Indexed OCR Text

Pages 41-58

الدعوة
في ذلك الحين(١).
فهل يتعظ بذلك الدعاة الذين سرعان ما
يستولي اليأس على نفوسهم، ويسيئون الظن الله عليه وسلم، وفي ذلك تعريض بمعاندي
أهل الكتاب والمشركين، أي لا يرغب عن
ملته الواضحة الغراء إلا من سفه نفسه، أي:
حملها على السفه وهو الجهل(٣).
بأقوامهم، فيتسرعون في إصدار الأحكام
الظالمة عليهم، وينهزمون أمام أية صدمة
يتعرضون لها(٢)، وبالفعل فإن دعوة نوح
دائمًا ما تكون منطلقًا للدعاة إلى الله في
الأخذ بمتطلبات الدعوة؛ خاصة في عدم
الاستعجال.
دعوة إبراهيم عليه السلام.
وأهم الآيات التي تتحدث عن دعوته
عليه الصلاة والسلام ما يأتي:
قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْعَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَهِمْ
إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةٌ، وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ.
فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ:
أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَوَضَّى
بِهَآ إَِّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى
لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[البقرة: ١٣٠ -١٣٢].
فدعوته عليه السلام أساسها التوحيد،
وبنيانها الإخلاص لله عز وجل.
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ آَنِ اُتَّبِعْ
مِلَّةَ إِزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[النحل: ١٢٣].
١٢٣
فهذا إنكار واستبعاد لأن يكون في
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٧٠٧.
(٢) منهج الأنبياء في الدعوة، محمد سرور
ص٥٦.
العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي
هو ملة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلى
وهذا خبر من الله تعالی ذکره عن أن من
خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله
مخالف، وإعلام منه لخلقه أن من خالف
ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛
فهو لإبراهيم مخالف، وذلك أن الله تعالى
ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس
إمامًا، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة،
ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره
عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته
الإمام الذي نصبه الله لعباده (٤)، ومن كماله
وعظمته وصحة توحيده و طريقه، أنا أوحينا
إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء أن اتبع
ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين(٥)،
فأصل الدعوة وأساسها دعوة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام إلى ملة التوحيد والتي
أكدها وختمها محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد بين القرآن الكريم أن من الأساليب
الدعوية التي استعملها إبراهيم عليه السلام:
أسلوب الجدل والمناظرة.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ١/ ٤٠٠.
(٤) جامع البيان، الطبري ٩١/٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٥/٤.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الدال
قال تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبَهِمَ
فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَنَِّ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُخِىِ، وَأُمِيتٌُ قَالَ
إِبْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
يِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي
وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي
يتصرف في الوجود في خلق ذواته، وتسخير
کواکبه وحر كاته، فهذه الشمس تبدو كل
یوم من المشرق، فإن کنت إلها كما ادعیت
تحيي وتمیت، فأت بها من المغرب؟ فلما
علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على
المكابرة في هذا المقام؛ بهت: أي: أخرس،
فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة(١)، وكانت
هذه المناظرة دعوة من إبراهيم عليه السلام
إلى توحيد الله تعالى والكفر بكل ما يدعى
من دون الله، وبيان بطلانه والمجادلة في
ذلك.
وفي قوله تعالى: ﴿﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ
لِأَبِيهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌّ إِنَّ أَرَكَ
وَكَذَلِكَ نُرِىّ
وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ()
إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
اُلْمُوقِنِينَ ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ أَلَيْلُ رَءَا كَوَكَبَاً
قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ
فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَزِغًا قَالَ هَذَا رَبِيِّ فَلَمَّاً
٧٦
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٥/١.
أَفَلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَّ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ
فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا
ء
السَّآلّينَ
رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِّ بَرِىٌّ
مَِّّا تُشْرِكُونَ ﴿٨ إِى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى
فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴿ وَحَكَهُ، قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُّوْنِي
فِىِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنَّ وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهَ
إِلَّ أَن يَشَآءُ رَبِّ شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ
عِلْمًاُ أَفَلَا تَنَّذَ كَّرُونَ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ
مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِآلْأَمْنِّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام:
٧٤-٨١](٢) .
يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام، مثنيًا عليه ومعظمًا حاله
لدعوته إلى التوحيد، ونهيه عن الشرك(٣).
وقد شرح فرق المشركين - الذين تجب
دعوتهم- في هذه السورة على أحسن
الوجوه؛ وذلك لأن طائفة من المشركين
يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى، وإليهم
(٤)
الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم
.
ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها
الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي
جاءوا بها يجادلونه، ولقد كشف لهم عن
(٢) ووردت مثل هذه الآيات في سورة الصافات
برقم ٨٣- ٠١١١
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٢.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ١٧٨.
٤٠٦
فَضْو
القرآن الكريمِ

الدعوة
وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه
الآلهة تملك أن تسيء إليه، وواضح أنهم
ما كانوا يجحدون وجود الله، ولا أنه هو
صاحب القوة والسلطان في الكون، ولكنهم
كانوا يشركون به هذه الآلهة، فلما واجههم
إبراهیم، بأن من کان یخلص نفسه لله لا
يخاف من دونه، فأما من يشرك بالله فهو
أحق بالمخافة، لما واجههم بهذه الحجة
التي آتاها الله له وألهمه إياها، سقطت
حجتهم، وعلت حجته، وارتفع إبراهيم على
قومه عقيدةً وحجةً ومنزلةً(١)، كان أسلوبه
قويًّا واضحًا استطاع من خلاله أن يوقعهم
في معرفة بطلان دعوتهم.
قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبَزَهِيَمَ رُشْدَهُ.
! إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ
مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ (١)
وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ اَلَّى أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ
قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَاءَنَا لَمَا عَيِدِينَ ﴾ قَالَ لَقَدْ
كُمْ أَنْتُمْ وَمَابَآ ؤُكُمْ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ ، قَالُواْ
قَالَ بَلَ رَّبُّكُرْ
أَجِئْتَنَا بِالِّْ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ(
رَبُّ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ اَلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى
وَثَاَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
ذَلِكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ (@)
أَصْنَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُوَأْمُدِّبِينَ ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا
إِلَّ كَبِيرًاً لَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ )
قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَّا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ
قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ
قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
٦٠
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١١٤٢.
قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا
٦١
يَشْهَدُونَ
◌َإِبْرَهِيمُ (١) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُ هُمْ هَذَا
فَرَجَعُوا
٦٣
فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ
إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ الَّالِمُونَ:
٦٤
ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ
قَالَ أَفَتَعْبُّدُونَ مِن
يَنطِقُونَ (٥)
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ
﴿٦ أُفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ) قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَ الِهَتَكُمْ إِن
قُلْنَا ◌َلْنَاؤُ كُنِ بَدًا وَسَلَمًا
كُنتُمْ فَعِلِينَ
وَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ
[الأنبياء: ٥١ - ٧٠].
الْأَخْسَرِينَ ﴾
تبين هذه الآيات أن من الأساليب
الدعوية التي استعملها إبراهيم عليه السلام:
المواجهة المباشرة، والتغيير باليد.
وهذا أسلوب دعوي عملي وهو: إزالة
المنكر فعلًا(٢).
فيخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه
السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره
ألهمه الحق والحجة على قومه (٣)، فجمع
لهم بين الدليل العقلي، والدليل السمعي،
أما الدليل العقلي فإنه قد علم كل أحد حتى
هؤلاء الذین جادلهم إبراهیم أن الله وحده،
الخالق لجميع المخلوقات، من بني آدم،
والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات،
(٢) انظر: أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان
ص٤٨٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٥/٥.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الدال
والأرض، المدبر لهن، بجميع أنواع التدبير، لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم(٢)، فها
هو خليل الرحمن برشده وحسن دعوته
فيكون كل مخلوق مفطورًا مدبرًا متصرفًا
فيه، ودخل في ذلك، جمیع ما عبد من دون
الله، أنیلیق عند من له أدنى مسكة من عقل
وتمييز، أن يعبد مخلوقًا متصرفًا فيه، لا
يملك نفعًا، ولا ضرَّا، ولا موتًا، ولا حیاةً،
ولا نشورًا، ويدع عبادة الخالق الرازق
المدبر؟ وأما الدليل السمعي فهو المنقول
عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن ما
جاءوا به معصوم لا يغلط ولا يخبر بغير
الحق، ومن أنواع هذا القسم: شهادة أحد
من الرسل على ذلك، فلهذا قال إبراهيم:
﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ أي: أن الله وحده المعبود
وأن عبادة ما سواه باطل ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾،
وأي شهادة بعد شهادة الله أعلى من شهادة
الرسل؟ خصوصًا أولي العزم منهم خصوصًا
خليل الرحمن (١).
يستخدم أسلوبًا عمليًا مؤيدًا بالعقل والسمع
في بيان سلامة دعوته، وإبطال دعوة قومه.
وقال تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمْ
إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ
تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا
يَأَبَتِ إِنِّيِ قَدْ جَآءَفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ
٤٢
يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِنًا يَأَبَتِ لَا
تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا
يَأَبَتِ إِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ
قَالَ
الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا ®
أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَِرَهِيمٌّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِي مَلِيًّا (٦ قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ, كَانَ بِى حَفِيًّا )
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ
رَبِّ عَسَىَّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا ، فَلَمَّا
أَعْتَزََُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبٍ وَكُلَّا جَعَلْنَا فِيًّا ) وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن
رَّحْمَيِّنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾
[مريم: ٤١ - ٥٠].
وحقًّا لقد كانت الأولى رجعةً إلى
النفوس، وكانت الثانية نكسةً على الرؤوس
كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب،
كانت الأولى حركةً في النفس للنظر والتدبر،
أما الثانية فكانت انقلابًا على الرأس فلا عقل
ولا تفكير، وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو
الحجة عليهم. وأية حجة لإبراهیم أقوى من
أن هؤلاء لا ينطقون؟! ومن ثم يجبهم بعنف
وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم؛
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢٥.
جوسين
القرآن الكريمِ
فقال لأبيه متلطفًا في دعوته إلى التوحيد
ونھیه عن عبادة الأصنام: یا أبت لم تعبد ما
لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟(٣).
بهذا اللطف في الخطاب يتوجه إبراهيم
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٨٧/٤.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٩٩/٧.
٤٠٨

الدعوة
إلى أبيه، يحاول أن يهديه إلى الخير الذي نبينا الصلاة والسلام، ويتلو على الناس في
القرآن نبأه مع قومه، ودعوته لهم إلى عبادة
الله وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا
تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، وكرر
هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في
آيات أخر من كتابه جل وعلا (٣)، فاستخدم
عليه السلام الأسلوب العاطفي الرائع الذي
يدل على عظیم حلم و کثیر کرم، لکن أباه
الكافر رفض دعوته.
هداه الله إلیه، وعلمه إياه وهو یتحبب إليه
فيخاطبه: ﴿يَأَبَتِ﴾ هذه هي اللمسة الأولى
التي يبدأ بها إبراهیم دعوته لأبيه، ثم يتبعها
بأنه لا يقول هذا من نفسه، إنما هو العلم
الذي جاءه من الله فهداه، ولو أنه أصغر من
أبيه سنًّا وأقل تجربةً، ولكن المدد العلوي
جعله يفقه ويعرف الحق فهو ينصح أباه
الذي لم يتلق هذا العلم، ليتبعه في الطريق
دعوة موسى عليه الصلاة والسلام.
الذي هدي إليه(١).
ولهذا كثيرًا ما يبدئ ويعيد في قصص
الأنبياء، الذين فضلهم على غيرهم، ورفع
قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به،
من عبادة الله ومحبته، والإنابة إليه، والقيام
بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق
إلى الله، والصبر على ذلك، والمقامات
الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله في هذه
السورة جملةً من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن
یذکرهم، لأن في ذکرهم إظهار الثناء على
الله وعلیهم، وبيان فضله وإحسانہ إلیھم،
وفيه الحث على الإيمان بهم ومحبتهم،
والاقتداء بهم(٢).
لذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم
المنزل إليه من الله (إبراهيم) عليه وعلى
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢١١/٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٤.
التي تتحدث عن دعوته
وأهم الآيات
عليه الصلاة والسلام ما يأتي:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِثَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّنِمِ الَّهَّ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورِ
[إبراهيم: ٥].
أي: أمرناه قائلين له أخرج قومك من
الظلمات إلى النور، أي: ادعهم إلى الخير؛
ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل
والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَىّ
إِذْرَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِ أُمَّكُنُواْ إِنَّ مَانَسْتُ
نَارًّا لَّعَلَّ مَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدِى
فَلَمَّا أَنَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىَّ ا إِّ أَنَاْرَبُّكَ
١٠
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ٤٢٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤١٠.
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الدال
فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَّ إِنَّكَ بِأَلْوَارِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى
وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىِّ إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآّ
إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِيّ ا)
إِنَّ السَّاعَةَ ءَائِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا تَسْعَى ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ
يَمُوسَى ﴾ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَوُاْ عَلَيْهَا
وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِ فِيَهَا مَشَارِبُ أُخْرَى (
١٨
فَأَلْقَنَهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ
١٩
قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَىّ
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا
تَسْعَى
سِيرَتَهَا الْأُوْلَى ﴾ وَأَضْمُمْ يَدَلَكَ إِلَى جَنَلِكَ
تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءِ ءَايَّةً أُخْرَى لِيَكَ
مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَى ٣ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى
﴾ [طه: ٩- ٢٤].
يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي
لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا أنا فلا تعبد
غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له
(١).
العبادة سواي
ولما أوحى الله إلى موسى، ونباه، وأراه
الآيات الباهرات، أرسله إلى فرعون، ملك
مصر، فقال: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ طَفَى﴾
أي: تمرّد وزاد على الحد في الكفر والفساد
والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، حتى
إنه ادعى الربوبية والألوهية - قبحه الله-
أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ولكن من
رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب
(١) جامع البيان، الطبري ٢٨٣/١٨.
أحدًا، إلا بعد قيام الحجة بالرسل، فحينئذ
علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملًا
عظيمًا، حيث أرسل إلى هذا الجبار العنيد،
الذي ليس له منازع في مصر من الخلق،
وموسی علیه السلام وحده، وقد جرى منه
ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه
بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير
الأسباب، التي هي من تمام الدعوة، فقال:
﴿رَبِّ آشرح لي صدري﴾ أي: وسّعه وأفسحه؛
لأتحمل الأذى القولي والفعلي، ولا یتكدر
قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر
إذا ضاق لم يصلح صاحبه لهداية الخلق
ودعوتهم(٢).
والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد
فهمه موسی من مقدمات الإخبار باختياره،
وإظهار المعجزات له، أو صرّح له به وطوي
ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أنّ
التّعليل الواقع بعده ينبىء به(٣)؛ ولما آنسه
بالعصا والید، وأراه ما يدل على أنه رسول،
أمره بالذهاب إلى فرعون، وأن يدعوه (٤).
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة
إلى الله يجب أن تكون بالرّفق واللّين، لا
بالقسوة والشدة والعنف (٥).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِ
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦/ ٢١٠.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١٩٢.
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ١٥/٤.
٤١٠
فَضْو
جوسين
القرآن الكريمِ

الدعوة
حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّآ
١٠٤
رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ.
أَقُولَ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِثْنُكُمْ بِبَيِّنَةِمِّن
زَّيِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَفِّ إِسْرَائِيلَ ﴿ قَالَ إِن كُنْتَ
جِئْتَ بِثَايَةٍ فَأْتِ بِهِآَ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
١٠٦
١٠
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
قَالَ الْمَلَّأَ
١٠٨
يَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ
يُريدُ
١٠٩
مِن قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحُ عَلِيمٌ
قَالُواْ
أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اٌلْمَدَآيِنِ خَشِرِينَ
يَأْتُوُكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ ﴿ وَجَآءَ السَّحَرَةُ
فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ
الْغَلبِينَ
١١٣
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ
تَكُونَ شَخْنُ الْمُلْقِينَ (١٣) قَالَ أَلَّقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ
سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو
وَأَوْ حَيْنَا إِلَى مُوسَى
بِخِرٍ عَظِيمٍ (١)
أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
١١٨)
فَغُلِبُواْ
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ {
﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٢٠].
(١٢٠)
وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ
سَجِدِينَ
يخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون
وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الآيات
البيّنات بحضرة فرعون وقومه من قبط
مصر، مظهرًا بأنه لا يقول على الله إلا الحق،
أي: جدير بذلك وحري به، فحق عليّ أن لا
أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق، لما أعلم
من عز جلاله وعظيم شأنه ﴿قَدْ جِئْتُكُم
بِيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: بحجة قاطعة من الله،
أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به
﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَِّ إِسْرَوِيلَ ﴾ أي: أطلقهم من
أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم
فإنهم من سلالة نبي کریم(١).
وفي سورة الشعراء: جرت في دعوة
موسى المجادلة والتحاور، واستخدم
موسى الأدلة العقلية كأسلوب في دعوته
لفرعون وقومه: فقال فرعون لقومه: ﴿إِنَّ
رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُوْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء:
٢٧].
يقول: إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه
أرسل إلیکم لمغلوب على عقله، لأنه يقول
قولًا لا نعرفه ولا نفهمه، وإنما قال ذلك؛ لأنه
كان عنده وعند قومه أنه لا رب غيره يعبد،
وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست
له حقیقة، فقال موسى عند ذلك محتجًا
عليهم، ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته، إذ
كان عند قوم فرعون أن الذي يعرفونه
ربًّا لهم في ذلك الوقت هو فرعون فلما
أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه
الحق الواضح، إذ كان فرعون ومن قبله من
ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر،
وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي
يدعوهم موسى إلى عبادته، هو الملك الذي
يملك الملوك، قال فرعون حينئذ استكبارًا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٨/٣.
www. modoee.com
٤١١

حرف الدال
عن الحق، وتماديًا في الغي لموسى: ﴿لَيْنِ من ذلك.
أَّخَذْتَ إِلَهًا غَيِّرِى﴾ [الشعراء: ٢٩].
يقول: لئن أقررت بمعبود سواي
﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:
٢٩](١).
يريد أن يتهكّم على مسألة الرسالة في
ذاتها؛ فيبعد القلوب عن تصديقها بهذا
التهكم، لا أنه يريد الإقرار بها والاعتراف
بإمكانها، ويتهم موسى عليه السلام بالجنون؛
ليذهب أثر مقالته التي تطعن وضع فرعون
السياسي والديني في الصميم. وترد الناس
إلى الله ربهم ورب آبائهم الأولين، ولكن
هذا التهكم وهذا القذف لا يفت في عضد
موسى، فيمضي في طريقه يصدع بكلمة
الحق التي تزلزل الطغاة والمتجبرين (٢).
وقال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَنْقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِّخَاذِ كُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِّكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عِنْدَ بَارِيكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
[البقرة: ٥٤].
٥٤
وفي قوله هاهنا: ﴿إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ تنبيةٌ على
عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم
وقد عبدتم معه غيره(٣)، فدعاهم إلى التوبة
(١) جامع البيان، الطبري ٣٤٤/١٩.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٩٢/٥، وذکر
كلامًا مهمًّا عند تفسير هذه المحاورة بين
موسى وفرعون.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٦٤.
وقال تعالى عن قصة عبادتهم للعجل:
﴿ وَأَّخَذَ قَوْمٌ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا
جَسَدًا لَّهُ خَوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا
يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
﴿ وَلَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ
(١٤٨
ضَلُواْ قَالُواْ لَيْن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ وَلَنَّا رَجَعَ
مُوسَىٌ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُهُونِي
مِنْ بَعْدِىٌّ أَعِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَاَلْقَى الْأَلْوَاحَ
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
أَسْتَضْعَفُونِيِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ
فِى الْأَعْدَاءَ وَلَا تَّجْعَلْنِىِ مَعَ الْقَوْمِ الَّيْلِمِينَ
قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلَِّخِى وَأَدِْلْنَا فِى
١٥٠
رَحْتِكَّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ) إِنَّ
الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّيِّهِمْ
وَذِلَّةٌ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ
) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا
(١٥٢
وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ
اُلْأَلْوَاحٌ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ
لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿ وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَدُ سَبْعِينَ
رَجُلًا لِّمِيقَئِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ
شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَنىِّ أَعْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
السُّفَهَآءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ
وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاً وَأَنْتَ
خَيْرُ الْغَفِرِينَ
﴾ [الأعراف: ١٤٨ - ١٥٥].
١٥٥
٤١٢
مَوَسُولَةُ النَّقِينَ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الدعوة
فيخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني
إسرائيل، في عبادتهم العجل الذي اتخذه
لهم السامري من حلي القبط، الذي كانوا
استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلًا،
جسدًا لا روح فيه، وقد احتال بإدخال الريح
فیه، حتى صار يسمع له خوار -كصوت
البقر- وإنما أضاف الصوت إليه؛ لأنه كان
محله عند دخول الريح جوفه، و کان ھذا
منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى،
وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور،
حيث يقول إخبارًا عن نفسه الكريمة ﴿فَإِنَّا
قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ﴾(١).
وذكر جل وعلا: أن موسى عليه السلام
رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال
كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفًا على
قومه من أجل عبادتهم العجل(٢).
ومع شدة غضبه إلا أنه دعاهم وأكّد ما
دعاهم إلیه من قبل فقال: ﴿ْسَمَا خَلَقْتُنِ﴾
للتذكير بالبون الشاسع بين حال الخلف
وحال المخلوف عنه، وتصوير لفظاعة ما
خلفوه به،أي: بعدما سمعتم مني التحذير من
الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين (٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَقَوْمِ أَذْ كُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ
أَنِيَآءُ وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا وَءَاتَنَكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ
(١) محاسن التأويل، القاسمي ١٨٤/٥.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٧٩/٤.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٤/٩.
يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ
٢٠
أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ
الْمُقَدَّسَةَ أَلَِّى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْئَدُواْ عَلَى
أَذْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٢٠-
٢١].
أمرهم رسول الله موسى عليه السلام
بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم
بالنصرة، والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا
وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه
والتمادي في سیرهم حائرين لا يدرون
كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين
سنةً عقوبةً لهم على تفريطهم في أمر الله
تعالى(٤)، فهم لما رفضوا دعوة موسى عليه
السلام وتركوا أمر ربهم عاقبهم سبحانه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِة
إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَلَّخِذُنَا
هُزُوَّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِِّ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ.
٦٧
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ
ذَالِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمِّرُونَ ﴿ قَالُواْ أَدْعُ لَنَا
رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنّهَا
بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ
تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ )
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا
تَسْقِى الَْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَأَ قَالُواْ أَلْقَنَّ
◌ِثْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٧/٣.
www. modoee.com
٤١٣

حرف الدال
[البقرة: ٦٧-٧١].
٧١
أي: واذكروا ما جری لکم مع موسى،
حين قتلتم قتيلًا وادارأتم فيه، أي: تدافعتم
واختلفتم في قاتله، حتى تفاقم الأمر بينكم
وکاد -لولا تبیین اللہ لکم- لحدث بینکم
شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل:
اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة
إلى امتثال أمره، وعدم الاعتراض عليه،
ولكنهم أبوا إلا الاعتراض، فقالوا: ﴿أَلَتَّخِذُنَا
هُزُوًّا﴾ فقال نبي الله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ
مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ فإن الجاهل هو الذي
یتکلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي
يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من
أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل استهزاءه
بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه،
فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة
لعباد الله، فلما قال لهم موسى ذلك؛ علموا
أن ذلك صدق فقالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن
أَنَا مَا هِىَ﴾(١)، وهذا نوع من أنواع تعنتهم
المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك
في غالب ما أمرهم الله به ولو تركوا التعنت
والأسئلة المتكلفة لأجزأهم ذبح بقرة من
عرض البقر، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله
عليهم(٢)، فكانت هذه دعوة منه عليه السلام
لتنتهي قصة القتيل، فلم يستجيبوا لهذه
الدعوة، واتخذوا مسلك العناد والتعنت
فكانت النتيجة أن شدّد عليهم في شأن هذه
البقرة، لما لم يستجيبوا لدعوة نبيهم من أول
مرة.
# دعوة محمد صلی الله عليه وسلم.
وتعتبر دعوته صلى الله عليه وسلم خاتمة
الدعوات وأفضلها وأكملها وأشرفها، فكان
شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه
وسراجًا منيرًا، ولقد حظيت دعوته بأنواع
الأذی ولاقت صنوف العذاب، حتی مگّن
الله تعالى لها في الأرض، ويعتبر النظر في
القرآن الكريم كله نظرٌ إلى الدعوة التي جاء
بها، وسار عليها، وجاهد من أجلها، والنظر
في سنته يبيّن مجمل دعوته، ويخصص
عامّها، ويقيد مطلقها، ويوضحها غاية
الوضوح.
وكذلك النظر في سيرته التي توضح
المنهج الدعوي الذي سار عليه ویجب على
الأمة أن تمضي عليه(٣).
فظهر من دعوة هؤلاء الأنبياء أنهم
دعوا أقوامهم إلى التوحيد، وبذلوا كل ما
يستطيعون في سبيل هذه الدعوة، فكانت
طريقًا ناح من أجله نوح، وألقي في النار
إبراهيم، وعالج موسى بني إسرائيل أشد
المعالجة، وعالج أنواع الأذى محمد، ولقد
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ١١٤.
(٣) انظر: منهج النبي في الدعوة، محمد أمحزون
ص٣٥٦.
٤١٤
جَوَسُور
الْقُرآن الكَرِيمِ

الدعوة
كانوا صابرين في سبيل دعوة ربهم، مضحّين
بکل شيء من أجلها، سالکین کل سبیل ینقذ
قومهم من عذاب الله تعالی.
ثانيًا: المصلحون وأتباع الرسل:
لما دعا الأنبياء إلى الله تعالى آمن بهم
بعض الناس، ومن هؤلاء المؤمنين من سار
علی درب رسله، وعلم أنه لا بد أن يدعو
إلى المنهج الذي جاءت به الرسل.
ومن تلك النماذج:
ما ذكره الله عز وجل من قصة صاحب
الجنتين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ لَهُ.
صَاحِبُهُ، وَهُوَ تُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ
وَلَوْلَا إِذْ
اللّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبٍ أَحَدًا )
دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
فَعَسى
إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا )
رَّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا
حُسْبَانًا مِنَ السَّمَآءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًّا !
أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا
وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كُفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا
وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِ لَّمْ أُشْرِكْ بِرَبِّ
أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٣٧-٤٢].
فقال له صاحبه أي: الذي عيره بالفقر،
تعبيرًا له على كفره، ﴿وَهُوَ تُحَاوِرُهُ﴾ أي:
يراجعه كلام التعبير على الكفر، محاورته
كلام التعبير على الفقر، في ضمن النكير
كَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تَرابِ ثم مِن
علیه،
نُظْفَةٍ﴾ أي: يجعل التراب نباتًا، ثم جعله
سَوَتِكَ رَجُلًا
غذاءً يتولد منه النطفة،
أي: عدلك وکملك إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغ
الرجال؟(١).
فذكره صاحبه المؤمن حاله الأولى
التي أوجده الله فيها في الدنيا ﴿مِن تُرَابٍ
◌ُمَّ مِنْ تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّكَ رَجُلًا﴾ فهو الذي أنعم
عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل
عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور،
حتى سواك رجلًا كامل الأعضاء والجوارح
المحسوسة، والمعقولة، وبذلك يسر لك
الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا،
فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل
بفضل الله تعالى عليك.
فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي
خلقك من تراب، ثم من نطفة ثم سواك
رجلًا، وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك؟
ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان
والإسلام، ولو مع قلة ماله وولده، هي
النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض
للزوال والعقوبة عليه والنكال، فقال: أنت
-وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك،
ورأيتني أقل منك مالًا وولدًا- فإن ما
عند الله خير وأبقى، وما يرجى من خيره
وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٣٤/٧.
www. modoee.com
٤١٥

حرف الدال
يتنافس فيها المتنافسون(١).
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس
المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري
الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا
تجامل فيه الأصحاب، هكذا يستشعر
الداعية المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال،
وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن
فضل الله عظیم وهو يطمع في فضل الله،
وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشیکة أن تصيب
الغافلين المتبطرین(٢).
فدعاه إلى الله والاعتراف بنعمته علیه؛
ولم يمنعه فقره ولا قلته عن دعوة متكبر على
عباد الله أن يرجع إلى الله ويستسلم لأمره،
ويعرف حقه في ما أكرمه به.
ومن نماذج الدعاة الناصحين الذين
ذکرهم القرآن: صاحب یاسین.
قال تعالى: ﴿وَجَآءُ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ
يَسْعَى قَالَ بَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
أَتَّبِعُواْ مَن لََّ يَسْتَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ )
وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ=ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ
٢٢
بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِّ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا
يُنْقِذُونِ ) إِّ إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ
إِّي ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٥)
قِيلَ
: بِمَا
أُدْخُلِ اَلْجَنَّةٌ قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (٢)
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٦.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٧١/٤.
غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس:
٢٠ - ٢٧].
جاء من أقصى مدينة القوم الذين أرسلت
إليهم الرسل رجل يسعى إليهم؛ وذلك أن
أهل المدينة عزموا، واجتمعت آراؤهم على
قتل الرسل الثلاثة فيما ذكر، فبلغ ذلك هذا
الرجل، وكان منزله أقصى المدينة، وكان
مؤمناً، فكان هذا حرصًا على نصح قومه حین
سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما
ردّ به قومه عليهم فقال لهم: ﴿يَقَوْمِ ائَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم ونصحهم
على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر
تأييدًا لما شهد به ودعا إليه(٣).
فجاء من أقصى المدينة يسعى؛ ليقوم
بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم
عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم
الذي یوشکون أن یصبوه على المرسلین،
وإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة وهو لا
يطلب أجرًا ولا يبتغي مغنمًا؛ إنه لصادق،
وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم
یکن یلبي تكليفًا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى
حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما
ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم
واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من
ذلك کسبًا، ولا يطلب منهم أجرًا؟
وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم، فهم
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٩٣.
٤١٦
القرآن الكريم

الدعوة
واضح، ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها
ولا غموض، فهم مهتدون إلى نهج سلیم،
وإلى طريق مستقيم، وهكذا ألقى بكلمة
الإيمان الواثقة المطمئنة، وأشهدهم عليها،
وهو یوحي إلیھم أن يقولوها کما قالها، أو
أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون.
ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم
یمهلوه أن قتلوه، وإن كان لا یذکر شيئًا من
هذا صراحة، إنما يسدل الستار على الدنيا
وما فيها، وعلى القوم وما هم فيه ويرفعه
لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق،
متبعًا صوت الفطرة، وقذف بها في وجوه
من يملكون التهديد والتنكيل، نراه في
العالم الآخر، ونطلع على ما ادخر الله له من
كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص
الشهيد (١).
فهذا مؤمن واحد آمن وصدق برسالة
رسله، ثم دعا إلى اتباعهم وتحمّل البلاء
في ذلك، ومات من أجل دعوته الصحيحة
التي ترشد إلی عبودیة الله تعالى وحده دون
سواه.
ومن النماذج القرآنية للدعاة المصلحين:
مؤمن آل فرعون.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ
أَتَّبِعُونِ أَهْدِ كُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٢٩٦٤.
يدعون إلى إله واحد، ويدعون إلى نهج إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلاَ
هِيَ دَارُ الْقَرَارِ )
يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنْفَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ
وَيَقَوْمِ مَا
٤٠
يُرْزَقُونَ فِهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ
تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِه
٤١
مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
الْغَفَِّ ﴿ لَا جَرَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ.
دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى
اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ )
فَسَتَذْكُرُونَ مَّآ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفَوِّضُ أَمْرِىّ
إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿ فَوَقَتُهُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
٤٥
سُوَّهُ الْعَذَابِ
وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْءَالَ فِرْعَوْنَ
(٥)﴾ [غافر: ٣٨-٤٦].
أَشَدَّالْعَذَابِ
فإنه كان مؤمنا كما وصفه الله، ولا يشك
المؤمن وذكّرهم ما هم فيه من الملك؛
لیشکروا الله ولا یتمادوا في كفرهم، ثم كرر
ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذّرهم
أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، وكرر ذلك
الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله وصرح
بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة
من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى
للتذكير كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم
به موسى، كما يقوله الرجل المحب لقومه
www. modoee.com
٤١٧

حرف الدال
من التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد
في الادعاء سيكونون أهل النار (٢).
الوقوع فيه.
ثم فسر الدعوتين فقال: ﴿ تَدْعُونَنِى
لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ﴾
وليس له دعوة توجب له الألوهية في
الدنيا ولا في الآخرة، ومرجعنا ومصيرنا
إلى الله بالموت أولًا، وبالبعث آخرًا،
فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ
وشر،
النّارِ﴾، أي: المستکثرین من معاصي الله،
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ إذا نزل
بكم العذاب وتعلمون أني قد بالغت في
نصحکم و تذکیرکم(١).
وشتان بين دعوة ودعوة، إن دعوته لهم
واضحة مستقیمة، إنه يدعوهم إلى العزيز
الغفار، يدعوهم إلى إله واحد تشهد آثاره
في الوجود بوحدانیته، وتنطق بدائع صنعته
بقدرته وتقدیره، يدعوهم إليه؛ ليغفر لهم
وهو القادر على أن يغفر، الذي تفضل
بالغفران: ﴿اَلْعَزِيزِ الْفَفَّرِ﴾، فإلى أي شيء
يدعونه؟
يدعونه للكفر بالله، عن طريق إشراك ما
لا علم له به من مدعیات وأوهام وألغاز.
ويقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء
الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس
لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة، وأن المرد
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٦٥.
جوسيس
الْقُرآن الكَرِيمِ
فهذا الرجل من قوم فرعون آمن بموسی
عليه السلام، ولما علم أن الخير في دعوة
موسى دلّ قومه عليها، وحذرهم من
مخالفتها، وبين لهم بطلان دعوتهم أمام
دعوة الله فكان من أفضل الداعین.
ومن النماذج أيضًا: دعاة الجن.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنّ
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ
فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ ﴾ قَالُوا
يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَّا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ
يَقَوْمَنَّا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ
مُسْتَقِيم )
يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَُجِرَّكُمُ مِنْ عَذَابٍ أَلِ
وَمَن لَّا يُحِبْ دَاعِىَ اُلَّهِ فَلَيْسَ پِمُعْجِزٍ فِ
٣١
اْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ، مِن دُونِهِ- أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ
ثُمبِينٍ ﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢].
کان الله تعالی قد أرسل رسوله محمدًا
صلى الله عليه وسلم إلى الخلق إنسهم
وجنهم، وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة
النبوة والرسالة، فالإنس يمكنه عليه الصلاة
والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن
فصرفهم الله إليه بقدرته، وأرسل إليه ﴿نَفَرًا
مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
أُنصِتُوا﴾ أي: وصی بعضهم بعضًا بذلك،
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٨٣/٥.
٤١٨

الدعوة
﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ وقد وعوه وأثر ذلك فيهم
﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ نصحًا منهم
لهم، وإقامةً لحجة الله عليهم، وقيضهم الله
معونةً لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر
دعوته في الجن(١).
فيقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء
النفر من الجنّ قالوا لقومهم: أجيبوا رسول
الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى ما
يدعو كم إليه من طاعة الله، وصدّقوه فيما
جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه، وغیر
ذلك مما دعاكم إلى التصديق به؛ يغفر لكم
ذنوبکم فیسترها لكم، ولا یفضحکم بها
في الآخرة بعقوبته إياكم عليها، وينقذكم
من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم،
وأنبتم من کفر کم إلى الإيمان بالله وبداعیه،
ومن لا یجب أيها القوم رسول الله محمدًا
صلى الله عليه وسلم، فليس بمعجز ربه
بهربه، إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه،
ولیس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه
نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على
كفره به وتکذیبه داعیه(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلُّ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ
مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبَالِ يَهْدِىّ
إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِهُ وَلَن نُشْرِكَ بِنَّا أَحَدًّا وَأَنَّهُ,
تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٧٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٤١/٢٢.
[الجن: ١- ٣].
١٥
﴿وَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
وَأَلٍَّ اسْتَقَّمُواْ عَلَى الَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُمْ مَّهَ غَدَقًا
١٦
لِتَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا
صَعَدًا ﴾ [الجن: ١٥- ١٧].
وهذه السورة سميت بهذا الاسم
لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين
الإیمان، وتقبیح الكفر، وكانت أقوالهم أشد
تأثيرًا في قلوب العامة، لتعظيمهم إياهم(٣).
فعلموا الصواب وتنبهوا لجميع أخطائهم
خاصةً أنهم تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده
كفرة الجنّ من تشبيه الله بخلقه واتخاذه
صاحبةً وولدًا، فاستعظموه ونزهوه عنه (٤).
والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يثير العطف على شخص
الرسول في قلب المستمع لهذه السورة،
عطفًا مصحوبًا بالحب، وهو يؤمر أن يعلن
تجرده من كل شيء في أمر هذه الدعوة إلا
البلاغ، والرقابة الإلهية المضروبة حوله وهو
يقوم بهذا البلاغ(٥).
وجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه
جميع أعمال الخير، وبين التقوى المتضمنة
لترك الشر، وجعلوا السبب الداعي لهم إلى
الإيمان وتوابعه ما علموه من إرشادات
القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٨/٩.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٢٣.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٧٢٠.
www. modoee.com
٤١٩

حرف الدال
والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية
عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به،
واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر
لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف
إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو
ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات
والعوارض الكثيرة(١).
وتهدف السورة إلى إثبات كرامة النبي
صلى الله عليه وسلم بأن دعوته بلغت
إلى جنس الجن، وإفهامهم فهم معان من
القرآن الذي استمعوه، وفهم ما يدعو إليه
من التوحيد والهدى، وعلمهم بعظمة الله
وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد (٢).
وفي هذه السورة إظهار لحقيقة الدعوة،
فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم
أن يخبرهم بأنه إنما يدعو إلى ربّه ويقوم
بما يجب له عليه، وهو لا يملك شيئًا من
كفرهم أو إيمانهم وبأنه لن يجيره منهم أحد،
إلّا أن يبلّغهم ما أرسله به إليهم، ثم ذكر أن
من يعصيه الله سبحانه ويعصي رسوله صلى
الله عليه وسلم، يخلّده في نار جهنم، فإذا
رأوا ما يوعدون منها، يعلمون أنهم أضعف
ناصرًا، وأقل عددًا.
ثم أمره أن يخبرهم، بأنه لا يدري متى
یکون ما یوعدون به من ذلك، لأنه من علم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٩٠.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٧/٢٩.
الغيب الذي اختص به الله سبحانه (٣).
فكان الغرض من هذا هو بيان الأمر
الذي جعل الجنّ يقبلون الدعوة ويعلمون
صدقها، وبطلان ما كانوا عليه؛ وأن يكونوا
نصحة لأقوامهم، داعین لهم إلى صراط الله
المستقیم.
(٣) الموسوعة القرآنية، جعفر شرف الدين
١٦٩/١٠.
٤٢٠
جومبو
القرآن الكريمِ

الدعوة
ثمرات الدعوة
تعتبر الدعوة عملًا مهمًّا من الأعمال
التي أكدت عليها الشريعة، ولا بد لكل عمل
من جهد يبذل فيه، ولكل جهد ثمرات،
وللدعوة ثمرات يانعة، تظهر معنا من خلال
الآيات ومن أهمها ما يأتي:
١. الإيمان بالله تعالى والوصول
إلى مرضاته وعفوه ومغفرته.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَدْعُوّا
إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اُللَّهِ
شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ
لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [إبراهيم: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُوْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْأَخَذَ مِتَقَكُمْإِن
كُم مُؤْمِينَ ا هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِهِ مَايَتِ
بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّاللَّهَ بِكُمْ
لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحديد: ٨-٩].
٢. استجابة الله تعالى للمخلصین
في دعوته ومحبته لهم.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ
◌ِ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّيُرِيدُونَ وَجْهَةٌ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَّ
وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ: عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا ﴾ [الكهف: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
﴾ [غافر: ١٤].
١٤
الدِّينَ وَلَوْكَرِهَ اُلْكَفِرُونَ
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونيّ
أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ
[غافر:
٦٠
٦٠].
٣. حصول الخيرية للأمة ونجاتها
من الهلاك.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ◌َ)﴾
[آل
عمران: ١٠٤].
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ مِّنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْتَرُهُمُ الْفَسِقُونَ (١)﴾ [آل
عمران: ١١٠].
٤. التمييز بين الحق والباطل.
وذلك كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الِّْ
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا
www. modoee.com
٤٢١

حرف الدال
كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِتَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِبَلِهِ، وَمَا
دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [الرعد: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ أَمْوَتُ
غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿
[النحل: ٢٠-٢١].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ
وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىّالْكَبِيرُ ﴾ [الحج:
٦٢].
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ الشَّفَعَةَ ﴾ [الزخرف: ٨٦].
٥. علو مكانة الدعاة وبيان عظيم
فضلهم وسلامة دعوتهم.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِىّ
وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨)
[يوسف: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَاً
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ
﴾ [فصلت: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ
الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ )
قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ
مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى
طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ
بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَنُجِرَّكُم مِّنْ عَذَابٍ
أَلِمِ ﴿ وَمَن لَّا يُحِبّ دَاعِىَ اُلَّهِفَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِی
اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ، مِن دُونِ» أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِ ضَلَلِ
ثمبِينٍ (٦)﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢]
٦ . القيام بالدعوة إلى الله من أسباب
الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ
اَلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ
فِ اْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
[هود: ١١٦].
لَفِی خُرِ @)
وقوله تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِنسَنَ
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّيْرِ
* [العصر: ١- ٣].
وللدعوة ثمار كثيرة، تناولها العلماء في
کتبهم، وذکروها في توجيهاتهم، وأرشدوا
إليها في محاضراتهم وخطبهم، یمکن لمن
أرادها أن يرجع إليها في مظانها.
موضوعات ذات صلة:
التوحيد، الجدال، الحكمة، الحوار،
النصيحة
٤٢٢
مَو ◌َ الَرُ الْتَفْسِيْ
جوسين
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ