Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الدَّعْوَة
عناصر الموضوع
مفهوم الدعوة
٣٦٦
الدعوة في الاستعمال القرآني
٣٦٨
الألفاظ ذات الصلة بالدعوة
٣٦٩
إسناد الدعوة إلى الله تعالى
٣٧٠
٣٧٦
مقاصد الدعوة
٣٨١
قواعد الدعوة
٣٨٦
المدعو إليه
٣٩١
موقف المدعوين من الدعوة
٣٩٧
نماذج من الدعاة
٤٠١
ثمرات الدعوة
٤٢١
أساليب الدعوة
المُجَلَدُ الرَّبِع عَشَر

حرف الدال
مفهوم الدعوة
يعتبر موضوع الدعوة والنظر لحال المدعوّين، من الأمور المهمة التي ورد الحديث عنها
في القرآن الكريم، وسوف أتحدث عن هذا الموضوع، فيما يأتي:
أولًا: المعنى اللغوي:
الدعوة: من دعا يدعو دعوةً ودعاءً(١)، والدّعاء كالنّداء، إلاّ أنّ النّداء قد يقال بـ (يا)،
أو (أيا)، ونحو ذلك من غير أن يضمّ إليه الاسم، والدّعاء لا يكاد أن يقال إلّا إذا كان معه
الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر، ودعوته: إذا سألته، وإذا
استغلته (٢)، يقال: دعوة فلان في بني فلان، ولبني فلان الدعوة على قومهم إذا كان يبدأ بهم،
والدعوة: الوليمة(٣)، فهي نداء إلى شيء.
وعليه فإن كلمة (دعوة) تفيد من حيث اللغة المحاولات القولية والفعلية لإمالة الناس
إلى تحقيق هدف أو عمل، ويمكننا أن نطلق لفظ ((الدعوة)) على ما يراد إبلاغه ونشره من
هدى أو ضلال (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعرّف الدعوة بأنها نداء إلى شيء معين، وقد يكون هذا النداء عامًّا أو خاصًّا، مباشرًا أو غير
مباشر، ولم يرد تعريف الدعوة كثيرًا في كتب اللغة؛ لأعتمد عليه في التعريف الاصطلاحي.
وجاء أن (الدّعوة) بالفتح في الطعام اسم من (دعوت) الناس، إذا طلبتهم ليأكلوا عندك،
يقال: نحن في (دعوة) فلان و(مدعاته) و(دعائه) بمعنى واحد، وهذا كلام أكثر العرب(٥)،
وأصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُوا بُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ
أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلَا
مُسْتَقْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وأصل الدّعوة بفتح الدال، والمراد بها هنا: دعوة الإسلام(٢)، وهي في القرآن الكريم
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٧/٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣١٥.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣٤٨/١.
(٤) انظر: الدعوة والداعية، محمد البارودي ص٢٠.
(٥) انظر: المصباح المنير، الفيومي ١٩٥/١.
(٦) انظر: أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان ١/ ٧.
٣٦٦
مَوَسُولَة
القرآن الكريم

الدعوة
الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله صلی الله علیه وسلم.
والدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو
الأمر بالمعروف، والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر (١).
فهي الدعوة إلى الإيمان بالله وبما جاءت به رسله وذلك بتصديقهم فيما أخبروا به
وطاعتهم فيما أمروا (٢).
والأصل في بيان ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه على اليمن؛ قال: (إنك تقدم على قوم أهل کتاب،
فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله .. الحديث)(٣).
فالدعوة في اللغة هي: مطلق الدعاء والنداء إلى شيء، وبالمعنى الاصطلاحي يتبيّن أن
هذا النداء للدعوة هو: دعوة إلى الإيمان بالله تعالى، واتباع كتابه، والسير على منهج رسوله
صلى الله عليه وسلم، والدّاعون إليه من أشرف الناس عند الله.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٠٧/١.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٥/ ١٥٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، ١١٩/٢،
رقم ١٧٥٤.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الدال
الدعوة في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (دع و) في القرآن الكريم (٢٠٧) مرات، يخص موضوع البحث منها (٢٠٥)
مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
[فصلت: ٣٣]
﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّالرَّحِيمُ
٢٨
١٠٦
[الطور: ٢٨]
فعل الأمر
(دعائي)
٣٢
﴿ أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ ﴾ [النحل: ١٢٥]
اسم فاعل
٧
يَوْمَيِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨]
اسم
٢٠
﴿وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلِ
﴾ [الرعد : ١٤]
مصدر
١٠
﴿لَهُ دَعْوَةُ اَلْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]
وجاءت الدعوة في القرآن الكريم بمعناها في اللغة وهي مصدر دعا، أي: نادى وطلب،
ودعا إلى الأمر: حثَّ عليه(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٥٧ - ٢٦٠.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٧٤٧/١.
٣٦٨
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا
الفعل المضارع

الدعوة
الألفاظ ذات الصلة بالدعوة
الهداية:
١
الهداية لغةً:
أصل الهداية في اللغة: التقدم للإرشاد، فالهادي هو الذي يتقدم لإرشاد من خلفه (١).
والهدى: الرشاد والدلالة، ضد الضلالة (٢).
الهداية اصطلاحًا:
الهداية: هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى
المطلوب(٣).
الصلة بين الهداية والدعوة:
الدعوة هي طريق للهداية، فالهداية غاية، والدعوة وسيلة.
الموعظة:
٢
الموعظة لغةً:
الوعظ: التخويف، والاسم: العظة، وهو التذكير بالخير وما يرق له قلبه (٤).
الموعظة اصطلاحًا:
الموعظة: وهي ما يوعظ به من قول أو فعل(٥).
الصلة بين الموعظة والدعوة:
الموعظة إحدى وسائل الدعوة، وأكثرها استعمالًا، تجعل المدعو سريع الاستجابة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ٤٢.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٦/ ١٠٢.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص٣١٩.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٦/٦.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٤٣/٢.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الدال
إسناد الدعوة إلى الله تعالى
تقدم معنا أن الدعوة لها ألفاظ ودلالات
ومعان عدّة، وأهم هذه المعاني هي: أن
الدعوة دعوة إلى عبودية الله وحده، واتباع
رسوله وما أرسله به.
ومن عظيم رحمة الله تعالى أنه يدعو
عباده بنفسه، وهذا إن دلّ فإنما يدل على
عظيم كرمه، وجزيل إحسانه، وبيان ذلك
كما يأتي:
أولا: دعوة الله تعالى لعباده إلى وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال
المغفرة:
جاء في آيات الدعوة الواردة في القرآن
الكريم أن الله تعالى يدعو عباده بنفسه،
ويمكن أن نجعل تلك الدعوة في قسمين:
الآيات الصريحة في دعوة الله تعالى
لعباده إلى مغفرته:
وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا
الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن
مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ
حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوا إِلَى
الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: ٢٢١].
يعني تعالى ذكره: هؤلاء الذين حرّمت
عليكم -أيها المؤمنون- مناكحتهم من
رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى
النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم
النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون
من الكفر بالله ورسوله؛ فلا تقبلوا منهم ما
يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم
ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالاً
ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا
به، وانتهوا عما نهاكم عنه(١)؛ فذلك ما
يوجب لكم المغفرة، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى الْجَنَّةِ
وَاَلْمَغْفِرَةِ﴾ أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة
والمغفرة، التي من آثارها دفع العقوبات
الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع،
والعمل الصالح (٢)، ويدعوكم إلى مخالطة
المؤمنين لأن ذلك أوصل لكم إلى الجنة (٣).
﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى
وقوله تعالى:
اللَّهِ شَلَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَدْعُوكُمْ
لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ
إِلَى أَجَلٍ مُّسَتَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا
فَأَتُونَا بِسُلْطَانِ شُبِينٍ ﴾ [إبراهيم: ١٠].
أي: يدعوكم إلى التوحيد ليغفر لكم
من ذنوبكم(٤)، والدعوة أصلاً دعوة إلى
الإيمان، المؤدي إلى المغفرة، ولكن السياق
يجعل الدعوة مباشرةً للمغفرة، لتتجلى نعمة
(١) جامع البيان، الطبري ٤ /٣٧١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٣٤.
(٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩٦/١.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٩/١٣.
٣٧٠
جوب
القرآن الكريم

الدعوة
الله ومنته، وعندئذٍ يبدو عجيبًا أن يدعى قوم
إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة!
﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾،
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فهو
سبحانه مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم
بالإيمان فور الدعوة، ولا يأخذکم بالعذاب
فور التکذیب، إنما یمنّ علیکم منّة أخرى
فیؤخر کم إلى أجل مسمى(١)، فلیس العجب
ممن تكلف لسیده المشاقّ وتحمل ما لا
یطاق، وألّا يهرب من خدمة أو يجنح إلى
راحة؛ إنما العجب من سيد عزیز کریم يدعو
عبده ليغفر له وقد أخطأ، ويعامله بالإحسان
وقد جفا (٢).
ففي الآيات دلالة صريحة أن الله الكريم
يدعو عباده بنفسه، وأهم قضية دعا إليها
سبحانه وتعالى:
دعوة عباده إلى جنته التي أعدها لمن
غفرت له ذنوبه.
دعوة عباده إلى مغفرته التي لا يملكها
إلا هو.
ومن الآيات التي تتضمن دعوة الله
تعالى لعباده إلى مغفرته: قوله تعالى:
وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنِ زَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
﴾ [آل عمران: ١٣٣].
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٠.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٢٤٢.
أي: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي
الطاعة، والآية عامة (٣)، فكل ما من شأنه
الحصول على مغفرة الله تجب المسارعة
إليه.
﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ
وقال تعالى:
وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيّ أُخْرَانِكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا
بِغَدٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
فأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في
نحر العدو في نفر يسير وثوقًا بوعد الله
ومراقبة له (٤)؛ لأن الأمر الحقيقي من دعوة
الرسول صلی الله عليه وسلم وجهاده هو
التعلق بمغفرة الله، وذلك بالجهاد الذي
يغفر الله به الذنوب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْأَ خَذَ مِشَقَّكُتْإِن
كُثُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِه ◌َايَاتٍ
بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الْقُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ
﴾ [الحديد: ٨-٩].
لَرَؤُوفٌ رَّحِيمُ ®
أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان
والرسول بين أظهرکم یدعوكم إلى ذلك،
ویبین لكم الحجج والبراهين على صحة ما
جاءكم به(٥) .
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٠٣.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٤٣١/٢.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٥.
www. modoee.com
٣٧١

حرف الدال
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ.
◌ِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: ٦].
وقوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَلِوَالأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (١)﴾
[الحديد: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم
بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّ كَبِيرٌ ﴾ [الملك:
١٢ ].
فهذه الآيات تتضمن الدعوة من الله تعالى
لعباده أن يحذروا من غوايات الشيطان التي
تبعدهم عن نيل مغفرة الله، وأن يسارعوا
إلى مرضات الله تعالى ومغفرته، مع التخلق
بأخلاق المستحقين لتلك المغفرة.
ثانيًا: دعوة الله تعالى لعباده إلى الجنة:
جاء في القرآن الكريم دعوة الله تعالى
لعبادة إلى جنته مباشرةً، ويمكن أن نجعل
هذا کالذي قبله وذلك في قسمين:
١. الآيات الصريحة في دعوة الله
تعالى لعباده إلى جنته.
وهذا كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ
خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا
الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ
مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ
يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِنُ ءَايَتِهِ،
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَُّونَ (٦)﴾ [البقرة: ٢٢١].
فهو يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم
الجنة، ویوجب لكم النجاة إن عملتم به من
النار (١)، وهو يدعو عباده لتحصيل الجنة(٢)،
وطريق المؤمنين والمؤمنات هو طريق
الله، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه،
وما أبعد دعوة المشركين إذن من دعوة
الله، والله يحذر من هذه الدعوة المردية
﴿وَيُبَيِنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ﴾.
فمن لم یتذكر، واستجاب لتلك الدعوة فهو
الملوم(٣).
فمن عمل بطاعة الله تعالى وطاعة
رسوله صلى الله عليه وسلم فقد استجاب
لدعوة الله له إلى الجنة، وهذا يتجلى في
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ
لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْبِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ ﴿
(٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقوله صلی الله عليه وسلم: (كل أمتي
يدخلون الجنة إلا من أبى)، قالوا: يا رسول
الله، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل
الجنة، ومن عصاني فقد أبى) (٤).
(١) جامع البيان، الطبري ٤ /٣٧١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٣٤.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٤٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
٣٧٢
مَقَالَرُ النَّفْسِيْ
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

الدعوة
وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ
السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيم ٥
[يونس: ٢٥].
يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس،
لا تطلبوا الدنيا وزينتها، فإن مصيرها إلى
فناءٍ وزوالٍ، كما مصير النبات الذي ضربه
الله لها مثلا إلى هلاكٍ وبوارٍ، ولكن اطلبوا
الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله
فالتمسوا بطاعته، فإن الله یدعو کم إلى داره،
وهي جناته التي أعدّها لأوليائه، تسلموا
من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء
ما فيها من النّعيم والكرامة التي أعدّها لمن
دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه
الإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام
الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى
رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى
جنانه و کرامته(١).
فعمّ تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام،
والحث على ذلك، والترغيب، وخص
بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه،
فهذا فضله وإحسانه، والله يختص برحمته
من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس
لأحد علیه حجة بعد البیان والرسل، وسمی
الله الجنة دار السلام؛ لسلامتها من جميع
الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها
الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله،
٩/ ٩٣، رقم ٧٢٨٠.
(١) جامع البيان، الطبري ٥٩/١٥.
وتمامه وبقائه، وحسنه من کل و جه(٢)، فیا
لبعد الشقة بين دار يمكن أن تطمس في
لحظة، وقد أخذت زخرفها وازينت وظن
أهلها أنهم قادرون عليها فإذا هي حصيد
كأن لم تغن بالأمس، ودار السلام التي يدعو
إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط
المؤدي لها، حينما تنفتح بصيرته، ويتطلع
إلى دار السلام(٣).
ولذا حذر الله تعالى من الدعوة المضادة
إِنَّ الشَّيْطَنَ
المباينة لهذه الدعوة فقال:
عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: ٦].
٢. الآيات التي تتضمن دعوة الله
عباده إلى جنته (٤).
وهذه الدعوة الضمنية تحمل في طياتها
معنى التبشير والوعد، فذكر الله تعالى الجنة
مشوقًا عباده إليها، وحاًّا لهم على العمل
من أجل الدخول فيها، فورد کثیر من الآيات
التي تذكر الجنة بسياق مختلف، حيث
جاءت مفردة منكرة بلفظ (جنّة) كما في
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُدْدِ
الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَّآءُ وَمَصِيرًا
◌َُّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ
• [الفرقان: ١٥- ١٦].
١٦
وَعْدًا مَسْئُولًا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٦٢.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٧٧٥/٣.
(٤) انظر: صفة الجنة في القرآن الكريم،
عبدالحليم السلفي ص٣١.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الدال
أي: كانت تلك الجنة للمتقين جزاءً على
أعمالهم، ومصيرًا يصيرون إليه، ﴿لَّمْ
فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ أي: ما يشاءونه من
النعيم، وضروب الملاذ(١).
وجاءت مفردةً معرّفةً مجرورةً كلفظ
(بالجّنة) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلَتَبِكَةُ أَلََّتَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ
[فصلت:
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ®
٣٠].
يقول: وسرّوا بأن لكم في الآخرة الجنة
التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم
بالله، واستقامتكم على طاعته(٢).
وجاءت مرفوعةً مثنّةً كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جَنََّانِ ﴾
[الرحمن: ٤٦].
وهذه الآية عامة كما قاله ابن عباس
وغيره، يقول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَيِّهِ﴾ بين يدي الله عز وجل يوم القيامة
﴿وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْتَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].
ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم
أن الآخرة خير وأبقى فأدى فرائض الله
واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه
جنتان، کما ذکر البخاري عن أبي بكر بن
عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٧٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٧٦.
جوبيو
القرآن الكريم
صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة
آنیتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنیتهما
وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى
ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه
في جنة عدن)(٣)(٤)
وجاءت مجموعةً معرفةً في موضع
واحد فقط وهو قوله تعالى: ﴿تَرَى
الفَِّلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا
وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا
يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
﴾ [الشورى: ٢٢].
٢٢
أي: في الروضات المضافة إلى الجنات،
والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا
تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة،
وما فيها من الأنهار المتدفقة، والفياض
المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار
المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات
الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب،
والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل
نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى
إلا حسنًا وبهاءً، ولا يزداد أهلها إلا اشتياقًا
إلى لذّاتها وودادًا، ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ﴾ فيها،
أي: في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل،
ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب حور مقصورات، ٦/ ١٥٤، رقم ٤٨٧٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٢/٧.
٣٧٤

الدعوة
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،
﴿ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ وهل فوز أكبر
من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في
دار كرامته؟(١).
وجاءت مجموعةً منكّرةً في مواضع
منها قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أَنَّ لَمْ جَثَّتٍ تَّجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ
رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْ بِ،
مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا
خَلدُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر
منها- إلى جانب الأزواج المطهرة- تلك
الثمار المتشابهة، التي يخيل إليهم أنهم
رزقوها من قبل - أما ثمار الدنيا التي تشبهها
بالاسم أو الشكل، وأما ثمار الجنة التي
رزقوها من قبل - فربما كان في هذا التشابه
الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في
كل مرة (٢).
قُلْ أَؤُنَِّئُكُم پِخَيْرٍ
وقوله تعالى:
مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ
تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَتٌ مِّنَ اللَّهُ وَاللهُ بَصِيرٌ
بِاَلْمِبَادِ ٥﴾ [آل عمران: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٥٧.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٩.
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِىِ جَّتِ
عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِأَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ أَ
﴾ [التوبة: ٧٢] وغيرها كثير.
وكل هذه الآيات تتضمن الدعوة إلى
الفوز بجنة الله تعالى مهما اختلفت صيغها،
وتنوع سياقها، فهي تدعو إلى تحقيق أعمال
وأخلاق تجعل أصحابها فائزين بجنة الله
تعالى التي أعدها لعباده الصالحين.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الدال
مقاصد الدعوة
للدعوة الإسلامية مقاصد مهمة ذكرت
في ثنايا آيات الدعوة التي وردت في القرآن
الكريم، ومن تلك المقاصد ما يأتي:
أولًا: تحقيق التوحيد:
فمن المقاصد العظيمة التي تبدو في
ثنايا الآيات التى تتحدث عن الدعوة تحقيق
توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.
والتوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه
دعوا أقوامهم، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّ أَنَا
[الأنبياء: ٢٥](١).
فَاعْبُدُونِ {(٢٥
وسأذكر بعض الآيات الواردة فى الدعوة
إلی تحقیق التوحید حسب ترتيب السور.
فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
لا
يُشْرَكَ بِهِ، وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ
وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً بَعِيدًا ( إِن
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ
إِلَّا شَيْطَنَّا تَرِيدًا
[النساء: ١١٦-
١٧)
١١٧].
ويدعون بمعنى: يعبدون؛ لأن من عبد
شيئًا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى
(١) انظر: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد
ملكاوي ١ / ٦١.
(٢) مفاتح الغيب، الرازي ١١/ ٢٢١.
اللَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ: أُوْلَيْكَ يَنَاهُمْ نَصِيُهُم مِّنَ
الْكِتَبِّ حَّى إِذَا جَاءَ تُهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ
مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا
وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ
[الأعراف: ٣٧].
يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت
المشركين تفزعهم عند الموت، وقبض
أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين
كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم
وتعبدونهم من دون الله؟! ادعوهم
يخلصوكم مما أنتم فيه، ﴿قَالُواْ ضَلُّواْعَنَّا﴾
أي: ذهبوا عنا، فلا نرجوا نفعهم ولا خيرهم
﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أقروا واعترفوا
على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾(٣).
وقد وردت آیات کثیرة تدعو لتحقیق هذا
المقصد العظيم، كقوله تعالى: ﴿قُلّ هَذِهِ،
سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِىّ
وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨
[يوسف: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْمِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَقْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى
الْمَآءِ لِيَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلِفٍِّ، وَمَا دُعَاءُ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَلَلٍ ﴾ [الرعد: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِّرُ
بَعْضَهُ، قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِّهِ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٩/٣.
٣٧٦
مَوَمُون
القرآن الكريمِ

الدعوة
إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَشَاپٍ
﴾ [الرعد: ٣٦].
٣٦
﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
وقوله تعالى:
دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
[النحل: ٢٠].
، تعالى: ﴿أُوْلَّيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
رَحْمَتَهُ، وَخَافُونَ عَذَابَهُْ إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ كَانَ
[الإسراء: ٥٧].
تذودان
وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَّ
وَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ ﴾ [الحج:
٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ
عَن دَعَابِهِمْ غَفِلُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَهُمْ
﴾ [الأحقاف: ٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّ وَاَ أُشْرِفُ
بِهِ= أحداث﴾ [الجن: ٢٠]وغيرها.
وفي ثنايا هذه الآيات ألحظ الدعوة إلى
تحقيق التوحيد فيما يأتي:
أن الدعوة إلى التوحید أصل أصيل دعا
إليه الله تعالى بنفسه، ولأجله أرسلت
الرسل وأنزلت الكتب.
النهي الصريح عن دعاء غير الله تعالى،
أو الدعوة إلى عبودية غيره.
تصریح الداعي إلى الله أن دعوته إلى
عبودية الله دون سواه واتباع رسله.
● الدعوة الصريحة للتحاكم إلى الله
تعالى وما جاء عنه.
ويلاحظ أن قاعدة التوحيد الأولى هي
إفراد الله بالعبادة، وقد جاءت الدعوة إلى
ذلك عن جميع رسل الله عليهم الصلاة
والسلام، وأنهم قاموا بدعوة أقوامهم إلى
ذلك وتحذيرهم من الشرك بالله (١).
ثانيًا: الهداية والإصلاح:
ومن مقاصد الدعوة في القرآن الكريم:
الهداية والإصلاح، وهما أمران متلازمان.
ومن الآيات التي تذكر معنا في هذا
الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍّ فَلَيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة (٢)،
بمعنى هدي للإجابة؛ ليصلح حاله.
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِّ
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ لَ
[آل عمران:
١٠٤
١٠٤ ].
يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة
للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك هم
(١) انظر: معالم الدعوة في قصص القرآن،
الديلمي ١ / ٦٤.
(٢) محاسنّ التأويل، القاسمي ٢/ ٣٧.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الدال
المفلحون(١)، وهذا غاية في بيان هداية
القائمين بالدعوة ودعوة غيرهم للاهتداء
بها.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ
عَذَابٌ اَللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اْللَّهِ تَدْعُونَ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا
تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾
[الأنعام: ٤٠ - ٤١].
هذه الآية الكريمة عاب الله فيها الكفار
بسخافة العقول، وأنهم إذا نزلت بهم شدة
من العظائم الشداد أخلصوا في ذلك الوقت
الدعاء إلى الله، وتركوا دعاء غير الله؛
لعلمهم بأنه لا ينفع ولا يضر، فإذا نجاهم
الله من تلك الكربة، وأمنوا، رجعوا إلى ما
كانوا عليه من الشرك بالله، وهذه سخافة
عقول؛ لأنهم في وقت الشدائد يخلصون
إلی الله(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَثُرَدُ عَلَى أَعْقَايِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَنَا اَللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَطِيْنُ فِىِ الْأَرْضِ
حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَقْتِنَأُ قُلْ
إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبٍِّ
الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ
[الأنعام:
وَهُوَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ )﴾
٧١-٧٢].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٨٧.
(٢) العذب النمير، الشنقيطي ٢٣٤/١.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللّهُ﴾ أي: للإسلام
والتوحيد، وأنقذنا من عبادة الأصنام، فنصير
كالمستمر على الضلال، واستمالته عن
الطريق الواضح مردة الجن، في الأرض
القفر المهلكة، تائهًا ضالًّا عن الجادة، لا
يدري کیف یصنع، ولهذا المستهوي رفقة
(٣)
يدعونه إلى الطريق المستقيم
٠
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُواْ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَا
لِكُلِّ أُمَّدٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُكَبِّئُهُم
[الأنعام: ١٠٨].
١٠٨
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٥
وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء، مع
علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق
ولكن إذا سبّ المسلمون آلهتهم؛ اندفعوا
عما يعتقدونه من ألوهية الله، دفاعًا عما زين
لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم
وتقاليدهم؛ فليدعهم المؤمنون لما هم
فیه(٤)
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَىلَا
يَسْمَعُواْ وَتَرَدَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
﴾ [الأعراف: ١٩٨].
إذ ليس لهم سمع، وإن صورت لهم
الآذان، كما أنه لا بصر لهم، وإن صورت
لهم الأعين وهذا من تمام التعليل؛ لعدم
مبالاته بهم، فلا تكرار (٥).
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٣٩٦/٤.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١١٦٩/٢.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٢٤١/٥.
٣٧٨
فَضْو
جوبيهـ
القرآن الكريمِ

الدعوة
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنياً
وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا (٦)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بَِايَتِ
رَيِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسَِ مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَانَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا
٥٧
[الكهف: ٥٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا
بِأَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً
٦٨
مُهَانَا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَّلَا
يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَخْلُدْفِيهِ.
صَلِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
[الفرقان: ٦٨-
* وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾
٧٠].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
﴾ [الزخرف: ٨٦].
وقوله تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلُ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ
اَلْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا
يَكُونُواْ أَمْشَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٨].
ففي هذه الآيات وغيرها نلحظ أن آيات
الدعوة اشتملت اشتمالًا واضحًا جليًّا في
الدعوة إلى الهداية والإصلاح الذي هو ناتج
عن الهداية وألحظ ذلك فيما يأتي:
أن آيات الدعوة اشتملت على الدعوة
الصريحة إلى الهداية.
● أهل الهداية الحقة هم الموحدون
والداعون إلى توحيد الله تعالى.
الدعوة إلى الهداية دعوة إلى امتثال
٥
أوامر الله تعالى، وترك زواجره
ونواهيه، وهي ما يكون به الإصلاح.
وجوب صحبة أهل الهداية؛ لأن
المعرضون عن الدعوة إلى الهداية هم
أظلم الناس.
ثالثًا: إقامة الحجة:
ومن المقاصد التي تلحظ في آيات
الدعوة إقامة الحجة على المعرضين عن
الهداية؛ فأرسل الله ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ
وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
٠٠يا ".
الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وذلك کما جاءت به الآيات والتي منها
ما يأتي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٩٤
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنَّ يُبْصِرُونَ بِهَاَ أَمْ
لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ ثُمَّ
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الدال
[الأعراف: ١٩٤-
کیدُونِ فَلا تُنظِرُونِ (*)﴾
١٩٥].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
فأخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين
جعلتموهم آلهةً هم عباد لله کما أنتم عباد
له مع أنکم أکمل منهم؛ لأنكم أحياء تنطقون
تقریح لهم بالغ، وتوبيخ لهم عظيم (١).
مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهٌ.
وتمشون وتسمعون وتبصرون وفي هذا وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾﴾
[الحج:
٧٣].
وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضُِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَلَةً إِن
يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
﴾ [يونس: ٦٦].
فأخبر تعالى أن له ملك السموات
والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام
وهي لا تملك شيئًا لا ضرًّا ولا نفعًا، ولا دليل
لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك
ظنونهم وتخرّصهم و کذبهم وإنکھم(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّ ◌ِيََّهُ فَمَّا بَّنْكُنْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
٦٧} [الإسراء: ٦٧].
وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا (
فالله تعالى بنفسه يقيم عليهم الحجة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنِيَاءُ فَقُولًا إِنَّا رَسُولَا
رَيِّكَ فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ
◌ِثْنَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ اْهُدَىّ
﴾ [طه: ٤٧].
٤٧
(١) فتح القدير، الشوكاني ٣١٦/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٢٤٥.
ففي هذه الدعوة إقامة الحجة على
فرعون.
وهذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان،
وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف
الجميع (٣)، فـ﴿أَنْ يَخْلُقُواْذُبَابًا﴾ واحدًا في
صغره وقلته؛ لأنها لا تقدر عليه (٤)، وإن
يسلب الآلهة والأوثان الذباب شيئًا؛ لا تقدر
الآلهة أن تستنقذ ذلك منه(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا
[القصص: ٤١].
يُصَرُّونَ ﴾
﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ
وقوله تعالى:
وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ
كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَتَّىَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَاَلَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ.
مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا
يَسْمَعُواْ دُعَلَ كُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكُمّْ
وَيَوْمَ الْقِيْمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّتُكَ
مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٤٦.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٤٠٠/٥.
(٥) جامع البيان، الطبري ٦٨٥/١٨.
٣٨٠
جَوَسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم

الدعوة
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يُّهُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ اْأَرْضِ
أَمْلَهْ شِرِكِ فِ التَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى
بَيْنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضَّا إِلَّا
غُرُورًا ﴾ [فاطر: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمَّ لَهُمْ شِرٌْ
فِ السَّمَوَتِ أَقْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ
أَثَرَؤْ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (١) وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَّيِهِمْ غَفِلُونَ ﴾﴾
[الأحقاف: ٤ -٥]. وغيرها كثير.
وبالنظر في ما مر معنا من الآيات ألحظ
ما يأتي:
أن آيات الدعوة اشتملت على إقامة
الحجة البالغة في الدعوة إلى عبودية
الله تعالى.
دعت الآيات الكريمة إلى البراءة من
ما يعبد من دون الله، وبينت عجزهم
وضعفهم.
الدعاة إلى توحيد الله من الأنبياء
وغيرهم أقاموا الحجة على أقوامهم في
عبادتهم غیر الله.
إنفراد الله تعالى بالخلق والتدبير دعوة
للمشركين لأن يعبدوه وحده، إذ قد
قامت الحجة عليهم؛ لأنهم علموا ذلك
وأقروا به.
قواعد الدعوة
بالبحث فيما معنا من آيات الدعوة،
ومعرفة كلام المفسرين حولها، نلاحظ أن
هناك قواعد مهمة للدعوة، ذكرت في ثنايا
الآيات، والتي منها ما يأتي:
أولًا: الإخلاص:
ذكر ابن القيم كلامًا مهمًّا في منزلة
الإخلاص، كما ذكر تعاريف منها: أن
الإخلاص: أن لا تطلب على عملك شاهدًا
غير الله، ولا مجازيًا سواه (١).
وإخلاص الدعوة لله تعالى أمر واجب؛
ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ثلاثة لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص
العمل لله، والنصيحة لولاة الأمر، والاعتصام
بالجماعة)(٢).
ومن الآيات الواردة في الأمر بالإخلاص
لمن سلك سبيل الدعوة، قوله تعالى: ﴿ قُلّ
أَمَرَ رَبِي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُّ كَمَا
بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٩].
أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا
شريك له، والدعاء يشمل دعاء المسألة،
(١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٢/ ٩٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢١/ ٦٠، رقم
١٣٣٥٠، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٤٥/٢، رقم ٦٧٦٦.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الدال
ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا ولا تقصدوا ثانيًا: العلم:
من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله
ورضاه(١).
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ وَلَوْ كَرِّهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾ [غافر: ١٤].
أي: إذا كان الأمر كما ذكر من ذلك؛
فادعوا الله وحده مخلصين له العبادة
التي أمركم بها ولو كره الكافرون ذلك،
فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا
بغیظهم ویهلكوا بحسرتهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلََّ هُوَ
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ ﴾ [غافر: ٦٥].
يقول: هو الحي الذي لا يموت،
الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع
الحياة غير دائمها، فلا معبود بحق تجوز
عبادته، وتصلح الألوهية له إلا الله الذي
هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس
مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة،
مفردين له الألوهية، لا تشركوا في عبادته
شيئًا سواه، من وثن وصنم، ولا تجعلوا له
ندًّا ولا عدلًا(٣).
فتبین مما سبق أن الداعي لابد أن یکون
مخلصًا مهمًّا کان موقعه، ومهما كانت منزلته
في الدعوة إلى سبيل الله رب العالمين.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٨٦.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٥٦.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤١٠.
والعلم مفتاح كل شيء، ولا بد أن یکون
الداعية عالمًا بشرع الله ليدعوا إلى الله على
بصيرة (٤).
ومن الآيات الواردة معنا في أهمية العلم
في مجال الدعوة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ،
سَبِيلِيَّ أَدْعُواْإِلَى اللَّهَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِّ
وَسُبْطَنَّ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٠٨ ٢
[يوسف: ١٠٨].
أي: على علم ودليل واضح وبرهان
قاطع لا يترك في الحق ليسًا (٥).
ويقول تعالى لرسوله صلى الله عليه
وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له
أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته
ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، یدعو إلی
الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان،
هو وکل من اتبعه یدعو إلى ما دعا إليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين
وبرهان عقلي وشرعي (٦).
﴿ قُلْ إِنِي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ
وقوله تعالى:
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ لَمَّا جَآءَ فِيَ الْبَيْنَتُ
مِن رَّبِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٦٦
[غافر: ٦٦].
(٤) انظر: منهج ابن القيم في الدعوة، أحمد
الخلف ٢٤٦/١.
(٥) العذب النمير، الشنقيطي ٦٢/٢.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٢/٤.
٣٨٢
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

الدعوة
يقول: لما جاءني الآيات الواضحات
من عند ربي، وذلك آیات کتاب الله الذي
أنزله(١)، من الحجج والآيات أو من الآيات
فإنها مقوية لأدلة العقل منبهةً عليها(٢)،
فلست على شك من أمري، بل على يقين
وبصيرة(٣).
ولهذا يجب على الداعية أن يتعلم العلوم
الشرعية؛ لأنه بذلك يدرك جميع صفات
الكمال المطلوبة للداعية (٤).
وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف
مقامات العبد وأجلّها وأفضلها فهي لا
تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإلیه، بل لا
بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى
حد يصل إليه حسن السعي فيها (٥).
ثالثًا: الرفق:
الرفق من الأمور المهمة التي ينبغي أن
يتحلى بها جميع الدعاة؛ حتى تقبل دعوتهم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله تعالى رفيق يحب الرفق،
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف،
وما لا يعطى على ما سواه) (٦).
(١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤١١.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ٦٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٤٢.
(٤) انظر: منهج ابن القيم في الدعوة، أحمد
الخلف ٢٤٦/١.
(٥) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٨٦.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب فضل الرفق، ٢٠٠٣/٤، رقم ٢٥٩٣.
وقال أيضًا: (من يحرم الرفق، يحرم
الخير)(٧).
ومن الآيات الواردة في بيان ذلك
قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: ١٢٥].
وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة
لكون الداعي محقًّا وغرضه صحيحًا ولما
حث سبحانه على الدعوة بالطرق المذكورة
بیّن أن الرشد والهدایة لیس إلی النبي صلى
الله عليه وسلم وإنما ذلك إليه تعالى،
وإنما شرع الدعوة وأمر بها قطعًا للمعذرة،
وتتميمًا للحجة، وإزاحةً للشبهة، وليس
على الداعية غير ذلك، ثم لما كانت الدعوة
تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع إلى
الحق فإن أبوا قوتلوا، أمر الداعي بأن يعدل
في العقوبة (٨).
وفي قوله تعالى: ﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ
اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَتُجِكُم
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اَللَّهِ فَلَيْسَِ
بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَّهُ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءُ
أَوْلَكَ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ (٦)﴾ [الأحقاف: ٣١ -
٣٢].
قوله: ﴿أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ﴾ أمر بإجابته في
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب فضل الرفق، ٢٠٠٣/٤، رقم ٢٥٩٣.
(٨) فتح القدير، الشوكاني ٣٤٢/٣.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الدال
کل ما أمر به، فيدخل فیه الأمر بالإيمان إلا
أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل
أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة
القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه
أشرف أنواعه(١)، فاعتبروا نزول هذا الكتاب
إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من
إنس وجن، واعتبروا محمدًا صلی الله علیه
وسلم داعيًا لهم إلى الله بمجرد تلاوته لهذا
القرآن، واستماع الثقلين له: فنادوا قومهم:
﴿يَقَوْمَنَآَ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِدٍ﴾(٢)،
فكان هؤلاء الدعاة من الجن متلطفين في
خطاب قومهم، رفیقون بمن يدعونهم إلى
الحق المبين.
رابعًا: مراعاة حال المدعوين:
يختلف حال المدعوّين من شخص
لآخر ومن قبيلة لأخری؛ لذا جاء في آیات
الدعوة ما یبیّن كيفية التعامل معهم، ويوضح
الطريق الذي ينبغي أن يسير عليه الداعية في
دعوته مع الناس، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿فَمَنْ حَلَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْمِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ
وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَبِلْ فَنَجْعَل لَّعْتَتَ
اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ ﴾ [آل عمران: ٦١].
ففي هذه الآية ومثيلاتها تظهر الشدة على
هؤلاء المعاندين المكذبين.
(١) مفاتح الغيب، الرازي ٢٩/٢٨.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٢٣٧٤.
وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم
من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا
الاجتماع الحاشد، ليبتهل الجميع إلى الله
أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين؛
فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة وتبين الحق
واضحًا(٣)، فدل على عناد من لم يتبعك في
هذا العلم اليقيني، فلم يبق في مجادلته فائدة
تستفيدها ولا يستفيدها هو (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ
عِلَّمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم
تَرْجِعُهُمْ فَيُنَيْثُهُمِ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٠٨
[الأنعام: ١٠٨].
فقد كان المؤمنون يسبون الأصنام بأنها
أجرام لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر،
فأنزل الله نهيهم عن ذلك لئلا يتذرع به
المشركون فينتقمون منهم فيسبون ربهم (٥)،
فمثل هؤلاء لا يصلح ذم آلهتهم وسبّهم؛
لأنهم سيزدادون سفهًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَاً
إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ
﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِئَةُ أَدْفَعْ بِأَلَّتِی
هِىَ أَحْسَنُ فَالَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَنَّهُوَلِىُّ
حَمِيدٌ ﴾ [فصلت: ٣٣-٣٤].
وهذا فى حال من له عقل وخلق.
(٣) المصدر السابق ٤٠٥/١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣٣.
(٥) العذب النمير، الشنقيطي ٨٦/٢.
٣٨٤
مُوسُو بَداً
القرآن الكريم