Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ وراه الزُّوْيَةُ عناصر الموضوع مفهوم الرؤية ٣٣٨ الرؤية في الاستعمال القرآني ٣٣٩ الألفاظ ذات الصلة ٣٤٠ رؤية الله تعالى ٣٤٢ أنواع الرؤية في القرآن ٣٤٨ العالم غير المرئي ٣٥٧ الرؤية الوهمية ٣٦٠ رؤية النعم ٣٦٥ رؤية الأدلة العلمية والجنائية ٣٧١ الرؤية والاعتبار ٣٧٨ رؤية ثواب الأعمال ٣٨٢ رؤية النعيم والعذاب ٣٨٦ أثر الرؤية على النفس المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر ٣٥٢ حرف الراء مفهوم الرؤية أولًا: المعنى اللغوي: الرؤية لغة مأخوذة من الفعل رأی، قال ابن فارس: «(رأی) الراء والهمزة والیاء أصل يدل على نظر وإيصار بعين أو بصيرة)) (١)، أي: أن الرؤية لغة هي: إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس: الأول: إدراك المرئي بالحاسة وما يجري مجراها، نحو قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَّرَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَفِينِ ﴾ [التكاثر: ٦-٧]. والثاني: إدراك المرئي بالوهم والتخيل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِذْ يَتَوَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَتَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]. والثالث: إدراك المرئي بالتفكر، نحو قوله تعالى: ﴿إِنّ ◌َرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]. والرابع: إدراك المرئي بالعقل، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم: ١١](٢). ورأى إذا عدي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ◌َّبِكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦](٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: هي: المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة (٤). ويمكن تعريف الرؤية اصطلاحًا بأنها: عبارة عن الإدراك بالبصر للأشياء الظاهرة والمحسوسة، أو بالبصيرة، وهي نور في القلب يدرك به الحقائق والمعقولات، والأمور المعنوية، حين يكون القلب مشحونًا باليقين والإيمان (٥). (١) مقاييس اللغة ٢ / ٤٧٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٧٥. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٧٣. (٤) التعريفات، الجرجاني ص١٠٩. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٣٢٧، تفسير الشعراوي ٤٥٤١/٨. ٣٣٨ جوببيو القرآن الكريم الرؤية الرؤية في الاستعمال القرآني ورد الجذر (رأي) في القرآن الكريم (٣٢٧) مرة، يخص موضوع (الرؤية) (٣١٦) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٩٣ ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَا قَالَ هَذَارَتِى﴾ [الأنعام: ٧٦] الفعل المضارع ٢٢٠ وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] ﴿وَكَّ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَّا وَرِهْيًّا ٧٤ صفة مشبهة ١ [مريم: ٧٤] مصدر سماعي ٢ ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران:١٣] وجاءت الرؤية في القرآن على ثلاثة أوجه (٢): الأول: النظر والمشاهدة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، يعني: نظرت إليهم. الثاني: العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنَكَ اُللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، يعني: بما أعلمك الله. الثالث: الاعتبار، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَاْ إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَنَفَّتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، يعني: أولم يعتبروا بها. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٨٠-٢٨٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٤٤-٢٤٥. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الراء الألفاظ ذات الصلة النظر: ١ النظر لغة: هو تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته (١). والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر كان للمعاني (٢). النظر اصطلاحًا: لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي. الصلة بين الرؤية والنظر: يشتركان في أنهما: عبارة عن الإدراك بالبصر للأشياء الظاهرة والمحسوسة، أو بالبصيرة في الأمور المعنوية، وقد يكون في كل منهما رؤية مجردة للأشياء أو مع التأمل والفحص. البصر: ٢ البصر لغة: الإدراك بالعين التي هي حاسة الرؤية(٣)، ويطلق على العلم، فيقال: بصرت بالشيء: إذا صرت به بصيرًا عالمًا (٤). البصر اصطلاحًا: لا يختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي. الصلة بين الرؤية والبصر: أن الرؤية تتم بواسطة حاسة البصر، وعلى قدر سلامة البصر تكون الرؤية. (١) المفردات، الراغب الأصفهانى ص ٨١٢. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٥/ ٧٧. (٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩٦/١٠. (٤) مقاييس اللغة ١/ ٢٥٣. ٣٤٠ الْقُرْآن الكَرِيمِ الرؤية التأمل: ٣ التأمل لغة: التثبت، وتأملت الشيء أي: نظرت إليه مستثبتًا له(١). التأمل اصطلاحًا: تدبر الشيء وإعادة النظر فيه مرة بعد أخرى ليتحققه(٢)، التأمل: هو استعمال الفكر، والتدبر: تصرف القلب بالنظر في الدلائل(٣). الصلة بين الرؤية والتأمل: أن الرؤية والتأمل يشترك كل منهما في إدراك الأشياء بالبصيرة إلا أن الرؤية قد تكون مجردة عن التأمل كما في الإدراك بالبصر. الرؤيا: ٤ الرؤيا لغة: ما يرى في المنام، أي: ما رأيته في منامك، وهي الرؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة: حلمتها، وأرأى الرجل: إذا كثرت رؤاه، وهي أحلامه، جمع الرؤيا (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧](٥). الرؤيا اصطلاحًا: ما يراه النائم في المنام(٦). الصلة بين الرؤية والرؤيا: أن الرؤية هي إدراك الأشياء في اليقظة، والرؤيا إدراك الأشياء في المنام. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧/١١. (٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٨٩. (٣) انظر: الكليات، الكفوي ص ٢٨٧. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤ / ٢٩٧. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٧٥. (٦) انظر: الكليات، الكفوي ص ٤٠٤، معجم لغة الفقهاء، محمد رواس وحامد قنيبي ص ٢٢٨. www. modoee.com ٣٤١ حرف الراء رؤية الله تعالى تحدث القرآن الكريم عن جانبين يتعلقان برؤية الله تعالى، أحدهما: رؤية الله تعالى لعباده، والثانى: رؤية العباد لله تعالى، وبيانهما في النقاط الآتية: أولًا: رؤية الله تعالى لعباده: إن رؤية الله تعالى لعباده تكون لأعمالهم في الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٤]. ١٤ قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ثم جعلناكم، أيها الناس، خلائف من بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا، تخلفونهم في الأرض، وتكونون فيها بعدهم ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾، يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك من قبلكم من الأمم بذنوبهم وكفرهم بربهم، تحتذون مثالهم فیه، فتستحقون من العقاب ما استحقوا، أم تخالفون سبيلهم فتؤمنون بالله ورسوله وتقرون بالبعث بعد الممات، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل)»(١). ((فقد أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولًا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))(٢)(٣). وقال تعالى: ﴿قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدٍ مَا جِئْتَنَأْ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ١٢٩) [الأعراف:١٢٩]. والمعنى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: «یری ذلك بوقوع منکم؛ لأن الله جل وعز لا يجازيهم على ما يعلمه منهم من خطيئاتهم التي يعلم أنهم عاملوها لا محالة، إنما يجازيهم على ما وقع منهم)) (٤). وفي قول موسى عليه السلام ذلك لقومه أمران: أحدهما: الوعد بالنصر والاستخلاف في الأرض، والثاني: التحذير من الفساد فيها؛ لأن الله تعالى ينظر كيف يعملون (٥). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، رقم ٢٧٤٢، ٢٠٩٨/٤. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢١/٤. (٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٦٧/٢. (٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٢٥٠. (١) جامع البيان ٣٨/١٥. جَوُورُ القرآن الكريمِ ٣٤٢ الرؤية وقال تعالى في المنافقين: ﴿يَعْنَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَتِهِمّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْتُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَّرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَتِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: ٩٤]. ٩٤ قال ابن عباس رضي الله عنه: ((نزلت في المنافقين، يعتذرون إليكم إذا رجعتم من غزوة تبوك، فلا تعذروهم فليس لهم عذر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون، فقال الله تعالى: قل لا تعتذروا لن نصدقکم، قد أخبرنا الله أنه ليس لکم عذر، وسیری الله عملكم ورسوله إن عملتم خیرًا وتبتم من تخلفکم، ثم تردون بعد الموت إلى عالم الغيب والشهادة، فيخبركم بما كنتم تعملون في السر والعلانية)) (١)؛ لأنه سبحانه مطلع علی سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم (٢). وقال تعالى في المتخلفين عن الجهاد من المؤمنين: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللّهُ عَمَلَكُو وَرَسُولُهُ، وَأَلْمُؤْمِنُونٌ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَتْشُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥ [التوبة: ١٠٥]. والمعنى: ((قل يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٩/٢. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٩٤/٣. الجهاد معك: ﴿أَعْمَلُواْ﴾، لله بما يرضيه، من طاعته، وأداء فرائضه، فسیری الله إن عملتم عملکم، ويراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، وستردون يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها﴿فَيُنَتُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصًا، وما منه رياء، وما منه طاعة، وما منه لله معصية، فيجازيكم على ذلك كله، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته))(٣). ورؤية الله تعالى لأعمال العباد كما تكون في الدنيا تكون كذلك في الآخرة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ، سَوْفَ يُرى [النجم: ٤٠]. ٤٠ أي: وإن عمل کل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر، وهو المجازي جميع عباده بأعمالهم صالحهم وطالحهم(٤). وبهذا يتبين أن محل نظر الله تعالى هو القلوب والأعمال، وليس الصور والأموال؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى (٣) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٤٦٢. (٤) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧١٧٢/١١، الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٣١/٥. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الراء قلوبكم وأعمالكم)(١). ثبتت رؤية العباد لله تعالى في الآخرة والمعنى: إن الله لا ينظر نظر اعتبار بالكتاب والسنة والإجماع: أولًا: من القرآن الكريم: إلی(صورکم)؛ إذ لا اعتبار بحسنها وقبحها (وأموالكم)؛ إذ لا اعتبار بكثرتها وقلتها، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وإلى ما فيها من اليقين والصدق، والإخلاص، وقصد الرياء، والسمعة، وسائر الأخلاق الرضية، (وأعمالكم) من صلاحها وفسادها، فيجازيكم على وفقها (٢). قال النووي: ((ومعنى نظر الله هنا مجازاته ومحاسبته، أي: إنما يكون ذلك على مافي القلب دون الصور الظاهرة، ونظر الله رؤيته محيط بكل شيء، ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب»(٣). ورؤية الله تعالى لعباده هي رؤية شاملة وليست محصورة برؤية الأعمال والقلوب، بل تشمل الأجساد وخفايا النفوس، ولكن الرؤية التي يترتب عليها الثواب والعقاب تکون لأعمالهم في الحياة الدنيا، وأن محل نظر الله تعالى هو القلوب والأعمال، وليس الصور والأموال. ثانيًا: رؤية العباد لله تعالى: (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، رقم ٢٥٦٤، ١٩٨٧/٤. (٢) مرقاة المفاتيح، علي ملا قاري ٣٣٣١/٨. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ١٢١. ﴿وُجُرٌ يَوَمَيِدٍ أَاضِرً قوله تعالى: وَوُجُوهٌ يُؤْمَيْمِ بَاسِرَةً )﴾ إِلَى رَيْهَا نَاظِرَةٌ ) [القيامة: ٢٢-٢٤]. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: ((تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب، قال الحسن: حق لها أن تنظر إلى الخالق سبحانه وتعالى، وروي عن مجاهد وأبي صالح أنهما فسرا النظر في هذه الآية: بالانتظار، قال مجاهد تنتظر من ربها ما أمر لها به، وقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها)» (٤). قال ابن جرير الطبري: ((وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنی ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلی الله عليه وسلم)»(٥). وقال ابن كثير: (( قال تعالى: وَجَوْ نَاضِرَةٌ﴾ من النضارة، أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة إلى ربها ناظرة، أي: تراه عیانًا، كما رواه البخاري في صحيحه: (إنكم سترون (٤) لباب التأويل، الخازن ٣٧٢/٤. وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٥٣/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ١٠٧. (٥) جامع البيان ٢٤/ ٧٣. ٣٤٤ صَوْبُو بَرُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيْمِ الرؤية رہکم عيانًا)(١)، وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها» (٢). ﴿﴿ لِلَِّينَ أَحْسَنُواْ الْصُسْنى وقوله تعالى: وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُّ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ [يونس: ٢٦]. قال الماوردي: ((﴿﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّئَاتِ جَزَّآءُ سَيِّئَتِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَِّلِ مُظْلِمَا أُوْلَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ قوله عز وجل: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ﴾ يعني: عبادة ربهم ﴿اَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري. والثاني: الحسنى واحدة من أن الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوَّةٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةً إِلَى رَهَا نَاظِرَةٌ ﴾، رقم ٧٤٣٥، ١٢٧/٩، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه. (٢) تفسير القرآن العظيم ٢٨٧/٨. أمثالھا، قاله ابن عباس. الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد. والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زید. والخامس: أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر. ویحتمل سادسًا: أن الحسنی ما يتمنونه، والزيادة ما يشتهونه))(٣). قال أبو جعفر الطبري: «يعني: جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّهُ﴾، لا یغشی وجوههم كآبة، ولا کسوف، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار، ﴿وَلَا ذِلَّهُ﴾، ولا هوان ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، هم أهل الجنة وسکانها ومن هو فيها ﴿هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾، يقول: هم فيها ماكثون أبدًا، لا تبيد، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم» (٤). وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ اَلُْسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]. قال ابن عباس: للذين قالوا: لا إله إلا الله، الجنة وزيادة، وهي النظر إلى وجه الله في قول أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وقتادة، (٣) النكت والعيون ٤٣٢/٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٧٢، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٥/٣. www. modoee.com ٣٤٥ حرف الراء النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل)، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ اَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦])(١)(٢). وقال ابن كثير: ((يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿مَلْ جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ * [الرحمن: ٦٠]. ٦٠ وقوله: ﴿وَزِيادةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، رقم ١،١٨١/ ١٦٣. (٢) انظر: الوسيط، الواحدي ٢/ ٥٤٤. والضحاك، والسدي، ونحو ذلك فسرها وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف (٣)) .. ثانيًا: من السنة النبوية الشريفة: وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك: ما رواه صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازیننا؟ ألم یبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم) (٤)(٥). وما رواه جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة - يعني: البدر- (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٩/٤. (٤) سبق تخريجه قريبًا. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٩/٤. ٣٤٦ جوسيس القرآن الكريم الرؤية فقال: (إنکم سترون ریکم، کما ترون هذا القمر، لا تضامون فى رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّخْ بِحَمْدٍ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: ٣٩](١). ثالثًا: الإجماع: قال ابن كثير بعد أن ساق تفسير الآيات السابقة: «وهذا بحمد الله مجمع علیه بین الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بـ(إلى) عن منصور عن مجاهد ﴿إلىيتها ناظِرةٌ﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضًا، فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّ ◌ِنَّهُمْعَن تَّيْهِمْ يَوْمَيِذٍ أَّحْجُوُونَ ) وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن مفرد الآلاء، وهي النعم، كما قال الثوري الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: (هل تمارون في القمر ليلة البدر لیس دونه سحاب؟)، قالوا: لا يا رسول الله قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)، قالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم ﴾ [المطففين: ١٥]. قال الشافعي: ما حجب الكفار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلی الله علیه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة»(٣). القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فیأتیهم الله فيقول: أنا رہکم، فيقولون: هذا مكاننا حتی یأتینا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم ٥٥٤، ١/ ١١٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب فضل السجود، رقم ٨٠٦، ١٦٠/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم ١٦٣/١،١٨٢. (٣) تفسير القرآن العظيم ٨/ ٢٨٧. www. modoee.com ٣٤٧ حرف الراء أنواع الرؤية في القرآن إن أنواع الرؤية في القرآن ثلاثة هي: الرؤية البصرية، والرؤية العلمية، والرؤية المنامية، وسيتم توضيح ذلك في المطالب الآتية: أولًا: الرؤية البصرية: وردت الرؤية البصرية في القرآن الكريم بثلاثة ألفاظ، وهي: ١. لفظ (رأى) ومشتقاتها. وقد وردت هذه الرؤية بمعنى الرؤية البصرية للتأمل والاعتبار، ومنها: النظر في ملكوت السموات والأرض. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَابَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضَِّ إِن نَّشَأْ غَضْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَآءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾﴾ [سبأ: ٩]. أي: ألم يتأملوا ويعلموا أن الذي خلق السماء والأرض قادر على أن يبعثهم، وقادر أن يخسف بهم الأرض أو يسقط السماء عليهم كسفًا (١)؛ لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل، والاستفهام للإنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٤٢/٤. جَوَسُولَةُ النَّهِ الْقُرآن الكَرِيْمِ من السماء والأرض، أي: من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإنسان بعد العدم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآخِلِينَ فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِفًا قَالَ هَذَارَبِّ فَلَمَّاً ٧٦ أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّ لَّأَكُونَكَ مِنَ الْقَوْمِ فَلَمَّارَهَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا الضَّالِينَ رَبِى هَذَا أَكْبَرُّ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّي بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٥) ﴾ [الأنعام: ٧٥-٧٨]. فالمراد من الرؤية في الآيات الرؤية البصرية بالعين، والمعنى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله عز وجل في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: ١٠١] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥](٣). النظر في إحياء الأرض بالغيث. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٥٢. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٩/٣، وانظر: تفسير القرآن، السمعاني ١١٨/٢. ٣٤٨ الرؤية الشَّمَآءِ مَآءُ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْصَرَّةُ إِنَّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحج: ٦٣]. والمراد هو الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى (١). ٢. لفظ (بصر) ومشتقاتها. وردت الرؤية البصرية بلفظ (البصر) ومشتقاتها في قوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ ◌ِبَاقًاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوُّتِ فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىْ مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّأَرْجِعِ الْبَصَرَ كَرََّّنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: ٣-٤]. قال الماوردي: ((﴿فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ﴾ قال قتادة: معناه: فانظر إلى السماء، ﴿هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: من شقوق، قاله مجاهد والضحاك. الثاني: من خلل، قاله قتادة. الثالث: من خروق، قاله السدي. الرابع: من وهن، قاله ابن عباس. ﴿ُمَّأَرْجِعُ الْبَصَرَّكَرََّنِ﴾ أي: انظر إلى السماء مرة بعد أخرى، ويحتمل أمره بالنظر مرتين وجھین: أحدهما: لأنه في الثانية أقوی نظرًا وأحد بصرًا. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٦/٢٣. الثاني: لأنه يرى في الثانية من سير كواكبها واختلاف بروجها ما لا يراه من الأولی، فیتحقق أنه لا فطور فیھا. وتأول قوم بوجه ثالث: أنه عنى بالمرتين قلبًا وبصرًا))(٢). ٥ بدي ورك وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ [القلم: ٥]. والمعنى: فسترى يا محمد، ویری مشركو قومك الذين يدعونك مجنونًا (٣). ﴿پِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾﴾ أي: ستبصر یا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَقْتُونُ ، أي: أيكم المفتون بالجنون (٤). والخلاصة: ستبصر ويبصرون غلبة الإسلام، واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر، وهيبتك في أعين الناس أجمعين، وصيرورتهم أذلاء صاغرين (٥). ٣. لفظ (نظر) ومشتقاتها. وقد وردت في الآيات الآتية: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴾ [الحجر: ١٦]. أي: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر (٢) النكت والعيون ٦/ ٥١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٥٣٠. (٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٧٢/١٩، فتح القدير، الشوكاني ٣١٩/٥. (٥) انظر: تفسير المراغي ٢٩/٢٩. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الراء إليها وأبصرها (١). والمعنى: أي ولقد خلقنا فى السماء نجومًا كبارًا، ثوابت وسيارات، وجعلناها و کواکبها بهجة لمن تأمل وکرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة، وآياتها الباهرة التي يحار الفكر فى دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها(٢). ﴿وَعَ يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ قال تعالى: [الشعراء: ٣٣]. (٣٣) لِلنَّظِرِينَ والمراد: الرؤية البصرية(٣). والمعنى: أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآَةَ مِنْ غَيْرِ سُوْمِ﴾ [النمل: ١٢]. قال ابن عباس: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٌ﴾ يعني: من غیر برص، ثم أعادها إلی کمه فعادت إلى لونها الأول، وكذا قال مجاهد وغير واحد (٤) قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلًا تُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَفِهَا اَلْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ [محمد: ٢٠]. ٢٠ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٧٧. (٢) انظر: تفسير المراغي ١٤/ ١٣. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١٠/٣. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠٩. جوبيه القرآن الكريم أي: أن المنافقين يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظرًا شديدًا، کما ینظر الشاخص بصره عند الموت، وإنما ذلك لأنهم منافقون، يكرهون القتال(٥). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَنُهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴾ [الشورى: ٤٥]. ومعنى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ﴾ أي: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعًا تامًا؛ لأنهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة، فيكون عليه منها غضاضة، وقال قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدة الخوف، وقيل: المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر، وقال يونس: ﴿مِن﴾ بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف خفي، أي: ضعيف من الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش، وقال ابن عباس رضي الله عنه: بطرف ذابل ذليل، وقيل: أي: يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب (٦). (٥) انظر: الوسيط، الواحدي ٤ / ١٢٦. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ٤٥. ٣٥٠ الرؤية ثانيًا: الرؤية العلمية: إن الرؤية العلمية في القرآن وردت في العديد من الآيات منها: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنِ ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: ١٢٨]. ﴿وَأَرِنَا﴾ أي: علمنا وبصرنا مناسكنا، أي: شرائع ديننا وأعلام حجنا(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن ﴾ [النساء: ١٠٥]. (١٠٥ ) +ـ لِلْخَايِنِينَ خَصِيمًا ( قوله: ﴿بِمَا أَرَنكَ اللَّهُ﴾ معناه: بما أعلمك الله، وسمي ذلك العلم بالرؤية؛ لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريًا مجرى الرؤية في القوة والظهور (٢). وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ اُلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ [فصلت: ٥٣]. ٥٣ وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُِّيكُمْ ءَايَتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [النمل: ٩٣]. وهذه الإراءة في الآيتين المراد بها الإراة العلمية (٣ (١) لباب التأويل، الخازن ١/ ٨١. وانظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٦٧. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١١/١١. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٢٠/٣، في قال ابن جرير: ((إن الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يري هؤلاء المشرکین الذین کانوا به مکذبین آیات في الآفاق، وغير معقول أن یکون تهددهم بأن یریهم ما هم راءوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعدًا منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل من ظهور نبي الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر، فقد كانوا يرونها كثيرًا قبل وبعد، ولا وجه لتهددهم بأنه یریھم ذلك. وقوله: ﴿حَقِّ يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ يقول جل ثناؤه: أري هؤلاء المشركين وقائعنا بأطرافهم وبهم حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا إلی محمد، وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو ما بعثناه به من الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ يقول تعالی ذکره: أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه، لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مجازيهم على أعمالهم، المحسن بالإحسان، والمسيء جزاءه»(٤). ظلال القرآن، سيد قطب ٥ /٢٦٢٥. (٤) جامع البيان ٢١/ ٤٩٣. www. modoee.com ٣٥١ حرف الراء العالم غير المرئي بين القرآن الكريم أن في الوجود أشياء لا تدركها أبصارنا، ولا نستطيع أن نراها بأعيننا، ومن ذلك: أولًا: الملائكة: إن الملائكة أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون(١). قال ابن عاشور عن الملائكة: ((أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف علیه أعمالهم، ومقرهم السماوات، ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض))(٢). ((ومن الأصول المعتبرة في القرآن: الإيمان بالملائكة، کما قال تعالی: ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال، وأخرى على طريق التفصيل، أما بالإجمال فقوله: ﴿وَمَكَتِكَِهِ﴾، أما بالتفصيل فمنها: ما يدل على كونهم رسل الله، قال تعالى: ﴿مَاعِلِ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٣٨٤. (٢) التحرير والتنوير ٢٢/ ٢٥٠. ومنها: أنها مدبرات لهذا العالم، قال ﴿فَالْمُفَسِّمَتِ أَمْرًا ﴿ فَالْمُدََِّاتِ أَمْرًا تعالی: ﴾ [النازعات: ٤- ٥]. وقال تعالى: ﴿وَالصَّفَّتِ صَفَّا ﴾ [الصافات: ١]. ومنها: حملة العرش، قال: ﴿وَيَحِلُ عَرَّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ تَمَنِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ١٧]. ومنها: الحافون حول العرش، قال: ﴿وَتَرَى الْمَلَتَبِكَةَ حَفِيْنَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر : ٧٥]. عَلَيْهَا ومنها: خزنة النار، قال تعالى: مَكَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. ومنها: الكرام الكاتبون، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ ، كِرَامًا كِنِينَ ( ١١ [الانفطار: ١٠- ١١]. ومنها: المعقبات، قال تعالى: ﴿لَهُ. مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُمِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين))(٣). والقوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته، قال عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: ٩]. أي: لو أرسلنا إليهم ملكًا لم نرسله إلا (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٤٤٥. ٣٥٢ القرآن الكريم الرؤية في صورة إنسان؛ لأن الملك فيما قيل لو نظر إليه ناظر على هيئته لصعق، وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس(١). فقدكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي رضي الله عنه، فعن أبي هريرة، وأبي ذر رضي الله عنه، قالا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتی یسأل ... ثم قال: (لا والذي بعث محمدًا بالحق هدِی وبشيرًا، ما كنت بأعلم به من رجل منکم، وإنه لجبریل علیه السلام نزل في صورة دحية الكلبي)(٢). وجاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين على قول في تفسير قوله ﴿ وَهَلْ أَتَنْكَ نَبُواْ الْخَصْمِ إِذْ عز وجل: تَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾ [ص: ٢١]؛ لأنهما وردا على داود، وهما ملكان في صورة رجلين يختصمان إليه، ومنه أن الملائكة أتت إبراهيم في صورة الضيفان: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَنْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣١/٢. (٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإسلام، رقم ٨،٤٩٩١/ ١٠١. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ١٠٤/٣،١١١١. [الذاريات: ٢٤-٢٥]. وكذلك أتت لوطًا عليه السلام ﴿ فَلَمَّا قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ ٦١ جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ شُكَرُونَ ﴾ [الحجر: ٦١-٦٢]. فلذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَجَعَلْنَهُ رَجُلًاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩](٣). ولم تر الملائكة على حقيقتها التي خلقها الله عليها إلا جبريل عليه السلام، فقد رآه النبي عليه السلام على حقيقته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المُنْعَى (١٤) : [النجم: ١٣ -١٤]. يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليه نازلاً من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض، ومرة في السماء(٤). عن عائشة رضي الله عنها قالت: (رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين)(٥). وعن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ (٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣١/٢. وانظر: الوجيز، الواحدي ص ٣٤٦، معالم التزيل، البغوي ١١١/٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٥٥. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٤/ ٣٠٥. وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥١١. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم ٤٨٥٥، ١٤٠/٦. www. modoee.com ٣٥٣ حرف الراء [النجم: ١٨]. قال: ١٨ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ (رأی جبريل في صورته له ستمائة جناح)(١). أما في الآخرة فإن المؤمنين يرون وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ الملائكة، قال سبحانه: حَآَفِينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرْشِ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَيْهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الزمر: ٧٥]. والمعنى: أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم، حال كونهم مسبحين لله متلبسین بحمده، وقيل: معنی يسبحون: يصلون حول العرش شكرًا لربهم، والحافين: أي: محدقين حول العرش، ﴿وقُضى بينهم بالحقِ﴾ أي: بين العباد بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار(٢)، ﴿وَتَرَى الْمَلَكَةَ حَآَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِرَبِهِمْ﴾ أي: وترى أيها الرائي الملائكة محيطين بجوانب العرش، قائمين بجميع ما يطلب منهم، فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتقديس، ويصلون حول العرش، شكرًا لربهم وتنزيهًا له عن كل نقص (٣). وهذه الآية كقوله سبحانه: ﴿حَثَّتُ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم ١١٥/٤،٣٢٣٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: (ولقد رآه نزلة أخرى)، رقم ١٥٨/١،١٧٤. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٤٩/٤. (٣) انظر: تفسير المراغي ٣٩/٢٤. عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرَِّّتِهِمٌّ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَتِهِم مِّنِكُلِّ بَابٍ ٢٣ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبىَ الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]. كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُّنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَقَّمُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَؤْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ نَحْنُ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا • [فصلت: ٣٠-٣١]. تَدَّعُونَ (١) وأما عن رؤية المجرمين للملائكة، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَّْجُورًا [الفرقان: ٢٢]. (يقول تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ بتصديق محمد الملائكة، فلا بشرى لهم يومئذ بخير ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ يعني: أن الملائكة يقولون للمجرمين: حجرًا محجورًا، حرامًا محرمًا عليكم اليوم البشری أن تکون لکم من الله»(٤). (٤) جامع البيان، الطبري١٩/ ٢٥٤. ٣٥٤ القرآن الكريم الرؤية ((وأعلم الله عز وجل أن الوقت الذي في قوله تعالى: ﴿يَنْبَنِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَبِّكُمٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاً إِنَّهُ يَرَّكُمْ هُوَ رَقَبِيلُهُ. مِنْ حَيْثُ لَانَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّة لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) ﴾ [الأعراف: ٢٧]. يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة، وأن الله قد حرمهم البشری في ذلك الوقت))(١). المعنى في هذه الآية: أن الكفار لما قالوا ﴿لَوْلًا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَاً لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَاتَبِكَةَ لَأَ بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ٢١ ﴾ [الفرقان: ٢١-٢٢]. ٢٢ وَيَقُولُونَ حِجْرَاً تَّحْجُورًا أخبر الله تعالى أنهم يوم يرون الملائكة إنما هو يوم القيامة، وقد كان أول الآية يحتمل أن يريد يوم تفيض أرواحهم، لكن آخرها يقتضي أن الإشارة إلى يوم القيامة، ومعنى هذه الآية أن هؤلاء الذين تمنوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدر الله في ذلك، فإنهم یوم یرون الملائکة هو شر لهم، ولا بشرى لهم، بل لهم الخسار ولقاء المكروه يومئذ(٢). ثانيًا: الجن: الجن مخلوقات نارية لا ترى، أصل خلقهم من النار (٣)، من شأنها التشكل بأشكال مختلفة (٤). وقد بين الله تعالى أن الجن لا ترى (١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ٦٣. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠٦/٤. (٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد قنيبي ص١٦٦. (٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣١. فقوله تعالى: ﴿إِنَُّ يَرَّنَّكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جنوده، قال مجاهد: يعني: الجن والشياطين، ابن زيد: (قبيله) نسله، وقيل: جيله، من حيث لا ترونهم، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون، لقوله﴿مِنْ حَيْثُ لَاَلَوْنَهُمْ﴾ وقيل: جائز أن يروا؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى (٥). قال النحاس: ((في قوله: ﴿إِنَّهُيَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَاَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]. يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ليكون ذلك دلالة على نبوته؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقًا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلى الله عليهم وسلم)) (٦)؛ لأن الله تعالی خلق في عیون الجن إدراكًا، فهم به يرون الإنس؛ والإنس لا يرونهم؛ لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس (٧). (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي٧/ ١٨٦. وانظر: تفسير القرآن، السمعاني ١٧٦/٢. (٦) إعراب القرآن، النحاس ٢/ ٥٠. (٧) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٩٤. www. modoee.com ٣٥٥ حرف الراء الجن على العموم في ذلك؛ لأن قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَاتَرَوْنَهُمْ﴾ يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص (١). ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة، ليقطع علي الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا تنظرون إلیه أجمعون-أو کلکم- ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهَّابُ ﴾ [ص: ٣٥]، فرده الله خاسنًا)(٢). ووجود الجن معلوم من هذه الشريعة، كما أن الملائكة أيضًا معلوم وجودهم من هذه الشريعة، وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده وقد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام، كالشيطان الذي رآه أبو هريرة رضي الله عنه حين جعل يحفظ تمر الصدقة (٣)، والعفريت (١) المصدر السابق ٢٢٣/١٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، رقم ٤٦١، ٩٩/١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، رقم ٥٤١، ٣٨٤/١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوكالة، كما تدل الآية على أن الإنس لا يرون الذي رآه الرسول وقال فيه: (لولا دعوة أخي سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد)(٤)، وکحدیث خالد بن الوليد حين سیر لکسر ذي الخلصة، وکحدیث سواد بن قارب مع رئيه من الجن(٥) إلا أن رؤيتهم في الصور الكثيفة نادرة، كما أن الملائكة قد تبدو في الصور الکثیفة کحديث جبريل، وحديث الملك الذي أتى الأعمى والأقرع والأبرص (٦)، وهذا أمر قد استفاض في الشريعة، فلا یمکن رد تصورهم في بعض الأحيان في الصور الكثيفة (٧). وعالم الجن، أو الشيطان، وإن يكن غير منظور لنا، فإن علينا الإيمان به، وأنه يعيش معنا على هذه الأرض، ويرانا من حيث لا تراه، كما يقول تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٢٧]. «وهذا العالم غير المرئي، هو عدو لنا، متربص بنا، أشبه بجراثيم الأمراض التي لا باب إذا وكل رجلًا، رقم ٢٣١١، ١٠١/٣. (٤) سبق تخريجه. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب إسلام عمر رضي الله عنه، رقم ٣٨٦٦، ٤٨/٥. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم ٣٤٦٤، ٤ / ١٧١. (٧) انظر: البحر المحيط، أبو حيان٥/ ٣٢. ٣٥٦ جوية القرآن الكريمِ