Indexed OCR Text
Pages 21-40
الرؤيا والمذبوح، فورد أولًا في النوم حتی یصیر ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذ لا یهجم هذا التکلیف دفعة واحدة، بل شيئًا فشيئًا))(١). ونقل القرطبي عن بعض أهل الإشارة: ((أن إبراهيم ادعى محبة الله، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة، فقيل له: يا إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي، فشمر وأخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن ترد قلبك إلينا، فلما رددت قلبك بكليته إلينا رددنا ولدك إليك، وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدًا أبدًا، فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتی أم الغلام وقال: أتدرین أین يذهب إبراهيم ابنك؟ قالت: لا، قال: إنه یذهب به لیذبحه، قالت: کلا هو أرأف به من ذلك، فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن یطیع ربه، ثم أتی الغلام فقال: أتدري أین يذهب بك أبوك؟ قال: لا، قال: فإنه يذهب بك ليذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ١٣٦. أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمرهالله به، سمعًا وطاعة لأمر الله، ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ والله إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي، فلم يصب الملعون منهم شيئًا، وقال ابن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصیات حتی ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى)»(٢). لقد حملت هذه الرؤيا خيرًا للبشرية جمعاء، وفي ذلك حكمة إلهية في امتثاله عليه السلام لأمر الله ولو كان فيما يكره، وهو بهذا الأمر دلل على طهارة قلب كل من الأب والابن، فكلاهما على خلق عظيم، وهذه صفات الأنبياء، وفيها بشرى بأن إسماعيل نبي كأبيه، وفيها إشارة لاستجابة دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ١٠٥- ١٠٦. وأثر ابن عباس أخرجه أحمد في مسنده، ٤/ ٤٣٧، والحاكم في المستدرك، ٦٣٨/١. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشیخین ولم يخرجاه. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الراء وإسماعيل الممتثل لأمر الله لم يكن إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة، لأن الله تعالى قال ﴿مِلَّةَ أَبِكُمْ إِتْرَهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. ظالمًا، لذا كانت البشری بنبوته افتداء سیدنا إسماعيل عليه السلام بالكبش، وهو بمثابة افتداء للبشرية بأسرها(١). ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه یفدیه بکبش، کما فدی به إبراهیم ابنه، قاله ابن عباس، وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه، روی الروایتین عنه الشعبي وروى عنه القاسم بن محمد: یجزیہ کفارة یمین، وقال مسروق: لا شيء عليه، وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها، وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة، ولا يلزمه في غير ولده شيء، قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث. وذکر ابن عبد الحکم عن مالك فیمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في یمین، ثم حنث فعليه هدي، قال: ومن نذر أن ینحر ابنه ولم يقل: عند مقام إبراهيم، ولا أراد فلا شيء عليه، قال: ومن جعل ابنه هدیًا أهدی عنه. قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعًا، فألزم الله (١) الرؤيا في القران الكريم لفتحية صر صور ص ٣٩. والإيمان التزام أصلي، والنذر التزام فرعي، فیجب أن یکون محمولًا علیه. فإن قیل: کیف یؤمر إبراهیم بذبح الولد، وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز؟ قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال الله تعالى: (( افعل ما تؤمر)» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال، فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦]. ١٠٦ في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية. فإن قيل: کیف یصیر نذرًا وهو معصية؟ قلنا: إنما یکون معصية لو کان یقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء. فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ ٣٠٤ جوب القرآن الكَرِيْمِ الرؤيا ولا أثر في نذره، لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعًا (١). العرض الكريم لقصة إبراهيم الخليل وولده الذبيح إسماعيل ما یفید أنه سبحانه قد أمر إبراهیم بذبح ولده ثم نسخ ما أمره به قبل أن یتمکن من تنفيذه وفعله، أما أنه أمره بالذبح فیرشد إلیه: أولًا: قول إبراهیم لولده ﴿اێ آری فی الْمَنَاءِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ لأن رؤيا الأنبياء حق من ناحية، ولأن مفاوضة إبراهيم لولده في هذا الأمر الجلل تدل على أن هذا أمر لا بد منه من ناحية أخرى، وإلا لما فاوضه تلك المفاوضة الخطيرة المزعجة التي هي أول مراحل السعي إلى التنفيذ. ثانيًا: أن إسماعيل أجاب أباه بإعلان خضوعه وامتثاله لأمر ربه: ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمٌَّ سَتَجِدُفِىٌّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. الأسباب القريبة للذبح حيث أسلم ولده وأسلم إسماعيل نفسه: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ. لِلْجَمِينِ ﴾ [الصافات: ١٠٣]. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١١/١٥- ٠١١٢ (٢) مناهل العرفان، الزرقاني ٢/ ٢٢٨-٢٣٠. www. modoee.com ٣٠٥ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده أي: فعل من صدقها وحققها، ولو لم يكن هذا أمرًا من الله واجب الطاعة ما مدحه الله على تصديقه لرؤياه وسعيه إلى تحقيق ما قال الزرقاني: ((فأنت ترى في هذا أمره مولاه. خامسًا: أن الله فدی إبراهیم بذبح عظیم، فلو لم يكن ذبح إسماعيل مطلوبًا لما كان ثمة داع يدعو إلى الفداء. سادسًا: أن الله امتدح إبراهيم بأنه من المؤمنين ومن المحسنين المستحقين لإكرام الله إياه بالفرج بعد الشدة، وقرر سبحانه أن هذا هو البلاء المبين، وكافأه بأنه ترك عليه في الآخرين ﴿سَلَمُ عَلَ إِزَهِيمَ ١٠٩ ﴾ [الصافات: ١٠٩]. وكل ذلك يدل على أن الله أمره فأطاع، وابتلاه أشد الابتلاء فاستسلم وانصاع. وأما أن الله نسخ هذا الأمر قبل تمكن إبراهيم من امتثاله، فيرشد إليه محاولة إبراهيم للتنفيذ بالخطوات التي خطاها، والمحاولات التي حاولها، وهي مفاوضة ولده حتى يستوثق منه أو يتخذ إجراء آخر، ثالثًا: أن إبراهيم اتخذ سبيله إلى مباشرة ثم استسلامهما بالفعل لحادث الذبح وصرعه فلذة كبده وقرة عينه على جبينه، کیما یضع السکین ویذبحه كما أمره رب العالمين، ولكن جاء النداء بالفداء قبل رابعًا: أن الله ناداه بأنه قد صدق الرؤيا، التمكن من الامتثال وتنفيذ الذبح»(٢). حرف الراء ثالثًا: رؤيا يوسف عليه السلام: قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَآَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ (١) قَالَ يَبُّنِيَ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّمُبِينٌ ﴾﴾ [يوسف: ٤ -٥]. سورة يوسف من السور المميزة في باب الرؤیا؛ لوجود أربع رؤی فیها من بین الرؤى المعدودة في القرآن الكريم، وقد ابتدأت قصة يوسف عليه السلام برؤياه التي رآها، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴾ [يوسف: ٤]. وانتهت القصة بتصديق رؤياه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَلَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَبِ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وإن الأحداث التي في رؤيا يوسف عليه السلام تختلف عن الأحداث التي في رؤيا إبراهيم عليه السلام، ويترتب على ذلك اختلاف في التأويل، وكما أن رؤيا إبراهيم عليه السلام لها مكانة کما مر بنا، فإن رؤيا يوسف عليه السلام لها مكانة أيضًا، بحيث اعتبرت قصة يوسف التي ابتدأت بها من أحسن القصص. وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وأنَ -وهو سريره- وإخوته بين يديه سُجَّدَا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَنَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَبِى حَقًّا﴾ [ يوسف: ١٠٠](١). قال الطبري: ((وقوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ يقول: والشمس والقمر رأيتهم في منامي سجودًا، وقال ﴿سَجِدِينَ﴾ والكواكب والشمس والقمر إنما يخبر عنها بـ((فاعلة)) و((فاعلات)) لا بالواو والنون، لأن الواو والنون إنما هي علامة جمع أسماء ذکور بني آدم أو الجن أو الملائكة، وإنما قيل ذلك كذلك، لأن السجود من أفعال من يجمع أسماء ذكورهم بالياء والنون أو الواو والنون، فأخرج جمع أسمائها مخرج جمع أسماء من يفعل ذلك، كما قيل: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقال: ﴿رَأَيُِّهُمْ﴾ وقد قيل: ﴿رَأَيْثُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ﴾ فكرر الفعل، وذلك على لغة من قال: کلمت أخاك كلمته، توکیدا للفعل بالتکریر»(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٦٩- ٣٧٠. (٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٥٦. ٣٠٦ الْقُرْآن الكَرِيْمِ الرؤيا وقال القرطبي في قوله تعالى: المنام، وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض، وروي أن يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عشرة سنة))(٣). ﴿سَجِدِينَ﴾ وكيف جاء مذكرًا: ((فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة السجود، وهما من أفعال من یعقل أخبر عنهما کما یخبر عمن يعقل))(١). قال أبو جعفر: ((يقول جل ذكره قال يعقوب لابنه يوسف: ﴿يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُمْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَىَ إِخْوَتِكَ﴾ فيحسدوك ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ يقول: فيبغوك الغوائل ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدو قد أبان لهم عداوته وأظهرها، يقول: فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك بك بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك، وإنما قال يعقوب ذلك؛ لأنه قد کان تبين له من أخوته قبل ذلك حسدًا))(٢). قال القرطبي: ((إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيرًا حين رؤياه، والصغير لا حکم لفعله، فکیف تکون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه: لا تقصص رؤياك على إخوتك؟ فالجواب أن الرؤيا إدراك حقيقة، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأی صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٢. (٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٥٨. قال ابن كثير: ((يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالًا وإكرامًا واحترامًا، فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدوه على ذلك فيبغوا له الغوائل؛ حسدًا منهم له ولهذا قال له ﴿لَا نَقْصُصْ رُهِ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا رأى أحدكم ما يحب فلیحدث به، وإذا رأی ما یکره فلیتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن یساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره) (٤))(٥). قال القرطبي: ((هذه الآية أصل في أن لا نقص الرؤیا علی غیر شفيق ولا ناصح، ولا (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٦. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها، ٩/ ٤٣، رقم ٧٠٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، ١٧٧٢/٤، رقم ٢٢٦١. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٣٧١. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الراء الآية دليل على أن مباحًا أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلًا في معنى الغيبة، لأن يعقوب عليه السلام قد حذر یوسف أن یقص رؤیاه على إخوته فيكيدوا له، وفيها ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدًا وكيدًا، وفيها دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا، فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم ولم يبال بذلك من نفسه، فإن الرجل يود أن یکون ولده خيرًا منه، والأخ لا یود ذلك لأخيه، ويدل أيضًا على أن يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوفًا أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هذا ومن فعلهم بیوسف یدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت)»(١). وقد أخرج الطبري بسنده عن جابر رضي الله عنه رواية ذكر فيها أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، قال: أتى النبي صلی الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسکت رسول الله صلى (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٢٦- ٠١٢٧ على من لا يحسن التأويل فيها، وفي هذه الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل وأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: (هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟) قال: نعم، فقال: (جربان والطارق، والذيال، وذو الكتفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضیاء، والنور). فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها(٢). قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُوالَهُ، سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَّتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِيّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَئِنُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَى إِنَّ رَبِى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ, هُوَ اُلْعَلِيِمُ لْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني: السرير، أي: أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُواْلَهُ، سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلًا، ﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَنِىَ مِن قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كُؤْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم، إذا (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٥/ ٥٥٥. جُوَسُولَةُ التقتيم القرآن الكريم ٣٠٨ الرؤيا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه، وقال ليعقوب: هذا تأويل رؤياي من قبل، کأنه یقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به، فإن رؤيا الأنبياء حق، کما أن رؤیا إبراهیم ذبح ولده صار سببًا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة، فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها یوسف وحكاها ليعقوب سببًا لوجوب ذلك السجود))(٢). هذا جائزًا من لدن آدم إلی شريعة عیسی عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصًا بجناب الرب سبحانه وتعالى، والغرض أن هذا كان جائزًا في شریعتھم؛ ولهذا خروا له سجدًا، فعندها قال يوسف: ﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَنِىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَبٍ حَقًّا﴾، أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ. يَوْمَ يَأْتِ تَأْوِيلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا من خير وشر. وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ أي: صحیحة صدقًا، یذکر نعم الله عليه ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ مِنَ اٌلْبَدْرِ ﴾ أي: البادية(١). قال الرازي: ((لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو، كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ویوسف ما كان راضيًا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت، ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة ﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَارَبٍِّ حَقًّا﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لما (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤١٢. وقد جاء في كتاب ضوابط تعبير الرؤيا تسع فوائد مستنبطة من رؤيا يوسف عليه السلام وهي على التوالي: الأولى: مشروعية قص الرؤيا على أهل العلم والفضل، فیعقوب نبي، وهو من أهل العلم والفضل، ولذا قصها يوسف عليه ولعلمه بتأويله لها. الثانية: معرفة يعقوب عليه السلام برؤيا یوسف وغايتها وما تؤول إليه ووسائلها التي تتقدم عليها، ففسر الشمس والقمر بأبيه وأمه والأحد عشر کو کبًا بإخوته، وأن الحال سیکون بأن الجمیع سیسجد له. الثالثة: حصول المكانة العظيمة ليوسف عند أبويه عند رؤياه التي قصها عليه، ولذا تراه كان معظمًا تعظيمًا بليغًا عندهم. الرابعة: إن حصول الرؤيا الصالحة لا (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٥١٢. www. modoee.com ٣٠٩ حرف الراء تكون لكل البشر، فلا تحصل لأهل العلوم بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن الفاسدة والأعمال الخبيثة الذين ينشرون الرذيلة في المجتمعات، بل لا تكون إلا لأهل الاجتباء من الله، فلا تحصل إلا لأهل العلوم النافعة والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة. ولذا قال يعقوب ليوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم له واتفاقهم فيما بينهم، ولهذا لما ظهر لأخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم وهو التفريق بينه وبین أبیه. الخامسة: إن من علم أن المكاره والمشقات تفضي إلى الخير والراحات، تسلى وهانت عليه مشقتها وسهلت عليه وطأتها وحصل بذلك من اللطف والروح شيء عظيم، وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: ﴿إِنَّرَتِ لَطِيفٌ لِمَا يَشَآءُ﴾ وكأن يوسف عليه السلام له علم أنه ستكون له مكانة عظيمة ولکن لا يكون ذلك إلا بعد حصول مكروه له، فيجب عليه أن یصبر، و کأن يعقوب بذلك یرید أن يسهل على ابنه وطأة ما يحصل له، وهكذا ينبغي لكل معبر أنه إذا عبر لإنسان رؤياه وكان مآلها إلى خير، لكن بعد حصول مكروه للرائي، فإنه يدعو الرائي إلى الاستعداد ولمقابلة ما يحدث له. السادسة: البشارة العظيمة ليعقوب وأم يوسف وأخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير. السابعة: إنه يتعين على الإنسان أن يعدل الثامنة: في قوله تعالى: ﴿لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾. ففيها الآتي: ١. أن الأصل أن لا تقص الرؤيا إلا على شفيق أو ناصح، ولا تقص إلا على من يحسن تأويلها. ٢. أن يحذر المسلم أخاه المسلم، وإن كان أخاه في النسب مما يخاف عليه. ٣. جواز ترك إظهار النعمة عند من يخشى غائلته حسدا و کیدًا. ٤. فيها أيضا دليل واضح على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر علیھم. ٥. أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾. التاسعة: في قول إخوة يوسف لأبيهم: ٣١٠ جَوَسُو القرآن الكريمِ الرؤيا ﴿ قَالُواْ يَتَبَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَطِعِينَ اللَّهُ مَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَّخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: ٢٧]. [يوسف: ٩٧]. ٩٧ إن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح من يوسف ومن أبيهم الدعاء لهم بالمغفرة (١). رابعًا: رؤى النبي محمد صلى الله عليه وسلم: لا شك أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي، وأن القرآن الكريم ذكر رؤیا نبي الله إبراهيم عليه السلام ونبي الله يوسف عليه السلام كما تقدم، ولقد تعرض القرآن الكريم لأكثر من رؤيا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، منها ما هو متفق عليها عند المفسرين أنها رؤيا في المنام، ومنها ما هو مختلف في تفسيرها: هل هي رؤيا عين أم أنها رؤيا في المنام؟ ولنبدأ بما هو متفق عليه وهي رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام المنصوص عليها في القرآن الكريم وهي: ١. رؤيا دخول مكة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَنِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْسَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ (١) ضوابط تعبير الرؤيا، الطيار ص ٢٠- ٢١. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسوله محمدًا رؤياه التي أراها إیاه أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، مقصرًا بعضهم رأسه ومحلقًا بعضهم))(٢). ومعنى صدق الله رسوله الرؤيا أنه أراه رؤيا صادقة، لأن رؤيا الأنبياء وحي، فآلت إلى معنى الخبر فوصفت بالصدق لذلك، وهذا تطمین لهم بأن ذلك سيكون لا محالة، وهو في حين نزول الآية لما يحصل بقرينة قوله: ﴿إِن شَآءَ اللّهُ﴾ تحقيق دخول ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ومعنى المسجد الحرام في المستقبل، فيعلم منه أن الرؤيا إخبار بدخول لم يعين زمنه فهي صادقة فيما يتحقق في المستقبل، وهذا تنبيه للذين لم يتفطنوا لذلك، فجزموا بأن رؤيا دخول المسجد تقتضي دخولهم إليه أیامئذ وما ذلك بمفهوم من الرؤيا، وكان حقهم أن يعلموا أنها وعد لم يعين إبان موعوده، وقد فهم ذلك أبو بكر إذ قال لهم: إن المنام لم يكن مؤقتًا بوقت وأنه سيدخل. وقد جاء في سورة يوسف ﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَلَىَ مِن قَبْلُ﴾ (٢) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٥٧. www. modoee.com ٣١١ حرف الراء [يوسف: ١٠٠] (١). قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي صلی الله عليه وسلم في منامه، خوطب في منامه بما جرت به العادة، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، ولهذا استثنى، تأدب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]. وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِ يقولوه، كما قال فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾. وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فیما لا يعلمون، قاله ثعلب، وقيل: کان الله علم أنه یمیت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية، فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه، فساءهم ذلك واشتد عليهم وصالحهم ورجع، ثم أذن الله في العام المقبل، فأنزل الله ﴿لَقَدْ صَدَفَ اَللَّهُ رَسُولَهُ اَلُّهُيَا بِالْحَقِّ﴾. وإنما قيل له في المنام: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام، فليس هنا شك، كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، و﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ تحقيق، فكيف يكون شك. فـ﴿إن﴾ بمعنى (إذا). ﴿مَامِنِينَ﴾ أي: من العدو. ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وقيل: الاستثناء من ﴿مَامِنِينَ﴾، أي: من دون رؤيا النبي صلى الله عليه وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما وسلم فتح خيبر، قاله ابن زيد والضحاك. جرت به العادة. وقيل: فتح مكة، وقال مجاهد: هو وقيل: معنى ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ إن أمركم صلح الحديبية، وقاله أكثر المفسرين. الله بالدخول. قال الزهري: ما فتح الله في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، لأنه إنما وقيل: أي: إن سهل الله. وقيل: ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ أي: كما شاء كان القتال حين تلتقي الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضًا، فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد فوعدهم دخول المسجد الحرام، الله. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ١٩٨- ١٩٩. ٣١٢ القرآن الكريمِ الرؤيا دخل تينك السنتين في الإسلام مثل ما رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ وهذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء))(٣). کان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ست يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آلاف(١). وفي الصحيحين أن سهل بن حنيف رضي الله عنه قام يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله قال ابن كثير: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك علی أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ذلك صلی الله علیه وسلم يوم الحديبية ولو نری قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: (بلى). فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى). قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولما یحکم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا). فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله صلى الله علیه وسلم علی عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: (نعم). سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا) قال: لا، قال: (فإنك آتیه ومطوف به). وبهذا أجاب الصديق، رضي الله عنه، أيضًا حذو القذة بالقذة(٢). قال الزهري: ((قال عمر: فعملت لذلك ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ أعمالًا))(٤). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/ ٢٩٠- ٢٩١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، ٩٧٤/٢، رقم ٢٥٨١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٣٥٦. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب الجزية والموادعة، باب اثم من عاهد ثم غدر، ٣/ ١١٦٢، رقم ٣٠١١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، ٣/ ١٤١١، رقم ١٧٨٥. www. modoee.com ٣١٣ حرف الراء قال الحافظ ابن حجر: ((المراد به الأعمال الصالحة، ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء، وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله: ((أعمالًا))، ففي رواية ابن إسحاق: وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرا)) (١). وقد وقع تصديق رؤیا النبي صلی الله عليه وسلم في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، ودخلوها آمنين غير خائفين كما وعدهم الله عز وجل. ٢. رؤيا ليلة الإسراء والمعراج. والرؤيا الثانية التي ذكرت في القرآن الكريم وذكر فيها أن الله سبحانه وتعالى أراها للنبي صلى الله عليه وسلم هي رؤيا ليلة الإسراء والمعراج، وقد ذكرت بعض التفاسير الخلاف فيها: هل هي رؤیا عين أم هي رؤيا منام؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا أَلَّتِيِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اٌلْقُرْءَانِ وَتُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلََّ طُغْيَنَا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٦٠]. (١) فتح الباري، ابن حجر ٥/ ٣٤٦. ـالعضوي صَوَسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّعِيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ قال: ((هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ اٌلْمَلْعُونَةَ فِ اَلْقُرْءَانِ﴾ قال: هي شجرة الزقوم))(٢). وعلى الرغم من نقل بعض التفاسير الخلاف في المراد بهذه الرؤيا إلا أنهم لم یثبتوا فيها قولًا أعلى من قول ابن عباس، لا من حیث السند ولا من حیث الدرجة، فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، وروايته هذه في صحيح البخاري، نعم إن الطبري قد نقل عنه قولًا ثانيًا في المراد من الرؤيا بأنها رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة. قال الطبري: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا أَلَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: یقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقالت أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب المعراج، ٣/ ١٤١٢، رقم ٣٦٧٥. ٣١٤ الرؤيا رجعته فتنتهم(١). والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة قال القرطبي: وفي هذا التأويل ضعف؛ وابن جريج والأكثرين، والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك، و كذبوا، وكان فتنة للناس»(٥). لأن السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة (٢). بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا السند ضعيف لا يرقى من أي وجه للمقارنة مع سند الامام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد قال عنه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه: هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير (٣). وعليه فإن ابن عباس رضي الله عنهما قد حسم القول فيها بأنها رؤيا عين، ولا عبرة بأي قول آخر. قال ابن كثير: ((وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء: مجاهد، وسعيدبن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زید، وغیر واحد»(٤). قال البغوي: ((فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن جبير (١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٨٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٢٨٢. (٣) جامع البيان، الطبري ١/ ٢٦٣. (٤) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٩٢. ٣. رؤيا المشر کین في بدر. والرؤيا الثالثة التي ذكرت في القرآن الكريم وأن النبي عليه الصلاة والسلام رآها، هي رؤیا المشرکین في غزوة بدر، قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّاللَّهَ سَلَّمُّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِدَاتِ السُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: وإن الله يا محمد سميع لما يقول أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك الله عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، يقول: يريكهم في نومك قليلًا، فتخبرهم بذلك، حتی قویت قلوبهم واجترأوا على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا لفشل أصحابك، فجبنوا وخافوا ولم يقدروا على حرب القوم، ولتنازعوا في ذلك، ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا، إنه عليم بما تجنه الصدور، لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب))(٦). (٥) معالم التنزيل، البغوي ٣/ ١٤١. (٦) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٥٦٩- ٥٧٠. www. modoee.com ٣١٥ حرف الراء قال ابن کثیر: «وقد زعم بعضهم أن معنی قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ أي: في عينك التي تنام بها فصیر المنام هو العين كأنه أراد: إذ يريكهم الله في عينك قليلًا. قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فکان تثبيتًا لهم، وكذا قال ابن إسحاق وغیر واحد، وقد روى ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال: بعينك(١). قال ابن کثیر: وهذا القول غریب، وقد صرح بالمنام هاهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دلیل علیه»(٢). قال الزمخشري: ((وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم علیه بكلام العرب وفصاحته»(٣). وتصديقًا لرؤيا النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيتًا للصحابة رضي الله عنهم، قلل الله عز وجل جيش الكفار داخل المعركة في أعين الصحابة رضي الله عنهم أيضًا. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى (١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٥/ ١٧٠٩. (٢) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٦٩. (٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢١٣. قلت لصاحبي الذي إلی جانبي: كم تراهم؟ أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، حتى أخذنا منهم رجلًا فسألناه فقال: كنا ألفًا (٤). فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُرِكَهُمُ اللهُفِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَبَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَثَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ. عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الأنفال: ٤٣] كم حصل بها من منافع واندفع من مضار. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَةُ الرُّهْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ تُحَلْقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَّخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: ٢٧]. كم حصل بها من زيادة إيمان، وتم بها من كمال إيقان، وكانت من آيات الله العظيمة (٥) (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٨/ ٤٧٨، والطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ١٤٧. (٥) بهجة قلوب الأبرار، السعدي ص ١٤٩ - ١٥٠. ٣١٦ فَضْو جوي القرآن الكريمِ الرؤيا رؤيا ملك مصر وفتيانه أولًا: رؤيا ملك مصر: قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنَّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُتْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتٍ يَأَيُّهَا الْمَلَأَ أَفْتُونِ فِ رُوِّيَتَىَ إِن كُنتُمْ لِلرَّهِيَا تَعْبُرُونَ ٤٣ قَالُواْ أَضْغَتُ أَعْلَةٍ وَمَا شَخْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَِ بِعَلِينَ ، وَقَالَ الَّذِى ◌َّمَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أَنَبِّتُكُمْ بِتَأْوِيِ، فَأَرْسِلُونِ ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَيْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَيِسَتٍ لَّعَلِّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُلْبُلِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَا تَأْكُلُونَ ، ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَمُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْمِنُونَ (٨) ثُمَّيَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: ٤٣ -٤٩]. قال القرطبي: ((إن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأی في نومه، کانما خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان، في أثرهن سبع عجاف، أي: مهازیل، وقد أقبلت العجاف على السمان، فأخذن بآذانهن فأكلنهن إلا القرنین، ورأی سبع سنبلات خضر قد أقبل علیھن سبع یابسات فأكلنهن، حتى أتین علیهن، فلم يبق منهن شيء وهن يابسات، و کذلك البقر کن عجاًا فلم يزد فيهن شيء من أکلهن السمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكهانة والنجامة والعرافة والسحر وأشراف قومه، فقال: يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي، فقص عليهم، فقال القوم: أضغاث أحلام))(١). قال الألوسي: ((وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء، تهويلًا لأمره وتفخيمًا لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة» (٢). قال ابن كثير: «هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة (٣) وكبراء دولته وأمراءه وقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأن هذه ﴿أَضْغَثُ أَعْلَمِ﴾ أي: أخلاط ن بتأويل الأحلام اقتضت رؤياك هذه بِعَلِمِينَ﴾ أي: ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع یوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩٨. (٢) روح المعاني، الألوسي ١٢/ ٢٤٦. (٣) وهم الكهنة، قال الأصمعي: التحزي التكهن. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٥/ ١١٤. www. modoee.com ٣١٧ حرف الراء يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ ﴿بَعْدَأُمَّةِ﴾ أي: مدة. لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في وقال بعضهم: ﴿بَعْدَأْمَّةٍ﴾ أي: بعد سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، نسيان. فقال للملك والذين جمعهم لذلك: ﴿أَنَا أَنَبِنُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل هذا المنام، ﴿فآرسِلُون﴾ أي: فابعثون إلی یوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا فجاء. فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وذكر المنام الذي رآه الملك. فعند ذلك ذکر له يوسف عليه السلام، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَآبَا ﴾ أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر. ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: ﴿فَا حَصَدُّمْ فَذَرُوهُ فِ سُنْبُلِهِ. إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا نَأْكُونَ﴾ أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، لیکون أبقی له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن وأخبرهم أنهن لا ینبتن شيئًا، وما بذروه فلا یرجعون منه إلى شيء. ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَاقُمْصِنُونَ﴾ ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك ﴿عَامّ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون))(١). قال الطبري في قوله تعالى: ﴿مُمَّبِأَتِمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾: ((وهذا خبر من يوسف عليه السلام للقوم عما لم یکن في رؤیا ملکھم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقة))(٢) قال ابن عاشور: ((إن الرؤيا قد تحاكي الصورة التي في نفس الأمر، وهو الأكثر في مرائي الأنبياء، وقد تحاكي المعنى الرمزي وهو الغالب في مرائي غير الأنبياء، مثل رؤيا ملك مصر سبع بقرات، ورؤيا صاحبي يوسف في السجن، وهو القليل في مرائي (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٩٢- ٣٩٣. (٢) جامع البيان، الطبري ١٦/ ١٢٨. ٣١٨ القرآن الكريمِ الرؤيا الأنبياء))(١). قال القرطبي: ((هذه الآية أصل في صحة إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤیا الکافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي ومعجزة لرسول وتصديقًا لمصطفى للتبليغ وحجة للواسطة بين الله جل جلاله وبين عباده))(٢). ثم قال: ((إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءًا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ورؤيا بخت نصر، التي فسرها دانيال في ذهاب ملکه، ورؤیا کسری في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره وهي کافرة، وقد ترجم البخاري «باب رؤيا أهل السجن)) فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديثه عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد تقدم في ((الأنعام)) أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٢٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٠٤. والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال المهلب: رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة))(٣). وقد تصدق رؤیا لکافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة ولا مبشرات، ولكن إنذارًا له أو لغيره ووعظًا (٤). وقد ذكر الشيخ عبدالله الطيار بعض الفوائد المستنبطة من رؤيا ملك مصر وقد جمعها جمعًا لطيفًا من بعض كتب التفسير نذكر منها: ■ إن مكانة الرؤيا عظيمة في نفوس أصحابها، فكان ولا بد من عرضها على أهل تأويلها، ولذا أرسل الملك إلى أهل العلم منهم والبصر بالكهانة والعرافة والسحر وأشراف قومه وقص علیهم رؤياه. قوة يوسف عليه السلام في تعبير الرؤيا، فلما عجز الناس عن تفسير رؤيا الملك للبقرات والسنبلات، فسرها بالسنين الخصبة والسنين الجدبة، ووجه المناسبة أن الملك ترتبط به (٣) المصدر السابق ٩/ ١٢٤-١٢٥. (٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم ٠١٤/٥ www. modoee.com ٣١٩ حرف الراء أحوال الرعية ومصالحها وبصلاحه من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب علیه ولا استحقاق، هذا مذهب کافة المحققين من أهل السنة أجمعين، وبسطه في أصول الفقه(٢). تصلح وبفساده تفسد، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرعية واستقامة أمر الناس أو عدمه، وأما البقر فإنها تحرث الأرض عليها ويستقي عليها الماء، وإذا أخصبت السنة سمنت وإذا أجدبت صارت عجافًا، وكذلك السنابل في الخصب تكثر وتخضر وفي الجدب تقل وتییس، وهي أفضل غلال الأرض. إنه ينبغي للمسؤول أن يدل السائل على أمر ینفعه مما يتعلق بسؤاله ویرشده إلى الطريقة التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من کمال نصحه وفطنته و حسن إرشاده، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دلهم مع ذلك على ما يضعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع و کثرة جبایته(١). وإضافة إلى ذلك نذكر قول القرطبي بأن هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وکل ما يفوت شيئًا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة، ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، لیحصل لهم التمكن (١) ضوابط تعبير الرؤيا، الطيار ص ٢١-٢٣. ويوسف عليه السلام عندما جاءه ساقي الملك طالبا منه تأويل رؤيا الملك، ذکر يوسف عليه السلام لذلك الفتى تعبيرها مباشرة من غير أن يشترط عليه الخروج من السجن مقابل ذلك، ومن غير تعنيف ولا تأنیب لذلك الفتى في نسیانه ما وصاه به قبل أن يخرج من السجن (٣). وأخيرًا نقول: إن هذه الرؤيا كانت سببًا لکی یکون یوسف عليه السلام على خزائن الأرض لمدة خمس عشرة سنة أو أكثر، وإدارة الأزمة التي ستمر بمصر، وذلك من خلال وضع خطة اقتصادية تتحكم في الإنتاج الزراعي وتخزينه واستهلاكه، حتى تمر فترة الجفاف والقحط بسلام ولا يهلك الناس فيها. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٢٠٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣. ٣٢٠ القرآن الكريم الرؤيا ثانيًا: رؤيا الفتيان: قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ أَلِسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُ هُمَآ إِنِّ أَرَنِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْةٌ نَبِّتْنَا بِتَأْوِيلِ: إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ: إِلََّ بَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبَِّّ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِلَأَخِرَوَ هُمْ كَفِرُونَ ، وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَابَآءِىّ إِّزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَّا أَنْ نُشْرِكَ ◌ِاَللَّهِ مِن شَىْءٍّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَصَحِ السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرُّ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِة إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنِ سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ، يَصَحِ السِّجْنِ أَمََّ أَحَدُ كُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ، خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ. قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ [يوسف: ٣٦-٤١]. ٤١ ذكر القرآن الكريم قصة هذين الشابين اللذين دخلا السجن مع يوسف عليه السلام، قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه(١). وقد قيل: إن الخباز وضع السم في (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٨٧. الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي: أيها الملك لا تأكل؛ فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب، فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب، فشرب فلم یضره، وقال للخباز: كل، فأبى فجرب الطعام على حيوان، فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف(٢). قال الخباز ليوسف عليه السلام: رأيت كأني اختبرت في تنانير ثلاثة، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي، فجاء الطير فأكل منه، وقال الآخر: رأيت كأني أخذت عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته، فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: ﴿إِنّ آَرَانِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أي: عنبًا(٣). قالا له: ﴿يَبِّثْنَا بِتَأْوِيلِ* إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم (٤). (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٨٩. (٣) المصدر السابق ٩/ ١٩٠. وسمي العنب خمرًا باعتبار ما سيؤول اليه. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٨٧- ٣٨٨. www. modoee.com ٣٢١ حرف الراء قال الألوسي: وأما رؤيا صاحبي السجن قوم: إنما سأله الفتيان عن رؤيا كانا رأياها على صحة وحقيقة، وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها(٣). فقد لبث علیه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين، وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له، وتنبيه على أنه تعالى إنما أتاه ما آتاه لكونه محسنًا في أعماله متقنًا في عنفوان أمره، ومن هنا قال الحسن: من أحسن عبادة الله سبحانه في شبیبته آتاه الله تعالى الحكمة في اکتهاله(١). قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي کنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيت شيئًا، قال: رأيت أو لم تر ﴿قُضِىَ اْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(٢). وقد ذكر أهل التفسير قولین في رؤيا صاحبي السجن، الأول لابن عباس رضي الله عنهما ومن تابعه بأن رؤيا صاحبي السجن رؤيا صحيحة، والثاني لابن مسعود رضي الله عنه ومن تابعه بأن رؤيا صاحبي السجن رؤيا كذب. روى الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، وإنما كانا تحالما ليجربا علمه، وقال (١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٤٠٠. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩٣. قال ابن کثیر: «والمشهور عند الأکثرین ما ذكرناه، وأنهما رأيا منامًا، وطلبا تعبيره))(٤). قال القرطبي: «قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق، رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها)»(٥). ونقل القرطبي عن العلماء قولهم: ((إن قیل: من کذب في رؤیاہ ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حکم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال: تحقيقًا لنبوته، فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تکفر، ثم تؤمن ثم تکفر، ثم تموت كافرًا، فقال الرجل: ما رأيت شيئًا، فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف، قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدثًا)»(٦). (٣) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٩٦. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٣٨٨. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٨٩ - ١٩٠. (٦) المصدر السابق ٩/ ١٩٣. ٣٢٢ جَوَبُوبَرُ النَّفْسِيَّة القرآن الكريمِ