Indexed OCR Text

Pages 41-45

الدفع
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ
[المجادلة: ٢٢].
فبين الله تعالى أن الإيمان بالله واليوم
الآخر لا يجتمع مع موادة من حاد الله
ورسوله، ولو کان من الأصول أو الفروع أو
ذوي الأرحام المقربين.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
لَا تَتَّخِذُوْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ
أَسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَتَّوَلَّهُم
مِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ اَلظَِّمُونَ﴾ [التوبة:
٢٣].
والآيات في ذلك كثيرة.
عواقب ترك الدفع
أولًا: الخذلان:
إذا ترك المسلمون القيام بواجبهم في
الدفاع عن عقيدتهم ومقدساتهم فإنهم بذلك
يقضون بالغلبة لأعدائهم على أنفسهم.
لكن لا بد أن يقوموا نصرة لله تعالى
ولدینه، لا حمية لجنس أو قومية أو أي شيء
غیر نصرة دين الله تعالى؛ فحينئذ يأتي نصر
الله.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنْصُرُواْ
اللَّهَ يَنَصُرُّكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
فإذا نصر المسلمون دينهم وشريعتهم
بالقيام بما افترضه الله عليهم والحمية له
والذود عنه نصرهم الله، وإلا فالخذلان
المبين بأن يكلهم لأنفسهم، وإن خذلهم
فمن ذا الذي يملك لهم نصرًا من بعده
سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ
لَكُمّْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا أَلَّذِى يَنصُرُكُمْ
مِنْ بَعْدِهِهُ وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوََّّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[آل
عمران: ١٦٠].
ثانيًا: الذلة والهوان بعلو الكافرين على
المؤمنين:
من المعلوم أن قيام المسلمين بواجبهم
في الدفع إزاء الكافرين يحقق نوعًا من
www. modoee.com
٤٧

حرف الدال
توازن القوى؛ فلا يتمادى أهل الكفر
في فسادهم وطغيانهم واستضعافهم
واستذلالهم للمؤمنین، وإلا يأتي الله بأمره،
وتمضي سنته في معاقبة الفاسقين وضرب
مذلة الأسر والهوان عليهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتُّ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
أي:
﴿وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾،
تستطيبونها، يعني: القصور والمنازل،
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ﴾، فانتظروا، ﴿حَّى
يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال عطاءٌ: بقضائه، وقال
مجاهدٌ ومقاتلٌ: بفتح مكة، وهذا أمر تهديدٍ،
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى﴾ لا يوفق ولا يرشد ﴿الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ﴾، الخارجين عن الطاعة))(١).
وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم
بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم
بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم
ذلًا، لا ینزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)(٢).
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣٢٨/٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب
في النهي عن العينة ٢٧٤/٣، رقم ٣٤٦٢.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
فقضت سنة الله تعالى على عباده إذا
تركوا ما كلفهم به من الدفع، والجهاد
لأعدائهم؛ أن يضرب عليهم ذلًا، لا ينزعه
حتی یرجعوا إلی دینھم.
ثالثًا: الاستبدال:
ومن السنن المترتبة على ترك الدفع
كذلك استبدال الله تعالى بمن ترك الدفع
والجهاد في سبيله من يقيم دينه، ويعطي
ولاءه ومحبته للإسلام وأهله.
قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ
مِنكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ,
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى آلگفِينَ يُجَهِدُونَ فِی
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآ بِرٍّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ
مَنْ يَشَدَءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
٤٨
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٤٢٣.

الدفع
نتائج الدفع
أولًا: حرية المعتقد وحرية العبادة:
إن من أهم ثمرات الدفع المأمور به
شرعًا استقامة العقيدة وسلامتها، وخلوها
من الآفات التي تشوبها من التوجه بالدعاء
أو القصد أو الاستعانة إلى غير الله تعالى،
أو التحاكم إلى غير شرعه، أو جحود شيء
مما أنزل، أو وجود تصورات واعتقادات
تخالف العقيدة الصحيحة التي تركنا عليها
النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن مجتمعًا مثل هذا تسوده عقيدة
إيمانية راسخة، ويقوم على توحيد الله
تعالى، وإخلاص القصد له، لا شك أنه
مجتمع تتنزل عليه رحمات الله وبركاته،
ويستخلف أهله، ویمکنون في الأرض، كما
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
وعد الله تعالى حيث قال:
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّلَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى آرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ
مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ
بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
فتأمل قوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَفِ لَا
يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا﴾؛ تعلم أن تلك الجائزة
إنما هي ثمرة التوحيد وعاقبته الحميدة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ
لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمَّ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ
مُقْتَصِدَةً وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:
٦٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَّهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ
وَاُلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى
اُلَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦].
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَنُحْبِيَنَّهُ.
حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
فهذه الآيات وأمثالها كثير يدل على
العاقبة الحسنة، والثمرة اليانعة للتوحيد،
وسلامة الاعتقاد الناتجين عن دفع المؤمنين
الكفر والكافرين، وسائر صور الفساد في
الأرض.
ثانيًا: حرية العبادة وتحصين أماكنها:
من أعظم الظلم الذي يمارسه أعداء
الإسلام - إذا تسلطوا على ديار الإسلام- أن
يمنعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أو
یهدموها بالكلية.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ
اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ، وَسَعَى فِى خَرَابِهَا
www. modoee.com
٤٩

حرف الدال
أُوْلَبِكَ مَا كَانَّلَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلََّ خَاَيِفِينَ،
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
ولعل من أهم آثار الدفع وعواقبه الحميدة
أن يأمن الناس على دينهم وعقيدتهم،
ویتمکنوا من أداء عباداتهم وشعائرهم دون
خوف أو وجل أن يمنعوا منها، أو تهدم دور
عبادتهم؛ إذ إن هذا الدفع لأعدائهم هو الذي
يمنع ذلك كله.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ
بِبَعْضٍ لَّدِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَتَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾
[الحج: ٤٠].
فبالجهاد والدفع تعود للمساجد هيبتها
وعزتها، کما أذن الله أن ترفع ویذکر فیها
اسمه.
قال تعالى: ﴿فِ يُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَيْحُ لَهُ فِهَا بِالْقُدُوِّ
وَاْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ فِجْرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوِْ وَ إِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٦-
٣٧].
ثالثًا: إحقاق الحق ورفع الظلم،
وخذلان الباطل وأهله:
من أهم آثار الدفع كذلك أن يحق الحق،
ويبطل الباطل؛ فتعود الحقوق لأصحابها،
ويرفع الظلم عن العباد والبلاد، وقد بين
القرآن أن من أهم مقاصد الدفع إحقاق
الحق وإبطال الباطل.
قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
بِأَلْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
يُجَدِلُونَكَ فِىِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ
إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللَّهُ
إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِّمَيِّهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ )
لِيُحِقِّ الْحَقِّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾
[الأنفال: ٥-٨].
فأخبر سبحانه أنه ما أخرج رسوله من
بيته، ولا عرض المؤمنين لهذه الفتنة الشديدة
-مع قلة عددهم وعتادهم-، ولا أغرى
الفريقين بالقتال؛ إلا لهذه الغاية العظيمة،
وهي إحقاق الحق، وإبطال الباطل.
ولعمر الله إنها لسنة ماضية، أن يقضي
الحق على الباطل؛ فتكون الغلبة له في
النهاية، وذلك أن الباطل لا يثبت أمام الحق.
﴿بَّ نَقْذِفُ ◌ِلَلْيَّ عَلَى
قال سبحانه:
الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِنَّا
نَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
فالحق هو الذي يبقى، وهو ما ينفع
الناس، والباطل يذهب جفاء.
قال سبحانه: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَسَالَتْ
جَوَسُبـ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٥

الدفع
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَاً وَمِنَا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ عِيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَيَّدٌ مِثْلُ.
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقِّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ
جُقَدَهُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِّ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
رابعًا: شفاء صدور المؤمنين:
ومن نتائج الدفع الحميدة كذلك شفاء
صدور المؤمنين مما حل بهم من كيد
أعدائهم وظلمهم لهم، والنيل من نفوسهم
وأعراضهم وأموالهم.
قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
◌ِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن
يَشَآءُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ١٤-١٥].
موضوعات ذات صلة:
الأذى، الإصلاح، التغيير، الجهاد،
السياسة، الضر
www. modoee.com