Indexed OCR Text

Pages 41-44

الخير
فيقول: لا والله يا ربّ ما مرّ بي بؤسُ قطّ،
ولا رأيت شدّةً قطٌ)(١).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل
الدّنيا في النّار وصبغ أشدّهم بؤسًا في الجنّة،
٢١٦٢/٤، رقم ٢٨٠٧.
الحث على فعل الخير في القرآن
تعددت طرق القرآن الكريم في الدعوة
إلى الخير، والاستزادة منه، والحث عليه؛
فتارةً يأمر بفعله، وتارةً يثني على أهله،
وأخرى يعد على فعله الثواب الجزيل.
والحديث عن ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الأمر بفعل الخير:
ورد في بعض آيات القرآن الكريم
الأمر بفعل الخير أمرًا مباشرًا، قال تعالى:
﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
أي: ((بادروا -أيها الناس- إلى
الصالحات من الأعمال، والقرب إلى
ریکم»(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ ◌ِْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
((اللام في: (لتكن) هي لام الأمر، أي:
لتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله
في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر))(٣).
وقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَأَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ
اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
قال الفخر: ((قوله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ
(٢) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٣٩٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩١.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف الخاء
الْخَيْرَ﴾، قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: إلى طاعتهم أولا؛ ولبيان صواب ما يدعون
إليه، وأنه الحق لا ريب فيه.
يريد به صلة الرّحم ومكارم الأخلاق،
والوجه عندي في هذا التّرتيب أنّ الصّلاة
نوعٌ من أنواع العبادة، والعبادة نوعٌ من
أنواع فعل الخير؛ لأنّ فعل الخير ينقسم إلى
خدمة المعبود الّذي هو عبارةٌ عن التّعظيم
الأمر اللّه، وإلى الإحسان الّذي هو عبارةٌ
عن الشّفقة على خلق الله، ويدخل فيه البرّ
والمعروف، والصّدقة على الفقراء، وحسن
القول للنّاس، فكأنّه سبحانه قال: كلّفتكم
بالصّلاة، بل كلّفتكم بما هو أعمّ منها، وهو
العبادة، بل كلّفتكم بما هو أعمّ من العبادة،
وهو فعل الخيرات))(١).
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَيِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ
الصَّلَوْةِ وَإِسَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا
عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
والآية تتحدث عن إبراهيم عليه السلام
وذريته من الأنبياء، أن الله تعالى أنعم عليهم
وجعلهم أئمة يرشدون الناس إلى الهدى
والخير، وأوحي إليهم وألهمهم فعله،
والمعنى: وجعلنا إبراهيم وذريته أئمة، أي:
رؤساء یوجهون ویرشدون ويقتدى بهم،
ويكونون قوة للخير والهداية.
﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، أي: يدعون بدعاية
الله. وإضافة الهداية إلى أمر الله؛ للإشارة
(١) مفاتيح الغيب، ٢٣/ ٢٥٤.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ﴾، أي:
ألهمنا نفوسهم وقلوبهم فعل الخيرات،
وهدیناهم إليها، بما أوحينا به لرسلهم الذين
جاءوا رسولًا بعد رسول، والخيرات: جمع
(خير)، وهو كل ما فيه نفع للناس؛ ويقصد به
فعله لنفعه للناس، ولإرضاء الله تعالى (٢).
ثانيًا: الثناء على أهله:
من طرق القرآن أيضًا في الدعوة إلى
الخير، الثناء من الله تعالى على أهله الذين
يوصفون بأنهم أهل الخير.
قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ
اُلَْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٤].
((﴿وَيُسَرِعُونَ فِي
الطبري:
قال
اُلْخَيْرَتِ﴾، أي: ويبتدرون فعل الخيرات؛
خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم
منایاهم، ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء من
عداد الصالحين))(٣).
وقال تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخِرَتِ
وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].
والمشار إليه بقوله تعالى:
لَيك
هم الذين سبق ذكرهم في الآيات السابقة
(٢) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٩/ ٤٨٩٥.
(٣) جامع البيان ٧ / ١٣٠.
٢٦٤
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الخير
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةِ رَبِهِم
تُشْفِقُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾ وَالَّذِينَ
٥٨
يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٧ -٦٠].
ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين هذه
صفاتهم يبادرون في الأعمال الصالحة،
ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته(١).
ولا شك أن العبد إذا عرف أن الله تعالی
يثني علی فاعلي الخير فإنه يحب أن يكون
ممن أثنى الله تعالى عليهم، ويجتهد في أن
يصل إلى هذه المنزلة.
قال صاحب الكشاف: ((﴿َُرِعُونَ فِ
آلۇرتِ ﴾ یحتمل معنیین:
أحدهما: أن يراد: يرغبون في الطاعات
أشد الرغبة فيبادرونها.
والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع
ووجوه الإكرام))(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيُّ اَلْبِيَّةِ﴾ [البينة: ٧].
والبرية: هم الخلق كلهم. قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ولم يقل: (إنّ
المؤمنين)؛ إشارةً إلى أنّهم أقاموا سوق
الإسلام حال كساده، وبذلوا الأموال
والمهج لأجله؛ ولهذا السّبب استحقّوا
(١) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٤٧.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٩٢.
الفضيلة العظمى (٣).
ثالثًا: الوعد بالثواب الجزيل:
وعد الله تعالى كل من يفعل الخير
بالثواب الجزيل، وهذا أيضًا من باب الدعوة
إلى فعل الخير والحث عليه.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ
يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل
عمران: ١١٥].
أي: ((وما تفعل هذه الأمة من خير
وتعمل من عمل لله فیه رضِی، فلن یکفرهم
الله ذلك، يعني بذلك: فلن يبطل الله ثواب
عملهم ذلك، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم
عليه، ولكنه يجزل لهم الثواب عليه، ويسني
لهم الكرامة والجزاء)» (٤).
وقال تعالى: ﴿لَلَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ لَمُ الْخَيْرَثُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اٌلْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
وَيُلَكُمْ ثَوَبُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا وَلَا يُكَقَّمَهَا إِلَّا الصَّبِرُونَ﴾ [القصص:
٨٠].
والآية الكريمة واردة في سياق الحديث
عن قصة قارون، الذي آتاه الله من الكنوز ما
إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/ ٢٤٨.
(٤) جامع البيان، الطبري ٧/ ١٣٢.
www. modoee.com
٢٦٥

حرف الخاء
قال الطبري في معنى الآية: ((يقول
-تعالى ذكره -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْعِلْمَ﴾ بالله، حين رأوا قارون خارجًا
عليهم في زينته، للذين قالوا ﴿يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَآ أُوِى قَرُونُ﴾: ﴿وَيَكُمْ﴾ اتقوا
الله وأطيعوه؛ فثواب الله وجزاؤه لمن آمن
به وبرسله وعمل بما جاءت به رسله من
صالحات الأعمال في الآخرة خير مما أوتي
قارون من زینته وماله)»(١).
وفعل الخير أيضًا مهما قلّ فثوابه لن
يضيع عند الله تعالى.
قال عز وجل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
والمعنى: فمن عمل في الدنيا وزن ذرة
من خير فإنه يرى ثوابه هنالك، وهذا حث
لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله، والزجر
عن معاصيه.
قال صاحب التفسير المنير: ((والمراد:
أي عمل مهما كان صغيرًا، فإنه يجده يوم
القيامة في كتابه، ويلقى جزاءه فيفرح به، أو
يراه بعينه معروضًا عليه» (٢).
موضوعات ذات صلة:
الإحسان، البر، التطوع، الشر، المسابقة،
المسارعة
(١) جامع البيان، ١٩/ ٦٢٩.
(٢) التفسير المنير، للزحيلي ٣٦٠/٣٠.
٢٦٦
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم