Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الزُّوَّ
عناصر الموضوع
مفهوم الرؤيا
٢٨٤
الرؤيا في الاستعمال القرآني
٢٨٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٨٦
أنواع الرؤيا
٢٨٩
٢٩٦
الرؤيا والنبوة
٣١٧
رؤيا ملك مصر وفتيانه
٣٢٤
الأصول القرآنية في تعبير الرؤى
المُجَلَّدُ الخَامِسْ عَشَر
رؤيا

حرف الراء
مفهوم الرؤيا
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن منظور: ((والرؤيا ما رأيته في منامك ... وهي الرؤى، ورأيت عنك رؤى حسنة
حلمتها، وأرأى الرجل إذا كثرت رؤاه بوزن رعاه، وهي أحلامه، جمع الرؤيا، ورأى في منامه
رؤيا على فعلى بلا تنوين، وجمع الرؤيا رؤى بالتنوين مثل رعى))(١).
وقال الفراهيدي: ((ولا تجمع الرؤيا، ومن العرب من يلين الهمزة فيقول: رويا، ومن
حول الهمزة فإنه يجعلها ياءً، ثم يكسر فيقول: رأيت ريًا حسنة، والري ما رأت العين من حال
حسنة من المتاع واللباس)) (٢).
وقال الفراء: ((إذا تركت العرب الهمزة من الرؤيا قالوا: الرويا، طلبًا للخفة، فإذا كان من
شأنهم تحويل الواو إلى الياء قالوا: (لا تقصص رياك) في الكلام، وأما في القرآن فلا يجوز.
قال: ولا تجمع الرؤيا، وقال غيره: تجمع الرؤيا: رؤى، كما يقال: عليا، وعلى)).(٣)
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يوجد فرق كبير بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، لأنها لا تعدو معنى ما يراه
المرء في النوم.
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٩١.
(٢) العين، الفراهيدي ٨/ ٣٠٧.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١٥/ ٢٢٨.
٢٨٤
جوبي
القرآن الكريم

الرؤيا
الرؤيا في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رأي) في القرآن الكريم (٣٢٧) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٢)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَاءِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
٤
تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]
﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا أَلَّتِيّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾
الفعل الماضي
١
[الإسراء: ٦٠]
٤٣
المفرد
٧
[يوسف: ٤٣]
وجاءت الرؤيا في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: ما يراه الإنسان في منامه(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٨٠-٢٨٥.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٩٧.
www. modoee.com
٢٨٥
المثال
الفعل المضارع
﴿وَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءٌ يَنَىَ إِن كُنتُمْ لِلْزَّةِ يَا تَعْبُرُونَ

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
الحلم:
١
الحلم لغة:
الحلم بالضم والحلم بضمتين: الرؤيا، وجمعها الرؤى، وهي أحلامٌ، حلم في نومه
واحتلم وتحلم وانحلم، وتحلم الحلم: استعمله وحلم به، وعنه: رأی له رؤيا أو رآه في
النوم(١).
قال الليث: ((الحلم الرؤيا، يقال: حلم يحلم إذا رأى في المنام، والحلم: بضم الحاء
واللام أو ضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم، والحلم: بكسر الحاء وسكون اللام
هو الأناة والعقل»(٢).
الحلم اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، إلا أنه غلب في الاستعمال الشرعي على ما يراه النائم من
الشر والقبيح.
الصلة بين الرؤيا والحلم:
قال ابن الاثير: ((الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه، لكن غلبت الرؤيا على ما
يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى:
﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمِ﴾ [يوسف: ٤٤]. ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر))(٣).
ويؤيده الحديث النبوي: (الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم فليتعوذ
منه، وليبصق عن شماله، فإنها لا تضره) (٤).
قال ابن حجر: ((إن التي تضاف إلى الله لا يقال لها: حلم، والتي تضاف للشيطان لا يقال
لها: رؤیا، وهو تصرف شرعي وإلا فالکل یسمی رؤیا»(٥).
(١) القاموس المحيط، الفيرزوآبادي ص ١٠٩٦.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٥/ ٦٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الجزري ص ١٠٣٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة، ٢٥٦٣/٦، رقم ٦٥٨٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، ١٧٧١/٤، رقم ٢٢٦١.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ١٢ / ٣٦٩.
جَوَسُولَةُ النَّقسيمة
القرآن الكريمِ
٢٨٦

الرؤيا
الرؤية:
٢
الرؤية لغة:
وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر
الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر.
الرؤية اصطلاحًا:
هو ((المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة))(١).
الصلة بين الرؤيا والرؤية:
إن الاستعمال الشائع للفظة ((الرؤيا)» هو ما يراه الإنسان في النوم، وأما معنى ((الرؤية)» فهو
ما يراه الإنسان بحاسة بصره، أي: بعينه، وما يراه بقلبه، أي: فكره، وفرق بين الرؤيا والرؤية
بتاء التأنيث للفرق بين ما يراه النائم وما يراه اليقظان.
قال ابن حجر: «وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه، وهي بوزن فعلی، وقد تسهل
الهمزة، وقال الواحدي: هي في الأصل مصدر كاليسرى، فلما جعلت اسمًا لما يتخيله النائم
أجريت مجرى الأسماء»(٢).
قال الفيروز آبادي: ((الرؤية: النظر بالعين وبالقلب))(٣).
قال الراغب: ((والرؤية: إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس، والأول:
بالحاسة وما يجري مجراها، نحو ﴿لَتَرَوُنَّ لْجَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
[التكاثر: ٦-٧]. والثاني: بالوهم والتخيل، نحو أرى أن زيدًا منطلق، والثالث: بالتفكر، نحو
﴿إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]. والرابع: بالعقل، وعلى ذلك قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىّ
[النجم: ١١]) (٤)
٠
١١
قال ابن حجر نقلًا عن بعض العلماء: ((وقد تجيء الرؤية بمعنى الرؤيا، كقوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِيِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]))(٥).
(١) التعريفات، الجرجاني ص١٠٩.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١٢/ ٣٥٢.
(٣) القاموس المحيط، الفيرزوآبادي ص ١٢٨٥.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٧٤.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ١٢/ ٣٥٢.
www. modoee.com
٢٨٧

حرف الراء
الوحي:
٣
الوحي لغة:
الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. يقال:
وحیت إليه الكلام وأوحیت، وهو أن تكلمه بكلام تخفیه(١).
الوحى اصطلاحًا:
قال الزرقاني: ((الوحي في لسان الشرع أن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما
أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر))(٢).
الصلة بين الرؤيا والوحى:
الرؤيا في حق الأنبياء عليهم السلام وحي، وأما غيرهم فليست وحيًا، ولكنها من
البشارات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا
من النبوة)(٣).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٧/ ٣٧٠، لسان العرب، ابن منظور ١٥/ ٣٧٩.
(٢) مناهل العرفان، الزرقاني ١ / ٦٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة، ٣١/٩، رقم ٦٩٨٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، ٤/ ١٧٧٣، رقم ٢٢٦٣.
٢٨٨
جَوَسُولَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم

الرؤيا
أنواع الرؤيا
إن النبي صلی الله عليه وسلم قسم الرؤيا
إلى ثلاثة أقسام، منها ما تكون رؤیا صادقة،
ومنها ما يكون من فعل ابليس، ومنها ما
يكون من حديث النفس.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والرؤيا
ثلاثة: فرؤیا صالحة بشری من الله، ورؤيا
تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث
المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم
فليصل، ولا يحدث بها الناس)(١).
قال ابن القيم: ((والرؤيا كالكشف، منها
رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني)) (٢).
ولم يحك القرآن الكريم من هذه الأنواع
إلا النوع الأول، وجاء ذكر أضغاث الأحلام
عرضًا على لسان حاشية ملك مصر تارة،
وعلى لسان المشركين تارة أخرى، كما
سيأتي.
أولًا: الرؤيا الصالحة:
الرؤيا الصالحة هي الرؤيا الصادقة
ومعنى الصادقة: المطابقة للواقع، وهي
الرؤيا الحق، لأنها تقع كما هي، وهي
الرؤيا الحسنة أيضًا، باعتبار حسن ظاهرها،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، ٤/
١٧٧٣، رقم ٢٢٦٣.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١ / ٥١.
أو حسن تأويلها، وهذه هي الأسماء
والأوصاف النبوية التي أطلقت على الرؤيا
الصالحة.
وكل الرؤى التي تناولها القرآن الكريم
کانت عبارة عن رؤی صادقة، فقد قص علينا
رؤى سيدنا إبراهيم ويوسف ومحمد عليهم
الصلاة والسلام رؤاهم الصالحة، وكانت
رؤيا الفتيان ورؤيا ملك مصر من الرؤى
الصادقة كذلك، وسيأتي الكلام على ذلك
بالتفصيل في المباحث اللاحقة.
قال المهلب: ((الرؤيا الصالحة هي تباشير
النبوة؛ لأنه لم يقع فيها ضغٹ فيتساوى مع
الناس في ذلك، بل خص صلى الله عليه
وسلم بصدقها كلها))(٣).
وهي أول ما بدئ الوحي بها، واستمرت
مدة ستة أشهر من ربيع الأول إلى شهر
رمضان المبارك حيث جاءه الوحي الصريح.
وإنما اقتصر الوحي في بدايته على الرؤيا
فقط مراعاة لسنة التدرج، وتلطفًا وإيناسًا له
صلى الله عليه وسلم، ورفقًا به، لئلا يفجأه
الملك یقظة فیشق علیه، فکان لا یری رؤيا
إلا جاءت مثل فلق الصبح، أي: فكانت رؤياه
صلی الله عليه وسلم كلها صحيحة صادقة،
لا یری رؤیا إلا تحقق تفسیرها وظھر، کما
يظهر الصباح في هذا الوجود (٤).
(٣) عمدة القاري، العيني ١/ ٥٣.
(٤) منار القاري، حمزة قاسم ١/ ٣٤.
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الراء
أخرج البخاري ومسلم من حديث وهي على ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب
استواء الحال في حقهم، وفسقة، والغالب
عائشة رضي الله عنها قالت: (کان أول ما
بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤياهم الأضغاث ، ويقل فيها الصدق،
وكفار، ويندر في رؤياهم الصدق جدًا)»(٣).
الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا
إلا جاءت مثل فلق الصبح)(١).
ويكفي الرؤيا الصالحة أنها مضافة إلى
وفي صحيح البخاري جاء وصفها الله عز وجل إضافة تشريف، وكما جاء ذلك
بالرؤيا الحسنة، فعن أنس بن مالك رضي
الله عنه: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء
من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)(٢).
قال المهلب: ((المراد غالب رؤيا
الصالحين، وإلا فالصالح قديرى الأضغاث،
ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم،
بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر
لغلبة تسلط الشيطان عليهم، فالناس على
هذا ثلاث درجات الأنبياء ورؤياهم كلها
صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير،
والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق،
وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن
عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كأن بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ١/ ٤، رقم ٣،
ومسلم في صحيحه، کتاب الإيمان، باب بدء
الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
١/ ١٣٩، رقم ١٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب رؤيا الصالحين، ٦/ ٢٥٦٢، رقم
٦٥٨٢.
في الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله عنه
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (الرؤيا
الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا
حلم فلیتعوذ منه ولیبصق عن شماله، فإنها لا
تضره) (٤).
وإنها جزء من أجزاء النبوة كما تقدم،
وإنها من مبشرات النبوة التي يبشر بها
المؤمن، فعن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: (کشف رسول الله صلی الله عليه وسلم
الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال:
(أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا
الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له)(٥).
والرؤيا الصالحة من النعم الإلهية التي
تستحق الشكر، ولهذا یستحب لمن رأى رؤيا
صالحة تسر بها نفسه أن يشكر اللهعليها؛ لأنها
نعمة، وأن يحدث بها أحبابه الذين يثق بهم،
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٢/ ٣٦٢.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع
والسجود، ١/ ٣٤٨، رقم ٤٧٩.
٢٩٠
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الرفيا
ويطمئنإلى علمهم ورجاحةعقلهم(١).
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
أنه سمع رسول الله صلی الله عليه وسلم
يقول: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها
من الله، فليحمد الله علیها وليحدث بها،
وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من
الشيطان، فليستعذ من شرها ولا يذكرها
الأحد، فإنها لن تضره)(٢).
أقسام، منها: إلهام يلقيه الله سبحانه في قلب
العبد، وهو كلام یکلم به الرب عبده في
المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره،
ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل
بها، ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى
من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، ومنها:
عروج روحه إلى الله سبحانه وخطابها له،
ومنها: دخول روحه إلى الجنة ومشاهدتها
وغير ذلك، فالتقاء أرواح الأحياء والموتى
نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند
الناس من جنس المحسوسات)»(٣).
ومن علامات الرؤيا الصالحة تواتر
المسلمين عليها، كما حصل للصحابة رضي
الله عنهم في رؤاهم لليلة القدر في السبع
(١) منار القاري، حمزة قاسم ٥/ ٣٤٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها،
٦/ ٢٥٨٢، رقم ٦٦٣٨.
(٣) الروح، ابن القيم ص ٢٩.
الأواخر، فقد روى ابن عمر رضي الله
عنهما أن رجالًا من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في
السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في
السبع الأواخر، فمن كان متحریها فليتحرها
في السبع الأواخر) (٤).
قال ابن القيم: ((فإذا تواطأت رؤيا
قال ابن القيم: ((والرؤيا الصحيحة المؤمنين على شيء، كان كتواطؤ روايتهم له
و کتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه،
وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن،
وما رأوه قبیحًا فهو عند الله قبيح»(٥).
ومن علامات الرؤيا الصادقة صدق
الحدیث، فمن کان أصدق الناس حديثًا كان
أصدقهم رؤیا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
قترب الزمان لم تکد رؤيا المسلم تكذب،
وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا)(٦).
قال النووي: ((ظاهره أنه على إطلاقه،
وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صلاة
التراويح، باب التماس ليلة القدر في السبع
الأواخر، ٧٠٩/٢، رقم ١٩١١، ومسلم في
صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر
والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى
أوقات طلبها، ٨٢٢/٢، رقم ١١٦٥.
(٥) الروح، ابن القيم ص ٩.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا،
٤/ ١٧٧٣، رقم ٢٢٦٣.
www. modoee.com
٢٩١

حرف الراء
يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم
وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء
بقوله وعمله، فجعله الله تعالی جابرًا
وعوضًا ومنبها لهم، والأول أظهر»(١).
وقال ابن القيم: «والذي هو من أسباب
الهداية هو الرؤيا التي من الله خاصة، ورؤيا
الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان،
وهذا باتفاق الأمة؛ ولهذا أقدم الخلیل على
ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا،
وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي
الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها.
قلنا: متی کانت کذلك استحال مخالفتها
للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له منبهة علیه
أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه
لم یعرف الرائي اندراجها فيه فيتنبه بالرؤيا
على ذلك، ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر
والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبل
رؤياه لا تكاد تكذب ألبتة))(٢).
ثانيًا: حديث النفس:
ولم يرد شيء من هذا النوع ((حديث
النفس)) في القرآن الكريم، إلا أن النبي
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٢٠.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥١ - ٥٢.
عليه الصلاة والسلام بين المقصود من
رؤيا حديث النفس بأنها: (ورؤيا يحدث
بها الرجل نفسه) وجاءت بلفظ آخر وهي:
(ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في
منامه).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله علیه وسلم: (والرؤيا
ثلاثة: فرؤیا صالحة بشری من الله، ورؤبا
تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث
المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم
فليصل، ولا يحدث بها الناس)(٣).
وفي سنن أبي داود عن أبى هريرة رضي
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا
صادقة أو تواطأت؟
الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن
تكذب، وأصدقھم رؤیا اصدقهم حديثًا،
والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من
الله، والرؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما
یحدث به المرء نفسه، فإذا رأی أحدكم ما
الصدق وأكل الحلال والمحافظة على الأمر يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس) (٤).
وعند ابن ماجه والطبراني عن عوف بن
القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (إن الرؤيا ثلاث منها
أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم،
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا،
٤/ ١٧٧٣، رقم ٢٢٦٣.
(٤) أخرجه أبو داود ، في سننه، ٤/ ٤٦٢،
والترمذي في سننه، ٤/ ٥٣٢.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
٢٩٢
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

الرفيا
ومنها ما يهم به الرجل في يقظته، فيراه في هم به، أو عزم على فعله، أو انشغل فكره
بما له تعلق بمزاجه أو عادته المستمرة، وما
منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من
النبوة)(١).
إلى ذلك، فقد حدث به نفسه، فإذا رأى ذلك
الأمر في منامه، فإن رؤياه من قبيل الأحلام
النفسية (٥).
قال القاضي عياض: ((إن ما يكون من
الأخلاط من باب ما يحدث به المرء نفسه،
لأن غلبة حديث المرء عليه في يقظته تعتريه
في نومه حتی یسمعه يتكلم به، وقد يعتريه
عند شدة مرضه وبرسامة إغمائه حتى في
صحته عند اشتغال سره، يتكلم بشيء مع
غيره، فيقلب اللفظ ويغير الخطاب ببعض
الكلمات والأسماء التي يحدث بها المرء
نفسه، و کذلك غلبة الخلط علیه هو من هذا
الباب))(٢).
يكون في مهم، فيرى ما يتعلق به في
النوم»(٣).
قال القرطبي: «ويدخل فيه ما يلازمه في
يقظته من الأعمال والعلوم والأقوال، وما
يقوله الأطباء من أن الرؤيا من خلط غالب
على الرائي)) (٤).
والمراد هنا: جميع الأحلام الناشئة عن
أمور نفسية، فمن أراد أمرًا ما، أو تمناه، أو
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب تعبير الرؤيا،
باب الرؤيا ثلاث، ٢/ ١٢٨٥، رقم ٣٩٠٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٤ / ٤٨٧، رقم ١٨٧٠.
(٢) إكمال المعلم، القاضي عياض ٧/ ٢١٥.
(٣) عون المعبود، العظيم الآبادي ١٣/ ٢٤٧.
(٤) فيض القدير، المناوي ٤ / ٤٧.
وهي كما وصفت في الحديث الشريف،
مما يحدث به المرء نفسه، أو ما يهم به في
يقظته، فيراه في منامه، فهي ما يراه في منامه
مما يقع له في مجريات حياته، من الخواطر
التي تجري من غير قصد، وهذا كثير في
مرائي الناس، كمن يرى أنه يأكل ويشرب
ونحو ذلك مما تحدث به نفسه فى اليقظة.
وعلامة هذا القسم أنه من الأمور
قال العزيزي: ((وهو ما كان في اليقظة المباحة، فلا يسر كحال الرؤية الصالحة،
ولا يحزن كالتي من الشيطان، ومثلها الهم
والخواطر في اليقظة، وهذا القسم لا حكم
له ولا دلالة له (٦).
ثالثًا: أضغاث الاحلام:
قال ابن فارس: ((والضغث يدل على
التباس الشيء بعضه ببعض، يقال للحالم:
أضغثت الرؤيا، والأضغاث الأحلام
الملتبسة، والضغث قبضة من قضبان أو
حشيش، والأضغاث جمع ضغث))(٧).
(٥) دراسة أحاديث: الرؤيا من أجزاء النبوة
ص١٠.
(٦) الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين
ص ١١٣ - ١١٤.
(٧) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٣٦٣.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الراء
قال الأزهري: ((وكذلك أضغاث الرؤيا بأنها الأضغاث المهوشة والهواجس
المختلطة، وتأتي في المواضع الثلاثة
بصيغة الجمع، دلالة على الخلط والتهويش
لا يتميز فيه حلم من آخر)»(٣).
اختلاطها والتباسها، وقال مجاهد: أضغاث
الرؤیا أهاويلها. وقال غيره ما لا تأويل له.
قال: وإنما سميت أضغاث أحلام لأنها
مختلطة، فدخل بعضها في بعض، وليست
كالصحيحة من الرؤيا))(١).
قال ابن جريج: قال لي عطاء: إن أضغاٹ
الأحلام الكاذبة المخطئة من الرؤيا.
وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس
قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث
أحلام، يعني بها: الكاذبة. وقال الهروي:
قوله تعالى ﴿أَضْغَاتُ أَعْلَمِ﴾ أي: أخلاط
أحلام(٢).
وقد جاء هذا الوصف في القرآن الكريم
مرتين، مرة في في شأن يوسف عليه السلام
مع ملك مصر، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَضْغَاتُ
أَحْلَِ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ ﴾
[يوسف : ٤٤].
ومرة في حكاية سخرية كفار قريش بما
جاء به رسول الله صلی الله عليه وسلم، قال
تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ آَفْتَرَتُهُ
بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
﴾ [الأنبياء: ٥].
قالت د. عائشة بنت الشاطيء: ((استعمل
القرآن الأحلام ثلاث مرات، يشهد سياقها
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ٨/ ٤٩.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩٩.
جوببيو
القرآن الكريم
وقد عرفتها السنة النبوية بأنها تحزين من
الشيطان، كما مر في حديث أبي هريرة رضي
الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (ورؤيا تحزين من الشيطان، فمن
رأى ما يكره فليقم فليصل) (٤).
ووردت في رواية عوف بن مالك رضي
الله عنه بأنها أهاويل من الشيطان ليحزن بها
ابن آدم، كما مرت الرواية عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الرؤيا
ثلاث، منها أهاویل من الشيطان لیحزن بها
ابن آدم)(٥) .
ورواها ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك
رضي الله عنه بلفظ: تخويف من الشيطان،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا
على ثلاثة، منها تخويف من الشيطان ليحزن
بها ابن آدم، ومنها الأمر يحدث به نفسه في
اليقظة فيراه في المنام، ومنها جزء من ستة
وأربعين جزءًا من النبوة)(٦).
وأضغاث الأحلام: هي الأحلام
(٣) الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق
ص ٢١٥.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٦/ ١٨١.
٢٩٤

الرؤيا
الشيطانية التي يصورها الشيطان للإنسان الموت المحقق؛ لأن الوهم وحش كاسر
في أثناء نومه أشكالا مختلفة من الأشباح
المخيفة، التي تؤذي النائم، وتثير في
نفسه الآلام والمخاوف، وتسبب له القلق
النفسي، فقد یری أسدًا یفترسه، أو عدوًا
يقتله، وما هي إلا مجرد خيالات لا تمت
إلى الواقع بصلة (١).
وفي كل الروايات نص بأنها من إفزاع
من الشيطان الرجيم، وأن الشيطان يصور
للإنسان في منامه ما یخوفه، ولهذا یستحب
لمن رأى شيئًا من ذلك أن يستعيذ بالله
تعالى من شرها، وذلك كما رواه البخاري
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله،
فليحمد الله علیھا ولیحدث بها، وإذا رأی
غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان،
فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد، فإنها
لن تضره)(٢).
وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم
بالتعوذ منها مع أنها خيال لا حقيقة، له
ليتخلص من تأثيرها النفسي وما تحدثه
من وساوس وأوهام وآلام نفسية قد تؤدي
بصاحبها إذا استسلم لها إلى الجنون أو
(١) منار القاري، حمزة قاسم ١/ ٤٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها،
٦/ ٢٥٨٢، رقم ٠٦٦٣٨
يقتل صاحبه ويفتك به، فالتعوذ من هذه
الرؤى يقضي على آثارها النفسية، ويخلص
المرء من شرها، كما روي عن أبي سلمة
رضي الله عنه أنه قال: لقد كنت أری الرؤيا
فتمرضني، حتى سمعت أبا قتادة رضي الله
عنه يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا، فتمرضني
حتی سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
يقول: (الحلم من الشيطان)(٣)، فما كنت
أباليها، أي: فما عادت تخيفني لقناعتي نفسيًا
بعدم تأثيرها سيما بعد الاستعاذة منها (٤).
إن للرؤيا الفاسدة أمارات يستدل بها
عليها، فمنها أن يرى ما لا يكون كالمحالات
وغيرها مما يعلم أنه لا يوجد بأن الله سبحانه
وتعالی علی صفة مستحیلة علیه، أو یری نبيًا
يعمل عمل الفراعنة، أو یری قولًا لا يحل
التفوه به(٥).
ومن الأضغاث ما رواه مسلم عن جابر
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال الأعرابي جاءه فقال: إني
حلمت أن رأسي قطع فأنا أتبعه، فزجره النبي
صلى الله عليه وسلم وقال: (لا تخبر بتلعب
الشيطان بك في المنام)(٦).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) منار القاري، حمزة قاسم ١ / ٤٤.
(٥) أدب المفتي والمستفتي، ابن الصلاح
ص١٤٣.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا،
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الراء
قال ابن الجوزي: ((وهذا تنبيه على أن
کل رؤيا كانت من هذا الجنس، فلا ينبغي أن
يتحدث بها، فإنها من الشيطان))(١).
قال المازري: ((يحتمل أن النبي صلى الله
عليه وسلم علم أن منامه هذا من الأضغاث
بوحي أو بدلالة من المنام دلته على ذلك،
أو على أنه من المکروه الذي هو من تحزین
الشياطين))(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم أن عمر بن
الخطاب قال: ((العجب من رؤيا الرجل،
إنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على باله
فتكون رؤیا کأخذ بالید، ویری الرجل الرؤيا
فلا تكون رؤياه شيئًا! فقال علي بن أبي
طالب، أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين،
يقول الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِىِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ
الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَى
أَجَلِ مُسَمَّى﴾ [الزمر: ٤٢
فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأت
وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة،
وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها
الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها
بالأباطيل فكذبت فيها، فعجب عمر من
قوله))(٣).
باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام،
١٧٧٦/٤، رقم ٢٢٦٨.
(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن
الجوزي ٣ / ٩٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/ ٢٧.
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٢٥٢.
الرؤيا والنبوة
لقد كان الرؤيا الصالحة نصيب من النبوة
في القرآن الكريم؛ لأنها من الوحي بالنسبة
للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي من
المبشرات بالنسبة لغيرهم، وستتناول رؤى
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في النقاط
الأتية.
أولًا: رؤى الانبياء وحي:
الرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي
للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهذا
عنون الإمام البخاري في أول صحيحه
(کتاب بدء الوحي) وبوب له (باب كيف
كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم)، والمناسبة في ذلك أنه ذكر
حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى
الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في
النوم، فكان لا یری رؤيا إلا جاءت مثل فلق
الصبح)(٤).
والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص
بالتشبيه؛ لظهوره الواضح الذي لا شك فيه.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ١/ ٤، رقم ٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء
الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
١/ ١٣٩، رقم ١٦٠.
٢٩٦
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ

الرؤيا
قال ابن عباس: «رؤيا الأنبياء وحي﴾(١).
قال الحافظ ابن حجر: ((ورؤيا الأنبياء
وحي، بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله
خلل؛ لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير
الأنبياء، فإنها قد يحضرها الشيطان»(٢).
و کذلك فإن أعينهم تنام، ولکن قلوبهم لا
تنام، كما ثبت في الصحيحين أن عائشة رضي
الله عنها سئلت کیف کانت صلاة رسول الله
صلی اللهعليه وسلم في رمضان؟ فقالت: (ما
کان رسول الله صلی الله عليه وسلم يزيد في
رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة،
يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم
يصلي أربعًا، فلاتسل عن حسنهن وطولهن، ثم
يصلي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله
أننام قبل أن توتر؟ فقال: (باعائشة إن عيني تنامان
ولا ينام قلبي) (٣).
قال ابن عاشور: «وكان أول ما بدیء
به رسول الله صلی الله علیه وسلم الرؤيا
الصادقة، ولکن الشریعة لم يوح بها إليه إلا
في اليقظة مع رؤية جبريل دون رؤيا المنام،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٩/٤.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١٢/ ٣٥٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أبواب
التهجد، باب قيام النبي صلى الله عليه
وسلم بالليل في رمضان وغيره، ٢/ ٥٣، رقم
١١٤٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد
ركعات النبي صلى الله عليه وسلم، ٥٠٩/١،
رقم ٧٣٨.
وإنما كانت الرؤيا وحیًا له في غير التشريع،
مثل الكشف على ما يقع، وما أعد له،
وبعض ما يحل بأمته، أو بأصحابه، فقد رأى
في المنام أنه یهاجر من مكة إلى أرض ذات
نخل، فلم يهاجر حتى أذن له في الهجرة،
کما أخبر بذلك أبا بکر رضي الله عنه، ورأی
بقرًا تذبح، فكان تأويل رؤیاه من استشهد من
المسلمين يوم أحد))(٤).
والملاحظ أن الرؤيا الصالحة لم ترد في
جواب النبي عليه الصلاة والسلام حينما
سأله الحارث بن هشام رضي الله عنه كيف
يأتيك الوحي؟ قال صلى الله عليه وسلم:
(أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو
أشد علي، فیفصم عني وقد وعیت ما قال،
وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني
فأعي ما يقول)، قالت عائشة رضي الله
عنها: (ولقد رأیته ینزل عليه الوحي في اليوم
الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد
عرقًا)(٥).
لأن الرؤيا قد يشاركه فيها غيره،
والمقصود من الرؤيا الصادقة هو اعتبار
صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى
نبيًا، وعلى هذا الأساس ذهب أهل العلم إلى
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح اليه
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ١٥٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كأن بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ١/ ٤، رقم ٣.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف الراء
بالقرآن الكريم في النوم عن طريق الرؤيا، لعمر بن الخطاب رضي الله عنه)(١).
أما غير القرآن فهذا هو المقصود بالوحي،
لأنه لا خلاف بين أهل العلم في أن رؤیا
الأنبياء وحي لما تقدم من حديث البخاري
في کتاب بدء الوحي، وكذلك هي داخلة في
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
وَحْيَّ أَوْ مِن وَرَآعٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ
بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١].
كما تقدم في المبحث الأول في العلاقة
بین الرؤيا والوحي.
ولأن إبراهيم عليه السلام ما كان ليذبح
ابنه بسبب رؤيا رآها لولا أن تلك الرؤيا من
الوحي.
قال تعالى: ﴿فَلَمَا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبْنَىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَى ◌ّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ
[الصافات: ١٠٢].
١٠٢
اللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ
ورؤيا الأنبياء عليهم السلام حق أيضًا،
قال تعالى في رؤيا يوسف عليه السلام:
﴿وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَنَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
رَبِّ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
وعن معاذ رضي الله عنه قال: (إن كان
عمر لمن أهل الجنة، إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان ما رأى في يقظته أو
نومه فهو حق، وإنه قال: (بينما أنا في الجنة
إذ رأيت فيها دارًا، فقلت: لمن هذه؟ فقيل:
وهي صدق أيضًا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ
صَدَفَ اَللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ
رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ
تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا
[الفتح: ٢٧].
والرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه
وسلم كثيرة، وقد عدها العلماء من دلائل
نبوته عليه الصلاة والسلام؛ لتضمنها أمورًا
غيبية مستقبلية، وتحقق وقوعها كلها كما
رآها عليه الصلاة والسلام وكما عبرها،
ولنكتفي بذكر بعض الأمثلة من الصحيح
على ذلك، ففي حديث أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (رأيت في المنام أني أهاجر
من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي
إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة
يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت
سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من
المؤمنین یوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد
أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من
الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا
والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد،
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٦/ ٤٣١، رقم
٢٢١٢٠.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٤/٩: رواه
أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.
٢٩٨
جوبيهـ
القرآن الكريمِ

الرؤيا
وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب
الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر)(١).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يدخل على أم حرام بنت ملحان، وكانت
تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يومًا،
فأطعمته وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو
يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا
رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي عرضوا
علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا
البحر ملوگاً على الأسرة أو مثل الملوك على
الأسرة)، قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله
أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ
وهو يضحك، فقلت: ما يضحكك يا رسول
الله؟ قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة
في سبيل الله) كما قال في الأولى، قالت:
فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني
منهم، قال: (أنت من الأولين)، فركبت البحر
في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن
دابتها حين خرجت من البحر فهلكت)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب علامات النبوة في الاسلام، ٣/ ١٣٢٦،
رقم ٣٤٢٥، ومسلم في صحيحه، كتاب
الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم،
١٧٧٩/٤، رقم ٢٢٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب الرؤيا بالنهار، ٦ / ٢٥٧٠، رقم ٦٦٠٠،
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطيت
مفاتیح الکلم، ونصرت بالرعب، وبينما أنا
نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض
حتى وضعت في يدي). قال أبو هريرة:
فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأنتم تنتقلونها(٣).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(رأیت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار
عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن
طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة
في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)(٤).
ثانيًا: رؤيا إبراهيم عليه السلام:
قال تعالى: ﴿فَلَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبْنَىَّ إِنْ أَرَىْ فِى الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا
تَرَّ قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُِّيِّ إِن شَآءَ
[الصافات: ١٠٢].
١٠٢
اُللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
إن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصة
سیدنا إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل
عليه السلام، منذ أن سأل إبراهيم عليه السلام
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضل
الغزو في البحر، ١٥١٨/٣، رقم ١٩١٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب رؤيا الليل، ٦/ ٢٥٦٨، رقم ٦٥٩٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب
رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، ٤ / ١٧٧٩،
رقم ٢٢٧٠.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الراء
الله عز وجل أن يرزقه ولدًا من الصالحين،
فبشره الله تعالى بذلك ورزقه غلامًا حلیمًا،
ولما کبر وترعرع وبلغ السعي مع أبيه وصار
يقضي شؤونه، رأى أبوه إبراهيم عليه السلام
رؤیا، وقال له: يا بني إني أرى في المنام أني
أذبحك فانظر ماذا ترى، وكان عمر إسماعيل
علیه السلام يومئذ ثلاث عشرة سنة، كما
تذكر ذلك كتب التفاسير (١).
قال ابن عاشور: ((والنظر هنا نظر العقل
لا نظر البصر، فحقه أن یتعدی إلی مفعولین،
ولكن علقه الاستفهام عن العمل، والمعنى
تأمل في الذي تقابل به هذا الأمر، وذلك لأن
الأمر لما تعلق بذات الغلام، كان للغلام حظ
في الامتثال، وكان عرض إبراهيم هذا على
ابنه عرض اختبار لمقدار طواعیته بإجابة أمر
الله في ذاته، لتحصل له بالرضى والامتثال
مرتبة بذل نفسه في إرضاء الله، وهو لا
يرجو من ابنه إلا القبول؛ لأنه أعلم بصلاح
ابنه، ولیس إبراهیم مأمورًا بذبح ابنه جبرًا،
بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين: أحدهما
بتلقي الوحي، والآخر بتبليغ الرسول إليه،
فلو قدر عصيانه لكان حاله في ذلك حال
ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه
أبوه، فاعتبر كافرًا))(٢).
قال الطبري: ((اختلفت القراء في قراءة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/
٩٩.
(٢) التحرير والتنوير ٢٣/ ١٥١.
قوله: (ماذا ترى)؟، فقرأته عامة قراء أهل
المدينة والبصرة، وبعض قراء أهل الكوفة:
(فانظر ماذا ترى)؟ بفتح التاء، بمعنى: أي
شيء تأمر، أو فانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك
عامة قراء الكوفة: (ماذا ترى) بضم التاء،
بمعنى: ماذا تشير، وماذا ترى من صبرك
أو جزعك من الذبح؟ والذي هو أولى
القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة
من قرأه: (ماذا ترى) بفتح التاء، بمعنى: ماذا
ترى من الرأي (٣).
فإن قال قائل: أو كان إبراهيم يؤامر ابنه
في المضي لأمر الله، والانتهاء إلى طاعته؟
قيل: لم يكن ذلك منه مشاورة لابنه في طاعة
الله، ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من
العزم: هل هو من الصبر على أمر الله على
مثل الذي هو عليه؟ فيسر بذلك أم لا؟ وهو
في الأحوال كلها ماض لأمر الله)»(٤).
قال الفراء: ((المعنى ماذا تريني من رأيك
أو ضميرك، و(رأى) في الكلام على خمسة
(٣) قال الأزهري: قرأ حمزة والكسائي: (ماذا
تُرِي) بضم التاء وكسر الراء، وقرأ الباقون:
(ماذا تَرَى) بفتح التاء، وأمال أبو عمرو الراء
من (ترى)، وفتحها الباقون، قال أبو منصور:
من قرأ: (ماذا تَرَى) فهو من الرأي، المعنى:
ماذا ترى فيما أمر الله به؟ ومن قرأ: (ماذا
تُرِي) فله وجهان: أحدهما: ماذا تشير؟ وقال
الفراء: معناه: ماذا ترى من صبرك؟ والقراءة
الأولى أجود القراءتين.
معاني القراءات، الأزهري ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٧٥.
٣٠٠
مَوَسُو ◌َر النفسية
القرآن الكريم

الرؤيا
أوجه: بمعنی (أبصر) نحو: رأیت، وبمعنی
(علم) نحو: رأيت زيدًا عالمًا، وبمعنى
(ظن) نحو قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَُ
قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦-٧].
فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى
العلم، وبمعنى اعتقد، وبمعنى الرأي، نحو عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة، ثم
رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره فسمي
قولك: رأيت هذا الرأي.
(٣)
يوم النحر
فأما (رأيت في المنام) فمن رؤية البصر،
فلا يجوز أن تكون (ترى) هاهنا بمعنى
تبصر؛ لأنه لم يشر إلى شيء یبصر بالعین،
ولا يجوز أن تكون بمعنى (علم) أو (ظن)
أو (اعتقد)؛ لأنه هذه الأشياء تتعدى إلى
مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع
استحالة المعنی، فلم يبق إلا أن یکون من
(الرأي)، والمعنى ماذا تراه))(١).
قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه
السلام ثلاث ليال متتابعات، وقال محمد
بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من
الله تعالى أيقاظًا ورقودًا، فإن الأنبياء لا تنام
قلوبهم، وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال
صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء
تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا)(٢).
وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي،
واستدل بهذه الآية، ویقال: إن إبراهيم رأى
(١) النكت في القرآن الكريم، القيرواني ص
٤١٩.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى
١٧١/١، عن عطاء مرسلاً.
في ليلة التروية كأن قائلًا يقول: إن الله يأمرك
بذبح ابنك، فلما أصبح روی في نفسه، أي:
فكر أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟
فسمي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية
رأی ذلك أيضًا، وقيل له: الوعد، فلما أصبح
قال ابن كثير: ((وإنما أعلم ابنه بذلك
ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده
وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى
وطاعة أبيه ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي:
امض لما أمرك الله من ذبحي، ﴿سَتَجِدُنِ إِن
شَآءَ اللّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب
ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات
الله وسلامه عليه فيما وعد؛ ولهذا قال الله
تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ
اَلْوَعْدٍ وَكَانَ رَسُولُاَ نِّيَّا ﴾ [مريم: ٥٤]))(٤).
وعند تفكيك البنية التركيبية في نص
الرؤيا نجدها تضم عشرة أفعال، ثلاثة
منها في الزمن الماضي (قال-أرى-قال)
وأربعة في الزمن المضارع المبني للمعلوم
(أذبحك-ترى-ستجدني- إن شاء) وواحد
للمضارع المبني للمجهول (تؤمر) وفعلا
أمر (أنظر-افعل) في حين اشتملت على
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ١٥/ ١٠٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٢٨.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الراء
خمسة أسماء هي (بني المنام-أبت-الله-
الصابرين) جاءت الأفعال ضعف الأسماء؛
لأن الأفعال تتحرك بين ثلاث: الله يأمر،
إبراهيم يستجيب ويخبر وينفذ، إسماعيل
یستجیب وينفذ.
وبرسم شبكة العلاقات القائمة في الآية
نجد تناغمًا وتجاوبًا کبیرین بین الابن وأبيه،
يتضح ذلك من خلال البيان التالي:
الأب (المرسل):
١. ﴿قَالَ بَبُنَىَّ
٢. ﴿إِنّ أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾
٣. ﴿فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾.
الابن (المستقبل):
١. ﴿قَالَ يَأَبَتِ
٢. ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
٣. ﴿سَتَجِدُِّيِّ إِن شَآءَاللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾.
وهذا يظهر دلالة المحبة والود والقرب
المتحقق بين الأب وابنه، و کأنه يقول له:
أنت ابني قبل كل شيء، وهذه العلاقة هي
التي دفعت الأب لمصارحة ابنه بما رأی،
وكان بإمكانه تنفيذ الرؤيا دون أن يخبر
ولده، ولكن ليتجلى الدرس الأخلاقي
بأجل صورة، ولتظل هذه الصورة ماثلة
أمام کل من يقرأ القرآن الکریم إلی أن يرث
الله الأرض ومن عليها. ثلاث إشارات
بثها الوالد لابنه، وكانت الإستجابة من
الإبن سريعة وشافية لم يهمل أية جزئية من
جزئياتها. هذه العلاقات جاءت في نسيج
الرؤيا نفسها (١).
قال ابن عاشور: ((والمقصود من هذا
الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علو مرتبته
في طاعة ربه، فإن الولد عزيز على نفس
الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد
في مستقبله أشد عزة على نفسه لا محالة،
وقد علمت أنه سأل ولدًا ليرثه نسله ولا يرثه
مواليه، فبعد أن أقر الله عينه بإجابة سؤله
وترعرع ولده، أمره بأن يذبحه فينعدم نسله
ویخیب أمله ویزول أنسه ويتولى بيده إعدام
أحب النفوس إليه، وذلك أعظم الابتلاء
فقابل أمر ربه بالامتثال، وحصلت حكمة الله
من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ
١٠٦ ﴾ [الصافات: ١٠٦].
هَذَا لَّوَ الْبَلَوَّأَ اَلْمُبِينَ
وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي
المنامي إكرامًا لإبراهيم عن أن يزعج بالأمر
بذبح ولده بوحي في اليقظة، لأن رؤى
المنام يعقبها تعبيرها، إذ قد تكون مشتملة
على رموز خفية، وفي ذلك تأنيس لنفسه
لتلقي هذا التکلیف الشاق علیه، وهو ذبح
ابنه الوحيد»(٢).
قال الرازي: ((بيان الحكمة في ورود
هذا التكليف في النوم لا في اليقظة، أن هذا
التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح
(١) الرؤيا في القران ص ٣٤ - ٣٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ١٥٠ -
١٥١.
٣٠٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم