Indexed OCR Text

Pages 21-22

ذو القرنين
لمسات بيانية في قصة ذي القرنين
حسن المطلع، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنْ ذِى
اُلْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]. فالبداية
بالسؤال من بلاغة الاستهلال
وروائعه، ومما يسترعي الانتباه
ويلفت الأنظار، ويشوق النفوس، وفي
الجواب شفاءٌ ووفاءً، بما يفي بحاجة
السائل، ((والتعبير بصيغة الاستقبال
﴿وَيَسْشَلُونَكَ﴾ لاستحضار الصورة
الماضية؛ لما أن في سؤالهم على
ذلك الوجه مع مشاهدتهم من أمره ما
شاهدوا نوع غرابة، وقيل: للدلالة على
استمرارهم على السؤال إلى ورود
الجواب)»(١).
: ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا لـ
٨٣
قصة ذي القرنين جديرةٌ بالمذاكرة
والمدارسة لما فيها من عبرٍ وعظاتٍ
وحکم ومعانٍ وآدابٍ وشمائل، وفوائد
للقادة والمصلحين والساسة والمربين
والرعايا، فكان جديرًا بأن يذكر في
أشرف الكتب ويتردد على مسامع خير
الأمم، فهو أسوةٌ للحكام قدوة للقادة
إمامٌ للمصلحين.
بداية القصة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَكَّنَّا لَهُ.
فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ﴾ من حسن المطلع
(١) روح المعاني، الألوسي ١٦/ ٢٤.
وروعة الاستهلال، إذ قبل الحديث
عن ملك من أعظم ملوك الأرض يأتي
الحديث عن ملك الملوك، فهو من
وهب لذي القرنين هذا الملك العظيم
ومکن له، فالتمكين من الله تعالى.
والتعبير بنون العظمة دليل على عظمة
الله تعالى وعظمة ما وهبه لذي القرنين
من ملك وسلطانٍ وتمكينٍ في الأرض،
قال البقاعي: «ولما كانت قصته من أدل
دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك
المظهر فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَا﴾ أي: بما لنا
من العظمة، ﴿وَءَانَيْتَهُ﴾ بعظمتنا))(٢).
بلاغة الربط بين الأحداث، وجمال
الفواصل بينها ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا
٦٠ فَأَنَعَ سَبَبًّا )﴾، ﴿ثُمَّأَنْبَعَ سَبَبًا﴾،
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾،
ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا﴾،
تكررت مع کل رحلة، وانتهاء الفاصلة
بالألف المدية من جمال القرآن الكريم.
دقة القرآن الكريم في التعبير بالفاء
﴿فَأْبَعَ سَبَبًا﴾ وبـ(ثم) في ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ
سَبَبًا﴾ فالفاء تدل على الجد والمبادرة
إلى الأخذ بالمزيد من الأسباب، و(ثم)
تدل على التراخي الزمني، بين هذه
الرحلات.
والتعبير بالفاء ﴿فَأَنْبَحَ سَبَبًا﴾ يشير
إلى همةٍ عالية وعزيمةٍ قويةٍ تأخذ
(٢) نظم الدرر ٤/ ٥٠١.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الذال
الأمور بجدٍ، فلا توانٍ ولا تقاعس ولا
تكاسل ولا تراخي عن الأخذ بأسباب
التقدم والنهوض، أما التعبير بـ(ثم)
مرتين ﴿ثُمَّأَنْبَعَ سَبَبًا﴾ فيشير إلى دأبه
واستمراره على طلب المزيد.
· قدم العذاب الدنيوي على الأخروي
لأن الكافر يرعوي وينزجر بالعقاب
الدنيوي، بینما قدم ما عند الله على ما
عنده؛ لأن نفوس المؤمنين تطمح لما
لها عند رب العالمين وتستشرف هذا
الثواب المدخر، وتتشوف لنصيبها في
الآخرة.
جاء التعبير بسوف: ﴿فَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾
للدلالة على إمهاله لهم حتى تقام عليهم
الحجج، فإن هم أصروا على كفرهم
وظلمهم فقد استوجبوا العقاب، كما
أن (سوف) أبلغ من السين، وفي ذلك
إمعانٌ في تهدیدهم إن لم يتوبوا، قال
أبو حيان: ((وأتى بحرف التنفيس في
﴿فَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ لما يتخلل بين إظهاره
کفره وبین تعذیبه من دعائه إلى الإيمان
وتأبیه عنه، فهو لا يعاجلهم بالقتل على
ظلمهم، بل يدعوهم ويذكرهم، فإن
رجعوا وإلا فالقتل))(١).
﴿ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَهُ جَزَّآءَ الْحُسْفِىّ
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ تقديم ﴿فَلَهُ﴾
للاعتناء والتخصيص، وتأخير الحسنى
للتشويق مع مراعاة الفاصلة، مع
فصاحة التركيب.
المقابلة بين الظلم والإيمان: والأصل
٥
المقابلة بين الإيمان والكفر؛ لأن الكافر
لا یعاقب دنیویا علی کفره فحسب، بل
يعاقب على ظلمه واعتدائه.
دقة القرآن الكريم في ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ﴾،
﴿وَمَا أُسْتَطَعُواْ﴾: قال البقاعي: ((وزيادة
التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب
من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام
بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة
من حديد ونحاس في علو الجبل)»(٢).
موضوعات ذات صلة:
التمكين، التطوع، الحضارة، السياسة،
الفساد
(١) البحر المحيط ٦ / ١٥٦.
(٢) نظم الدرر ٤ / ٥٠٥ .
٢٨٢
جوسين
القرآن الكريمِ