحوه کیلا يأخذونه
وافيًا وافرًا، وتبدیل كلمة ﴿عَلَى﴾، هنا بمن
قيل: لتضمين (الاكتيال) معنى الاستيلاء،
أو للإشارة إلى أنه اكتيال مضر للناس (٦)،
وللإشارة إلى ما فيه عملهم المنكر من
الاستعلاء والقهر، شأن المتغلب المتحامل
المتسلط، الذي لا يستبرئ لدينه وذمته(٧).
﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ
وجملة
يَسْتَوْفُونَ﴾، إدماج، مسوقة لكشف عادة
ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار
ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه، والمقصود
الجملة المعطوفة عليها، وهي جملة: ﴿وَإِذَا
كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، فهم مذمومون
(٤) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢/ ٤٦٠، روح المعاني، الألوسي ٢٧٣/١٥.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٢/٣٠.
(٦) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧٤/١٥.
(٧) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٤٢٨.
◌ُ النَّسَيَّة
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
١٨٦

الذمر
بمجموع ضمن الجملتين (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُهُمْ
مُخْسِيرُونَ﴾، للناس وما تقدم في الأخذ من
الناس وهذا فى الإعطاء، فالمعنى وإذا كالوا
لهم أو وزنوا لهم للبيع ينقصون (٢).
ومدار الذم ما تضمنه مجموع
المتعاطفين، والكلام كقولك: فلان يأخذ
حقه من الناس تامًا ویعطیھم حقهم ناقصًا،
وهي عبارة شائعة في الذم بل الذم بها أشد
من الذم بنحو: يأخذ ناقصًا ويعطي ناقصًا،
وکونه دون الذم بنحو قولك: يأخذ زائدًا
ويعطي ناقصًا، لا يضر كما لا يخفى(٣).
قال الألوسي: ((ولعل الاقتصار على
الاكتيال في صورة الاستيفاء وذكر الكيل
والوزن في صورة الإخسار أن المطففين
کانوا لا یأخذون ما یکال ویوزن إلا بالمکاییل
دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من
الاستيفاء والسرقة، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا
لتمكنهم من البخس في النوعین جميعًا،
والحاصل أنه إنما جاء النظم الجليل هكذا
لیطابق من نزل فیھم، فالصفة تنعی علیهم ما
كانوا عليه من زيادة البخس والظلم، وهذا
صحيح، جعلت الصفة مخصصة لهؤلاء
المطففين كما هو الأظهر أو كاشفة لحالهم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٠/٣٠.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧٥/١٥.
(٣) انظر: المصدر السابق.
فقد أريد بالأول معهود ذهني)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم
مَّبْعُوتُونَ﴾ استئنافٌ واردٌ لتهويل ما ارتكبوه
من التطفيف، والهمزة للإنكار والتعجيب،
وأدخل همزة الاستفهام على النافية توبيخًا
وليست (ألا) هذه للتنبيه(٥).
وقال سبحانه: ﴿أَلَايُنُّ أُولَكَ ﴾، ولم
يقل: ألا يظنون، لقصد تمييزهم والتشهير
بهم، زيادة في ذمهم، وفي تقبيح أفعالهم (٦).
وللإشعار بأنهم ممتازون بذلك الوصف
القبيح عن سائر الناس أكمل امتياز، نازلون
منزلة الأمور المشار إليها إشارة حسية، وما
فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في
الشرارة والفساد.
والمعنى: أبلغت الجرأة بهؤلاء
المطففين، أنهم صاروا من بلادة الحس،
ومن فقدان الشعور، لا يخشون الحساب
يوم القيامة، ولا يخافون العذاب الشديد
الذي سينزل بهم، يوم يقوم الناس من
قبورهم استجابة لأمر رب العالمين، حيث
يتلقون جزاءه العادل، وحكمه النافذ(٧).
﴿لَوَّمْ عَظِيمٍ﴾، يعني: يوم القيامة، أي:
لا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف
الشنيع الهائل أنهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ لا
(٤) المصدر السابق ١٥/ ٢٧٦.
(٥) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٦١٤/٣.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٩/١٥.
(٧) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧٧/١٥.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الذال
يقادر قدر عظمه، فإن من يظن ذلك وإن المكيال والميزان، وإنذار من يفعل ذلك،
بأنه مبعوث لحساب لا تساهل فيه بتطفيف
كان ظنًا ضعيفًا لا يكاد يتجاسر على أمثال
هذه القبائح، فکیف بمن یتیقنه، ووصف
اليوم بالعظيم لعظم ما فيه كما أن جعله علة
للبعث باعتبار ما فيه وقدر بعضهم مضافًا،
أي: لحساب يوم، وقيل: الظن هنا بمعنى
الیقین، والأول أولی وأبلغ(١).
أو نحوه، ومثل التطفيف في الكيل والوزن
النقص في الذرع وجر السلعة حالة الذرع،
ویوشك أن لا یکاد في هذا الزمن کیال أو
وزان أو ذراع يسلم من نقص إلا من عصمه
الله تعالى، أجارنا الله من النقص المادي
والمعنوي بمنه و کرمه (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾، أي: لحكمه تعالى وقضائه عز
وجل، ووصفه تعالى بربوبية العالمين من
البيان البليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في
التطفيف ما لا يخفى، وليس ذلك نظرًا
إلى التطفيف من حيث هو تطفيف، بل من
حيث إن الميزان قانون العدل الذي قامت به
السماوات والأرض، فيعم الحكم التطفيف
على الوجه الواقع من أولئك المطففين
وغيره(٢).
قال القرطبي: ((وفي هذا الإنكار،
والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم
بالعظيم، وقيام الناس فيه الله خاضعين،
ووصف ذاته بـ(رب العالمين)، بيان بليغ
لعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف
وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام
بالقسط والعمل على السوية))(٣).
وفي الآيات بيان تحريم التطفيف في
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢٥٥/١٩.
وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان،
والنهي عن تطفیفهما، في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿﴿ وَ إِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُرْ شُعَيْبًا
قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنٍ إِلَّهِ
غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُواْ أَلْمِكْبَالَ وَاَلْمِيزَانَ إِنَّ
أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ [هود : ٨٤].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ
وَزِبُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
[الإسراء: ٣٥].
وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَقِيِ إِلَّا بِأَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ، وَأَوْفُواْ
اَلْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاْ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْقٌ
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُتْ
تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
٣. التخلف عن الجهاد.
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن
(٤) انظر: بيان المعاني، عبد القادر ملا ٤٩٣/٢.
١٨٨
جَوَنُور
القرآن الكريم

الزمر
الكريم: التخلف عن الجهاد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ
ءَمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَهِدُواْ مَعَ رَسُولِ أُسْتَفْذَنَكَ أُوْلُواْ
اُلَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَعِدِينَ
(٨٦
رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ
٨٧
عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
[التوبة: ٨٦-٨٧].
يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في
الجهاد في سبيله، والناكلين عنه مع القدرة
عليه، ووجود السعة والطول، واستأذنوا
الرسول في القعود، ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ أَنْ
ءَمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَهِدُواْ مَعَ رَسُولهِ﴾، يؤمرون
فيها بالإيمان بالله والجهاد في سبيل الله،
﴿أَسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ اُلْطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ يعني: أولي
الغنى والأموال، الذين لا عذر لهم، وقد
أمدهم الله بأموال وبنين (١).
والاقتصار على الطول يدل على أن أولي
الطول مراد بهم من له قدرة على الجهاد
بصحة البدن، فبوجود الطول انتفی عذرهم
إذ من لم یکن قادرًا ببدنه لا ینظر إلی کونه
ذا طول(٢).
﴿وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ اُلْفَعِدِينَ ﴾،
ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع
النساء، وهن الخوالف، بعد خروج الجيش،
فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٦/٤،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٨/١٠.
كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا.
كما قال الله تعالى، عنهم في الآية
الأخرى: ﴿أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ
رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَذِى يُغْشَى
عَلَيْهِ مِنَ الْمَّوْنِّ فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْفُ سَلَقُوكُم
بِأَلِّنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ
فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
(١)﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: علت ألسنتهم
بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب
(٣)
أجبن شيء (٣).
وقوله تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُوا مَعَ
الخَوالِفِ ﴾ استئنافٌ قصد منه التعجيب من
دناءة نفوسهم وقلة رجولتهم بأنهم رضوا
لأنفسهم بأن يكونوا تبعًا للنساء، وفي اختيار
فعل (رضوا) إشعار بأن ما تلبسوا به من
الحال من شأنه أن يتردد العاقل في قبوله،
والخوالف: جمع خالفة وهي المرأة التي
تتخلف في البيت بعد سفر زوجها، فإن
سافرت معه فهي الظعينة، أي: رضوا بالبقاء
مع النساء (٤).
وذلك أبلغ في الذم، فكونهم رضوا بأن
يكونوا قاعدين مع النساء في المدينة أبلغ
ذم لهم وتهجين، لأنهم نزلوا أنفسهم منزلة
النساء العجزة اللواتى لا مدافعة عند هن ولا
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٦/٤،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/١٠.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الذال
غنى(١).
وقوله تعالى: ﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أن يوالوا الكافرين الذين هم محاربون
والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول
الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم، والطبع
مرادف الختم، وأسند الطبع إلى المجهول
إما للعلم بفاعله وهو الله، وإما للإشارة إلى
أنهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه، ﴿فَهُمْلَا
يَفْقَهُونَ﴾، أي: فلأجل الطبع لا يفقهون
ولا يتدبرون ولا يتفهمون ما في الجهاد من
الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء
والضلال، فآثروا نعمة الدعة على سمعة
الشجاعة، وعلى ثواب الجهاد إذ لم يدركوا
إلا المحسوسات، فلذلك لم یکونوا فاقھین،
وذلك أصل جميع المضار في الدارين(٢).
٤ . موالاة الكافرين.
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن
الكريم: موالاة الكافرين.
قال تعالى: ﴿بَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ
كَفَرُواْ بِمَا جَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيََّكُمْ
أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِ
وَبْغَ مَرْ ضَائِيَّ تُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُبِمَآ
أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئْتُمْ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ
السَّبيل ١)
﴾ [الممتحنة: ١].
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٨٠/٥.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٨٠/٥،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/١٠.
نھی الله تبارك وتعالى، عباده المؤمنين
لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله
عداوتهم ومصارمتهم، وأن يتخذوهم أولیاء
وأصدقاء وأخلاء يسرون إليهم بالمودة من
دون المؤمنین(٣).
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، نداء من ربهم
للذين آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي
ينسبهم إليه، يدعوهم ليبصرهم بحقائق
موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم،
ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم، وفي
مودة یجعل عدوهم عدوه، وعدوه عدوهم:
﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم
بِالْمَوَدَّةِ﴾، فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه،
يعاديهم من يعاديه، فهم رجاله المنتسبون
إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض،
وهم أوداؤه وأحباؤه، فلا يجوز أن يلقوا
بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه (٤).
ثم فسر هذه الموالاة فقال: ﴿تُلْقُونَإِلَتْهِم
پالمودّةِ﴾، بدأه هنا بـ (تُلقُون﴾، وبعده بـ
﴿قُِّرُونَ﴾، تنبيهًا بالأول على ذم مودة
الأعداء، جهرًا وسرًا، وبالثاني على تأكيد
ذمها سرّا، وخص الأول بالعموم لتقدمه،
وباء ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾، زائدةٌ، وقيل: سببيةٌ،
والمفعول محذوفٌ والتقدير: يلقون إليهم
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٥/٨.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٤٠/٦.
فَضْو
جَوْنُوحَرُ الْتَفْسِيْ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٩٠

الذمر
أخبار النبي صلی الله عليه وسلم، بسبب
المودة التي بينكم وبينهم(١).
ثم ذكر أن مما يمنع هذا الاتخاذ أمرين:
الأول: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾، أي:
وقد كفروا بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله
عليكم! فكيف بكم بعد هذا تجعلونهم
أنصارًا وتسرون إليهم بما ينفعهم ويضر
رسولکم، ویعوق نشر دينكم، والثاني:
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَتِكُمْ﴾،
أي: يخرجون الرسول وأصحابه من بين
أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد
وإخلاص العبادة لله وحده ولم يكن لهم
جريرة ولا جرم سوى ذلك(٢).
وفي التعبير عن إخراج المشركين للنبي
والمؤمنين، بالفعل المضارع الذي يفيد
تجدد الزمن حالًا بعد حال، للإشارة إلى
أن المشركين ما زالوا على موقفهم من
النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنه
لو عاد النبي والمؤمنون إلى ديارهم بمكة
لأخرجهم المشركون منها، بما يلاحقونهم
به من أذى وضر، كما أن المشركين لم يزل
هذا موقفهم من المؤمنين الذين كانوا في
مكة، ولم تتح لهم فرصة الهجرة لسبب أو
لآخر(٣).
(١) انظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في
القرآن، زكريا الأنصاري ١ / ٥٦٠.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٢٨/ ٦٢.
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
وقوله تعالى: ﴿إِن كُمْ خَجْتُمْ جِهَدًا فِى
سَبِيلِ وَأَبْغَآَ مَرْضَاتِى﴾، أي: إن كنتم خرجتم
مجاهدین في سبيلي، باغين مرضاتي عنكم،
فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم
من دياركم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم.
وقوله تعالى: ﴿شُرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ
أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ﴾، هو استفهامٍ
إنكاري، أي: أبعد هذا الذي علمتم أو
تعلمون من أمر القوم، أبعد هذا تسرون
إليهم بالمودة؟ أي: تبادلونهم المودة
في ستر وخفاء، ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآَ
أَعْلَنتُمْ﴾، فإنه لا يخفى على الله خافية في
الأرض ولا في السماء (٤).
ثم توعد الله من يفعل ذلك وشدد النكير
عليه وذكر ما فيه أعظم الزجر له، فقال تعالى:
﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَِّلِ﴾، أي:
ومن يفعل هذه الموالاة ويبلغ أخبار الرسول
صلى الله عليه وسلم لأعدائه فقد جار عن
قصد الطريق التي توصل إلى الجنة ورضوان
الله تعالى(٥).
قالوا: ((والموالاة الممنوعة هي التي
يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو
إضافة لمصالحهم، وأما ما عداذلك كالتجارة
وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا
يونس ١٤ / ٨٩٢.
(٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم
يونس ١٤ / ٨٩٢.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٦٣/٢٨.
www. modoee.com
١٩١

حرف الذال
تدخل في ذلك النھی، لأنها ليست معاملة
فيها أذى للإسلام والمسلمين)) (١).
ثانيًا: الصفات الخلقية المذمومة
القرآن:
فى
ذم القرآن الكريم الصفات الخلقية
الذميمة، كالظلم والاعتداء والإثم والخيانة
والكذب والعناد والغرور والاستكبار وبيان
ذلك كما يأتي:
١. الظلم.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الظلم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَرَىْ عَلَى اللّهِ
كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بَِايَتِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )﴾
[الأنعام: ٢١].
الظلم وضع الشيء في غير موضعه
المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما
بعدول عن وقته أو مكانه، والظلم يقال في
مجاوزة الحد الذي يجرى مجرى النقطة في
الدائرة، ويقال فيما يكثر ويقل من التجاوز،
ولذا يستعمل في الذنب الصغير والكبير(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ ثَايَتِهِ﴾، أي: لا أحد أظلم ممن
افتری علی الله كذبًا بأن جعل لله شریگًا
أو ولدًا، أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٧٥.
(٢) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢٥٤/٧.
المجيد، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته
أو التي يؤيد بها رسله، وإذا كان كل من هذا
التكذيب وذلك الكذب والافتراء يعد وحده
غاية في الظلم ويطلق على صاحبه اسم
التفضيل فيه، فكيف يكون حال من جمع
بينهما، فكذب على الله وكذب بآياته المثبتة
للتوحيد والمثبتة للرسالة؟ (٣).
وعبر عن الشرك هنا بالظلم، وهو كثير
ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم،
ناهيك أن الشرك من أنواعه (٤).
ثم ذم الظلم بسوء العاقبة فقال: ﴿إِنَّهُ,
لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: الحال والشأن أن
الظالمين عامة لا يفوزون في عاقبة أمرهم
يوم الحساب والجزاء بالنجاة من عذاب
الله تعالى، ولا بنعيم الجنة مهما يكن نوع
ظلمهم، فكيف تكون عاقبة من وصف بأنه
لا أحد أظلم منه لافترائه علی الله تعالی أو
لتكذيبه بآياته أو عاقبة من جمع بين الأمرين
فكان أظلم الظالمين؟(٥).
وقد ذم الله الظلم والظالمين في آيات
كثيرة.
قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾
[الصافات: ٢٢].
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ
وقال سبحانه:
اللَّهَ غَفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٢٨٧/٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٦/١٩.
(٥) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٧/ ٢٨٧.
١٩٢
مَهْشَوالَةُ النَّسَيَّةِ
جوية
القرآن الكريم

الذمر
[إبراهيم: ٤٢].
وقال في عاقبة الظلم: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ
خَاوِيَةٌ بِمَاظَلَمُواْ﴾، [النمل: ٥٢].
ذم الظلم بسوء العاقبة، وفي ذلك إشارة
إلى أن للظلم أثرًا في خراب البلدان(١).
٢. الاعتداء.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الاعتداء.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ
عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ
اْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّابِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا
وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى
بِالَّذِى هُوَ خَيِّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم
مَّا سَأَلْتُمُّ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
وَبَآَهُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ
اَلْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَمْتَدُونَ (١)
[البقرة: ٦١].
يذم الله تعالى بني إسرائيل بأنهم أهل
عدوان، والاعتداء والتعدي والعدوان
خروج عما حد ورسم(٢).
وكان العدوان سببًا لأن تضرب عليهم
الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله،
وكان سببًا على جحود النعم، وسوء الأدب
وحمق التفكير، وهوان النفس، وبلادة
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٦/١٩.
(٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٤١٦/٥.
الطبع، وبطر الحق، والبغي على أنفسهم
وعلی غيرهم، ودناءة نفوسهم.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ
وَاحِدٍ﴾، واذكروا - أيها اليهود المعاصرون-
إذ قال آباؤكم: یا موسی لا يمكننا أن نستمر
على طعام واحد مثل المن والسلوى، وذلك
أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه،
فاشتهوا عليه غيره؛ لأن المواظبة على
الطعام الواحد تكون سببًا لنقصان الشهوة،
وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان؛
لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل، ولو كان
على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها
كل يوم لا يبدلها، يقال: لا يأكل فلان إلا
طعامًا واحدًا، ويراد بالوحدة نفي التبدل
والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد؛
لأنهما معًا من طعام أهل التلذد والتترف،
وكانوا من أهل الزراعات، فأرادوا ما ألفوا
من البقول والحبوب وغير ذلك.
فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَا تُلْبِتُّ الْأَرْضُ
مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآَبِهَا وَقُومِهَا﴾، الفوم:
الخبز، وقيل: هو الحنطة، وقيل: هو الثوم،
﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾، إنما طلبوا هذه الأنواع
لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا
من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة
التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم
الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة (٣).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
www. modoee.com
١٩٣

حرف الذال
وقوله تعالى: ﴿أَتَشْتَّبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ
أَدْنَى بِلَّذِى﴾، أي: الذي هو أخس وأرداً
وهو الذي طلبوه، ﴿بِلَّذِى هُوَ خَّ﴾،
يعني: بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما هم
فيه، ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾، يعني: إن أبيتم إلا
ذلك، فأتوا مصرًا من الأمصار، وقيل: بل هو
مصر البلد الذي كانوا فيه، ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا
سَأَلْتُمْ﴾، يعني: من نبات الأرض(١).
وقوله تعالى: ﴿وَضُرَِتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ﴾،
أي: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم
وألزموا الذل والهوان، ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾،
أي: الفقر والفاقة، وسمي الفقير مسكينًا؛
لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة،
فتری اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم
فقراء، فلا ترى أحدًا من أهل الملل أذل ولا
أحرص على المال من اليهود، ﴿وَبَاءُو﴾،
أي: رجعوا ولا يقال: باء، إلا بشر، ﴿يغَضَبٍ
مِنَ اللَّهِ﴾، وغضب الله إرادة الانتقام ممن
عصاه ﴿ذَلِكَ﴾، أي: الغضب، ﴿بِأَنَّهُمْ
كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ﴾، أي: بصفة
محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم
التي في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن،
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ﴾، النبي: معناه المخبر
من أنبأ ينبئ، وقيل: هو بمعنى الرفيع مأخوذ
من النبوة، وهو المكان المرتفع، ﴿يغَيْرِ
٤٢٢/١، مدارك التنزيل، النسفي ٩٣/١،
لباب التأويل، الخازن ١ / ٤٩.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٩/١.
الْحَقِّ﴾، أي: بغير جرم (٢).
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَ كَانُواْ
يَمْتَدُونَ﴾، أي: إن كفرهم بآيات الله
وجرأتهم على النبيين بالقتل، إنما كانا
بسبب عصيانهم وتعديهم حدود دينهم،
فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتدين به
يحذر مخالفة أمره، حتى إذا تعدی حدوده
مرة ضعف ذلك السلطان الديني في نفسه،
وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد،
إلى أن تصير المخالفة طبعًا وعادة، وكأنه
ينسى حدود الدين ورسومه، ولا يصبح
للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلًا
في قرارة نفسه(٣).
وعبر سبحانه عن عصيانهم بالماضي
فقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ﴾، للإشارة إلى
استقرار العصيان في طبائعهم، وثباته في
نفوسهم وجوارحهم.
وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإيذان
بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا نبيًا إلا
وآذوه، ولم يتركوا مصلحًا إلا واعتدوا عليه،
فاعتداؤهم على المصلحين مستمر في كل
زمان ومكان (٤).
قال محمد رشيد رضا: ((قال الأستاذ:
ذلك الذل وتلك الخلاقة بالغضب إنما
لزماهم؛ لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١/ ١٣٣.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٤٩/٤.
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
١٩٤

الزهر
تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع
أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود
هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين
العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة؛
لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظة لبناء
جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم،
وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي
لم تکن فارقتهم إلا منهزمة من يدي سلطان
الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل
النظام تحت رعايته، ولزمتهم الذلة والمسكنة
بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع)»(١).
٣. الإثم.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الإثم.
قال تعالى: ﴿وَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِي
اُلْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
لَوْلَا يَنْهَنهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
٦٢
عَنْ قَوْلِهُ آلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
بَعْمَلُونَ
يَصْنَعُونَ (
﴾ [المائدة: ٦٢- ٦٣].
٦٣
ذم الله تعالى في الآيات اليهود بأنهم
يسارعون في الإثم والعدوان، وقوله: ﴿وَتَرَى
كَثِيرً مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ﴾، أي: وترى - أيها الرسول الكريم
أو أيها السامع- كثيرًا من هؤلاء اليهود،
(١) تفسير المنار ٢٧٦/١.
يأخذوا به من الأحكام؛ ولأنهم اعتدوا يسارعون في ارتكاب الآثام وفي التعدي
والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو
وَتَرَى ﴾، يفيد أن
تريث، والتعبير بقوله:
ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيًا
أو مستورًا، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة
وعلانية، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من
وجوههم، والمسارعة في الشيء: المبادرة
إليه بسرعة وخفة ونشاط، وأكثر استعمالها
في الخير، قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ
اْخَيََّتِّ وَهُمْ لَهَا سَِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦١].
وقد استعملت هنا في مسارعتهم في
الإثم والعدوان وأكلهم السحت، للإشارة
إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات
وكأنهم محقون فيها، والتعدية بحرف في
تؤذن بأنهم مغمورون في الآثام، وأنهم
يتنقلون فيها من حال إلى حال أخرى شر
منها، حتى لكأن السير في طريق الحق
والصدق والفضيلة صار غير مألوف
(٢)
عندهم(٢).
وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى
الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق
تحري الحق في عبارات الكتاب العزيز،
فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع
أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم، بل يسند ذلك
إلى الكثير أو الأكثر(٣).
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢١١/٤.
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٣٤٤/١٠.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الذال
ولم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون السحت (٣).
ذلك، حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا
يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم
مجبولة على حب المعاصي والظلم (١).
والإثم: هو كل قول أو عمل لا يرضاه
الله تعالى، والعدوان: مجاوزة الحد في
الظلم والتعدي. والسحت: هو المال الحرام
کالرشوة وغيرها.
ثم بالغ في ذم هذه الأعمال فقال تعالى:
﴿َِلْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: والله ما أقبح
هذا العمل الذي يعمله هؤلاء من مسارعتهم
في کل ما يفسد الأخلاق، ویدنس النفوس،
ويقوض نظم المجتمع، وويل للأمة التي
يعيش فيها أمثال هؤلاء (٢).
وهذه الجملة هي حكم من الله تعالى
علیهم بذم أعمالهم، وقد جمع سبحانه في
حکمه بين صيغة الماضي ﴿گانُوا﴾، وصیغة
المضارع ﴿يَعْمَلُونَ﴾، للإشارة إلى أن هذا
العمل القبيح كان منهم في الماضي، وأنهم
قد استمروا عليه في حاضرهم ومستقبلهم
بدون توبة أو ندم، وقد أكد سبحانه هذا
الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم،
وبكلمة (بئس) الدالة على شدة الذم، أي:
أقسم لبئس العمل الذي كان هؤلاء يعملونه
من مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٢٣٧.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٦/ ١٥٠.
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَتَرَىُ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِ آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ
١٢
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[المائدة: ٦٢]: ((والمسارعة مفاعلة تصور
القوم كأنما يتسابقون تسابقًا في الإثم
والعدوان، وأكل الحرام. وهي صورة ترسم
للتبشيع والتشنيع، ولكنها تصور حالة من
حالات النفوس والجماعات حين يستشري
فيها الفساد وتسقط القيم ويسيطر الشر .. وإن
الإنسان لينظر إلى المجتمعات التي انتهت
إلى مثل هذه الحال، فیری کأنما کل من فيها
يتسابقون إلى الشر، إلى الإثم والعدوان،
قويهم وضعيفهم سواء، فالإثم والعدوان
-في المجتمعات الهابطة الفاسدة- لا
يقتصران على الأقوياء، بل يرتكبهما كذلك
الضعفاء، فحتى هؤلاء ينساقون في تيار
الإثم. وحتى هؤلاء يملكون الاعتداء، إنهم
لا يملكون الاعتداء على الأقوياء طبعًا.
ولكن يعتدي بعضهم على بعض، ويعتدون
على حرمات الله؛ لأنها هي التي تكون
في المجتمعات الفاسدة الحمى المستباح
الذي لا حارس له من حاكم ولا محکوم،
فالإثم والعدوان طابع المجتمع حین یفسد،
والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات!
وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام،
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /٢١١.
مَوَسُورَةُ النَّقِين
القرآن الكريمِ
١٩٦

الذمر
وکذلك أکلهم للحرام، فأكل الحرام کذلك
سمة يهود في كل آن!))(١).
وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّبَّنِيُونَ
وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾،
تحضیض لعلمائهم على النهي عن ذلك،
فإن (لولا) إذا دخل على الماضي أفاد
التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد
التحضيض، ﴿لَبِئْسَ مَاكَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، أبلغ
من قوله: ﴿لِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، من حیث
إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروٍ
وتحري إجادة، ولذلك ذم به خواصهم،
ولأن ترك الحسبة أقبح من مواقعة المعصية؟
لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها، وليس ترك
الإنكار علیها كذلك، فکان جدیرًا بأبلغ
الذم(٢).
٤. الخيانة.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الخيانة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ
يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا
(١٠٧)
خَوَّانَا أَثِيمًا (
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
[النساء: ١٠٧-١٠٨].
(١٠٨)
الخيانة: لغة تدل على الإخلاف والخيبة
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٩٢٨.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٤/٢.
بنقص ما كان يرجى ويؤمل من الخائن، فقد
قالوا: خانه سيفه، إذا نبا عن الضربية، وخانته
رجلاه، إذا لم يقدر على المشي(٣).
وقوله: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ
أَنفُسَهُمْ﴾، لفظ عام يندرج تحته أصحاب
النازلة، ويتقرر به توبيخهم (٤)، أي: ولا
تخاصم وتدافع عن هؤلاء الذين ﴿يَخْتَانُونَ
أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: يخونونها بشدة وإصرار،
إن الله تعالى لا يحب ولا يرضى عمن
كانت الخيانة وصفًا من أوصافه، وخلقًا من
أخلاقه، وكذلك لا يحب ولا يرضى عمن
كان الانهماك في الإثم والمعصية عادة من
عاداته(٥).
﴿يُخْتَانُونَ ﴾،
وجاء سبحانه بلفظ
بمعنى يخونون، لقصد وصفهم بالمبالغة
في الخيانة؛ لأن مادة الافتعال تدل على
التكلف والمحاولة، وجعلت خيانة هؤلاء
لغيرهم خيانة لأنفسهم، لأن سوء عاقبة
هذه الخيانة سيعود عليهم، ولأن المسلمين
جميعًا كالجسد الواحد، فمن تظاهر بأنه
منهم ثم خان أحدهم فكأنما خان نفسه،
وأوردها موارد البوار والتهلكة باعتدائه على
حقوق الجماعة الإسلامية، وزعزعة أمنها
واستقرارها (٦).
(٣) انظر: تفسير المراغي ٩/ ١٩٢.
(٤) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٢٩٨/٢.
(٥) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٩/٣.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٩/٣.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الذال
وهم خانوا غیرهم في الظاهر، ولكنهم ولا أن یحامي عنهم أحد. وقد کرههم الله
للإثم والخيانة! ويعقب الوصف بالإثم
والخيانة تصوير منفر لسلوك هؤلاء الخونة
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا
الآثمين:
في الحقيقة خانوا أنفسهم، فقد خانوا
الجماعة ومنهجها، ومبادئها التي تميزها
وتفردها، وخانوا الأمانة الملقاة على
الجماعة کلها، وهم منها .. ثم هم يختانون
أنفسهم في صورة أخرى، صورة تعريض
أنفسهم للإثم الذي يجازون عليه شر
الجزاء، حیث یکرههم الله، ويعاقبهم بما
أثموا. وهي خيانة للنفس من غير شك ..
وصورة ثالثة لخيانتهم لأنفسهم، هي تلويث
هذه الأنفس وتدنيسها بالمؤامرة والكذب
والخيانة (١).
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن
كَانَ خَوَّانًا أَشِيمًا﴾، بصيغة المبالغة لإفادة أن
الخيانة والإثم صارا وصفًا ملازمًا لهؤلاء
الخائنين الآثمين، أي: أن صيغة المبالغة
هنا ليست للتخصیص حتى لا يتوهم متوهم
أن الله تعالى يحب من عنده أصل الخيانة
والإثم (٢).
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا.
(١٠٧)
[النساء: ١٠٧].
((وهذه عقوبة أكبر من كل عقوبة .. وهي
تلقي إلى جانبها إيحاء آخر. فالذين لا
يحبهم الله لا يجوز أن يجادل عنهم أحد،
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٥٤/٢.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٩/٣.
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهي صورة زرية داعية
إلى الاحتقار والسخرية، زرية بما فيها من
ضعف والتواء، وهم يبيتون ما يبيتون من
الكيد والمؤامرة والخيانة ويستخفون بها
عن الناس. والناس لا يملكون لهم نفعًا ولا
ضرًا. بينما الذي يملك النفع والضر معهم
وهم يبيتون ما يبيتون مطلع عليهم وهم
يخفون نياتهم ويستخفون. وهم يزورون
من القول ما لا يرضاه! فأي موقف يدعو إلى
الزراية والاستهزاء أكثر من هذا الموقف؟
))(٣).
٥. الكذب.
من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها:
الكذب.
﴿﴿ أَ تَّ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا
قال تعالى:
غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ
أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ
١٤
عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
عَذَابًا شَدِيدًاً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٥
[المجادلة: ١٤- ١٥].
يذم الله تعالى هؤلاء المنافقين بجملة من
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٥٤/٢.
١٩٨
ـَالنَّسَيَّة
جوبيه
القرآن الكريم