Indexed OCR Text
Pages 21-34
الخيانة أن ترتفع، ویرید للبشرية أن تعف، فلا يبيح الغدر في سبیل الغلب، وهو یكافح لأسمی الغايات وأشرف المقاصد، ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة. إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود، ومن ثمّ لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة، وليس مسلمًا من يبرّر الوسيلة بالغاية، فهذا المبدأ غريب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية؛ لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات. إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل، فإن الشط الممرع لابد أن تلّثه الأقدام الملوثة في النهاية، من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة. ويجب أن نذكر أن هذه الأحكام كانت تتنزل والبشرية بجملتها لا تتطلع إلى مثل هذا الأفق المشرق. لقد كان قانون الغابة هو قانون المتحاربین حتی ذلك الزمان، قانون القوة التي لا تتقيد بقید متى قدرت))(١). ثالثًا: التنكيل بهم: (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٤٢. ومن منهجية التعامل مع الخائنين التي رصدها القرآن الكريم، ودل عليها صريح الآيات وبيّنها سياقها أننا بعد النبذ إليهم على سواء، لابد من مناجزتهم، وعدم تركهم یعیثون في الأرض فسادًا، يفرّخون فسادهم، ويدبّرون مكائدهم، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، كما قالوا في أدبنا العربي؛ ولذلك تجد الآية السابقة عليها في نفس سياقها تقول: ﴿فَإِمَّ نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ يِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾[ الأنفال: ٥٧]. والمعنى: ((نكّل بهؤلاء الذين جاءوا لحربك أو نقضوا عهدك تنكيلًا يفرّق بينهم من خلفهم من جماعاتهم)) (٢). ذلك أن من الناس من لا يرعوي حتى يرى العقوبة ماثلة، بل في ذلك ما يجعلهم عبرة لكل من يجترأ على حرمات الديار وخفر الذمار، كما ختمت الآية بـ ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ((أي: لعل المشردين يتعظون بما شاهدوا ما نزل بالناقضين، فيرتدعوا عن النقض أو عن الكفر))(٣). وفي تذييل الآية الكريمة بعدم حب الله تعالى للخائنين لطائف بديعة، منها أنه تعليل للأمر بالنبذ، وأن الله تعالى لا يحب من كانت الخيانة طبعه، وفيه من طمأنة الرسول ومن سار على منهاجه ما فيه؛ فکون (٢) تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٢٧٤. (٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣١٣/٥. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الخاء هؤلاء الخائنين محرومين من حب الله لهم، يعني أنهم محرومون من الأمن والهداية، ومحرومون من النصر والغلب، وممنوعون من التمكن، فمن حرم حب الله تعالى حرم کل خير، وتخلّت عنه کل سعادة. كما تلمح من هذا التذييل والتعليل البديع إشارة من القرآن الكريم للرسول إننا أمام نظرية قرآنية جامعة ومنهجية متكاملة في التعامل مع الخائنين، سواء كانوا أفرادًا أم دولًا، وسواء كانت الخيانة مادية أم معنوية، إذا أخذ المسلمون بتلك المنهجية في تعاملهم مع هؤلاء الخائنين، كفّوا شرهم، ومنعوا أذاهم، ووأدوا فتنتهم في جحرها، ودفنوها في مهدها، ولا يتنافى هذا بمناجزة قتال الخائنين، وعدم تركهم، ما دام تيقن من عزمهم على الخيانة، ففي التذييل ((تعليل للأمر بالنبذ، إما باعتبار استلزامه النهي عن مناجزة القتال؛ لكونها خيانة، فیکون تحذيرًا له صلی الله عليه وسلم منها، وإما باعتبار استتباعه للقتال، فیکون حثًّا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولًا، وعلى قتالهم ثانيًا، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم مع السماحة والندى، فلكل حلة لبوسها، ولكل عقوبة جزاؤها، وقديمًا كان العرب خيانة فانبذ إليهم، ثم قاتلهم))(١). بفطرتهم الصحيحة يتفهّمون هذا المعنى، ويدركون قيمة القوة في مكانها، والمسامحة في بابها، قال أبو تمام(٤): فقسا لیزدجروا ومن یك حازمًا فليقس أحيانًا على من يرحم (١) المصدر السابق ٥/ ٣١٤. (٢) البحر المحيط ٥/ ٣٤٠. (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠/ ١٢٧. (٤) الفن ومذاهبه في النثر العربي، شوقي ضيف ص٣٢٨. ٢١٠ جَوَسُولَةُ التقنية القرآن الكريم وفي ذلك بيان صريح لمنهجية التعامل مع الخائنين في المستقبل، فيا ليت قومي يعلمون، يقول أبو حيان: ((الظاهر أن هذا استئناف كلام، أخبره الله تعالى بما يصنع في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى سالف الدهر))(٢). بل جعلها صاحب المنار قاعدة، من (القواعد الحربية العسكرية والسياسية) التي اشتملت عليها سورة الأنفال، فقال في (القاعدة التاسعة): ((وجوب معاملة ناقضي العهد بالشدة التي يكونون بها عبرة ونكالًا لغيرهم، تمنعهم من الجرأة والإقدام على مثل خيانتهم بنقضهم، ومنه يظهر الفرق بين تعاليم الإسلام الجامعة بين الحزم والعدل، والشدة والفضل، وبين ما عليه دول المدنية الإفرنجية من القسوة والظلم)»(٣). الخيانة عاقبة الخائنين لله عز وجل في الخائنين سنن ثابتة لا تتحوّل ولا تتبدّل، نصّت عليها آيات القرآن الكريم، ويمكننا أن نتناول تلك العاقبة في النقاط الآتية: أولًا: حرمان الهداية إلى الحق: ومن عقوبات الله تعالى للخائنين: أنه تعالى يحرمهم الهداية إلى الحق، والوصول إلى الصراط المستقيم، فهداية الله نوعان: هداية دلالة وإرشاد. وهداية معونة وتوفيق. فالله تعالى يهدي عباده إلى طريقه المستقيم، ويعينهم على تلك الهداية، أما الناكثون عن طريق الحق، الرافضون لمنهاج الصدق فالله تعالى يكلهم إلى أنفسهم، ويخليهم إلى قدرتهم، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [يونس: ٢٥]. ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءٌ﴾ [القصص: ٥٦]. والآيات الكريمة في ذلك كثيرة. وقد نصّت آيات بعينها على حرمان الخائنين من هداية الله، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْغَاِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. والمعنى: ((لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد مبالغة))(١). ((أي: لا يصلح))(٢)، أو: ((وأن الله لا يوفّق أهل الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم)) (٣)، أو أنه تعالى ((لا يهدي الخائنين بکیدهم»(٤). قال السدي: ((يعني لا يصلح عمل الزناة)) (٥). ومن بدائع القرآن الكريم ومنهاجيته في البيان عن تلك القضية أنه أوردها بصورة قاعدية سننية، تمضي على الجميع، وتعم كل الخائنين، وهذا ما نلمحه من تذييل الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الَِّْنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. فهي واردة في حادثة معينة، ومع ذلك وردت في صورة عامة بتلك الصورة البنائية البيانية المعبّرة. ومن لطائف الكتاب العزيز هنا أنه عبّر عن الزنا بالخيانة؛ ذلك أن هذا الفعل في حق الزوج خيانة، ولعل السر في التعبير بهذه الصيغة التنزه عن ذكر اللفظ في هذا المقام، وإن كان قد ورد في موطن آخر، والتنبيه على استبشاعه؛ حيث جرمه يلحق أكثر من طرف: الزوج، والولي، وكل من (١) البحر المديد، ابن عجيبة ٣/ ١١٤. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١/ ٢٧٤. (٣) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٣٧٧. (٤) النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٤٧. (٥) تفسير ابن أبي زمنين ١/ ٣٠٧. www. modoee.com ٢١١ حرف الخاء يهمه أمرها، بل المجتمع بأسره. كما عبّر عن تيسير الوصول بالهداية، وعبّر عن تر که بتركها؛ مبالغة في بیان تلك العقوبة التي تلحق الخائنين، وتعمهم؛ ((لئلا يتوهّم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها، فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق، فأطلقت الهداية التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول، وأطلق نفيها على نفي ذلك التیسیر، أي أن سنة الله في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع(١). كما قال تعالى: ﴿بَلّ نَقْذِفُ ◌ِاَلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. «أي: أنها أقرّت بأنه سبحانه وتعالى لا ينفذ کید الخائنین، ولا یوصّله إلی غایته»(٢). وفي هذا التذييل البديع طمأنة لقلوب من وقعت عليهم الخيانة، وتسرية عن نفوسهم؛ حیث إن الله تعالی وعدهم أنه لا يهدي کید من خانهم، ولا یولیهم إلى غايتهم التي خانوا من أجلها، كما أن ((فيه إشارة إلى أن الله تعالى يوصل عباده الصادقين بعد الغم إلى السرور ويخرجهم من الظلمات إلى النور)»(٣). «لا يرشد من خان أمانته، ويفضحه في (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٣/١٢. (٢) تفسير الشعراوي ٣/ ١٦٣٥. (٣) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ١١٩. عاقبته))(٤). والنص على إبطال كيد الخائنين ينبّه على أن غیر الخائنین یھدیھم الله تعالی، ويصلح أعمالهم؛ لأنه تعالى ((خص الخائنين تنبيهًا أنه قد یهدي کید من لم يقصد بكيده خيانة، ككيد يوسف بأخيه وقوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْتَكُ﴾ [الأنبياء: ٥٧] أي: لأريدن بها سوءًا)»(٥). ومن أبرز الدلائل على عدم هداية الله للخائنین، وأنه لا ینعم علیهم بأن يكونوا في سبيله الحق، أو على طريقه المستقيم، أنه يحرمهم من اتباعه، ويخلي بينهم وبينه، ولو كانت مصادر الهداية أقرب ما تكون منهم، أو كانت بواكير الوحي بين أيديهم، وفي بيوتهم، وأقرب مثال لذلك بيوت كانت بيوت النبوة، وأشخاص عاصروها، وعاشروها في حياتهم، ونزل الوحي في مساكنهم، ومع ذلك لم يتنسّموا عبيره، ولم یجدوا ريحه، وليس مثال امرأة نبي الله نوح وامرأة نبي الله لوط اللتين قال الله عنهما: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَضَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] عنا ببعيد. أي: ((كانتا في عصمة نبيين عظيمين، (٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٤٤٨. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٤٣. جَوْنُو ◌َرَ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢١٢ الخيانة متمگّنین من تحصیل خير الدنيا والآخرة، وحيازة سعادتهما، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ بإنشاء سرهما، أو بالكفر والنفاق، ﴿فَلَمْ یُغْنِيَاعَنْهُمَا مِنَ اْللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: فلم يغن الرسولان عن المرأتين بحق ما بينهما من الزواج شيئًا وَقِيلَ من الإغناء من عذاب الله تعالى، لهما عند موتهما، أو يوم القيامة: ﴿ادْخُلا النَّارَ معَ الدَّاخِلِينَ﴾ أي: مع سائر الداخلین من الكفرة، الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. قال القشيري: لما سبقت للمرأتين الفرقة يوم القسمة لم تنفعهما القرابة يوم العقوبة. قال ابن عطية: وقول من قال: إن في المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد، قلت: لا بعد فيه لذكره إثر تأديب المرأتين، وليس فيه غض لجانبهن المعظم، إنما فيه إيقاظ وإرشاد لما يزيدهم شرفًا وقربًا من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وصيانة سره، والمسارعة إلى ما فيه محبته ورضاه، وكل من نصحك فقد أحبك، وكل من أهملك فقد مقتك))(١). وليس هذا المثل خاصًّا بمن ضرب لهم، كعادة القرآن في منهجياته، بل عادة ضرب الأمثال في اللغة، فكل من خان وتنكب الطريق عقوبته الحرمان والتيه وعدم الدلالة وفقدان الهداية. (١) البحر المديد، ابن عجيبة ٦/ ٣٦٥. ففي ((ضرب هذا المثل دليل على أن القرب من الأنبياء والصالحين، لا يفيد شيئًا مع العمل السيء))(٢). فهم مع قربهما من مصدر الوحي، وصلتهما بمنبع الرسالة لم يغنيا عنهما من الله شيئًا؛ «تنبيهًا بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة دون الوسيلة))(٣)، ودخلتا النار ((مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام)»(٤). وفي ذلك بیان واضح لمن أراد أن يذكر، وعبرة لمن أراد أن يعتبر، وورود هذا المثل بعد أن ذكر في صدر السورة ما يتعلق بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنهن لا ینفعهن قربهن من النبي دون عملهن وطاعتهن، ((وكذلك كفار مكة وإن كانوا أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفعهم صلاح النبي صلی الله عليه وسلم، وكذلك أزواجه إذا خالفته)»(٥). وفي ذكر المثل في الآية الكريمة دليل على عموم القاعدة، وسننية القضية، وأنه ينسحب حكمها على كل من جمع صفاتها. يقول الخازن: ((وهذا مثل ضربه الله تعالى للصالحين والصالحات من النساء، وأنه لا ينفع العاصي طاعة غيره، ولا يضر (٢) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ١٨٧ . (٣) النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٤٧. (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٤٣. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٧١. www. modoee.com ٢١٣ حرف الخاء المطيع معصية غيره، وإن كانت القرابة متصلة بينهم، وأن القريب كالأجانب بل أبعد، وإن كان القريب الذي يتصل به الكافر نبيًّا))(١). وهذه لمحة من لمحات العدالة المطلقة في شريعة الإسلام فلا قرب ولا بعد إلا بالعمل، ولا نسب ولا شرف إلا برضا الله تعالى، كما أنها سمة من سمات التأهل للشهود الحضاري، وريادة البشرية على منهاج عدل، ((فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلًا بالله وحده على أيدي رسله، فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين لوط ونوح وامرأتیهما، فلما لم یغنیا عنهما من الله شيئًا ﴿وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ مَعَ الذَّاِينَ﴾))(٢). وتلك ((سنة الله فيمن توغل في الظلم والشر والفساد أنه يحرم التوبة فلا يموت إلا كافرًا))(٣) ثانيًا: حرمان محبة الله عز وجل: ومن أقسى عقوبات الله تعالى للخائنين: أنه يحرمهم محبته، ويمنعهم مودته، تلك المحبة التي هي سبب كل خير، وعدمها سبب کل بلاء وضر. (١) لباب التأويل، الخازن ١٢٣/٧. (٢) إعلام الموقعين، ابن القيم ١/ ٢٢٢. (٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٢٦٥. ومحبة الله معناها: «مراعاته لهم»(٤)، أو هي: ((حالة لا يعبر عنها مقالة))(٥). وقال صاحب البصائر: ((ولا يحد المحبّة بحدّ أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها. ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة، وإنّما يتكلّم النّاس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها))(٦). وقد نصّت آيات القرآن الكريم على تلك العقوبة، فقد أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع من يخاف خيانتهم أن ينبذ إليهم عهدهم على بيان ووضوح؛ ذلك أن الله تعالى لا يحب الخائنين، فقال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَآَيِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقال في بیان سبب من أسباب مدافعته عن المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّنٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: ٣٨]. وقال في سبب نهيه عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم: ﴿وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. أي: «لا یرضی فعلهم، وهو تعلیل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٦٠. (٥) التوقيف، المناوي ص ٢٩٩. (٦) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٤١٦. ◌َرُ النَّفِيَة جوبي القرآن الكريم ٢١٤ الخيانة عليه بالحال))(١). فالله لا يحبهم؛ ((لأنهم متصفون الكافرين، ويؤمر نبيه بأن ينبذ إليهم على بالخيانة، فلا تستمر على عهدهم فتكون معاهدًا لمن لا يحبهم الله؛ ولأن الله لا يحب أن تكون أنت من الخائنين»(٢). وموقع التذييل هذا من الآية ووروده عقب هذا الأمر بمناجزتهم والمنابذة إليهم على سواء مشعر بعلّية عدم حب الله للخائنين، ويحتمل أن تكون تلك الجملة الکریمة تعلیلا معنويًّا للأمر بنبذ العهد على عدل، وهو إعلامهم، وأن تكون مستأنفة سيقت لذم من خان رسول الله صلى الله علیه وسلم ونقض عهده(٣). ومن روائع المنهاج القرآني أنه أورد صيغة عدم الحب خالية عن تحديدها حتى تكون عامة شاملة، سواء كانت تلك الخيانة في حق المؤمنین أو في حق الكافرين، أي: ((حتى ولو في حق الكافرين، لا يحبها أيضًا)) (٤) وفي ذلك من خصائص السننية من الاطراد والعموم والشمول ما فيه. كما أن في ذلك من دلالات تهيئة الأمة للشهود الحضاري ما لا يخفى؛ فالإسلام -والقرآن دستوره- ينهى عن الخيانة (١) البحر المديد، ابن عجيبة ٢/ ٣٦٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٥٣. (٣) الدر المصون، السمين الحلبي ٦٢٢/٥. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٧٩. ولا يحب أصحابها، ولو كانت في حق سواء، ولا يباغتهم قبل أن يعرفوا نقض عهدهم، وعلى سواء بما تحمله تلك الكلمة من بيان، أي: على وضوح وجلاء، أو بحيث یصل الخبر إليهم ويستوون في معرفته. ((وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ینقض العهد على أقبح الوجوه، وأمره أن یتباعد على أقصى الوجوه من کل ما یوهم نکث العهد ونقضه)»(٥). وعاش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تلك القيم عيشة حقيقية واقعية لفتت أنظار العدو قبل الصديق، إلى ربانية هذا الدين، ومثله العليا التي لا تقوم أخلاقه على نسبية تختلف من شخص إلى آخر ولا من جنس إلی جنس، ولا من دین إلی دین، بل الكل أمام القيمة سواء. فقد ((روي أنّ معاوية كان بينه وبين الروم عهد، و کان یسیر نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدرًا، فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية يسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبین قوم عهد فلا ینبذ عقدة ولا يحلها حتى (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٤٢١. www. modoee.com ٢١٥ حرف الخاء ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء)(١) كانت الخيانة لا تؤدي إليها فهي منهي عنها نهيًا شديدًا مؤكدًا))(٤). فرجع معاوية))(٢). ويؤكد هذا الفهم أن القرآن الكريم قال في موطن آخر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]. ((تلاحظ أن الآية لم تقل: بين المؤمنین، ولكن قالت: ﴿بَيْنَالنَّاسِ ﴾ حتى لا تكون هناك تفرقة في العدل بین مؤمن وغیر مؤمن، فغیر المؤمن مخلوق لله، استدعاه الله إلى هذا الوجود، وسبحانه قد أعد له مكانه في هذا العالم؛ لذلك لابد أن تراعي العدل معه في كل الأمور ولا تظلمه بل تعطيه حقه؛ لأنك بذلك تكون أنت مددًا من إمدادات الله. وقد كان هذا السلوك العادل الذي أمر به الله سببًا في دخول عدد كبير في الإسلام)) (٣). كما تلمح شدة بيان القرآن عن حرمانهم محبة الله تعالى من تركيب الجملة وسياقها، وقد أكد نفي محبة الله تعالى للخيانة (بالجملة الاسمية، وبـ (إن)، ونفي المحبة أبلغ في النهي؛ لأن محبة الله مطلوبة، فإذا (١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢٩/٢٨، رقم ٠١٧٠١٥ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٤٧٢/٥، رقم ٢٣٥٧. (٢) السراج المنير، الشربيني ١ / ٤٥٦. (٣) تفسير الشعراوي ١٢٠٥/٣. كما تلمح بلاغة الآية وعمق دلالتها عن دفاع الله عن المؤمنين وعدم حبه للخائنين من ترتب الجملة الاستئنافية المبدوءة بإن كأنها تعليل لما سبق في صدر الآية، كما قال صاحب التحرير والتنوير: و((تعليل الدفاع بكونه عن الذين آمنوا، بأن الله لا یجب الكافرين الخائنين، فلذلك يدفع عن المؤمنين لرد أذى الكافرين، ففي هذا إيذان بمفعول ﴿يُدَفِعُ﴾ المحذوف، أي: يدافع الكافرين الخائنين»(٥). وتلمح بلاغتها أيضًا في حذف مفعول ﴿يُدَفِعُ﴾ في صدر الآية («فلم يذكر ما يدفعه حتی یکون أفخم وأعظم وأعم، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين، فلذلك قال بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾؛ فنبّه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنین کید من هذا صفته، وهذه بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار)) (٦). وهي بشرى واضحة للمؤمنين الذين ابتلوا بالخيانة ممن ائتمنوهم، ووثقوا فيهم، بأن الله سيحفظهم وسينصرهم على هؤلاء الخائنين؛ فتلك سنة الله تعالى التي لا تتخلّف ولا تتبدل. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣١٧٢/٦. (٥) التنوير والتحرير، ابن عاشور ٢٤/ ٨٣. (٦) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٤ / ٩٩. مَوسُو ◌َبُ النفسية لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢١٦ الخيانة وبتلك المناهج التي يربي الإسلام عليها من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة، وفى مقابل هذه النصاعة وهذه النظافة يعد الله المسلمين النصر، ويهون عليهم أمر الكفار والكفر!))(١). أتباعه يعلي قيمة البشرية، ويرسّخ معنى الحضارة الحقة التي تمسك بمقود العالم، فلا يظلم فيه فقير لحساب غني، ولا يهان فيه ضعيف إرضاء لقوي؛ لأن صاحب المنهاج هو رب البشرية، وسيد العالمين، الإله الحق الذي خلقه کلهم عنده سواء، وفضله عليهم كلهم سواء. ((إن الإسلام يريد للبشرية أن ترتفع؛ ويريد للبشرية أن تعف؛ لا يبيح الغدر في سبيل الغلب؛ وهو يكافح لأسمى الغايات وأشرف المقاصد؛ ولا يسمح للغاية الشريفة أن تستخدم الوسيلة الخسيسة. إن الإسلام يكره الخيانة، ويحتقر الخائنين الذين ينقضون العهود؛ ومن ثمّ لا يحب للمسلمين أن يخونوا أمانة العهد في سبيل غاية مهما تكن شريفة، إن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ؛ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة، فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة .. وليس مسلمًا من يبرّر الوسیلة بالغاية، فهذا المبدأ غریب على الحس الإسلامي والحساسية الإسلامية؛ لأنه لا انفصال في تكوين النفس البشرية وعالمها بين الوسائل والغايات. إن الشط الممرع لا يغري المسلم بخوض بركة من الوحل؛ فإن الشط الممرع لابد أن تلوّثه الأقدام الملوثة في النهاية. والمبالغة في لفظة ﴿خوان﴾ ليست على بابها، فليس المراد نفي المحبة عن الخوان فتثبت للخائن، بل المراد أن المشركين خوانون، أو («لأن خيانة أمانة الله تعالى وكفران نعمته لا يكونان حقيرين، بل هما أمران عظيمان، أو لكثرة ما خانوا فيه من الأمانات، وما كفروا به من النعم، أو للمبالغة في نفي المحبة على اعتبار النفي أولًا، وإيراد معنى المبالغة ثانيًا)»(٢). وقد تكون صيغة المبالغة للنسب، فشملت ما لا مبالغة فيه، أو مراعاة الحال من الآية في شأنه. ومما يؤيد نصرة الله تعالى لمن وقعت في حقه الخيانة، وينصره على الخائنين، الإذن بالقتال بعد نفي المحبة عن كل خوان كفور، وتلك سنة الله في الخيانة، لا تتبدل ولا تتغير، ((وما دام هناك الخوّان والكفور فلابدّ للسماء أن تؤيّد رسولها، وأن تنصره في هذه المعركة أولًا، بأن تأذن له في القتال، ثم تأمره بأخذ العدة والأسباب المؤدية للنصر، فإن عزّت المسائل عليكم، فأنا (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٣١/٣. (٢) روح المعاني، الألوسي ١٣/ ٧٤. www. modoee.com ٢١٧ حرف الخاء معکم أؤیدکم بجنود من عندي)»(١). وفي هذه الآية إشارة لطيفة بترك المدفوع عن المؤمنين عامًّا مطلقًا، وجعل سياقها يشير إلى الخيانة، وذلك بشارة عظيمة للمؤمنین الذین يتعرضون للخيانة، بأنه عز وجل متكفل بالدفاع عنهم. إن لطف الله بعباده دائم، شامل، سواء عن طریق محبتهم وتأییدهم، أو عن طريق رصده لأعدائهم، فهو تعالی متكفل بالدفاع عنهم، ونصرتهم على أعدائهم، وتلك سنة الله الماضية، وناموسه الباقي، ما بقيت على الأرض حياة وأحياء. ثالثًا: إبطال كيدهم: ومن عقوبات القرآن الكريم للخائنين أن الله تعالی یبطل کیدهم، ویفلّ حدهم، ولا ينيلهم مبتغاهم، حتى وإن بدا للناظر المتعجل أنهم وصلوا إلى غايتهم، وظفروا بمنیتهم، ونالوا ما يصبون إليه، فمقاييس الحق غير مقاييس الباطل، وغايته غیر غايته، وقد ومضت سنة الله تعالى بذلك، كما نصت الآيات الكريمة عليه. لقد عبّر القرآن الكريم غب كيد امرأة العزيز على لسانها عن ذلك فقالت: ﴿وَأَنَّ اَللَّهَ لَ يَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾ [ يوسف: ٥٢]. ومعنى عدم هداية كيدهم يبيّن سننية القرآن الكريم في إبطال كيدهم، فعدم هداية کیدهم يعني: أنه «لا ینفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين لكيدهم. وأوقع الفعل على الكيد؛ مبالغةً»(٢). وأتت الآية الكريمة مبينة استغراق الأمر لجميع الخائنين بـ(ال) التي تفيد الاستغراق، إضافة إلى ورودها بصيغة الجمع؛ ((لئلا يتوهّم أن الحديث عن خائن معين .. فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق)) (٣). فكل خائن بهذه الصورة لا يصل إلى مبتغاه، ويبطل الله كيده، وتلك سنة الله الماضية، وقانونه الدائم في الخلق. أو المعنى: ((أن الله لا يوّفق أهل الخيانة)»(٤)، وعدم توفيقهم وإرشادهم فيه إبطال لکیدهم، فمن یھدیھم أو یرشدهم بعد أن خلاهم الله وحرمهم الرشاد والهدایة؟ أو المعنى: ((لا يوصّله إلى غايته))(٥)، وإذا لم يصل إلى غايته فقد بطل، وفشل، ولم يحقق غايته. أو أن المعنى: ((لا يصلح)»(٦)، وفي عدم صلاحه إبطال له. (٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٩٣/٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٣/١. (٤) التفسير الميسر ص ١٥٢. (٥) تفسير الشعراوي ٩/ ٤٤٢٧. (٦) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٧٤/١. (١) تفسير الشعراوي ٦/ ٢٦١٥. جوبير الْقُرآن الكَرِيمِ ٢١٨ الخيانة أو المعنى: ((قال: لا يقرب))(١)، فكيف ثالثًا: الإهلاك: يصل من لا يقرب؟ أو المعنی: « لا یرشد من خان أمانته»(٢)، وما دام فقد إرشاد الله له فكيف يصل إلى مبتغاه، أو ينال مناه؟ وقد دلت الآية الكريمة على عدد من الدلالات فيما يخص إبطال الكيد، منها: أنهم يفتضحون في الدنيا قبل الآخرة، وأن الله يخليهم لذواتهم، ويتركهم لقدراتهم البشرية، فلا يعينهم ولا يرشدهم، ولا یھدیھم ولا یسدّد فعلهم. ومبالغة في نفي وصول الخائنين إلى مبتغاهم، أو تحصيلهم نوالهم وردت الصيغة البنائية في الآية الكريمة بهذه الصورة، موقعة الفعل على الكيد، لا على الفعل، فلم يقل القرآن الكريم: (لا يهديهم) أو (لا يهدي فعلهم)، بل قال: ﴿لَايَهْدِى كَيْدَ الْغَايِنِينَ﴾؛ کأن الکید نفسه لن يهتدي، بل هو مثل أصحابه تائه ضال، لن يصل إلى غايته، فهو مبطل من البداية. كما قال علماء التفسير: «أوقع الفعل على الكيد مبالغة)) (٣)، فسبحان من هذا کلامه. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٤ / ٣٤٥. (٢) الوجيز، لواحدي ١/ ٥٥٠. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٩٤/١. ومن عقوبات الله تعالى للخائنين أنه يعاجلهم بالهلكة، ويمكّن منهم من نقضوا عهده وخانوه، ووردت الآيات الكريمة مبيّنة ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [الأنفال: ٧١]. لقد وعد الله رسوله بأنه تعالى يتمكن من الخائنين، ويقهرهم ويخزيهم، وينصرك عليهم، وهذه سنة ماضية في الناس إلى يوم القيامة؛ لأن من سنته تعالى في الخائنين -کما سبق- أنه لا یحبهم، ولا یهدیھم، ویعاجلهم بالعقوبة، ومعنى أمكن منهم أي: ((أمكنكم أنتم أيها المؤمنون منهم فقتلتموهم وأسرتموهم»(٤). والتذييل في الآية الكريمة له دلالة بديعة کعادة القرآن في تذييله؛ حيث ورد هنا صفتان من صفات الله تعالى، هما (علیم)، (حکیم)، وهما -كما لا يخفى- متناسبتان تمام التناسب مع الوعد بالإمكان من الخائنين؛ فهو عليم بهم، حكيم في تمكينك منهم؛ حتى لا يعلو الباطل على الحق، وحتى تمضي سنة الله تعالى في ردع الخائنين، والإمكان منهم. وقد فعل تعالى بالمشركين في بدر ((فأمكنك -يا رسول الله- منهم وأظهرك (٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٣/ ٢٧٦. www. modoee.com ٢١٩ حرف الخاء علیهم يوم بدر، حتى قهرتهم وأسرتهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ حيث أمكنك منهم، يعني إن خانوك أمكنتك منهم؛ لتفعل بهم مثل ما فعلت من قبل))(١). وهذا من روائع القرآن الكريم وأسراره في التعبير؛ إذ يعبر عن المعنى بلفظ محدد له ظلال مقصوده، وهذا ما يسميه البلاغیون: العدول، حيث يترك القرآن لفظًا ويعبّر بآخر اختیارًا؛ لما للمختار من دلالة تتناسب مع السياق والمعنى المقصود للآية. وفي ذلك من التطيب والتسرية والتطبيب بالتهنئة والطمأنة ما فيه؛ ((بأن ضمن لهم، إن خانهم الأسرى بعد رجوعهم إلى قومهم ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال، بأن الله يمكّن المسلمين منهم مرة أخرى، كما أمکنهم منهم في هذه المرة، أي: إن ینووا من العهد بعدم العود إلى الغزو خيانتك، وإنما وعدوا بذلك لينجوا من القتل والرق، فلا یضرکم ذلك، لأن الله ينصركم عليهم ثاني مرة»(٢). وقد تطابق المسطور والمنظور في ذلك، في تمكين الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ممن خانوه بعد وعد بعدم القتال ضده، كالشاعر ابن عزة الجمحي، «فإنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم المنّ (١) تفسير السمر قندي ٢/ ٢٠٩. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠/ ٨١. عليه بغير شيء؛ لفقره وعیاله، وعاهده على أنه لا یظاهر عليه أحدًا، ثم خان فظفر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيرًا، فاعتذر له وسأله العفو عنه فقال: (لا، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مّتین) وأمر به فضربت عنقه))(٣). وكما ورد الوعد بالإمكان منهم هنا ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوَأَ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّنٍ كَفُورٍ ﴾[ الحج: ٣٨]. وفي الآية الكريمة وعد بالدفاع عن الذين آمنوا، وتعليل لهذا الدفاع بأنه لا يحب کل خوّان کفور. وفي تذييل الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ ((تعليل لما في ضمن الوعد الكريم من الوعيد للمشركين وإيذان بأن دفعهم بطريق القهر والخزي. وقيل: تعليل للدفاع عن المؤمنين ببغض المدفوعين على وجه يتضمن أن العلة في ذلك الخيانة والكفر، وأوثر ﴿لَا يُحِبُّ﴾ على يبغض تنبيهًا على مكان التعريض وأن المؤمنين هم أحباء الله تعالی» (٤). ومما يؤيد تأیید الله تعالى لمن وقعت في حقه الخيانة، وأنه ينصرهم على الخائنين، ويهلك هؤلاء الخونة بمغبة أفعالهم، إذنه (٣) السراج المنير، الشربيني ١/ ٤٦١. (٤) روح المعاني، الألوسي ١٣/ ٧٤. ٢٢٠ جَوَسُولَةُ التَّقَّ القرآن الكريمِ الخيانة تعالى للمؤمنين بالقتال، وتلك سنة الله مكانتهم، ومهما كان قربهم؛ لأن عداوتهم في الخيانة، لا تتبدل ولا تتغير، ((وما دام لهم وكفرهم بالله ورسوله قطع العلائق، هناك الخوّان والكفور فلابدّ للسماء أن تؤيّد رسولها، وأن تنصره في هذه المعركة أولًا، بأن تأذن له في القتال، ثم تأمره بأخذ العدة والأسباب المؤدية للنصر، فإن عزّت المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من عندي))(١). وفي هذه الآية إشارة لطيفة بترك المدفوع عن المؤمنين عامًا مطلقًا، وجعل سياقها يشير إلى الخيانة، وذلك بشارة عظيمة للمؤمنین الذین یتعرضون للخيانة، بأنه عز وجل متكفل بالدفاع عنهم. إن هلاك الخائنين ليس في الدنيا فقط، بالنصر عليهم وقهرهم وخزيهم، بل في الآخرة أيضًا، حتى يقال لهم: ادخلوا النار مع الداخلين، وقد أكد القرآن الكريم ذلك، حتى مع من کانوا أشد الناس قربًا من المرسلين، كامرأة نوح وامرأة لوط، إذ قال الله تعالى فيهم صراحة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّارِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. لقد جعلهم الله مثلًا یضرب، ونموذجًا مطلقًا على هلاك الخائنين مهما كانت (١) تفسير الشعراوي ٢٦١٥/٥. وبتّ الوصل وجعلهم أبعد من الآمال، وإن كان المؤمن الذي يفصل به الكافر سائر أنبياء الله بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما خانتا ونافقتا الرسولين عنهما بحق ما بينهما وبينهما من وصلة الأزواج أغنى من عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما، أي: يوم القيامة: ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين لا وصلة بینھم وبین الأنبياء ومع داخلها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. وبذلك وضع القرآن قاعدة عامة في هلاك الخائنين مهما كانوا، بل صيّرهم مثلاً لغيرهم، ((وقطع الله بهذه الآية طمع كل من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره، ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعًا»(٢). ويبيّن الإمام البقاعي -رحمه الله- سر القاعدية والسننية في هذا الإهلاك للخائنين في الدارين، وضرب الله بهم مثلًا، وأنهم لم تنفعهم قراباتهم، كما لا تضر المسلمين قراباتهم من الكافرين بأنه: «لما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك أشبه شيء بحال أهل الآخرة في الدينونة بالعدل والفضل، وكان المفتتح به السورة عتاب النساء، ثم أتبع بالأمر بالتأديب لجميع الأمة (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ٣٥٨. www. modoee.com ٢٢١ حرف الخاء إلى أن ختم بهلاك المخالف في الدارين، وكان للكفار قرابات بالمسلمين وكانوا يظنون أنها ربما تنفعهم، وللمسلمين قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها تضرهم، قال مجيبًا لما يتخيل من ذلك تأديبًا لمن ينكر عليه صلى الله عليه وسلم من النساء وغيرهن ضرب الله المثل بهؤلاء في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل والعلائق، فيغّظ عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد، وإن جل مقامه، وعلا منصبه ومرامه))(١). وتلك عقوبات الله تعالى للخائنين، حرمان من الهداية، وحرمان من محبة الله تعالى ومودته، وإبطال كيدهم، وإهلاك لا يتخلف ولا يتأجل، وتلك سنن الله الماضية، وعقوبته العاجلة، وناموسه الذي لا يتخلف، فليتعظ من خان ربه أو رسوله أو أمانة أو عرضًا، وليبادر بالتوبة النصوح قبل حلول الأجل، فسنة الله لا تنتقي ولا تنتخب، بل ماضية ما مضى الجديدان، دائمة ماكرّ الملوان، والله غالب على أمره ولكن أکثر الناس لا يعلمون. موضوعات ذات صلة: الأمانة، العهد، الميثاق، النفاق، الوفاء (١) نظم الدرر، البقاعي ٨/ ٥٧. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٢٢