Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخوف عناصر الموضوع مفهوم الخوف ١٤٠ الخوف في الاستعمال القرآني ١٤١ الألفاظ ذات الصلة ١٤٢ أنواع الخوف ١٤٦ نفي الخوف عن الله ١٥٩ الخوف طبيعة إنسانية ١٦١ أسباب الخوف المحمود ١٦٩ آثار الخوف المحمود ١٧٧ ١٨٣ جزاء الخائفين من الله المُجَلَدُ الرَّابِع عَشَر حرف الخاء مفهوم الخوف أولًا: المعنى اللغوي: تدور مادة (خوف) حول الذعر والفزع(١)، يقال: خاف يخاف خوفًا وخيفة ومخافة، ومنه التخويف والإخافة، والنعت منها خائف (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج عن معناه في اللغة تقريبًا، فالأصفهاني يعرف الخوف بأنه: « توقّع مکروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة، أو معلومة، ويضاد الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية))(٣). وعرفه الجرجاني بأنه: ((توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب))(٤). وقال التفتازاني: «غم یلحق الإنسان مما یتوقعه من السوء)»(٥). يتضح مما سبق أن الخوف شعور بالاضطراب وعدم الأمن نتيجة حدوث مكروه في الحال، أو توقع حدوثه في المستقبل. (١) مقاييس اللغة ٢٣٠/٢ . (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٨١، لسان العرب، ابن منظور ٢/ ١٢٩٠، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥١٢. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٣. (٤) التعريفات، الجرجاني ص ٩٠. (٥) التوقيف، المناوي ص ١٦١. ١٤٠ جَوَسُوع القرآن الكريم الخزف الخوف في الاستعمال القرآني وردت مادة (خوف) في القرآن الكريم (١٢٤) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٨ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانِ ﴾ [الرحمن: ٤٦] الفعل المضارع ٦٨ [النحل: ٥٠] فعل الأمر ١ ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٧٥] الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ٤ المصدر ٣٤ [قريش: ٤] اسم الفاعل ٣ فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: ١٨] وجاء الخوف في القرآن الكريم على ثلاثة وجوه (٢): الأول: الخوف نفسه: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]. الثاني: القتل أو القتال: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣] أي: القتل، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩] يعني: انجلى الحرب والقتال. الثالث: العلم أو الظن: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا اُفْتَدَتْ بِهِ،﴾ [البقرة: ٢٢٩] يعنى: علمتم أو ظننتم. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٤٦-٢٤٨، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الخاء ص ٤٨٨ -٤٩١. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٢٠٠- ٢٠١، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٧٩ - ٢٨١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٥٧٦/٢ -٥٧٩، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٥٤٠/١- ٥٤٢. www. modoee.com ١٤١ ﴿يَخَافُونَ رَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ حرف الخاء الألفاظ ذات الصلة الخشية: ١ الخشية لغة: تدل مادة (خشي) على خوفٍ وذعرٍ (١). الخشية اصطلاحًا: عرفها الأصفهاني بأنها: ((خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]))(٢). وعرفها الجرجاني بأنها: «تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته. وخشية الأنبياء من هذا القبيل)) (٣). الصلة بين الخوف والخشية: الخشية أعلى من الخوف وأشد منه. وقيل: ((الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا))(٤). الرعب: ٢ الرعب لغة: ذكر ابن فارس أن معنى الرعب يرجع إلى ثلاثة أصول: الخوف، والملء، والقطع (٥). وقال الراغب: ((الرّعب: الانقطاع من امتلاء الخوف»(٦). الرعب اصطلاحًا: هو الذعر والخوف الشديد من خطر يؤدي إلى فقدان القدرة على الحركة أحيانًا. الصلة بين الخوف والرعب: الرعب أخص من الخوف وهو يدل على امتلاء القلب بالخوف وسيطرته عليه مما يسبب (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٨/٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٨٣. (٣) التعريفات، الجرجاني ص ٨٦-٨٧. (٤) الكليات، الكفوي ص ٤٢٨. (٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٠٩/٢. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٥٦. ١٤٢ جوب القرآن الكريم الخوف الانقطاع والذهول. الشفقة: ٣ الشفقة لغةً: أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت(١)، وهي ((صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس))(٢). شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة(٣). الشفقة اصطلاحًا: الشفقة هي ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، وهي عناية مختلطة بخوف (٤). ((الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها))(٥). الصلة بين الخوف والشفقة: ((إن الشفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، ومن ثم يقال للأم إنها تشفق على ولدها، أي: ترق له، وليست هي من الخشية والخوف في شيء. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٧]. ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول: ذلك، کما لا يحسن أن يقول يخشون من خشية ربهم))(٦). الرهبة: ٤ الرهبة لغة: رهب: خاف رَهْبَةً ورُهْبًا. ورجلٌ رَهَبوتٌ، أي: مرهوبٌ، يقال: رَهَبُوتٌ خيرٌ من رحموتٍ. أي: لأن تُرْهَب خيرٌ من أن تُرْحَم(٧). الرهبة اصطلاحًا: الرهبة: هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي مخافة مع تحرز واضطراب، وهي ضد (١) المصباح المنير، الفيومي ص ٣١٧. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص١٢٧. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٧٩/١٠. (٤) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥١٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٣١/٣. (٥) مدارج السالكين، ابن القيم ٥١٤/١. (٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٤١. (٧) مختار الصحاح، الرازي ١/ ١٣٠. www. modoee.com ١٤٣ حرف الخاء الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه (١). الصلة بين الخوف والرهبة: قال العسكري: ((الرهبة طول الخوف واستمراره، ومن ثمّ قيل للراهب راهب؛ لأنّه يديم الخوف)»(٢). فالرهبة خوف مخصوص. ٥ الإشفاق: الإشفاق لغةً: أشفقت من الأمر، إذا رققت وحاذرت(٣)، وهي ((صرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس)) (٤). شفق: الشّفق والشّفقة: الاسم من الإشفاق. والشّفق: الخيفة (٥). الإشفاق اصطلاحًا: (الإشفاق رقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها)) (٦). الصلة بين الخوف والإشفاق: («الشّفقة ضرب من الرقة وضعف القلب ينال الإنسان، ومن ثمّ يقال للأم إنّها تشفق على ولدها، أي: ترق له))(٧). وهكذا فالإشفاق من أعلى درجات الخوف، مصحوب برقة كبيرة وعناية ونصح للمشفق عليه، يرافقه التوقع والحذر. الفزع: ٦ الفزع لغة: قال ابن فارس: (((فزع) الفاء والزّاء والعين أصلان صحيحان، أحدهما الذّعر، والآخر الإغاثة»(٨). (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٦٦/١، مدارج السالكين، ابن القيم ٥٠٨/١. (٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤١. (٣) المصباح المنير، الفيومي ٣١٧/١. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٢٧. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٧٩/١٠. (٦) مدارج السالكين، ابن القيم ٥١٤/١. (٧) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤١. (٨) مقاييس اللغة، ٤ /٥٠١. جَوَسُولَة النفسية الْقُرآن الكَرِيمِ ١٤٤ الخوف يقال: ((فزع منه وفزع فزعًا وفزعًا وفزعًا، وأفزعه وفّعه: أخافه وروّعه، فهو فزعٌ))(١). الفزع اصطلاحًا: («انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه)) (٢). الصلة بين الخوف والفزع: ((الفزع مفاجأة الخوف عند هجوم غارة أو صوت هدة وما أشبه ذلك، وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل))(٣). وهكذا فالفزع يختص بالمفاجأة، ويصاحبه توقع مكروه عاجل، وانقباض ونفور من المخوف. الأمن: ٧ الأمن لغة: ضد الخوف، والفعل منه: أمن يأمن أمنًا (٤). الأمن اصطلاحًا: عدم توقع مكروه في الزمان الآتي (٥)، وأصله: طمأنينة النفس وزوال الخوف (٦). الصلة بين الآمن والخوف: الأمن ضد الخوف. (١) لسان العرب، ابن منظور ٢٥١/٨. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٣٥. (٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٤٢. (٤) العين، الفراهيدي ٣٨٨/٨. (٥) التعريفات، الجرجاني، ص ٣٧. (٦) التوقيف، المناوي، ص ٦٣. www. modoee.com ١٤٥ حرف الخاء أنواع الخوف إن المتدبر في کتاب الله عز وجل يجد أن الخوف ينقسم -حسب مشروعيته- إلى قسمين: أولًا: خوف مشروع: وهو ينقسم إلى قسمين: ١. خوف الفطري. وهو حالة انفعالية تتسم بالقلق وعدم الراحة بسبب التواجد قريبًا من مصادر الخطر، أو الشرور، أو الألم التي يتوقع الإنسان حدوثها أو مصادفتها، ويتوق إلى تجنبها. وهذا الخوف موجود عند جميع البشر بمن فيهم الأنبياء، وهو ليس صفة ذم أو نقص بالعموم ما دامت تتناسب مع حجم المخوف، لذا فلا يلام عليها الإنسان؛ لأنه مفطور عليه في الغالب. ٢. خوف محمود. وهو الخوف الذي يرضاه الله ورسوله. ويشمل كل ما يحجز المرء عن محارم الله، ويردعه عن الانزلاق في مستنقع المعاصي والآثام، ويسوقه إلى التوبة النصوح كلما استزله الشيطان أو أصابه رذاذ الغفلة والنسيان. اعتدال، والمحمود هو الاعتدال والوسط. فأما القاصر منه: فهو الذي يجري مجرى رقة النساء، يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن فيورث البكاء وتفيض الدموع، وكذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس ورجع القلب إلى الغفلة، فهذا خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع وهو كالقضيب الضعيف الذي تضرب به دابة قوية لا يؤلمها ألمًا مبرحًا فلا یسوقها إلى المقصد ولا يصلح لریاضتها. وأما المفرط: فإنه الذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال حتى يخرج إلى اليأس والقنوط وهو مذموم أيضًا؛ لأنه يمنع من العمل. وأما خوف الاعتدال: فهو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها بالطاعات، وما لم يؤثر في الجوارح فهو حديث نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى خوفًا))(١). قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ((والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا و((الخوف له قصور، وله إفراط، وله (١) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي ص ١٥٠٥. جَوَسُ القرآن الكريم ١٤٦ الخوف أو همَّا لازمًا، بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز وجل لم يكن محمودًا))(١). وهذا الخوف المحمود يشمل ثلاثة أمور: ١. الخوف من مقام الله. ورد الخوف من مقام الله تعالى في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: منها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جََّانِ ﴾ [الرحمن: ٤٦]. قال القرطبي: ((والمعنى خاف مقامه بين يدي ربّه للحساب فترك المعصية. فـ﴿مَقَامَ﴾ مصدرٌ بمعنى القيام. وقيل: خاف قیام ربّه عليه، أي: إشرافه واطّلاعه عليه، بيانه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّنَفْسٍ بِمَاكَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقال مجاهدٌ وإبراهيم النّخعيّ: هو الرّجل يهمّ بالمعصية فيذكر اللّه فيدعها من خوفه»(٢). والخوف من مقام الله يشمل الخوف من عظمته وجلاله وكبريائه، ومراقبته لعبده واطلاعه عليه وإحصائه لأعماله، والخوف من غضبه وسخطه وسطوته، كل ذلك يدفع المؤمن إلى تقوى الله بفعل طاعته واجتناب نواهيه، وزجر نفسه كلما دعته إلى اتباع (١) التخويف من النار، ابن رجب ص ٢٨. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٨/٢٠. الهوى ومقارفة السيئات. وهكذا يصوغ الخوف شخصية المؤمن وفق مسار التقوى فلا ینحرف عنه يمنة أو يسرة. يقول الأستاذ سيد قطب: ((والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة، فظل في دائرة الطاعة. ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان، وكل تجاوز، وكل معصية. وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى، فالجهل سهل علاجه، ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها. والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غیر هذا الحاجز أمام دفعات الھوی. ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة. فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها، الخبير بدوائها، وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها، ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مکامنها ومخابئها! ولم يكلف الله الإنسان ألا یشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته، ولكنه كلفه www. modoee.com ١٤٧ حرف الخاء أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها، وأن ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِبِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم يستعين في هذا بالخوف؛ الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب))(١). مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا ٢. الخوف من عذاب الله. أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠] قال ابن كثير: ((﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَلِهِ﴾ أي: كانت عقوبته بما يناسبه. تعددت النصوص القرآنية التي تحذر العباد من عذاب الله تعالی سواء الدنيوي أو الآخروي. قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيْكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. قال ابن كثير: «أي: ينبغي أن یحذّر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذا بالله منه)»(٢). إن غفلة الناس عن عذاب الله تعالى تدفعهم إلى الاستخفاف بحرماته وتضييع أوامره، وربما استغل الشيطان هذه الفرصة ففتح لهم أبواب الرجاء الكاذب والأمل الخادع ليجعلهم يتخذون من الطمع في رحمة الله، مدخلًا يدخلون به على یرجو ويطمع في رحمة الله عز وجل، یجب أن یکون ممن يخشاه، ویتوقّی محارمه. ولقد قصَّ علينا القرآن الكريم صورًا كثيرة من عذاب الله الدنيوي للأمم السابقة التي تمادت في الكفر والجحود والعناد حتى أهلكها الله بعذابه، كما قال تعالى: (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨١٨/٦- ٣٨١٩. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٩/٥. جَوَسُو ◌َ النَّشة القرآن الكريمِ ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾، وهم عادٌّ، وذلك أنّهم قالوا: من أشدّ منّا قوّةً؟ فجاءتهم ریحٌ صرصرٌ باردةٌ شديدة البرد، عاتيةٌ شديدة الهبوب جدًّا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، وهم ثمود، قامت عليهم الحجّة وظهرت لهم الدّلالة، من تلك النّاقة الّتي انفلقت عنها الصّخرة، مثل ما سألوا سواءًا بسواءٍ، ومع هذا ما آمنوا بل استمرّوا على طغيانهم المعاصي فى جرأة فاجرة، ناسين أن من وكفرهم، وتهدّدوا نبيّ اللّه صالحًا ومن آمن معه، وتوعّدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحةٌ أخمدت الأصوات منهم والحركات. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، وهو قارون الّذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرّبّ الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنّه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف اللّه به ١٤٨ الخوف وبداره الأرض. ﴿وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا﴾، وهم فرعون ووزيره هامان، وجنوده عن آخرهم، أُغرقوا في صبيحةٍ واحدةٍ، فلم ينج منهم مخبرٌ. أي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيما فعل بهم، ﴿وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: إنما فعل ذلك بهم جزاءً وفاقًا بما كسبت أيديهم))(١). كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ١٠٢) ﴾ [هود: ١٠٢]. ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ وَأَلِيمٌ شَدِيدُ إنها سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين الذين يستخفون بالإنذار والوعيد، ويتمادون في العناد والطغيان، فعندما يأتي عذاب الله في الأجل المقدر له فلا مفر منه ولا مهرب، فليحذر المجرمون من عقاب الله وعذابه، ولا يغرهم تأخر نزوله، فإنما هو إملاء واستدراج. أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (إن اللّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (٣)﴾)(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٨/٦ - ٢٧٩ باختصار . (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن الكريم، باب قوله تعالى: (وكذلك وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المرور بمنازل أهل العذاب إلا مع البكاء والخشية، فقد ذكر ابن عمر رضي الله عنه قال: لما مر النبي بالحجر- منازل ثمود قوم صالح- قال: (لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلّ أن تكونوا باكين)، ثمّ قنّع رأسه وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي(٣). أما عن العذاب الآخروي فقد وصفه الله تعالی بأنه أشد وأبقى كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّوَأَبْقَ﴾ [طه: ١٢٧]. ((أي: أفظع من المعيشة الضّنك، وعذاب القبر. ﴿وَأَبْقَىَ﴾ أي: أدوم وأثبت؛ لأنّه لا ينقطع ولا ينقضي)» (٤). كما وصف العذاب بأنه أخزى كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى﴾ [فصلت: ١٦]. ((والخزي: هو الذّ، والهوان بسبب عن أبي موسى الأشعري رضى اللّه عنه ذلك الاستكبار ولعذاب الآخرة أخزى، أي: أشدّ إهانةً وذُلًا، ووصف العذاب بذلك، وهو في الحقيقة وصفٌ للمعذّبين؛ لأنّهم أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة)، رقم ٤٦٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٨٣. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب نزول النبي الحجر، رقم ٤٤١٩. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤ / ١٥٩. www. modoee.com ١٤٩ حرف الخاء الّذین صاروا متّصفين بالخزي))(١). کما وصف بصفات أخرى منها: العذاب الأليم، كما في قوله: ﴿وَرَّكَا فِيَآ ءَايَّةً لِلَّذِينَ [الذاريات: ٣٧]. ٣٧ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ا ووصف أيضًا بالكبير كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. ووصف بأنه عذاب يوم محيط، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]. قال القرطبي: ((وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم، فإنّ يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يومٌ شديدٌ، أي: شديدٌ حرّه. واختلف في ذلك العذاب، فقيل: هو عذاب النّار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدّنيا))(٢). إن القلوب العامرة بالتقوى إذا تذكرت عذاب الله عز وجل امتلأت خشية وخوفًا، وسارعت إلى مرضاته وطاعته، وتجنبت ما یسخطه ویغضبه، ولقد مدح القرآن الکریم المؤمنين الذين يخشون عذابه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِهِم مُّشْفِقُونَ (٣) إِنَّ عَذَابَ رَيِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ [المعارج: ٢٧ -٢٨]. إنها (درجة الحساسية المرهفة، والرقابة اليقظة، والشعور بالتقصير في جنب الله على كثرة العبادة، والخوف من تلفت القلب واستحقاقه للعذاب في أية لحظة، والتطلع إلى الله للحماية والوقاية. وفي قوله هنا: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيْهِمْ غَيِرُ مَأْمُونٍ﴾ إيحاء بالحساسية الدائمة التي لا تغفل لحظة، فقد تقع موجبات العذاب في لحظة الغفلة فيحق العذاب. والله لا يطلب من الناس إلا هذه اليقظة وهذه الحساسية، فإذا غلبهم ضعفهم معها، فرحمته واسعة، ومغفرته حاضرة. وباب التوبة مفتوح ليست عليه مغاليق!))(٣). ولشدة عذاب الله عز وجل وخطورته، ذكر القرآن الكريم حرص وخوف عدد من الأنبياء عليهم السلام على أقوامهم وتحذيرهم من الكفر والتكذيب المستحق لعذاب الله الدنيوي والأخروي، فمن ذلك خوف نوح عليه السلام على قومه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُحًا إِلَى قَوْمِ إِنَِّ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿ أَنْ لَّ نَقْبُدُواْ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) [هود:٢٥-٢٦]. ومن ذلك خوف هود عليه السلام على قومه في قوله تعالى: ﴿﴿ وَاذْكُرْأَخَا عَادٍ إِذْأَنَذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَانِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ (١) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٥١١. (٢) الجامع لأحكام القرآن القرطبي ١٩١/١١ - (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٧٠٠/٦ بتصرف. ١٩٢. جُوَسُولَة التقنية القرآن الكريم ١٥٠ الخوف خَلْفِهِ- أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَغَافُ عَلَيْكُوُ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأحقاف: ٢١]. كما حذر شعيب عليه السلام قومه من عذاب ربهم إذا استمروا على عنادهم وكفرهم وتطفيفهم في الميزان، في قوله ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ تعالی: يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِىّ أَرَنِكُم بِخَيْرٍ وَ إَِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾ [هود: ٨٤]. (٨٤ وقد سجل القرآن الكريم أيضًا خوف بعض الصالحين على أقوامهم، ونصحهم لهم، فمن ذلك نصيحة مؤمن آل فرعون لقومه في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ ٣٠ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمٍ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَيَقَوْمِ إِنْ أَخَافُ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ عَلَيْكُمْ يَوْمَ الَّنَادِ ) يَوْمَ تُوُلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصٍِ وَمَن يُصْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُمِنْ هَادٍ [غافر: ٣٠-٣٣]. ٣. الخوف من التقصير في الواجبات. لما علم المؤمنون أن ميزان الحساب دقيق يجازي على مثقال الذرة، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. وأن الكتاب لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٦)﴾ [الكهف: ٤٩]. دفعهم ذلك إلى المراقبة الدائمة والمحاسبة المستمرة لجميع أعمالهم خشية أن يتسرب إليها شيء يفسدها أو مخافة ألا يؤدوها على الوجه الأكمل .. وقد أشار الله عزوجل إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ((قال الزّجّاج: قلوبهم خائفةٌ؛ لأنّهم إلى ربهم راجعون، وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب، لا مجرّد رجوعهم إليه سبحانه. وقيل: المعنى: أنّ من اعتقد الرّجوع إلى الجزاء والحساب وعلم أنّ المجازي والمحاسب هو الرّبّ الّذي لا تخفى عليه خافيةٌ لم يخل من وجلٍ))(١) . («قيل: وجل العارف من طاعته أكثر من مخالفته؛ لأنّ المخالفة تمحوها التّوبة والطّاعة تطلب التّصحيح. وقال الحسن: المؤمن يجمع إحسانًا وشفقةً، والمنافق (١) فتح القدير، الشوكاني ٤٨٨/٣. www. modoee.com ١٥١ حرف الخاء یجمع إساءةً وأمنًا»(١). وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سألت رسول الله صلی الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَّةً﴾ قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا بنت الصّدّيق، ولكنّهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيَّرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ [المؤمنون: ٦١])(٢). ٦١ وهكذا يطهر الخوف والوجل قلوب المؤمنین من شوائب الاغترار أو العجب أو الرياء أو غير ذلك من آفات القلوب، ليمنح هذه القلوب الوجلة حساسية وتوقّيًا لكل مفسدات الأعمال. ثانيًا : خوف غير مشروع: وهو الذي لم يكن من الله، ولا من صفاته المقتضية للهيبة والخشية، ولا من معاصي العبد و جنایاته، بل یکون لغير ذلك من الأمور. وقد ذكر القرآن الكريم صورًا من الخوف المذموم، نذكر منها: ١. الخوف من الشيطان. (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٩/٦. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة المؤمنین، رقم ٣١٧٥. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢٨٧/٣. منذ اللحظة الأولى لرفض إبليس اللعين السجود لآدم وإعلانه تمرده، الطرد من رحمة الله، ناصب إبليس آدم وذريته العداء وسعى بشتى الطرق لإضلالهم وإغوائهم. لذا تعددت النصوص القرآنية التي تحذر من عداوة هذا الخبيث، ودعت عباد الله إلى عدم الخوف من كيده ومكره، كما دعتهم إلى عدم الاستجابة لوساوسه التي يلقيها عبر أوليائه من الكافرين والمنافقين لتوهين عزيمة المؤمنين وتثبيطهم عن الدعوة والجهاد، كما صور القرآن الكريم حال المؤمنين بعد غزوة أحد وهم في طريقهم إلى حمراء الأسد حيث أثخنتهم الجراح وأنهکھم القتال. فاستغل الشيطان هذه الفرصة ليلقي بالوهن في قلوبهم ويخوفهم من عدوهم ویوهمهم بأنهم عدد کثیر وأولو قوة وباس شديد، وأن من مصلحة المؤمنين أن يقعدوا عن لقائهم، ويجبنوا عن مدافعتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَيَعْمَ الْوَكِيلُ () فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ () إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُنْتُ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٧٣ -١٧٥]. ١٥٢ جوبيـ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الخوف «وفي تخويف أوليائه قولان: منه، وينذركم به، إذا أنتم أنفقتم في سبيل أحدهما: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه اللّه، والأصل فى الوعد أن يكون بالخير، المشرکین، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن، والسدي))(١). والقول الأول أولى بالصواب، فالشيطان هكذا يزين الشيطان للناس الشر ويلبسه يسعى لتثبيط المؤمنين عن قتال عدوهم بما يقذفه في قلوبهم من الخوف من كثرة أعدادهم وقوة أسلحتهم. ﴿فَلَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ ((أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجیبین لدعوته. وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله)»(٢) ومن المخاوف التي يثيرها الشيطان في قلوب العباد الخوف من الفقر، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمِ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٢٦٨]. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ ((أي: يخوّفكم (١) النكت والعيون، الماوردي ٤٣٨/١. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٥٧. والإيعاد بالشرّ، ووعد الشيطان هنا لمن يوسوس له بالشحّ والإمساك مخافة الفقر وعده له بالفقر، إنما هو في صورة الخير، إذ يحذره ويريه عاقبة أمره، فهو وعد الناصح الأمين الحريص على مصلحة من ينصحه. وجه النفع والخير)»(٣). وفي مقابل وعد الشيطان بالفقر، هناك وعد الله بالمغفرة والفضل وسعة العطاء ووفرته لمن أعطى وبذل وأنفق فى سبيل اللّه .. فمن استجاب لوعد الشيطان قاده إلى الهلاك والخسران، ومن استجاب لدعوة الرحمن نال الرحمة والرضوان .. وقد قدمت الآية السابقة الدواء الناجع لعلاج وساوس الشيطان في تخويف العباد بالفقر، وذلك بتذکیرهم بأن الله تعالی بیده خزائن السماوات والأرض، یرزق عباده من حیث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، ويعوّض عليهم من واسع فضله أضعاف ما أنفقوه، كما أنه سبحانه يجعل إنفاقهم سببًا في مغفرة سيئاتهم والعفو عن ذنوبهم مع أنه غني عنهم ولا تنفعه طاعتهم أو تضره معصيتهم. فهل يبقى مع وعد الله عز وجل لعباده (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣٣٥/١. www. modoee.com ١٥٣ حرف الخاء أي وساوس أو مخاوف من الفقر؟! وهكذا يستغل الشيطان خوف كثير من الناس من الفقر ليمنعهم من الإنفاق في سبيل الله ومرضاته، ويغريهم بالبخل، ویصیبھم بالهم والقلق الدائمین، فینغص عليهم عيشهم، ويحرمهم من السكينة والطمأنينة. فأي جريمة يرتكبها المرء في حق نفسه عندما يستجيب لوعود الشيطان بالفقر وينسى أن ربه عز وجل واسع العطاء عظيم الفضل والإنعام! إن القلب المؤمن لا يطرقه خوف الشيطان؛ لأنه يسجد في محراب الخشية لله عز وجل، فإذا اقترب منه الشيطان يغريه بالأوهام ویوسوس له بما یخیفه عاد سريعًا إلى حصن مولاه خائفًا ذاکرًا عابدًا، کما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ )﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فيا لسعادة المؤمن بقوة صلته بمولاه وحسن توكله عليه يمنحانه الثقة والطمأنينة في معر كته مع الشيطان! ٢. الخوف من الأعداء. اقتضت سنة الله تعالى أن يواجه المجرمون دعوات الأنبياء والدعاة -على مر العصور - بالصد والتكذيب تارة، وبتدبير المكائد والمؤامرات تارة أخرى، واتخذ أعداء الإسلام في سبيل ذلك كافة الوسائل والتدابير التي من شأنها بث الخوف في قلوب المؤمنين وتثبيطهم، وإضعاف روحهم المعنوية. لذا كان الخوف من الأعداء من صور الخوف المذموم التي حذر الله عزوجل منها في أكثر من آية؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وقوله تعالى: ﴿أَتَّخْشَوْنَهُمَّ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: ٣]. وكيف يخاف المؤمن من أعدائه وهو یوقن بأن الله عز وجل وليه وناصره، صاحب القدرة النافذة والعزة الحقيقية، بيده الآجال والأرزاق، بیده وحده الأمر كله من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلََّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: ١٠٧]؟! نعم .. إن الخوف من العدو أمر طبيعي إذا دفع المؤمن إلى الاستعداد والتجهز لهذا العدو، أما إذا تجاوز الخوف الحدود ودعا أصحابه إلى الجبن والفرار أو الاستسلام فهذا هو الخوف المذموم الذي يعاقب عليه صاحبه. وقد مدح الله عز وجل عباده المؤمنين ووصفهم بأنهم ﴿أَذِلَّةٍ عَلىَ الْمُؤْمِنِينَ صَوْسُو القرآن الكريمِ ١٥٤ الخوف أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَيِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: لا یردهم عمّا هم فیه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا يردّهم عن ذلك راٌ، ولا يصدّهم عنه صادٌّ، ولا یحیك فیھم لوم لائم ولا عذل عاذلٍ)»(١). فَهم ((يظهرون الشّدّة والغلظة والتّرفّع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدین، بل هم متصلّبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحقّ وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدّين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهةً للحقّ وأهله))(٢). وقد قص القرآن علينا موقف بني إسرائيل لما أصابهم الخوف من عدوهم وجبنوا عن مقاتلتهم، ورفضوا دخول الأرض المقدسة، فاستحقوا الخزي والهوان. قال تعالى: ﴿يَنِقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَشَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة: ٢١- ٢٢ ]. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٣٦. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٥١. وهكذا تصور هذه الآيات مدى الخوف الذي تمكن من قلوب بني إسرائيل حتى أصابهم بضعف الهمة وخور العزيمة والجبن عن ملاقاة عدوهم رغم وعد الله عز وجل لهم بالغلبة والنصر. ((وهذا الجبن والخوف والوهن هو أساس الداء عند أية أمة تسلك ما سلكه أولئك اليهود، حيث ترفض طريق القتال والجهاد والاستشهاد، وتؤثر عليه طريق الذل والضعف والاستسلام، وخداع النفوس بأوهام وخيالات، تتوهم فيها الانتصار على الأعداء عن طرق الضغط السلمي أو المفاوضات المباشرة وغير المباشرة. أو تنتظر خروج أعدائها من البلاد، وانسحابهم من الميدان بكرم وأريحية، وتعتبر هذا المنطق هو قمة الوعي والفطنة والدهاء والواقعية والاعتدال!))(٣). وقد نجح أعداء الإسلام في استخدام سلاح بث الشائعات ونشر الأكاذيب والأراجيف عبر وسائل الإعلام التي تصور قوة العدو بأنها لا تقهر، وأنهم يمتلكون من الأسلحة الحديثة الفتاكة ووسائل القتال المتطورة والتي لا يمكن مواجهتها، وذلك من أجل بث الخوف والرعب في قلوب المسلمين، وهو ما يعرف بالحرب النفسية. (٣) مع قصص السابقين في القرآن، صلاح الخالدي ص ١٨٩. www. modoee.com ١٥٥ حرف الخاء ولا بدیل أمام المسلمین حيال ذلك إلا الاعتصام بالله والتوكل عليه وإعداد القوة واتخاذ الأسباب، ولتكن لهم عبرة في أسلافهم الأبرار عندما مدحهم الله عز وجل في كتابه بقوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَيَعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. ١٧٣) فلم يزدهم إرجاف المرجفين وتثبيط المخذّلين إلا إيمانًا وتسليمًا. ٣. الخوف من الموت المؤدي للنكوص عن الجهاد والفرار من التكاليف. إن الخوف من الموت خوف طبيعي أو فطري لا یلام علیه العبد إلا إذا كان سببًا لترك واجب، أو فعل محرم. فالخوف من الموت محفز قوي لأصحاب القلوب الحية يدفعها للمسارعة إلى الخيرات والبعد عن المعاصي والسيئات، كما يسوقها إلى التوبة كلما حادت عن الصراط المستقيم. أما إذا أدى الخوف من الموت إلى الجبن والخور، وترك تکالیف الجهاد، فهو خوف مذموم. ولقد قص علينا القرآن الكريم قصة قوم خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم خوفًا من الموت. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣]. (٢٤٣) يقص الله تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، إما بسبب الخوف من العدو، أو بسبب وباء عام کالطاعون ونحوه، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالی لا بيد غيره، فلا معنی لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر. ((وفي هذه القصّة عبرةٌ ودليلٌ على أنّه لن يغني حذرٌ من قدرٍ وأنّه، لا ملجأ من اللّه إلّا إليه، فإنّ هؤلاء فرّوا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سریعًا في آنٍ واحدٍ»(١). ((إن الحذر من الموت لا يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلًا، ولا يردان قضاءً، وإن الله هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة، وإنه متفضل في الحالتين: حين يهب، وحين يسترد، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد. وإن مصلحة الناس متحققة فى هذا وذاك، وإن فضل الله عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء. إن تجمع هؤلاء القوم ﴿وَهُمْ أَلُوُفُّ﴾ وخروجهم من ديارهم ﴿حَذَّرَ الْمَوْتِ﴾ لا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٦١. ١٥٦ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الخوف ، نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ یکون إلا في حالة هلع وجزع، سواء كان قوله تعالى: هذا الخروج خوفًا من عدو مهاجم، أو من الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وباء حائم، إن هذا كله لم يغن عنهم من الموت شيئًا)»(١). ٤. الخوف المجاوز اليأس والقنوط. ذكرنا أن الخوف المحمود ما حجز عن محارم الله، فإذا زاد عن حده، وأورث اليأس والقنوط، دفع المرء إلى استمراء المعاصي والذنوب نتيجة قوة يأسه. لذا فالواجب على المؤمن ألا (يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله، فإن هذا الخوف مذموم، وهذا الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه وجهل بها))(٢). لذا تنوعت النصوص القرآنية التي تدعو المؤمن إلى الجمع بين الخوف والرجاء، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَِّلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحمَةَ رَّهُ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُّ إِنَّمَايَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبٍ ﴾ [الزمر: ٩]. (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٦٤. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٣ / ٢٣٧٤. ((فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلی ذنوبه وتقصیره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها))(٣). كما حذر تعالى عباده من اليأس من روحه والقنوط من رحمته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَيْكَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ، سبحانه: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ، إِلََّّ الصَّالُونَ ﴾ [الحجر: ٥٦]. ((إنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؛ الضالون عن طريق الله الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته؛ فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو كما جمع تعالى بين مغفرته وعذابه في وتلبد، وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر؛ فإن رحمة الله (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٦٨. www. modoee.com ١٥٧ حرف الخاء قريب من قلوب المؤمنين المهتدين، وقدرة الله تنشئ الأسباب کما تنشئ النتائج، وتغير الواقع كما تغير الموعود))(١). ((والقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران: أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم، فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفًا وخلقًا لازمًا، وهذا غاية ما یریده الشيطان من العبد، ومتی وصل إلى هذا الحد لم يرج له خير إلا بتوبة نصوح وتوكّله عليه، وأنّهم لا يقدرون على شيء وإقلاع قوي. الثاني: أن یقوی خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا یرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته، فییأس من الرحمة، وهذا من المحاذير الضارة الناشئ من ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها. فلو عرف هذا ربه ولم يخلد إلى الكسل: لعلم أن أدنى سعي یوصله إلى ربه وإلی رحمته وجوده و کرمە»(٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٤٨/٤. (٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد، السعدي ص ٢١٣-٢١٤. وهناك صور أخرى للخوف المذموم تشمل: خوف المرء من وثن، أو طاغوت، أو ميت، أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره؛ كما قال الله عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: ﴿إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِّنَا بِسُوْءٌ قَالَ إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوا أَنِ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ٥٤ ﴾ [هود: ٥٤]. «أي: ما نقول إلّا أنّه أصابك بعض آلهتنا الّتي تعيبها وتسفّه رأينا في عبادتها بسوءٍ: بجنونٍ، حتّی نشأ عن جنونك ما تقوله لنا وتكّره علينا من التّنفير عنها، فأجابهم بما يدلّ على عدم مبالاته بهم وعلى وثوقه بربّه مما يريده الكفّار به، بل اللّه سبحانه هو الضّارّ النّافع، فقال: ﴿إِّ أُشْهِدُ اَللَّهَ وَاشْهَدُوَأْ مِن دُونِهِ ﴾ أي: أَنِى بَرِىٌّ مِّمَّا نُشْرِكُونَ ) من إشراککم من دون الله من غير أن ینزّل به سلطانًا فكيدوني جميعًا أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنّها تقدر على الإضرار بي وأنّها اعترتني بسوء ثمّ لا تنظرون، أي: لا تمهلوني، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم. وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم الّتي يعبدونها ما یصّ مسامعهم، ويوضّح عجزهم وعدم قدرتهم على شيءٍ إنّ توكّلت على الله ربّي ورێکم فهو يعصمني من کیدکم، وإن بلغتم في تطلّب وجوه الإضرار بي كلّ مبلغٍ، فمن ١٥٨ جوُو حَرَ النَّفْسَنَّ القرآن الكريم