Indexed OCR Text

Pages 21-40

الذكر
رضي الله عنهما أنكرا على أولئك النفر وهو مقرون بالتوبة في الغالب))(٣).
تلك الكيفية والهيئة الجماعية للذكر مع أن
الذکر مستحب ومرغب فيه، ولکن لیس
على الطرق المبتدعة المخترعة، وكيفيته
وهيئته يجب أن تكون على الطريقة المتلقاة
عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
البررة رضي الله عنهم.
من صور الذكر:
ذكر الله تعالى في القرآن أنواعًا من
الذکر، کالتسبيح والتحميد والتكبير وغيرها،
وفيما يلي ذكر بعض صور الذكر الواردة في
القرآن.
أولًا: الاستغفار:
من صور الذكر وأعظمها الاستغفار،
والاستغفار وإن كان يتنزل منزلة الدعاء إلا
أن الدعاء يتضمن الذكر.
والغفر والمغفرة: التغطية على الذنوب،
والعفو عنها (١).
والاستغفار: طلب ذلك من الله،
فـ(استغفر) تزيد على (غفر) معنى الطلب.
وعرفه الراغب بقوله: ((الاستغفار: طلب
المغفرة بالمقال والفعال)» (٢).
قال ابن تيمية: ((الاستغفار هو طلب
المغفرة، وهو من جنس الدعاء والسؤال،
(١) المحكم والمحيط الأعظم ٤٩٩/٥.
(٢) المصدر السابق ص٥٤٣.
فقول العبد: ((أستغفر الله)) وإن كان لفظه
خبرًا، إلا أن معناه دعاءٌ وطلب، كما في
قوله: ﴿إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة:
٥].
والمقصود أن القرآن الكريم قد ورد فيه
آيات كثيرة، تحث على الاستغفار، وتأمر
به، وتبين فضله، وفي ذلك دلالة واضحة
على أهمية طلب العبد المغفرة من ربه ليستر
عیوبه، ویعفو عن سيئاته، ویجنبه عقوبته؛
ولأهمية الاستغفار وفضله تجد أن دعوة
جميع الأنبياء جاءت بالاستغفار، كما في
قصة نوح وهود وصالح وشعيب ومحمد
-عليهم الصلاة والسلام-، بل إن سيرة
رسولنا محمد عابقة بكثرة استغفاره، وهو
الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال ابن رجب في تفسيره: ((كثر في
القرآن ذکر الاستغفار، فتارة يؤمر به، کقوله:
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[البقرة: ١٩٩].
وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ
إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠].
وتارة يمدح أهله، كقوله:
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران:
١٧].
وقوله: ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ
(٣) منهاج السنة النبوية ٦/ ٢١٠.
www. modoee.com
١٠١

حرف الذال
الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره،
كقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ.
ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[النساء: ١١٠].
وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة،
فيكون الاستغفار حينئذٍ عبارة عن طلب
المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع
عن الذنوب بالقلوب والجوارح، وتارة يفرد
الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة))(١).
ونهى الله تعالى عن الاستغفار
للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، فقال
تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبى
مِنْ بَعْدِمَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ
(٢) وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا
عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبِيِّنَ لَهُوْ أَنَّهُ:
عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّاً مِنْهُ ﴾ [التوبة: ١١٣ -١١٤].
وقال في حق المنافقين: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ
أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ
لَمْ﴾ [المنافقون: ٦].
فالاستغفار لا ينفعهم شيئًا وذلك لفداحة
ما هم عليه من الاعتقاد الفاسد المبطن،
ولإيغالهم في الكفر وانهماكهم في الفسق
والقبائح، فاستحقوا هذا الجزاء الخطير،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ
مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
والقرآن أطلق الأمر بالاستغفار ولم يذكر
صيغته، ولمعرفة ذلك يرجع إلى السنة،
فكان عليه الصلاة والسلام ينوع في طلب
المغفرة، ویعدد الذنوب بأنواعها.
والاستغفار على هذا لا يكون باللسان
فقط، بل باللسان وبالفعال، فقد قيل:
الاستغفار باللسان من دون فعال فعل
الكذابين، والله سبحانه وتعالى لما أثنى
على عباده بالاستغفار قيده بعدم الإصرار؛
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ
ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ
وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا
فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
المعنى: أخبر سبحانه وتعالى عن شأن
عباده المؤمنين إذا صدرت منهم أعمالٌ سيئة
من ظلم النفس، فذكروا حق الله سبحانه
وتعالى وعظمته الموجبة لخشيته وخوفه،
والحياء منه، و تذكروا كذلك وعده ووعيده،
بادروا بطلب المغفرة منه عز وجل فإنه لا
يغفر الذنوب أحدٌ سواه، ولم يصروا على
قبيح فعلهم، وهم عالمون بقبحه، والنهي
عنه، والوعید علیه.
ويأتي الاستغفار في القرآن بمعنى التوبة
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ
اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وهنا قد يلتبس الأمر على كثيرٍ من الناس،
(١) تفسير ابن رجب الحنبلي ١ / ١٥٠.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفسيد
القرآن الكريمِ
١٠٢

الذكر
فيظنون أن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي من الذنب؛ فلذلك عد الاستغفار هنا رتبة
من مراتب التقوى، وليس الاستغفار مجرد
قول (أستغفر الله) باللسان والقائل ملتبس
بالذنوب، وعن رابعة العدوية أنها قالت:
(استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار) وفي
كلامها مبالغة، فإن الاستغفار بالقول مامور
الاستغفار، وبتتبع النصوص يظهر أن بین
التوبة والاستغفار عمومًا وخصوصًا من
وجه، فإذا تفرقا اجتمعا، وإذا اجتمعا تفرقا،
فعند الإطلاق يدخل كلٌّ منهما في مسمى
الآخر، وعند اقترانهما يكون الاستغفار
طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع به في الدين؛ لأنه وسيلة لتذكر الذنب،
والحيلة للإقلاع عنه)»(٣).
وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من
سيئات أعماله.
فهما مختلفان عند الرازي، فالتوبة
عنده غير الاستغفار؛ إذ يقول: والاستغفار
طلب المغفرة، وهو غير التوبة (١). وقال
العسكري: ((والفرق بين الاستغفار والتوبة:
أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء، والتوبة
الندم على الخطيئة مع العزم على ترك
المعاودة))(٢).
واختار ابن عاشور وابن القيم وغيرهما
أن الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة،
حيث يقول ابن عاشور: ((ولما كان طلب
الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا
عن ندامة ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة
إليه كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى
التوبة؛ إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من
هو مستمر علیه، أو عازم على معاودته، ولو
طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٨١.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٣٥.
ويأتي الاستغفار في القرآن مفردًا، كما
في قوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وغيرها من المواضع، ومقرونًا بالتوبة
كما في قوله: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢].
وغيره، قال ابن القيم: ((وأما الاستغفار
فهو نوعان: مفرد، ومقرون بالتوبة.
فالمفرد كقول نوح عليه السلام لقومه:
﴿أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
وكقول صالح لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
والمقرون كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعَا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ
◌ُسَتَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].
وقول هود لقومه: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَلَّةَ عَلَيْكُم
مِّدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢].
(٣) التحرير والتنوير ٤/ ٩٢.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الذال
بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله،
وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره،
لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فإن الله
یستر علی من یغفر له ومن لا يغفر له، ولکن
الستر لازم مسماها أو جزؤه، فدلالتها عليه
إما بالتضمن وإما باللزوم، وحقيقتها: وقاية
شر الذنب، ومنه المغفر لما يقي الرأس
من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى وإلا
فالعمامة لا تسمى مغفرًا ولا القبع ونحوه
مع ستره، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية،
وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب
في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر
على الذنب، وطلب من الله مغفرته، فهذا
لیس باستغفار مطلق؛ ولهذا لا يمنع العذاب،
فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن
الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى
الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى
اللفظتین بالأخری فالاستغفار طلب وقاية
شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية
شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله،
فها هنا ذنبان ذنب قد مضى، فالاستغفار منه
طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه،
فالتوبة العزم على أن لا يفعله، والرجوع
إلی الله يتناول النوعين، رجوع إليه ليقيه شر
فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل
من شر نفسه، وسيئات أعماله، وأيضًا فإن
المذنب بمنزلة من ركب طريقًا تؤديه إلى
هلاکه، ولا توصله إلى المقصود، فهو مأمور
أن يوليها ظهره، ويرجع إلى الطريق التي فيها
نجاته، والتي توصله إلى مقصوده، وفيها
فلاحه، فها هنا أمران، لا بد منهما، مفارقة
شيء، والرجوع إلى غيره، فخصت التوبة
بالرجوع، والاستغفار بالمفارقة، وعند إفراد
أحدهما يتناول الأمرين؛ ولهذا جاء -والله
أعلم - الأمر بهما مرتبًا بقوله: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢].
فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد
مفارقة الباطل، وأيضًا فالاستغفار من باب
إزالة الضرر، والتوبة طلب جلب المنفعة،
فالمغفرة أن يقيه شر الذنب، والتوبة أن
یحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه، و کل
منهما يستلزم الآخر عند إفراده))(١).
والعبد دائمًا دائرٌ بين نعمة من الله
سبحانه وتعالی یحتاج معها إلی شکر، وبین
ذنبٍ منه یحتاج فیه إلى الاستغفار، و کل من
هذين الأمرين من الأمور اللازمة للعبد؛
ولهذا فهو محتاج إلى الاستغفار آناء الليل
وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائمًا
في الأقوال والأفعال، وسائر الأحوال؛ لما
فیه من المصالح، وجلب الخیرات، ودفع
(١) مدارج السالكين ١/ ٣١٤-٣١٥.
١٠٤
جَوَبُو
القرآن الكريمِ

الذكر
المضرات.
ولما كان الاستغفار بهذه الأهمية قرنه
الله عز وجل في كتابه الکریم بتوحیده، قال
تعالى: ﴿فَعْلَمْ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَتْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩].
قال ابن تيمية رحمه الله: ((وقد ثبتت
دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد، واقترانها
بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى
آخرهم، ومن آخرهم إلى أولهم، ومن
الأعلى إلى الأدنى، وشمول دائرة التوحيد
الاستغفار للخلق كلهم، وهم فيها درجات
عند الله، ولكل عامل مقام معلوم))(١).
ثمرات الاستغفار:
ذكر الله في القرآن للاستغفار مننًا کبرى،
وفضائل عظمى، من عظيم الجزاء، وواسع
العطاء، ومن ذلك:
١. أن الاستغفار سبب المغفرة، ولو
عظمت الذنوب، وبلغت من الكثرة
عنان السماء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا آَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
قال السعدي رحمه الله في تفسيره
لهذه الآية: ((أي: من تجرأ على المعاصي،
واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا
تامًا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه،
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ٦٩٧.
والإقلاع، والعزم على ألا يعود، فهذا
قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة
والرحمة، فیغفر له ما صدر منه من الذنب،
ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب،
ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة،
ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل
ذنبه حائلاً عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وكذا
سائر المعاصي الصغيرة والكبيرة)»(٢).
٢. الاستغفار أمان من العذاب.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: ((إنه
كان قبل أمانان، قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
◌ِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: أما النبي صلى الله عليه
وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو دائر
فیکم إلى يوم القيامة»(٣).
فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام
استدعاء الاستغفار منهم، أي: لو اشتغلوا
بالاستغفار لما عذبهم الله (٤).
٣. الاستغفار سبب للخيرات
والبركات.
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٠١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٥١٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٨٠.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الذال
كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
وَيُعْدِذَّكُ بِأَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُ جَنَّتٍ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ
أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
ففي الآية دليل على أن الاستغفار والتوبة
سبب لنزول الأمطار والحصول على
الأموال والبنين والجنات والأنهار وسائر
الخيرات.
٤. الاستغفار سبب الحصول على
القوة بمعناها الشامل.
قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ
ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ بُرْسِلِ السَّمَآَةَ عَلَيْكُمْ
مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّيِكُمْ وَلَا نَوَلَّوَأ
مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
ففسروا هذه القوة بالمال والولد، والشدة
في الأعضاء؛ لأن كل ذلكم ما يتقوى به
الإنسان (١).
قال النسفي: ((وقيل: أراد القوة بالمال أو
على النكاح)﴾(٢).
وفي قوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾
ظاهره العموم في جمیع ما یحسن الله تعالی
فيه إلى العباد (٣).
٥. الاستغفار سبب في الحصول
على المتاع الحسن والسعادة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُنْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
(١) المصدر السابق ٣٦٤/١٨.
(٢) مدارك التأويل، النسفي ٢/ ٦٧.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ١٨٠.
يُمَنْعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَ أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى
فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].
وهذا يدل على أن المقبل على عبادة
الله، والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم
الحال، مرفه البال.
والمتاع الحسن في الدنيا بطيب النفس،
وسعة الرزق، أو بالرضا بالميسور، والصبر
على المقدور، أو بترك الخلق والإقبال على
الحق، قاله سهل رضي الله عنه: ((﴿أَجَلٍ
◌ُسَنَّ﴾ الموت، أو القيامة، أو وقت لا
يعلمه إلا الله تعالى، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلِ
فَضْلَهُ﴾ يهديه إلى العمل الصالح، أو يجزيه
به في الآخرة)» (٤).
قال شيخ الإسلام مبينًا حاجة العبد إلى
الاستغفار: ((الاستغفار يخرج العبد من
الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب، ومن
العمل الناقص إلى العمل التام، ويرفع
العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه
والأكمل، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء
الليل وأطراف النهار، بل هو مضطرٌ إليه
دائمًا في الأقوال والأحوال، في الغوائب
والمشاهد؛ لما فيه من المصالح، وجلب
الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة
في القوة فى الأعمال القلبية والبدنية اليقينية
الإيمانية»(٥).
(٤) تفسير القرآن، العزبن عبد السلام ٢/ ٨١.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١ / ٦٩٦.
١٠٦
فَضْو
موسوعة النفسية
جوية
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الذكر
وقال: ((التوبة من أعظم الحسنات،
والحسنات كلها مشروط فيها الإخلاص
لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار
من أكبر الحسنات، وبابه واسع، فمن
أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله
أو رزقه، أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد
والاستغفار؛ ففيهما الشفاء إذا كانا بصدقٍ
وإخلاص، وكذلك إذا وجد العبد تقصیرًا
في حقوق القرابة والأهل والأولاد
والجيران والإخوان؛ فعليه بالدعاء لهم
والاستغفار))(١).
أوقات الاستغفار:
الاستغفار مشروع ومستحب في كل
وقت، إلا أن القرآن قد ذكر بعض الأوقات
يتأكد فيها، ويكون له فيها مزية عن غيرها،
ومن هذه الأوقات:
١. عند الوقوع في الذنب.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَّلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ
وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
فأخبر الله تعالى عن كرمه العظيم وجوده،
ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا
ويتوبوا ويستغفروا الله، فقال: ﴿وَلَوَّ أَنَّهُمْ
إِذ ◌َظَّلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ ﴾ أي: معترفین
بذنوبهم، باخعين بها ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ
(١) المصدر السابق ٦٩٨/١١.
وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا
زَّحِيمًا﴾ أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلمهم،
ورحمهم بقبول التوبة، والتوفيق لها،
والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول
صلى الله عليه وسلم مختص بحياته؛ لأن
السياق يدل على ذلك؛ لكون الاستغفار من
الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته
فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك (٢).
٢. بعد الأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَّ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
قال ابن رجب في تفسيره: «والاستغفار:
هو خاتمة الأعمال الصالحة، فلهذا أمر النبي
صلى الله عليه وسلم أن يجعله خاتمة عمره،
كما يشرع لمصلي المكتوبة أن يستغفر عقبها
ثلاثًا، وكما يشرع للمتهجد من الليل أن
يستغفر بالأسحار، قال تعالى: ﴿وَبِآلْأَسْحَارِ هُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل
عمران: ١٧].
وكما يشرع الاستغفار عقيب الحج، قال
تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٩
وسبب هذا أن العباد مقصرون عن القيام
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٤.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الذال
بحقوق الله كما ينبغي، وأدائها على الوجه تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين
يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني
فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من
يستغفرني فأغفر له؟)(٤).
اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يؤدونها علی
قدر ما يطيقونه، فالعارف یعرف أن قدر
الحق أعلى وأجل من ذلك، فهو يستحي من
عمله، ويستغفر من تقصير فيه، کما يستغفر
غیره من ذنوبه و غفلاته، و کلما کان الشخص
بالله أعرف، كان له أخوف، وبرؤية تقصيره
أبصر)) (١).
٣. وقت السحر.
قال تعالى: ﴿الصَِّينَ وَالصَّدِقِينَ
وَاُلْقَسِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ
بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧].
وقال: ﴿وَبِالْأَمَْارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:
١٨].
والمستغفرون هنا هم المصلون، وقيل:
هم المستغفرون (٢). فوقت السحر له
فضيلة، وهو الوقت الذي أخر يعقوب إليه
الاستغفار، قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِِّّ
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨].
قال أكثر المفسرين: أخره من الليل
إلى السحر؛ وذلك أن الدعاء بالأسحار لا
يحجب عن الله(٣).
وخص تعالى السحر لما فسر النبي
صلی الله عليه وسلم في قوله: (ينزل ربنا
(١) تفسير ابن رجب الحنبلي ٦٤٩/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٦٦.
(٣) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٧/٥.
قال الرازي: ((واعلم أن الاستغفار
بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان، وفي
كمال العبودية، من وجوه، الأول: أن وقت
السحر يطلع فيه نور الصبح بعد أن كانت
الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور
الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك
وقت الجود العام، والفيض التام، فلا يبعد
أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع
صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال
الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى
في القلب، والثاني: أن وقت السحر أطيب
أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك
اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة
أكمل»(٥).
والحاصل: أن الله يسر أمر الاستغفار
للعباد، فبمقدور كل عبد الإتيان به في جميع
أحواله وأوقاته: في ليله ونهاره، وفي خلوته
وجلوته، وفي صحته ومرضه، وفي ظعنه
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد،
باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، ٢/ ٥٣،
رقم ١١٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب
صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب
في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه
٥٢١/١، رقم ٧٥٨.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦٧/٧.
١٠٨
جَوَنُور
القرآن الكريم

الذكر
وإقامته، وفي قيامه وقعوده، وهو طاهر إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر،
ومحدث، لا عذر للمرء في التكاسل عنه وكذلك الذروح))(٢).
بوجه من الوجوه.
ثانيًا: التسبيح:
ومن صور الذكر العظيمة الواردة في
القرآن: (التسبيح)، وهو قول: سبحان الله،
ومعناه: تنزيه الله تعالى عن كل نقص أو
عيب، وتعظيمه وتمجيده، وإكبار قدرته
المطلقة التي لا يحدها حد، ولا يحصيها
عد، قال السمعاني: ((سبحان: تنزيه الله
من كل سوء، وحقيقته تعظيم الله بوصف
المبالغة، ووصفه بالبراءة من كل نقص))(١).
ومنه قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى
بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
فسبحان: اسم مصدر، ولم يذكر هنا
فاعل التسبيح من هو؟ ولا المكان الذي
يسبح فيه؛ لأن من طبيعة المصدر في اللغة
أنه حدث قائم بذاته مجرد من مسبباته، فلم
يقدر هذا المصدر بفاعل ولا بزمن؛ وذلك
بغرض الإطلاق والاستغراق في التنزه
دون انقطاع، فهو تعالى وحده أهل التسبيح
ومستحقه، سواء كان هنالك من یسبحه أو
لم يكن، غير مقيد بفعل ولا فاعل ولا زمن.
وسبوحٌ: من صفات الله، قال ثعلب:
(كل اسم على (فعول) فهو مفتوح الأول،
(١) تفسير القرآن، السمعاني ٢١٢/٣.
والمفسرون كذلك ذكروا أن التسبيح هو
التنزيه(٣)، ولكنه ليس مجرد تنزيه أو نفي
محض، بل فيه إثبات الكمال، فهو تنزيه
يتضمن التعظيم، ودليل تضمنه التعظيم قول
النبي عليه الصلاة والسلام: (فأما الركوع
فعظموا فيه الرب عز وجل )(٤). والوارد في
الركوع تسبيح. قال شيخ الإسلام: ((والأمر
بتسبيحه يقتضي أيضًا تنزيهه عن كل عيب
وسوء، وإثبات صفات الكمال له؛ فإن
التسبيح يقتضي التنزيه والتعظيم، والتعظيم
يستلزم إثبات المحامد التى يحمد عليها،
فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره
وتوحيده)»(٥).
وقال ابن القيم: ((والتسبيح ثناء عليه
سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيه)»(٦).
وكلمة (سبحان) خاصة بالله، قال
السمعاني: ((و کلمة سبحان كلمة ممتنعة، لا
يجوز أن يوصف بها غير الله؛ لأن المبالغة
(٢) الصحاح، الجوهري ١/ ٣٧٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٤/١، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٤٧٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع
والسجود ٣٤٨/١، رقم ٤٧٩.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢٥/١٦.
(٦) المنار المنيف ص٣٦.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الذال
في التعظيم لا تليق لغير الله))(١).
وقال ابن عاشور: ((وهو من الأسماء التي
لا تضاف لغیر اسم الله تعالی)»(٢).
وقد جاء عن علي وابن عباس رضي الله
عنهم أن (سبحان الله) كلمة رضيها الله
تعالى لنفسه(٣).
وقال الحسن البصري رحمه الله:
((سبحان الله: اسم لا يستطيع الناس أن
ينتحلوه))(٤).
فلا یسبح غير الله تعالی؛ لأنه قد صار
مستعملًا في أعلى مراتب التعظيم التي لا
يستحقها سواه(٥).
وقال الماوردي رحمه الله: ((ولا يجوز
أن یسبح غیر الله وإن کان منزها؛ لأنه صار
علمًا في الدين على أعلى مراتب التعظيم
التي لا يستحقها إلا الله تعالى))(٦).
وقد ورد لفظ (التسبيح) ومشتقاته في
القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ويصيغ
مختلفة، فورد بصيغة الفعل الماضي (سبح،
سبحوا)، وفي صيغة الفعل المضارع
(يسبح، نسبح، تسبح) مفردة ومجموعة،
وفي صيغة الفعل الأمر (سبح، سبحوا،
(١) تفسير القرآن، السمعاني ٢١٢/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٣/٣٠.
(٣) ينظر: الدر المنثور ٢٦٩/١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٨١.
(٥) تفسير القرآن، العزبن عبد السلام ١١٥/١.
(٦) النكت والعيون، الماوردي ١ / ٩٧.
سبحه، سبحوه)، وفي صيغة اسم الفاعل
(مسبحون، مسبحين)، وفي صيغة مصدر
(تسبيحه، تسبيحهم)، وفي صيغة مصدر
علم على التسبيح (سبحان، سبحانك،
سبحانه).
والفعل (سبح) قد يتعدى بنفسه
٢٠٠٠٠٠
بدون اللام؛ كقوله تعالى:
وسبِحَوَهَ بُكرة
وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢].
وقد يتعدى باللام كقوله: ﴿سَبَّحَ للَّهِ﴾
[الحشر: ١].
وعلى هذا فسبحه وسبح له لغتان،
کنصحه ونصح له، وشكره وشكر له(٧).
ومن تصاريف التسبيح: فعل الماضي
(سبح)، وفعل المضارع (يسبح)، قال
بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة
وبالمضارع أخرى؛ ليبين أن ذلك التسبيح
لله هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض،
ودأبهم في الماضي والمستقبل(٨).
وافتتحت بالتسبيح سبع سور، سميت
(المسبحات)، وهي: (الإسراء والحديد
والحشر والصف والجمعة والتغابن
والأعلى)، وقد ذكر ابن عاشور الحكمة
من افتتاح بعض السور بالتسبيح، فقال:
«الافتتاح بکلمة التسبيح من دون سبق کلام
متضمن ما يجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن
(٧) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٥٤٠.
(٨) المصدر السابق ٧ / ٥٤١.
١١٠
القرآن الكريم

الذكر
خبرًا عجيبًا، يستقبله السامعون، دالا على
عظيم القدرة من المتكلم، ورفيع منزلة
المتحدث عنه»(١).
وختمت به سور (الحجر والطور
والواقعة والحاقة).
ومن أكثر السور التي ذكر فيها ألفاظ
التسبيح بمختلف الصيغ: سورة الإسراء،
وهي تسمی سورة سبحان(٢)، حیث ذکر
فیھا التسبيح (٧) مرات، ولم یذکر بهذا
الكم في سورة غيرها، فلا سورة في القرآن
تماثلها في التسبيح؛ لما اشتملت على واقعة
الإسراء التي كذب بها المشركون جاء لفظ
(سبحان) تنزيهًا لله تعالى، وتعظيمًا لقدرته،
وتصدیقًا للرسول صلى الله عليه وسلم،
وكذلك اختتمت بالحمد والتكبير، ولعل
في هذا إشارة إلى نقله صلى الله عليه وسلم
حين عرج به إلى عالم التسبيح في السماء،
كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (أطت
السماء وحق لها أن تتط، ما فيها موضع أربع
أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله
تعالى)(٣).
(١) التحرير والتنوير ١٥/ ٩.
(٢) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي
٣٠/١، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي
٣٨٧/٣.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد،
باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(لو تعلّمون ما أعلم) ١٣٤/٤، رقم ٢٣١٢،
وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب الحزن
بل يخبر الله تعالى ذكره عن قول
ملائكته الذين ملئوا السماء: ﴿وَمَا مِنَّ إِلََّلَهُ.
*1 **
مَقَامٌ مَّعْلَوْمٌ
[الصافات: ١٦٤]، أي: مكان
معلوم في السماء خاص بكل ملك للعبادة
والتسبيح ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ﴾ [الصافات:
١٦٥].
فأمرهم ليس فوضى؛ بل هو منتظم
محكم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ اْسُبِّحُونَ﴾ [الصافات:
١٦٦].
فهم لا يتركون التسبيح أبدًا، ما دامت
السماوات والأرض، حتى ارتبطت بهم
صفة التسبيح واسم التسبيح، فهم المسبحون
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْشُبِحُونَ﴾ بل إنهم لا يفترون عن
التسبيح، حتى مجرد فتور! ولا يتعبون من
دوام تسبيح الله تعالى، ولا ينخفض مستوى
تسبيحهم ولو للحظة واحدة، كما في قوله
تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ ﴾
[الأنبياء: ٢٠].
فقال: يسبحون الليل والنهار، فعرف
بـ(ال) ولم يقل: يسبحون ليلاً ونهارًا؛
لأن المعنى يكون حينها جزءًا من الليل
وجزءًا من النهار؛ بل قال: ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ
وَأُلنَّهَارَ﴾ أي: يسبحون الليل كله والنهار
كله، لا يتركون التسبيح ولا للحظة واحدة
والبكاء ٢/ ١٤٠٢، رقم ٤١٩٠.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غریب».
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٨١،
رقم ١١٢٧.
www. modoee.com
١١١

حرف الذال
من لحظات الليل والنهار، ولا يفترون، ولا
حتى في جزء منهما.
إنه هدیرٌ من التسبيح لا ینخفض، ولا
ينقطع زجله إلا ما شاء الله، ولقد ورد
التسبيح في سورة الإسراء سبع مرات،
فكأنها سبع مرات لسبع سماوات، فكل
سماء يملؤها التسبيح، والنبي صلى الله
علیه وسلم يقول: (وسبحان الله، والحمد
لله، تملآن - أو تملأ- ما بين السماوات
والأرض)(١).
ونجد بعض السور ذكر فيها التسبيح في
أولها وآخرها، وهي سورة (الحشر) بدأت
بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَافِ
الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١].
وانتهت بقوله تعالى: ﴿يُسَمِحُ لَهُ،مَا فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:
٢٤].
الندب إلا في التسبيح في الصلاة فهو أمر
وجوب على الصحيح؛ كما دل عليه حديث
عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: لما نزلت:
[الواقعة:
﴿فَسَبِحْ يِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾
٧٤]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اجعلوها في ركوعكم)، فلما نزلت: ﴿سَيِّح
أَسْمَ رَيْكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. قال: (اجعلوها
(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل
الوضوء ٢٠٣/١، رقم ٢٢٣.
في سجودكم)(٢)
والتسبيح منه مطلق، ومنه مقيد بأدبار
الصلوات، أو بالصباح والمساء، وسيأتي
مزيد كلام عن هذا في أوقات الذكر.
والتسبيح يطلق في القرآن الكريم ويراد
به ستة أشیاء:
الأول: يطلق على التنزيه مع التعظيم،
وهو أكثر ما ورد في القرآن، وهو المراد عند
الإطلاق، ومنه قول الله تعالى: ﴿سُبْحَنَ
اللَّهِ عَمَّايَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩].
الثاني: يطلق على الصلاة، قال الله
تعالى: ﴿وَسَيْحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
الثالث: يطلق على الدعاء، ومنه قول
الله تعالى: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ ﴾
[يونس: ١٠].
الرابع: يطلق على عموم الذكر، ومنه
والأمر بالتسبيح في القرآن يحمل على قول الملائكة عليهم السلام: ﴿وَنَحْنُ نُسَبْحُ
بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال الطبري: ((يعني: إنا نعظمك بالحمد
لك والشكر، وكل ذكر لله عند العرب
فتسبيح وصلاة، يقول الرجل منهم: قضيت
سبحتي من الذكر والصلاة، وقد قيل: إن
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، تفريع أبواب الركوع
والسجود، باب ما يقول الرجل في ركوعه
وسجوده ١/ ٢٣٠، رقم ٨٦٩، وابن ماجه في
كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب التسبيح
في الركوع والسجود ٢٨٧/١، رقم ٨٨٧.
جَوَنُوالَهُ النَّفْسِيَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١١٢

الذكر
التسبيح صلاة الملائكة)) (١).
وقال شيخ الإسلام: ((ويراد بالتسبيح
جنس ذكر الله تعالى، يقال: فلان يسبح
إذا کان یذکر الله، ويدخل في ذلك التهليل
والتحميد، ومنه سميت السباحة للإصبع
التي يشير بها، وإن كان يشير بها في
التوحيد»(٢).
الخامس: يطلق على عموم العبادة،
ومنه قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ، كَانَ مِنَ
الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣].
عن وهب بن منبه: قال: ((من
))(٣)
العابدین»(٣).
الله تعالى: ﴿إِذْ أَقْتَمُواْ لَصْرِمُنَّهَا مُصْسِينَ () وَلَا
يَسْتَثْتُونَ﴾ [القلم: ١٧-١٨]. والمراد به قول:
إن شاء الله، لكن دلت الآيات على أنهم
كانوا يسبحون مكانها ﴿قَالَ أَوْسَعُهُ أَأَقُل لَّكُلَوْلًا
تُسَبِّحُونَ ﴾ [القلم: ٢٨].
قال السدي: ((كان استثناؤهم في ذلك
الزمان التسبيح)) (٤). فيقولون: سبحان الله،
بدل: إن شاء الله، فقوله: ﴿لؤلا تُسپُونَ﴾ أي:
تستثنون.
(٠٠٠٠
عَنَ سيِحَ
بالحمد، متقدمًا علیه، ومنه:
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٤٧٢.
(٢) جامع المسائل، ابن تيمية ٢٩٢/٣.
(٣) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/ ١٠٣.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٦٦/١٠.
بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ﴿فَسَيِّحْ مَحَمْدٍ
رَيِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨].
فالتسبیح یتضمن نفي النقائص والعيوب،
والتحميد يتضمن إثبات صفات الكمال التي
يحمد عليها (٥).
قال ابن كثير: «ولما كان التسبيح يتضمن
التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة
ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل
على إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم
التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا
الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن»(٦).
ويأتي التسبيح مقترنًا بالتهليل، كقوله
السادس: يطلق على الاستثناء، ومنه قول تعالى: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ سُبْحَنَهُ, عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
وقوله: ﴿لََّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ومقترنًا بالاستغفار، كقوله: ﴿يُسَيِّحُونَ
بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ﴾ [غافر: ٧].
وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥].
وذكر الله في القرآن تسبيح الجبال
وجاء التسبيح في القرآن مفردًا ومقترنًا والطير ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ
وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
وتسبيح
﴿وَيُسَيِّحُ الرَّعْدُ
الرعد
(٥) جامع المسائل، ابن تيمية ٢٧٨/٣.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /٤٦.
www. modoee.com
١١٣

حرف الذال
بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
وتسبيح كل الموجودات ﴿سَبِّحَ لِلَّهِمَا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١].
﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وهذه الآية تدل على أنه تسبيح حقيقي
على كيفية لا يعرفها البشر، فلا يفقهون
تسبيح هذه المخلوقات، وقد أخطأ من تاول
تسبيحها لمعنى غير التسبيح المعهود في
اللغة.
وتسبيح أهل الجنة، فقد أخبر الله تعالی
عنهم بقوله: ﴿دَعْوَدُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اَللَّهُمَّ ﴾
[يونس: ١٠].
إلا أنه مما يجب التنبيه عليه أن التسبيح
اعتقاد وقول وعمل، ودليل ذلك أن الصلاة
تسمى تسبيحًا، وهي تشمل اعتقاد القلب
وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح، كما
جاء عن عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت
رسول الله صلی الله علیه وسلم سبح سبحة
الضحى، وإني لأسبحها)(١).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
((تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب
-بالعقيدة-، وقد يكون باللسان، وقد يكون
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد،
باب من لم يصل الضحى ورآه واسعًا ٥٨/٢،
رقم ١١٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب
صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب
صلاة الضحى ١/ ٤٩٧، رقم ٧١٨.
بهما جميعًا، والمقصود أن يسبح بهما
جميعًا بقلبه لافظًا بلسانه)»(٢).
وقال ابن عاشور: ((والتسبيح قول أو
مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم
الله تعالى وتنزيهه؛ ولذلك سمي ذكر الله
تسبيحًا، والصلاة سبحة، ويطلق التسبيح
على قول سبحان الله؛ لأن ذلك القول من
التنزيه)»(٣)
فهنيئًا لمن أكثر من التسبيح في الدنيا،
ووجد لذة فيه، وفرحًا به، فإنه حري أن يتلذذ
بالتسبيح في الجنة، كما تلذذ به في الدنيا،
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن أهل
الجنة يلهمون التسبيح، وأنهم يسبحون الله
تعالی بكرة وعشيا.
يقول ابن تيمية: ((أهل الجنة يتنعمون
بالنظر إلى الله، ویتنعمون بذکره وتسبیحه،
وإن كانت هذه الأمور في الدنيا أعمالًا
يترتب عليها الثواب، فهي في الآخرة أعمال
يتنعم بها صاحبها أعظم من أكله وشربه
ونكاحه))(٤).
فما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين،
بحيث إن أرادوا أن ينعموا بمقام دعاء ربهم
الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم
مشتاقين لشيء يسألونه، فاعتاضوا عن
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم
ص ١٥٨.
(٣) التحرير والتنوير ٤٠٥/١.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٠/٤.
١١٤
وَضوري
الْقُرآن الكَرِيمِ

الذكر
السؤال بالثناء على ربهم، فألهموا إلى التزام
التسبيح؛ لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه،
فهو جامع للعبارة عن الكمالات(١).
ثالثًا: التحميد:
ومن صور الذكر الواردة في القرآن:
التحمید، وهو قول: الحمد لله.
والتحميد: حمدك الله عز وجل مرةً بعد
مرة، فهو كثرة حمد الله سبحانه بالمحامد
الحسنة، وهو أبلغ من الحمد، والحمد أعم
من الشكر (٢)؛ لأن الشكر: هو الثناء على
المحسن بما أولاه من معروف، والحمد
أعم من حيث ما يقع عليه، فإن الله تعالى
ينبغي أن يحمد على كل حال، سواءً أعطي
العبد النعمة أو لم يعط.
وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه
یکون للحي والمیت وللجماد أيضًا، كما
يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون
من قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات
المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم (٣).
ومعناه في الاصطلاح: الثناء باللسان
والقلب على الجميل الاختياري (٤).
والجميل الاختياري: هو الثناء على
المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو
(١) التحرير والتنوير ١٠٣/١١.
(٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٥٢/٤،
مختار الصحاح، الرازي ص ٨٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤/١.
(٤) انظر: البدائع ١٩/١، وفتح القدير ١٩/١.
غيره، فحقيقة الحمد الثناء على المحمود
بذكر نعوته الجليلة، وأفعاله الجميلة،
وهو الثناء لله بصفات الكمال مع المحبة
والتعظيم.
قال ابن عاشور: ((فالحمد لله يشمل
سائر صفات الكمال التي استحق الله
لأجلها حصر الحمد له تعالی، بناء على ما
تدل عليه جملة (الحمد لله) من اختصاص
جنس الحمد به تعالى، واستحقاقه لذلك
الاختصاص)) (٥).
وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في
أكثر من (٤٠) موضعًا، والتحميد: مفتتح
القرآن، فقد افتتح الله كتابه الكريم بـ(الحمد
لله) وافتتح بعض السور فيه بالحمد، مثل
سور (الأنعام والكهف وسبأ وفاطر)، قال
السيوطي: ((اعلم أن الله افتتح سور القرآن
بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شيء من
السور عنها:
الأول: الثناء عليه تعالى، والثناء قسمان:
إثبات الصفات المدح، ونفي وتنزيه من
صفات النقص، فالأول: (التحميد) في
خمس سور)) (٦). ثم ذكر بقية الأوجه.
وافتتح الله تعالى خلقه بالحمد، فقال:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ اَلُّلُمَتِ وَالنُّوَرَ﴾ [الأنعام: ١].
(٥) التحرير والتنوير ١٣٤/١.
(٦) الإتقان في علوم القرآن ٣٦١/٣.
www. modoee.com
١١٥

حرف الذال
واختتمه بالحمد، فقال بعد ما ذكر مآل
أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى الْمَلَكَةَ
حَافِينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَيْهِمٌ
وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِاَلْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾
[الزمر: ٧٥].
والحمد له سبحانه في الأولى والآخرة،
في جميع ما خلق وما هو خالق، كما قال
سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّلَهُ الْحَمْدُ
فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ نُتِحَعُونَ ﴾
[القصص: ٧٠].
وأمر الله بالحمد فى كتابه، فقال:
اَلْحَمَّدُ لِلَّهِ سَيُّرِكُمْ ءَايَتِهِ﴾ [النمل: ٩٣].
وأثنى على عباده الحامدين، فقال:
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِشَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا
خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِرَيِّهِمْ﴾ [السـ
١٥].
وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيْ الَّذِى لَا يَمُوتُ
وَسَبَحْ بِحَمْدِيِةً وَكَفَى ◌ِه ◌ِذُنُوبِ عِبَادِهِ، ١٨].
خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وأول حمد جاء في القرآن وأعظمه
﴿الْحَمْدُ للَّهِ
أن حمد نفسه بنفسه بقوله:
[الفاتحة: ٢].
في أعظم سورة في القرآن، وهي سورة
الفاتحة، حيث ابتدأت بهذه الجملة العظيمة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال عليه الصلاة والسلام:
(إذا قال العبد: ﴿الْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾
قال الله: حمدني عبدي)(١).
والألف واللام في (الحمد) تفيد
الجنس، فجنس الحمد وكل الحمد إنما هو
لله وحده؛ لأنه رب العالمين الذي له كل
المحامد، محمود على صفاته، ومحمود
على أفعاله.
وكأنه لما علم سبحانه وتعالى شدة
إرادة أوليائه بحمده وثنائه، وعجزهم عن
القيام بحق مدحه على مقتضى عزه وسنائه،
أخبرهم أنه قد حمد نفسه بنفسه، بما افتتح
به خطابه بقوله: ﴿الْحَمْدُِّنَّهِ﴾، وتتفاوت
طبقات الحامدين؛ لتباينهم في أحوالهم،
فطائفة حمدوه على ما نالوا من إنعامه
وإكرامه من نوعي صفة نفعه ودفعه، وإزاحته
وإتاحته، وما عقلوا عنه من إحسانه بهم أكثره
ما عرفوا من أفضاله معهم، قال جل ذكره:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:
وطائفة حمدوه على ما لاح لقلوبهم
من عجائب لطائفه، وأودع سرائرهم
من مكنونات بره، وفرق بين من يمدحه
بعز جلاله، وبين من يشكره على وجود
أفضاله(٢).
وإذا اجتمع التسبيح والحمد في القرآن
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة،
٢٩٦/١، رقم ٣٩٥.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٤٥.
١١٦
جَوَسُبـ
القرآن الكريمِ

الذكر
يتقدم التسبيح؛ قال تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ إِشارة إلى كونه كاملًا في ذاته، والتحميد
عبارة عن كونه مكملًا لغيره، ولا شك أن
رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣].
الأمر كونه مكملًا لغيره، فلا جرم وقع
الابتداء في الذكر بقولنا: (سبحان الله)
ثم ذكر بعده الحمد لله تنبيهًا على أن مقام
التسبيح مبدأ، ومقام التحميد نهاية.
والسبب أن التسبيح يدل على كونه مبرا أول الأمر هو کونه كاملا في ذاته، ونهاية
في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد
يدل على كونه محسنًا إلى العباد، ولا
يكون محسنًا إليهم إلا إذا كان عالمًا بجميع
المعلومات ليعلم مواقع الحاجات، وإلا
إذا كان قادرًا على المقدورات؛ ليقدر على
تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنيًا
في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة
غيره، فثبت أن کونه محسنًا لا يتم إلا بعد
كونه منزها عن النقائص والآفات(١).
قال الرازي: ((إن التسبيح أينما جاء
فإنما جاء مقدمًا على التحميد، ألا ترى أنه
يقال: سبحان الله والحمد لله، إذا عرفت
هذا فنقول: إنه جل جلاله ذکر التسبيح عند
ما أخبر أنه أسری بمحمد صلی الله علیه
وسلم، فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،
لَيْلًا ﴾ [الإسراء: ١].
وذكر التحميد عند ما ذكر أنه أنزل
الکتاب علی محمد صلی الله عليه وسلم
فقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِىَ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾
[الكهف: ١].
وفيه فوائد:
الفائدة الأولى: أن التسبيح أول الأمر؛
لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي، وهو
(١) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ١ / ٩٥.
إذا عرفت هذا فنقول: ذكر عند الإسراء
لفظ التسبيح، وعند إنزال الكتاب لفظ
التحميد، وهذا تنبيه على أن الإسراء به
أول درجات كماله، وإنزال الكتاب غاية
درجات كماله، والأمر في الحقيقة كذلك؛
لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول
الكمال له، وإنزال الكتاب عليه يقتضي
كونه مكملًا للأرواح البشرية، وناقلاً لها
من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات
الملکیة، ولا شك أن هذا الثاني أكمل، وهذا
تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقامًا أن
يصير العبد عالمًا في ذاته، معلمًا لغيره))(٢).
والحاصل: أن جميع المحامد لله
سبحانه إما وصفًا وإما خلقًا، فله الحمد
لظهور سلطانه، وله الشكر؛ لوفور إحسانه،
والحمد لله؛ لاستحقاقه لجلاله وجماله،
والشكر لله؛ لجزيل نواله، وعزيز أفضاله،
فحمده سبحانه له هو من صفات كماله
وحوله، وحمد الخلق له على إنعامه وطوله
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٢١.
www. modoee.com
١١٧

حرف الذال
وجلاله وجماله، واستحقاقه لصفات
العلو، ونعوت العز والسمو، فله الوجود،
وله الجود، وله الثبوت الأحدي، والکون
الصمدي، والبقاء الأزلي، والبهاء الأبدي،
والثناء الديمومي، وله السمع والبصر،
والقضاء والقدر، والكلام والقول، والعزة
والطول، والرحمة والجود، والعين والوجه
والجمال، والقدرة والجلال، وهو الواحد
المتعال، کبریاؤه رداؤه، وعلاؤه سناؤه،
ومجده عزه، و کونه ذاته، وأزله أبده، وقدمه
سرمده، وحقه يقينه، وثبوته عينه، ودوامه
بقاؤه، وقدره قضاؤه، وجلاله جماله، ونهيه
أمره، وغضبه رحمته، وإرادته مشيئته، وهو
الملك بجبروته، والأحد في ملكوته، تبارك
الله سبحانه! فسبحانه ما أعظم شأنه؟(١).
فالحمد لله كلمة جليلة؛ لكنها يجب
أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود،
قال السري: ((منذ ثلاثين سنة أستغفر الله
لقولي مرة واحدة الحمد لله؛ وذلك أنه وقع
الحریق في بغداد، وأحرقت دکاکین الناس،
فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت:
الحمد لله، وكان من حق الدين والمروءة أن
لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين
سنة)).
والحمد على نعم الدين أفضل من
الحمد على نعم الدنيا، والحمد على
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٤٥/١.
أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال
الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها
عطية المنعم أولی من الحمد علیها من حیث
هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى
يقع الحمد في موضعه اللائق به (٢).
والمقصود: أن من صور الذكر العظيمة
حمد الله تعالى، وقد جعل أجرها أنها تملأ
الميزان، فهذه الكلمة العظيمة في ثوابها
وثقلها تملأ الميزان، قال صلى الله عليه
وسلم: (والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان
الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين
السماوات والأرض)(٣).
فالحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله
ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في الأرض
والسماء، والحمد لله ملء ما في الأرض
والسماء، والحمد لله عدد ما أحصی کتابه،
والحمد لله ملء ما أحصی کتابه، والحمد
لله عدد كل شيءٍ، والحمد لله ملء كل
شيءٍ.
رابعًا: التهليل:
ومن صور الذكر الذي جاء في القرآن:
التھلیل، وهو: قول: لا إله إلا الله، يقال: قد
أكثرت من الهيللة، أي: من قول: لا إله إلا
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ١/ ٩٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب فضل الوضوء، ٢٠٣/١، رقم ٢٢٣.
١١٨
جَوَسُورَة التقنية
القرآن الكريم

الذكر
الله(١).
قال الأزهري: ((ولا أراه مأخوذا إلا من
رفع قائله به صوته))(٢).
ومعنى هذا القول: نفي الألوهية عن کل
شيء، وإثبات استحقاقها لله تعالى وحده،
فلا رب غيره، ولا يعبد سواه، وتسمى هذه
الكلمة كلمة التوحيد، فإنها تدل على نفي
الشريك على الإطلاق.
وهي الكلمة التي دعا إليها الرسل كلهم،
وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي
والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات
المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال؛ ولهذا
-والله أعلم- لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُنْ إِلَهٌ
وَحِدٌّ﴾ [البقرة: ١٦٣].
قال بعده: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ١٦٣].
فإنه قد يخطر ببال أحدٍ خاطر شيطاني:
هب أن إلهنا واحد فلغيرنا إله غيره، فقال
تعالى: ﴿لََّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ﴾.
وتسمى أيضًا كلمة الإخلاص، وهي
خلاصة دعوة الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ.
لَآ إِلَإِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
ولا يصح الإيمان للقادر إلا بالنطق بها وكلمة ﴿اللَّهُ﴾ وإن كان اسمًا للذات،
لكن الذهن هناك ينتقل أولًا إلى الاسم،
مع التصديق بمعناها بالجنان.
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٣٥٣/٣، لسان
العرب، ابن منظور ٧٠٥/١١.
(٢) تاج العروس، الزبيدي ١٤٩/٣١.
وقد ذكر التهليل في القرآن الكريم (٣٧)
مرة، قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن
قاسم الحنبلي في حاشية الروض المربع
شرح زاد المستقنع: ((وجاءت كلمة (لا
إله إلا الله) في سبعة وثلاثين موضعًا من
القرآن))(٣).
وبالرجوع لبرنامج القرآن الحاسوبي
كانت نتيجة البحث أنها جاءت بلفظ:
إِلَهَ إِلَا اللهُ﴾ مرتين في الصافات ومحمد،
ومرة واحدة بلفظ: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ في
الأنبياء، و﴿لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ﴾ (٢٦) مرة، ومرة
واحدة بلفظ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾
في المائدة، ويلفظ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ﴾ مرة
واحدة في يونس، وبلفظ: ﴿لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَا﴾
ثلاث مرات في النحل وطه والأنبياء، فيكون
المجموع (٣٤) مرة فقط.
وأيهما أرفع وأعظم من هذه الجمل:
﴿لََّ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ ﴾ أو ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا اللّهُ﴾؟ قيل:
الأول أرفع درجة من لفظ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا
اُللَّهُ ﴾؛ لأن الضمائر وضعت للذات البحت،
ففي كلمة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ينتقل الذهن أولًا
إلى الذات بلا ملاحظة اسم من الأسماء،
وصفة من الصفات، وشأن من الشئونات،
(٣) حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع
٢٣/١، حاشية رقم ٢.
www. modoee.com
١١٩

حرف الذال
وثانيًا إلى المسمى، وقد ينتقل الذهن هو معرفة لا إله إلا الله (٤).
من حيث الاشتقاق إلى معنى الألوهية،
فيكون من أسماء الصفات غير أن صفة
الألوهية يستدعي الاتصاف بجميع صفات
الكمال، والتنزه عن جميع شوائب النقص
والزوال، فيكون أتم وأشمل من سائر أسماء
الصفات (١).
وكلمة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هي كلمة
(السواء) التي دعا إليها رسول الله صلى
الله عليه وسلم أهل الكتاب وأهل الملل
الأخرى، فهي باب الهداية على صراط
الله المستقيم، وأمر الله الجامع ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ
اَلْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلَّا نَصْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤](٢).
ووصفها بالطيبة، وضرب الله بها مثلًا:
﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ
كَشَجَرَوِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى
السَّمَآءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤](٣). ووصفها كذلك
بالوصف الخالد السرمدي كونها تخرق
السبع الطباق، وتخرق الحجب ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
قال المفسرون: إن الطيب من القول
والكلم هو لا إله إلا الله، والطيب المطلق
(١) انظر: التفسير المظهري ٥/١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٧٨/٥، تفسير
السمر قندي ١/ ٢٢١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٥٦٧.
غير أنه ليس المقصود من دعوة الرسل
مجرد التلفظ بالكلمة فحسب، بل لا بد
من توفر شروطها حتى تكون نافعة عند
الله، وإلا لم تنفع، فهذا عدو الله فرعون
لما جاءته المحنة وهي الغرق فزع إلى هذا
الذكر، إلى كلمة التوحيد، قال: ﴿مَا مَنْتُ أَنَّهُ.
لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ﴾ [يونس:
٩٠]، فلم تنفعه.
أما يونس عليه السلام حينما ابتلعه بطن
الحوت، ودخل في ظلمات ثلاث قال
تعالى: ﴿فَنَادَىْ فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ
أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٧].
استجاب الله له، فلماذا قبلت هذه
الكلمة من يونس عليه السلام ولم تقبل
من فرعون وكلاهما في المحنة؟ وقد قالا
جميعًا: لا إله إلا الله، قال العلماء: فرعون
ما عرف الله قبل المحنة لذلك ما نفعته عند
المحنة، ویونس عرف الله قبل المحنة، فلما
جاءت المحنة نفعته هذه الكلمة، وأيضًا أن
يونس عليه السلام قال: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ﴾ كلمة (أنت) يخاطبه وجهًا
لوجهٍ، وكأنه يرى الله معه، أما فرعون
فقال: ﴿َا مَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٤/٢٠،
الكشف والبيان، الثعلبي ١٠١/٨.
١٢٠
القرآن الكريمِ