Indexed OCR Text

Pages 41-50

الدعاء
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾
[التوبة: ١٢٩].
وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله
عليه وسلم بأن يدعو: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ
هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧].
وهمزات الشياطين: خطراتها التي
تخطرها بقلب الإنسان(١).
وأمره كذلك بقوله: ﴿ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّأَنْ
﴾ [المؤمنون: ٩٨].
يحضرون®
فقد أمر رسوله («بأن يعوذ به تعالى من
حضورهم بعدما أمر بالعوذ من همزاتهم؛
للمبالغة في التحذير من ملابستهم، وإعادة
الفعل مع تكرير النداء لإظهار كمال الاعتناء
بالمأمور به، وتخصيص حال الصلاة،
وقراءة القرآن، كما روي عن ابن عباس
رضي الله عنهما، وحال حلول الأجل كما
روي عن عكرمة رحمه الله؛ لأنها أحرى
الأحوال بالاستعاذة منها))(٢).
وقد أمر الله عز وجل رسوله بأن يقول:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
أي: أن يطلب الزيادة في العلم (وقيل: ما
أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في
العلم»(٣).
ومن الخير أن يدعو الداعي في دعائه
لنفسه ولغيره؛ فهذا إبراهيم عليه السلام
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٤٣/٥.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٥٠.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٨٧.
يقول: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِىِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
٨٠٠٠٠
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: ٤١].
قال القرطبي: ((استغفر إبراهيم لوالديه
قبل أن يثبت عنده أنهما عدوان لله)) (٤).
کان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأبيه مدة
حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم
ذلك رجع عن الاستغفار له، وتبرأ منه(٥)،
كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ
إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ
فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُوَ أَنَّهُ, عَدُوٌ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ
لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
ونوح عليه السلام يقول: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ
لِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِينَ إِلَّانَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
دعا لنفسه ولوالديه وكانا مؤمنين، وقيل:
أراد بوالديه أباه وجده (٦).
ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمنًا
هو بر المؤمن بالمؤمن؛ وحب الخير لأخيه
کما یحبه لنفسه، وتخصیص الذي يدخل
بيته مؤمنًا؛ لأن هذه كانت علامة النجاة،
وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في
السفينة، ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين
والمؤمنات هو بر المؤمن بالمؤمنين كافةً
في كل زمان ومكان، وشعوره بآصرة القربى
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٦/٩.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٥١.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣١٤/١٨.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الدال
على مدار الزمن، واختلاف السكن، وهو الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك
السر العجيب في هذه العقيدة التي تربط بين ما لم أنه عنك)، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ مَا
أصحابها على تباعد الزمان والمكان)»(١).
ولا يجوز الدعاء بالمغفرة والرحمة لغير
المسلم، فقد نھی الله رسوله محمدًا صلی
الله عليه وسلم عن الاستغفار للمشركين،
كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
كَانُواْ أُوْلِى قُرْبِى مِنْ بَعْدِمَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
وكان سبب نزول هذه الآية وعد النبي
صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب
بالاستغفار، لما في حديث سعيد بن
المسيب، عن أبيه رضي الله عنه أنه أخبره،
أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول
الله صلی الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا
جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأبي طالب: (يا عم قل: لا إله إلا الله
کلمة أُشهد لك بها عند الله)، فقال أبو جهل
وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب
عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله
صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان
بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما
كلّمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن
يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧١٧.
كَانَ لِلنَّبِّ﴾ الآية (٢).
ويعود النهي عن الاستغفار للمشركين
لوعيد الله عز وجل إياهم بعدم المغفرة؛
لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُأَن
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
وكأن الاستغفار لهم طلب بأن يخلف
الله وعيده(٣).
ويلحق بالنهي عن الاستغفار للمشركين
النهي عن الاستغفار للمنافقين؛ لقوله عز
وجل: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ
لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الَّهُ لَهُمَّ إِنَّاللّهَ لَا يَهدِى
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦].
وإبراهيم عليه السلام فيه أسوة حسنة
لهذه الأمة إلا في شأن الاستغفار لأبيه
المشرك، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إَِّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْلِقَوْمِهِمْ إِنَّا
بُرَءَوَأْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ
وَبَدَا بَيْنَاوَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَّةُ وَالْبَعْضَاءُ أَبْدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ
بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله
إلا الله، ٩٥/٢، رقم ١٣٦٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب أول الإيمان
قول لا إله إلا الله، ٥٤/١، رقم ٢٤.
(٣) انظر: دعاء محمد صلى الله عليه وسلم،
محمد أحمد وموسى الخطيب ص٧٢.
٣٥٦
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الدعاء
أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَلْنَا وَإِلَيْكَ
أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤].
أي: لکم في إبراهيم عليه السلام وقومه
أسوة حسنة، تتأسون بها إلا في استغفار
إبراهيم عليه السلام لأبیه؛ فإنه إنما کان عن
موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله
تبرأ منه(١).
ثانيًا: الدعاء المذموم:
إن من أوضح صور الأدعية المذمومة، ما
جاء عن الكافرين والضالين.
وقد سجّلت آي القرآن بعضًا من
أدعية الكافرين ممن أعرضوا عن الصراط
المستقيم، والتأمل في دعائهم كاشف عن
اضطراب إدراكهم، ومبلغ تكذيبهم، وقد
اتخذوا من سبيل الغي سبيلا في الدنیا، وعن
حرج موقفهم وبؤس مصيرهم، وقد هووا
في جهنم في الآخرة.
فمن دعاء الکافرین ما كان تعبيرًا صريحًا
عن استبعاد ما جاءت به الدعوة من بدهات،
واستهزاء بإمکان وقوع ما اكدت حدوثه من
وعد ووعید.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِلِ لَّا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ
اْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].
((القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه،
من قطه إذا قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٩/٤.
قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما
قوله تعالى: ﴿عَجِّلِ لَّنَا قِطَّنَا﴾ أى: نصيبنا من
العذاب الذي وعدته، قيل: ذكر رسول الله
صلی الله عليه وسلم وعد الله المؤمنين
الجنة، فقالوا على سبيل الهزء: عجّل لنا
نصيبنا منها، أو عجّل لنا صحيفة أعمالنا
ننظر فيها))(٢).
((وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار
للقول بالحشر والنشر، فكانوا يستدلون
بفساد القول بالحشر والنشر على فساد
نبوته، واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث
قالوا: إنه ساحر كذاب، وقالوا له على سبيل
الاستهزاء: عجّل لنا قطنا أمره الله بالصبر
على سفاهتهم، فقال: ﴿أَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾
[ص: ١٧]))(٣).
(يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء
المشركون بالله من قریش: یا ربنا عجّل لنا
كتبنا قبل يوم القيامة، قوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّا عَبِّل
أَنَا فِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].
أي: نصيبنا وحظنا من العذاب قبل
يوم القيامة، قال: قد قال ذلك أبو جهل،
وقال آخرون: بل إنما سألوا ربهم تعجيل
أنصبائهم ومنازلهم من الجنة حتى يروها
فيعلموا حقيقة ما يعدهم محمد صلى الله
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٣٧٣.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الدال
عليه وسلم، فیؤمنوا حينئذٍ به ويصدّقوه،
وقال آخرون: سألوا أن يعجّل لهم كتبهم
التي قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِي كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ﴾
[الحاقة: ١٩].
﴿وَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥].
في الدنيا لينظروا بأيمانهم يعطونها أم
بشمائلهم؟ ولينظروا من أهل الجنة هم أم
من أهل النار قبل يوم القيامة استهزاءً منهم
بالقرآن وبوعد الله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢].
يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صكاكهم
بحظوظهم من الخير أو الشر الذي وعد
الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة قبل يوم
القيامة في الدنيا استهزاءً بوعيد الله، وإنما
قلنا: إن ذلك كذلك لأن القط هو ما وصفت
من الكتب بالجوائز والحظوظ، وقد أخبر
الله عن هؤلاء المشركين أنهم سألوه تعجيل
مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧].
فکان معلومًا بذلك أن مسألتهم ما سألوا
النبي صلى الله عليه وسلم لو لم تكن على
وجه الاستهزاء منهم لم يكن بالذي يتبع
الأمر بالصبر عليه، ولكن لما كان ذلك
استهزاءً، وكان فيه لرسول الله صلى الله
علیه وسلم أذى، أمره الله بالصبر علیه حتى
يأتيه قضاؤه فيهم، ولما لم يكن في قوله:
﴿وَقَالُواْرَبَّنَا عَجِلِ لَّنَا قِطَنَا﴾ [ص: ١٦].
بیان أي القطوط إرادتهم، لم یکن لما
توجيه ذلك إلى أنه معنيٌ به القطوط ببعض
معاني الخير أو الشر؛ فلذلك قلنا: إن
مسألتهم كانت بما ذكرت من حظوظهم من
الخير والشر)»(١).
ومن دعاء الكافرين الكاشف عن موقفهم
المعرض عن الدعوة ما ورد في قوله تعالى:
﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ
فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا
وفي هذا الدعاء ما فيه من استهزاء
وتعنت؛ إذ لو كان فيه تحرِّ للحق لقالوا:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا
له مثلًا، ولكنهم كفروا وأنكروا واستهزأوا!
وقوله: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ تهكم بمن يقول على
سبيل التخصيص والتعيين (٢).
قال أبو جعفر: ((يقول تعالى ذكره: واذكر
ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه: ﴿أَصْبِرْ عَلَى يا محمد أيضًا ما حل بمن قال: ﴿اَللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَلِ أَوِ أَقْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[الأنفال: ٣٢].
إذ مكرت بهم، فأتيتهم بعذاب أليم وكان
ذلك العذاب قتلهم بالسیف یوم بدر، وهذه
الآية ذكر أنها نزلت في النضر بن الحارث،
كان يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٣/٢١- ١٦٥.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦١٢.
٣٥٨
جَوَسُولَةُ النَّفْسِّيّة
القرآن الكريم

الدعاء
هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من العلم بتمام قدرتك، وصدق وعودك))(٣).
السماء أوائتنا بعذاب أليم!))(١).
(يقولون: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ
اَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ
السَّمَلِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من
الأمم التي عصت ربها، و کذّبت رسلها من
عقوبات الله، وعظيم بلائه))(٢).
وحين يأتي الموت يدرك الكافرون
فساد ما كانوا عليه من اعتقاد وسلوك، قال
تعالى: ﴿فَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرِفَآَ إِلَى
أَجَلٍ فَرِيبٍ مُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّبِعِ الرُّسُلِّ أَوَلَمْ
تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن
زَوَالٍ ﴾ [إبراهيم: ٤٤].
وحين يتحقق العذاب في الآخرة وقد
كانوا يستبعدونه، وحين يدركون مصيرهم
الوبيل في الآخرة يتمنون لو يعودون إلى
الدنيا عساهم يعملون صالحًا، ولكن
هیهات!
يكشف ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا
وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[السجدة: ١٢].
أي: «أبصرنا ما کنا نكذب به، وسمعنا
منك ومن ملائكته ومن أصوات النيران
وغير ذلك ما كنا نستبعده فصرنا في غاية
(١) انظر: جامع البيان ١٣ / ٥٠٥.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٥٠/١٦.
فما أبصروه وما سمعوه جعلهم يطلبون
الرجوع للدنيا رغبةً في العمل الصالح،
ولكن لا أمل في رجوعهم، بل يلقون في
النار، حينها يتعالى صراخهم ألمًا مما هم
فيه، فيدعون ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَامِنْهَا
فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧].
و﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى
كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧].
وقولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا
أُتْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن
سَبِيلٍ ﴾ [غافر: ١١].
وما كان دعاؤهم إلا خلاصًا من عذابهم،
ونلمح في دعائهم بأسلوب الاستفهام
(هل) المراد به: التمني والاستعطاف رغبة
قوية منهم في إبراز غير الممكن في صورة
الممكن، وجعلوا هذا الاعتراف ضربًا من
التوبة توهمًا منهم أن التوبة تنفع يومئذٍ؛
فلذلك فرّعوا عليه ﴿فَهَلْ إِلَىخُرُوجِ مِّن
سَبِيلٍ﴾ ... قال في الكشاف: ((وهذا كلام
من غلب عليه اليأس والقنوط))(٤)، يريد
أنّ في اقتناعهم بخروج مّا دلالة على أنهم
يستبعدون حصول الخروج(٥).
ويدعو الكافرون بمضاعفة العذاب
للمضلين: ﴿ رَبَّنَآءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ
(٣) نظم الدرر، البقاعي ٦/ ٥٥.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٤ / ١٥١.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٩٩.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الدال
وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨].
وقولهم في موضع آخر: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَنْ
قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ ﴾ [ص:
٦١].
وقولهم كذلك: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُونَا
فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وحين نتأمل الآية في سورة (ص) نجد
الفعل (زده) قد وقع موقعه في إظهار شدة
الحقد على هؤلاء المضلين؛ وذلك بطلب
زيادة العذاب المضاعف لهم، والتعبير
، النَّارِ ﴾ قوّى
بالجار والمجرور
المعنى، حيث جعل العذاب يحيط بهم
في النار من كل جانب، كإحاطة الظرف
بالمظروفين، وهذه الآية تختلف عما في
الأعراف؛ لأن السياق فيها للطاغين، أما في
الأعراف فهو لمطلق الكافرين (١)، ذلك أن
الطغاة أشد بطشًا من الكفار.
ثانيًا: دعاء المرء على نفسه بالشر:
أخبر سبحانه وتعالى لو أنه يعجّل
للناس إجابة دعائهم في الشر كاستعجاله
لهم في الخير بالإجابة لهلكوا، قال تعالى:
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم
بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا
يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[يونس: ١١].
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣٩٨/٦.
عن مجاهد، رحمه الله قال: «قول الرجل
لولده إذا غضب عليه أو ماله: اللهم لا تبارك
فيه والعنه))(٢).
قال ابن عاشور رحمه الله: ((بيّنت هذه
الآية أن الرفق جعله الله مستمرًا على عباده
غير منقطع عنهم؛ لأنه أقام عليه نظام العالم
إذ أراد ثبات بنائه، وأنه لم يقدر توازي الشر
في هذا العالم بالخير لطفًا منه ورفقًا، فالله
لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم،
وأن الذين يستحقون الشر لو عجّل لهم ما
استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه
العالم»(٣).
وفي النهي عن الدعاء على النفس روى
مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا
على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا
تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله تبارك
وتعالى ساعة يسأل فيها عطاءً، فيستجيب
لكم)(٤).
ويستفاد من الآية: لطف الله سبحانه
و تعالی وإحسانه بعباده.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٢ / ١٣١.
(٣) التحرير والتنوير ١١ / ١٠٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب حديث جابرِ الطّويل وقصّة
أبي اليسر، ٢٣٠٤/٤، رقم ٣٠٠٩.
٣٦٠
القرآن الكريم

الدعاء
آثار الدعاء
للدعاء في القرآن آثار، ومن أهمها:
أولًا: إعطاء الداعي ما طلب:
الدعاء باب مفتوح للعبد إلى ربّه سبحانه،
یلتمس من خلاله كل ما يحتاجه في دنياه من
صحة الأبدان، وسعة الأرزاق، والخلاص
من البلاء، والنصر على الأعداء، وهذا الذي
كان يقوم به الأنبياء عليهم السلام، والله
تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح
دينهم ودنياهم، من المطاعم والمشارب،
كما يسألونه الهداية والمغفرة، والعفو
والعافية في الدنيا والآخرة(١).
قال الإمام الطحاوي رحمه الله:
((والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي
الحاجات)»(٢).
والدعاء أكرم شيء على الله، كما في
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس
شيء أكرم على الله من الدعاء)(٣).
(١) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب
٣٨/٢ - ٤٠.
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز
ص٤٥٨.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٤/ ٣٦٠، رقم
٨٧٤٨، والبخاري في الأدب المفرد، ص
٢٤٩، رقم ٧١٢.
وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد،
ص ٢٦٥، رقم ٥٥٢.
قال الله تعالى: ﴿وَسْشَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ:
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [النساء:
٣٢].
والدعاء عبادة له آثاره البالغة، وفوائده
العظيمة؛ لذلك أمرنا الحقّ جلّ في علاه
بالدّعاء، ورغّبنا فيه النبي صلى الله عليه
وسلم، فكم من محنة رفعها الله عز وجل
بالدعاء، وكم من مصيبة أو كارثة كشفها الله
عز وجل بالدعاء، وقد أورد القرآن الكريم
جملةً من الأدعية التي استجابها الله تعالی
بمنّه وفضله و کرمه.
يهدي النظر في آيات الدعاء في القرآن
الكريم إلى كرم الله ورحمته بعباده ورأفته
بهم؛ إذ پهبهم ما يطلبون.
وسنعرض بعضًا من الأمثلة الدالة على
إعطاء الداعي ما طلب:
إبراهيم عليه السلام.
طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن
يبعث في أمته ((ذريته)) المسلمة رسولًا:
﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَّكْبِمْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقد طلب أن يكون الرسول منهم («لأنه
یکون أشفق على قومه، ويكونون هم أعز
به، وأشرف وأقرب للإجابة؛ لأنهم يعرفون
منشأه وصنفه وأمانته)) (٤)، فيعلّمهم هذا
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٦٢٥/١.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الدال
الرسول القرآن وما يكمل به نفوسهم من
أحكام الشريعة والمعارف الحقة، ويطهّرهم
(١)
عن دنس الشرك، وفنون المعاصي
٠
وزكريا عليه السلام الذي تاقت نفسه
وقد استجاب الله دعاء إبراهيم فقال: إلى الولد ليرثه ويرث من آل يعقوب، فدعا
﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ ربه قائلًا: ﴿رَبٍّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ
الْوَرِئِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
عَلَيْهِمْ ءَدِهِ، وَيُزَكِمْ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَّلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
و﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ، قَالَ رَبِّ هَبْ
وقد جاء طلب الولد والذرية على لسان ◌ِى مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل
إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ رَبِّهَبْلِی
عمران: ٣٨].
مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠].
فأجاب الله له دعوته، وبشّره بغلام حليم،
وهو إسماعيل. قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ
حَلِيمٍ﴾ [الصافات
ثم أنعم الله على إبراهيم، فوهب له ابنه
إسحاق حین دعاه، ووهب له من إسحاق
يعقوب زيادة على ذلك، ﴿وَوَهَبْنَالَهُ، إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾
[الأنبياء: ٧٢].
نوح عليه السلام.
رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الأَرْضِ
دعا نوح ربه فقال:
مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وأخبر الله عن دعائه فقال:
فَدَعَا رَبّه
أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
واستجاب الله دعاء نوح عليه السلام
فقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىْ مِن قَبْلُ فَأُسْتَجَبْنَا
لَهُ، فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٦٢.
[الأنبياء: ٧٦].
زكريا عليه السلام.
فاستجاب له دعاءه ووهب له على
الكبر ابنه يحيى، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجُبْنَا
لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ,
زَوْجَهٍُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبٌَّ وَكَانُواْ لَنَا
خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
# سليمان عليه السلام.
طلب سليمان عليه السلام من ربه أن
يعطيه الملك في قوله: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ
لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
[ص: ٣٥].
ولم يكن سؤاله عليه السلام ((طلبًا
لنفس الدنيا؛ لأنه هو والأنبياء أزهد خلق
الله فيها، وإنما سأل مملكتها لله، كما سأل
نوح دمارها وهلاكها لله؛ فكانا محمودین
مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من
عليها، وأعطى سليمان المملكة))(٢).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٤/١٥.
٣٦٢
مُوسُوبَةُ النَّفي
جوسى
القرآن الكريم

الدعاء
أما قوله: ﴿لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾
«أي: أن يسأله فكأنه سأل منع السؤال بعده؛
حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع
الإجابة))(١).
وقد استجاب الله دعاءه، قال تعالى:
﴿فَسَخَّنَا لَهُ الْرِّيَعَ تَجْرِىِ يِأَمْرِ رَُّةٌ حَيْثُ أَصَابَ
وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ { وَءَاخَرِينَ
مُقَرَّفِينَ فِ اْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٨].
فسخّر الله الشیاطین له، یینون ما یرید،
ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر
والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد
وأوثقه(٢).
ثانيًا: الأجر والثواب:
من عظم رحمة الله بخلقه وكرمه السابع
معهم أن جعل للدعاء خيرًا ونفعًا وثوابًا
وأجرًا مما يظهر في الدنيا، ويمتد في الآخرة،
ويرتبط الدعاء بالمحسنين ارتباطًا وثيقًا؛ قال
تعالى: ﴿وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
والدعاء صلة بين المسلم والمسلم حتى
بعد الممات، كما في قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَأَلَّذِينَ جَهُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر: ١٠].
(١) المصدر السابق.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧١٢.
ولقد ذكر المصطفى صلى الله عليه
وسلم الأمور التي لا تنقطع عن الميت بعد
موته، ومنها الدعاء، فقال: (أو ولد صالح
يدعو له)(٣).
والدّعاء سبب أكيد لغفران المعاصي
والذنوب، ولرفع الدرجات، ولجلب الخير
ودفع الشّرّ، ومن ترك الدّعاء فقد سدّ على
نفسه أبوابًا كثيرةً من الخير، هذا وقد ذكر
شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله
عشرة أسباب لغفران الذنوب، حيث قال
رحمه الله: ((والسبب الرابع الدافع للعقاب
دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على
جنازته»(٤).
إن الدعاء من العبادات الجليلة التي
أمر الله بها عباده المؤمنين، ووعدهم عليه
جزیل الثواب، وتوعّد من أعرض عنه بالإثم
العظيم، وهو سمة للعبودية، ويستدعي به
العبد من الله العناية، ويستمد منه المعونة،
ويستجلب الرحمة، ويستدفع النقمة،
ويظهر به الافتقار والذلة البشرية، متبرئًا
من الحول والقوة، وإذا تأملت كتاب الله
سبحانه وتعالى وجدت فاتحته تضمنت
الدعاء، وخاتمته تضمنت الدعاء، ففاتحة
الكتاب بدئت بدعاء الثناء: ﴿الْعَمْدُ لِلّهِ
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية،
باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته،
١٢٥٥/٣، رقم ١٦٣١.
(٤) مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٢/ ٤٠٣.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الدال
[الفاتحة: ٢]. وتلاه دعاء
رَبِ الْعَلَمِينَ
المسألة: ﴿أَهْدِنَا الضَّرَطَ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الفاتحة:
٦]. وختم الكتاب بسورتي المعوذتين: دعاء
مسألة متضمنًا دعاء ثناء (١).
ثالثًا: رفع العذاب والبلاء:
الدعاء أحد أسباب رفع البلاء ودفع
الشقاء، کما في قوله عز وجل عن إبراهيم
عليه السلام: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَى أَلَّ أَكُونَ بِدُعَآِّرَبِّ
شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨].
وقال عن زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ
إِنّى وَهَنَ اٌلْعَظِمُ مِنَّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ
أَكُنُ بِدُ عَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤].
أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في
الدعاء، ولم تردّني قط فيما سألتك(٢).
وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة
دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن سابقًا، أن
يتمم إحسانه لاحقًا (٣).
ومن أمثلة أدعية رفع الضر قال تعالى:
﴿وَأَيُوبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ أَنِ مَسَّفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الزَّحِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَشَفْنَا
مَا بِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ
رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء:
٨٣ - ٨٤].
(١) انظر: تصحيح الدعاء، بكر أبو زيد ص١٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ١٨٨.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٨٩.
فجمع أيوب عليه السلام في هذا الدعاء
بين حقيقة التوحيد، وإظهار الفقر والفاقة
إلى ربه، ووجود طعم المحبة في التملق
له، والإقرار له بصفة الرحمة، وأنه أرحم
الراحمين.
والتوسل إليه بصفاته سبحانه، وشدة
حاجته هو وفقره. ومتى وجد المبتلي هذا
كشفت عنه بلواه. وقد جرّب أنه من قالها
سبع مرات ولاسيما مع هذه المعرفة كشف
الله ضره (٤).
وإذا ركب المشركون السفن وعلتهم
الأمواج من حولهم كالسحب والجبال،
أصابهم الخوف والذعر من الغرق ففزعوا
إلى الله، وأخلصوا دعاءهم له، فلما نجاهم
إلى البر، فمنهم متوسط لم يقم بشكر الله
على وجه الكمال، ومنهم كافر بنعمة الله
جاحد لها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ
كَالظلَلِ دَعَواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ فَلَمَّا نَّنُهُمْ
إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِكَايَئِنَآ
إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾ [لقمان: ٣٢].
موضوعات ذات صلة:
الاستغفار، التسبيح، الحمد، الذكر،
السؤال
(٤) التفسير القيم، ابن القيم ص ٣٨١.
٣٦٤
جوسى
القرآن الكريم