Indexed OCR Text
Pages 41-54
الرؤيا وقد مر بنا في مطلب رؤيا ملك مصر بأن هذه الآيات أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج علی حسب ما رأی، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي ومعجزة الرسول، وانها ليست من أجزاء النبوة. وقد ظهرت فوائد كثيرة من هذه الرؤيا من أهمها: ذلك الدرس الواعي للدعاة في سبيل الله، وكيف استطاع سيدنا يوسف عليه السلام، أن يستثمر سؤالهم عن تعبير الرؤيا إلی دعوتهم إلى عقيدة توحيد الله عز وجل وعبادته، وأنه عليه السلام لم يتعجل الإجابة مع علمه بتأويل رؤیاهما. قال الألوسي: ((وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدی، حیث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام، حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة، بإبطال ما ألفاه دهرًا طويلًا ومضت عليه أسلافهما جيلًاً فجيلًا، فقال: «أرباب متفرقون متعددون متكثرون یستعبدکما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حیان على حذف مضاف، أي: أعبادة أرباب متفرقين خير لكما، أم الله؟ أي: أم عبادة الله سبحانه الواحد المنفرد بالألوهية القهار الغالب الذي لا يغالبه أحد جل وعلا؟))(١). ونقل ابن كثير عن ابن جريج أنه قال: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن یشغلهما بغير ذلك، لئلا یعاودوه فیھا، فعاودوه، فأعاد عليهم الموعظة. قال ابن كثير: ((وفي هذا الذي قاله -يعني: ابن جريج- نظر؛ لأنه قد وعدهما أولًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه، ولهذا لما فرغ من دعوتهما، شرع في تعبير رؤياهما، من غير تكرار سؤال»(٢). ظهر أدب يوسف عليه السلام في مخاطبتهما إذ قال في تعبيره عن الرؤى، أما أحدکما ولم یسمه؛ کي لا يحزن الآخر، وترك التحديد لفهمهما، ولوقت تحقق الرؤيا(٣) يجوز للعالم أن يخبر الناس بعلمه، لا لأجل التفاخر والمباهاة، بل ليستفيد الناس منه ومن علمه. لا بأس بطلب العالم ممن يعلمه، القيام (١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٤٣٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٣٩٠. (٣) الرؤيا في القران الكريم، فتحية صرصور ص ٥٢. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الراء بخدمته وقضاء حاجاته، إن كان ذلك بمقدور المتعلم واستطاعته. وذكر السعدي منها، أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير الرؤيا داخل في الفتوى لقوله للفتبين ﴿قُضِىَ اٌلْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْئَفْتِيَانِ﴾، وقال الملك ﴿أَفْتُونِي فِ رُوْيَىَ﴾، وقال الفتى ليوسف ﴿أَفْتِنَافِ سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم (١). الأصول القرآنية في تعبير الرؤى لم يترك القرآن الكريم شيئًا من مصالح الناس إلا وقد أمر به، ولا شيئًا من مضار الناس إلا وقد نهى عنه، سواء كان ذلك نصًا، أو ضمن ألفاظ العموم. ولهذا أجمع أهل العلم على أن مقاصد الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن هذه المصالح المتعلقة بالإنسان والتي راعى القرآن الكريم وجودها في طبيعته، هي الرؤيا وتعبيرها، والتي وضع لها أصولًا معتبرة لتأويلها أخذًا من قصة إبراهيم ويوسف ونبينا محمد عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن باقي الرؤى الثلاث التي ذكرت في سورة يوسف. قال ابن خلدون: ((هذا العلم من العلوم الشرعية، وهو حادث في الملة، عندما صارت العلوم صنائع وكتب الناس فيها، وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودًا في السلف كما هو في الخلف، وربما كان في الملوك والأمم من قبل، إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الإسلام، وإلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الإطلاق ولا بد من تعبيرها، فلقد کان یوسف الصديق صلوات الله علیه یعبر الرؤيا كما وقع في القرآن، وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٠٧. مُؤْشَو ◌َرَ النَّفْسَيد الْقُرْآن الكَرِيمِ ٣٢٤ الرؤيا وعن أبي بكر رضي الله عنه، والرؤيا مدرك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدارك الغيب)»(١). ومن أهم أصول وقواعد تعبير الرؤى: ١. السؤال عن الرؤيا. الرؤى التي جاءت في القرآن الكريم محدودة جدًا منها للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهم لم يطلبوا لرؤياهم تأويلا، لاستغنائهم عنه بالوحي، وثلاث رؤى أخرى لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في سورة يوسف، وهي رؤيا ملك مصر، ورؤيا الفتيين صاحبي السجن، وهؤلاء طلبوا من نبي الله يوسف عليه السلام تأويلًا لرؤاهم، لحاجتهم لها وجهلهم بتعبيرها، بل إن يوسف عليه السلام شجعهم على ذلك ورغبهم فيه حينما قال لهما ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائِ= إِلَّا نَتَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِ.قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِِّ﴾ [يوسف: ٣٧]. ومن هنا استحب لمن يجهل تعبير رؤياه أن يسأل عنها من يكون أهلاً للتعبير وعالمًا به. وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على تعبير الرؤى، حينما كان يسأل أصحابه عما رأوه. فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه (١) مقدمة ابن خلدون ٢/ ١٦٥. مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منکم من رؤيا؟) قال: فیقص عليه من شاء الله أن يقص)(٢). وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله علیه وسلم كان مما يقول لأصحابه: (من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له)(٣). قال النووي: ((وفي هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها، وتأويلها. قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم تأويلها وفضلها واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الإخبار بالغيب))(٤). قال ابن عبد البر: ((وهذا الحديث يدل علی شرف علم الرؤیا وفضلها، لأنه لم یکن صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من صلاة الغداة: هل رأی أحد منكم الليلة رؤيا، إلا ليقصها عليه ويعبرها؛ ليتعلم أصحابه کیف الكلام في تأويلها، وذلك دليل على فضل عبارة الرؤيا وشرف علمها، وحسبك بيوسف صلى الله عليه وسلم وما أعطاه الله (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، ٦/ ٢٥٨٣، رقم ٦٦٤٠. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، ١٧٧٧/٤، رقم ٢٢٦٩. (٤) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٣٠- ٣١. www. modoee.com ٣٢٥ حرف الراء قال الكرماني: ((رؤيا الأنبياء تنقسم قسمين: رؤیا تقع کما ترى، وذلك مثل ما رأى النبي عليه السلام أنه يدخل المسجد الحرام ومعه المؤمنون، فكان كما رأى لقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية، ورؤيا تعبر فتقع على غير ما يرى، كرؤيا يوسف عليه السلام، وهو قوله ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف : ٤] الآية، فكانت أخوة يوسف وأبويه لقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] الآية، وبعدها ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ﴾، وكانت رؤيا إبراهيم من القبيل الثانى فاحتاط، فأخذ بظاهرها وعدها من القبيل الأول فقصد ذبحه، فقداه الله، وقال: ﴿ وَفَدَيْنَهُ بِذِبْح عَظِيمٍ (١٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]).(٢) قلت: وهذا ليس محصورًا برؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل هو كذلك في رؤى غيرهم من الصالحين، فمنهم من تقع رؤیاہ کما رآها ولا تحتاج إلى تأويل، ومنهم من تقع رؤياه على غير ما رأى، وأما قول الكرماني بأن رؤيا إبراهيم عليه السلام من (١) الاستذكار، ابن عبد البر ٨/ ٤٥٦. (٢) غرائب التفسير، الكرماني ٢ / ٩٨٢. جوب القرآن الكريمِ منها، وفي أنبياء الله أسوة حسنة صلوات القبيل الثاني فلا نسلم به، بل الأرجح أن رؤيا إبراهيم عليه السلام من النوع الأول، ولكن الله علیهم»(١). الله عز وجل صرف وقوعها، لأنه ليس من ٢. الرؤى الصالحة تقع كما ترى، وتقع على غیر ما ترى. المعقول على سيدنا إبراهيم أو أي نبي آخر عليهم الصلاة والسلام أن يتجرأ على قتل أحد، ولو کان ابنه، برؤیا یتأولها، والإشكال هنا ليس في أن رؤيا الأنبياء وحي، بل هو في التأويل الذي هو أقرب إلى الاجتهاد، فضلًا عن سياق الآيات، وقول ابنه إسماعيل عليه السلام ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وهذا صريح في أنها أمر على الحقيقة، وليس تأويلاً، والله أعلم. وقد ورد هذان القسمان في السنة النبوية كثيرًا، فمن قبيل الأول: رؤيا النبي صلى الله علیه وسلم لعائشة رضي الله عنها، قال صلى الله عليه وسلم: (أريتك في المنام مرتين، إذا رجل يحملك في سرقة من الحرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه)(٣). وقد أمضاه الله تعالى له عليه الصلاة والسلام. ومن قبيل الثاني: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، فعن عبد (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ١٤١٥/٣، رقم ٣٦٨٢ ، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها ٤ /١٨٨٩، رقم ٢٤٣٨. ٣٢٦ الرؤيا الله بن عمر رضي الله عنهما قال صلی الله تأویل الرؤیا. قال عبد الله بن شداد بن الهاد: کان تفسیر رؤیا یوسف صلی الله عليه وسلم علیه وسلم: (رأیت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة) وهي الجحفة(١). بعد أربعين سنة، وذلك منتهى الرؤيا، وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام، وهي معجزة له، فإنه لم يلحقه فيها خطأ))(٢). ٣. تعبير الرؤى علم عظيم. إن تعبير الرؤيا علم من العلوم بنص الآيات القرآنية، ولهذا تجد بأن الإمام البخاري أفرد کتابًا في صحيحه سماه کتاب التعبير، وضمنه ثمانية وأربعين بابًا، روى فيه عشرات الأحاديث في الرؤى، وكذلك فعل مسلم في صحيحه في كتاب الرؤيا، وكذلك أصحاب السنن والمصنفات الحديثية. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُنُِّ نِعْمَتَهُ، عَلَيْكَ وَعَلَىّءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَقَّهَا عَلَى أَبَوَكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ وَإِنْسَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف: ٦]: ((والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى، وأصله من جبيت الشيء أي: حصلته، ومنه جبيت الماء في الحوض، قال النحاس: وهذا ثناء من الله تعالى على يوسف عليه السلام، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي أتاه الله تعالى، من التمكين في الأرض، وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب المرأة السوداء، ٦/ ٢٥٨٠، رقم ٦٦٣١. قال الطبري: ((وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يقول: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديث الناس، عما يرونه في منامهم، وذلك تعبير الرؤيا))(٣). قال ابن عبد البر: ((وقد أثنى الله عز وجل على يوسف بن يعقوب صلى الله عليهما، وعدد عليه فيما عدد من النعم التي آتاه: التمكين في الأرض وتعليم تأويل الأحاديث، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا، وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها)»(٤). قال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]: ((أي: العالمین بعبارة الرؤيا»(٥). ٤. لا ينبني على الرؤيا حكم شرعي. ومن المعلوم أن الرؤيا الصالحة بالنسبة للأنبياء وحي، وبالنسبة لغيرهم من المؤمنين الصالحين جزء من أجزاء النبوة، إلا أنه لا (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٨ - ١٢٩. (٣) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٦٠. (٤) التمهيد، ابن عبد البر ١/ ٣١٣ - ٣١٤. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٢ / ٤٩١. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الراء ينبني عليها حكم شرعي. قال النووي: ((لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان، ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لہ: اللیلة أول رمضان، لم یصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره، ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول شرح صحيح مسلم، ومختصره أن شرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل وهذا مجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه ولا ضبط، فترك العمل بهذا المنام لاختلاط ضبط الراوي لا للشك في الرؤية، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)(١). والله تعالى أعلم))(٢). ويتفرع عن هذا رؤيا الصحابة رضي الله عنهم إذا أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يعمل بها بلا خلاف، لا لأنها حجة، بل لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ١/ ٥٢، رقم ١١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: من رآني في المنام فقد رآني، ٤/ ١٧٧٦، رقم ٢٢٦٨. (٢) المجموع، النووي ٦/ ٢٨٤. لها، ومن أمثلة ذلك رؤيا الآذان الذي أريه عبد الله بن زيد رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك)(٣) (٤). ٥. طرق تعبير الرؤى. قال ابن القيم: ((من فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤيا أحسن تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من مشكاة القرآن)»(٥). قال السيوطي: ((واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة، وسموه تعبير الرؤيا، واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب، فإن عز عليهم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأَمُّنْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩](٦). (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٠٢/٢٦، رقم ١٦٤٨٧، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، ١/ ١٣٥، رقم ٤٩٩. وحسنه الألباني في الإرواء، ٢٦٥/١، رقم ٢٤٦. (٤) الرؤى الصادقة حجيتها وضوابطها، آل عابد ص ٢٩. (٥) إعلام الموقعين، ابن القيم ١ / ١٩١ - ١٩٤. (٦) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ٤ / ٣٢. ٣٢٨ جوية القرآن الكريم الرؤيا قال ابن عاشور: «عبر - یعني: یوسف عليه السلام- الرؤيا بجميع ما دلت عليه، فالبقرات لسنين الزراعة، لأن البقرة تتخذ للإثمار، والسمن رمز للخصب، والعجف رمز للقحط، والسنبلات رمز للأقوات، فالسنبلات الخضر رمز لطعام ينتفع به، وكونها سبعًا رمز للانتفاع به في السبع السنين، فكل سنبلة رمز لطعام سنة، فذلك يقتاتونه في تلك السنين جدیدًا، والسنبلات اليابسات رمز لما يدخر، و کونها سبعًا رمز الادخارها في سبع سنين، لأن البقرات العجاف أكلت البقرات السمان، وتأويل ذلك: أن سني الجدب أتت على ما أثمرته سنو الخصب)»(١). إن الرؤيا تختلف باختلاف حال الرائي لها، وذلك أن الصالح الذاکر لله يقل سلطان الشيطان عليه في اليقظة، وقد يتلاشى وينتفي کما هو حال الأنبياء، لذلك تقع رؤاهم كلها صالحة، وكلما كان الانسان صالحًا كلما ضعف سلطان الشيطان عليه وعلى رؤياه فتقع صالحة، أما الفاسق العاصي فللشيطان سلطان عليه في اليقظة، وسلطانه عليه في النوم أشد، لانه غائب الوعي والعقل، وقد بین الله تعالى في القرآن أن للشيطان سلطانًا على الفاسقين والغافلين عن ذكر الله وطاعته فقال: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّصَ لَهُ. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ٢٨٦. شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَيْسَ لَهُ، سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ [النحل: ٩٩- وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ ١٠٠ ] (٢) . قال البغوي: ((وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي، كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر، وكان ابن سيرين يقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطانًا، فإن لم یکن من أهله یصلب، وسأل رجل ابن سيرين، قال: رأيت في المنام كأني أؤذن. قال: تحج. وسأله آخر، فأول بقطع يده في السرقة، فقيل له في التأويلين، فقال: رأيت الأول على سيماء حسنة، فأولت قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجّ﴾ [الحج: ٢٧]. ولم أرض هيئة الثاني، فأولت قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُّ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ ◌َسَرِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]. وقد يرى الرجل في منامه فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية، أو حج، أو قدوم غائب، أو خیر، أو نكبة، فقد رأى النبي صلى الله علیه وسلم الفتح، فکان کذلك، قال الله (٢) أحكام تفسير الرؤى والأحلام في القران الكريم والسنة المطهرة، العوضي ص ٣١. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الراء سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ صَدَفَ اَللَّهُ رَسُولَهُ على سني الجدب والخصب، فكان كما اَلُّؤْيَا بِالْحَقِ﴾ [الفتح: ٢٧])).(١) قال الراغب الأصفهاني: ((ومن الفراسة علم الرؤيا))(٢). وقال ابن قتيبة: ((وقد تتغير الرؤيا عن أصلها، باختلاف هيئات الناس وصناعاتهم وأقدارهم وأديانهم فيكون لواحد رحمة وعلى الآخر عذابًا))(٣). قال الملا علي القاري: ((والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائي، فإنه قد یکون سالگًا من مسالك طریق الدنیا، وقد یکون سائرًا في مسائر صراط العقبى، فلكل تأویل یلیق به ویناسب بحاله ومقامه، وهذا أمر غير منضبط، ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفًا مستقلًا جامعًا شاملًا كافلًا لأنواع الرؤيا، وإنما تكلموا في بعض ما وقع لهم من القضايا، ولذا لم تلق معبرین یکونان في تعبيرهما لشيء متفقين)) (٤). قال الإمام القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَضْغَاتُ أَعْلَمٌ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ﴾ [يوسف: ٤٤]: ((فى الآية ٤٤ الْأَعْلَِ بِعَلِينَ ( دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر؛ لأن القوم قالوا ﴿أَضْغَاتُ آعلمٍ﴾ ولم تقع کذلك، فإن یوسف فسرها (١) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٤. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ١٥٠. (٣) تعبير الرؤيا، ابن قتيبة ص ٤٥. عبر، وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت))(٥). قال الشيخ عبدالله الطيار: «قلت: وكلام الإمام القرطبي رحمه الله فيه نظر؛ لأن الذي قال بأن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت هو النبي صلی الله عليه وسلم، فقد روی أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي رزین العقيلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت) قال الراوي: وأحسبه قال: (لا يقصها إلا علی واد، يعني: محب، أو ذي رأي)»(٦)(٧) . قلت: والعجيب أن الإمام القرطبي ذكر هذه الرواية في تفسير السورة نفسها، وذكر تخريجها أيضًا، وعرف باسم الراوي! فالعجب كيف وقع في مثل هذا؟! فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُّنَىَّلَا نَقْصُصُ رُهُ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَنَ [يوسف : ٥]: «هذه للإنسَنِ عَدَوْ مَّبِينَ (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٠١. (٦) أخرجه أحمد في مسنده، ١٠٠/٢٦، رقم ١٦١٨٢، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في تعبير الرؤيا، ٣٠٥/٤، رقم ٥٠٢٠، وابن ماجه في سننه، كتاب تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت، ١٢٨٨/٢، رقم ٣٩١٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٦٦٣، رقم ٣٥٣٥. (٤) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٧/ ٢٩٢١. (٧) ضوابط تعبير الرؤيا، الطيار ص ٢١-٢٣. ٣٣٠ جوية القرآن الكريم الرؤيا الآية أصل في ألا نقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا علی من لا یحسن التأويل فيها، روى أبو رزين العقيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا جزء من أربعين جزءًا من النبوة). و (الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها، فإذا حدث بها وقعت، فلا تحدثوا بها إلا عاقلًا أو محبًا أو ناصحًا) أخرجه الترمذي وقال فیه: حديث حسن صحيح، وأبو رزين اسمه لقيط بن عامر))(١). قال ابن كثير: ((ومن هذا يؤخذ الأمر بکتمان النعمة حتی توجد وتظهر» (٢). قال ابن قتيبة: ((قالوا: كيف تكون الرؤيا على رجل طائر؟ وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر منه بتأخر العبارة لها، وتقع إذا عبرت؟ وهذا يدل على أنها إن لم تعبر لم تقع. الكلام خرج مخرج كلام العرب وهم يقولون للشيء، إذا لم يستقر: هو على رجل طائر وبين مخاليب طائر، وعلى قرن ظبي، يريدون: أنه لا يطمئن ولا يقف، وكذلك الرؤیا علی رجل طائر ما لم تعبر، يراد أنها تجول في الهواء حتى تعبر، فإذا عبرت وقعت. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٣٧١. ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت کما عبر، وإنما أراد بذلك العالم بھا، المصيب الموفق. وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرًا، وهو لم يصب ولم يقارب؟ وإنما يكون عابرًا لها إذا أصاب. يقول الله عز وجل: ﴿إِن كُنتُمْ لِلْزُِّيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: ٤٣]. یرید: إن كنتم تعلمون عبارتها. ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتتأول؛ لأن أكثرها أضغاث أحلام، فمنها ما يكون عن غلبة الطبيعة، ومنها ما يكون عن حديث النفس، ومنها ما يكون من الشيطان. وإنما تكون الصحيحة، التي يأتي بها الملك، ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب، في الحين بعد الحين)»(٣). قال البغوي: ((واعلم أن تأويل الرؤيا قال أبو محمد: ونحن نقول: إن هذا ينقسم أقسامًا، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب، أو من جهة السنة، أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد والقلب)» (٤). (٣) تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة ص ٤٨٣- ٤٨٥. (٤) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٠. www. modoee.com ٣٣١ حرف الراء التعبير بدلالة القرآن الكريم. قال البغوي: ((فالتأويل بدلالة القرآن، كالحبل يعبر بالعهد، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بَحَبْلِ اَللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والسفينة تعبر بالنجاة، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَغَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]. والخشب يعبر بالنفاق، لقوله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. والحجارة تعبر بالقسوة، لقوله جل ذكره: ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ [البقرة: ٧٤]. والمريض بالنفاق، لقوله تبارك وتعالى: فِي قُلُوبِهِم قَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠]. والبيض يعبر بالنساء، لقوله سبحانه ﴿كَنَّهُنَّ بَيْضُ مَكْتُونٌ )) [الصافات: ٤٩]. وتعالى: وكذلك اللباس، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. واستفتاح الباب يعبر بالدعاء، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا﴾ [الأنفال: ١٩]. أي: تدعوا. والماء يعبر بالفتنة في بعض الأحوال، ١٦ لقوله عز وجل: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًّا لِنَفْئِنَهُ فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ -١٧]. وأكل اللحم النيء يعبر بالغيبة، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ [الحجرات: ١٢]. ودخول الملك محلة، أو بلدة، أو دارًا تصغر عن قدره، وينكر دخول مثله مثلها، يعبر بالمصيبة والذل ينال أهلها، لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل : ٣٤])).(١) # التعبير بدلالة الحديث النبوي الشريف. قال البغوي: ((وأما التأويل بدلالة الحديث كالغراب يعبر بالرجل الفاسق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه فاسقًا. والفأرة يعبر بالمرأة الفاسقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها فويسقة. والضلع يعبر بالمرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج)(٢). والقوارير تعبر بالنساء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير)»(٣)(٤) ٠ (١) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم عليه السلام وذريته، ١٣٣/٤، رقم ٣٣٣١، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، ٢/ ١٠٩٠، رقم ١٤٦٨. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، ٥/ ٢٢٧٨، رقم ٥٧٩٧، ومسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب رحمة النبي صلى الله عليه وسلم النساء وأمر السواق مطاياهن بالرفق بهن، ٤ / ١٨١١، رقم ٢٣٢٣. (٤) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٠ -٢٢١. ٣٣٢ مَوَسُوعَدُ النَّفْسِيْ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الرؤيا التعبير بدلالة المعاني. قال البغوي: ((والتأويل بالمعنى كالأترج یعبر بالنفاق، لمخالفة باطنه ظاهره، إن لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال. وكالورد والنرجس يعبر بقلة البقاء إن عدل به عما ينسب إليه، لسرعة ذهابه. ويعبر الآس بالبقاء؛ لأنه يدوم. حکي أن امرأة سألت معبرًا بالأهواز: إني رأيت في المنام كأن زوجي ناولني نرجسا، وناول ضرة لي آسا. فقال: يطلقك ويتمسك بضرتك، أما سمعت قول الشاعر: لیس للنرجس عهد إنما العهد لآس)) (١). قال السعدي: ((وإن أغلب ما تبنى عليه، أي: الرؤيا، المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة، فإن رؤيا يوسف التي رأى فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا له ساجدين، وجه المناسبة فيها أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها. ولأن الأصل أبوه وأمه وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورًا وجرمًا لما هو فرع عنه، فلذلك کانت (١) المصدر السابق ١٢/ ٢٢٣. الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته. ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذکرات فكانت لأبيه وإخوته. ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود معظم محترم، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظمًا ومحترمًا عند أبویه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلًا في العلم والفضائل الموجبة لذلك. ولذلك قال أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أن الرؤيا الأولى، التي رأی صاحبها أنه یعصر خمرًا، أن الذي یعصر خمرًا في العادة، یکون خادمًا لغيره، والعصر يقصد لغيره، فكذلك أوله بما يؤول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من السجن. وأول رؤيا الآخر: أي أنه يحمل فوق رأسه خبزًا، تأكل الطير منه، بأن جلدة رأسه فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة الأرض ولحمه وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي وجمالها، وبهم يهتدى في الظلمات، كما يحمل، وأنه سيبرز للطير بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل یهتدی بهذه الأنوار. ويصلب بعد موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات www. modoee.com ٣٣٣ حرف الراء بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أن الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، وبفساده تفسد. الرعية، واستقامة أمر المعاش أو عدمه. وأما البقر، فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا. و کذلك السنابل في الخصب، تکثر وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس، وهي أفضل أغلال الأرض)»(١). ومن هذا القبيل ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم أتیت بقدح لبن فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)، قالوا: فما أولته ذلك يا رسول الله؟ قال: (العلم) (٢). قال الحافظ ابن حجر: ((وتفسير اللبن بالعلم لاشتراکهما في کثرة النفع بهما)»(٣). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب فضل العلم، ١ / ٤٣ رقم ٨٢، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل عمر رضي الله عنه، ٤ / ١٨٥٩ رقم ٢٣٩١. (٣) فتح الباري، ابن حجر ١/ ١٨٠. وأخرجا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها وكذلك السنون، بها صلاح أحوال ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدین)(٤). قال ابن القيم: ((ألا ترى أن الثياب في التأویل کالقمص تدل علی الدین، فما کان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين، كما أول النبي صلى الله عليه وسلم القميص بالدين والعلم والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ویجمله بين الناس، فالقمیص یستر بدنه، والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله بین الناس»(٥). · التعبير بدلالة الأسماء. قال ابن قتيبة: ((فأما التأويل بالأسماء فتحمل على ظاهر اللفظ، كرجل يسمى الفضل تتأوله إفضالًا، ورجل یسمی راشدًا تتأوله رشدًا، أو سالمًا تتأوله سلامة، وأشباه (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، ١/ ١٧، رقم ٢٣، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله عنه، ٤ / ١٨٥٩، رقم ٢٣٩٠. (٥) إعلام الموقعين، ابن القيم ١/ ٢٢٥. ٣٣٤ العضوي القرآن الكريمِ الرؤيا هذا کثیر. ثم روی عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)(١). قال ابن قتيبة: فأخذ من رافع الرفعة، وأخذ طيب الدين من رطب ابن طاب. ثم روى عن الأصمعي قال: قيل لابن سيرين: رجل رؤي على حمار ولا يزال يلقيه في ماء وطين، ثم رؤي كأنه أردف جارية، قال: ما اسمها؟ قال: عتبة، قال: أعتب الرجل»(٢). قال ابن سيرين: نوى التمر نية السفر، وقد يعبر السفرجل بالسفر إذا لم يكن في الرؤیا ما يدل على المرض، لأن أوله سفر، والسوسن بالسوء، لأن أوله سوء، إذا عدل به عما ينسب إليه في التأويل(٣). التعبير بدلالة الأمثال. قال البغوي: ((والتأويل بالأمثال، كالصائغ يعبر بالكذاب، لقولهم: أكذب الناس الصواغون. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، ١٧٧٩/٤ رقم ٢٢٧٠. (٢) تعبير الرؤيا، ابن قتيبة ص ٣٢ - ٣٣. (٣) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٣. وحفر الحفرة يعبر بالمكر، لقولهم: من حفر حفرة وقع فيها، قال الله تعالی: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلََّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. والحاطب يعبر بالنمام، لقولهم لمن وشى: إنه يحطب عليه، وفسروا قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ [المسد: ٤] بالنميمة. ويعبر طول اليد بصنائع المعروف، لقولهم: فلان أطول يدًا من فلان. ويعبر الرمي بالحجارة وبالسهم بالقذف، لقولهم: رمى فلانًا بفاحشة، قال الله عز وجل: ﴿وَاُلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور:٤]. ويعبر غسل اليد باليأس عما يأمل، لقولهم: غسلت يدي عنك».(٤) # التعبير بدلالة الضد والقلب. قال ابن قتيبة: ((وأما التأويل بالضد والمقلوب، فكقولهم في البكاء: إنه فرح، ما لم يكن معه رنة أو صوت، وفي الفرح والضحك: إنه حزن. وقولهم في الوالي يرى عهده أتاه: إنه العزل، ومن رأى ذلك من ليس بوالٍ: إنه ابتداء ولايته))(٥). قال البغوي: ((وأما التأويل بالضد والقلب، فكما أن الخوف في النوم يعبر بالأمن، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيُبَدِلنَُّم (٤) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٢. (٥) تعبير الرؤيا، ابن قتيبة ص ٤٥. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الراء مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا﴾ [النور: ٥٥]. والأمن فيه يعبر بالخوف. ویعبر البکاء بالفرح إذا لم یکن معه رنة. ويعبر الضحك بالحزن، إلا أن يكون تبسمًا))(١). موضوعات ذات صلة: البصر، الرؤية، يوسف عليه السلام (١) شرح السنة، البغوي ١٢/ ٢٢٣. ٣٣٦ جوسين القرآن الكريم