Indexed OCR Text

Pages 21-40

الدعاء
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((الدعاء به، لا شأن للعبد فيه، فمن تأمل نصوص
من أقوى الأسباب في دفع المكروه، الكتاب الكريم يلاحظ أنّ الأوقات ليست
كلّها سواء، فمنها ما تفتح فيها أبواب
السماء، ولا يحجب فيها الدعاء، ومنها ما
تستنزل فيها الرحمة أکثر من غيرها، وفيما
يلي ذكر لبعض هذه الأوقات والأحوال،
والأماكن التي ترجى فيها الإجابة:
وحصول المطلوب، ولکن قد يتخلّف عنه
أثره، إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا
يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإمّا لضعف
القلب، وعدم إقباله على الله، وجمعيته
عليه وقت الدعاء، وإمّا لحصول المانع من
· جوف الليل ووقت السّحر.
الإجابة، من أكل الحرام، ورین الذنوب على
القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو
وغلبتها عليها)»(١).
فلابد للمسلم في دعائه من أن يحضر
قلبه مع الله عز وجل، ونعني به أن يفرّغ
الدّاعي قلبه عن غير ما هو ملابس له ومتكلم
به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما،
ولا یکون الفکر جائلا في غيرهما، ومهما
انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه و کان
في قلبه ذكر لما هو فيه، ولم يكن فيه غفلة
عن كل شيء، فقد حصل حضور القلب،
وهذا أعظم شروط قبول الدعاء (٢).
رابعًا: تحري أوقات ومواطن الإجابة:
من الأسباب الداعية الى استحضار
القلب تحري الأحوال المختصة بالإجابة؛
فإجابة الدعاء علم قد اختص الله تعالى
الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ١٣٨٣/٣ -
١٧٦٣.
(١) انظر: الجواب الكافي، ص٨-٩.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١٦١/١،
جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢/ ٤٠٣.
وقد مدح الله المستغفرين بالأسحار،
فقال عز وجل: ﴿كَانُوْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
٢) وَالْأَشْعَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ -
١٨].
قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيالأَشَارِ
هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قال: هم المؤمنون، وبلغنا أن
نبي الله يعقوب حين سألوه أن يستغفر لهم
﴿قَالُواْيَتَأَ بَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ
٩٧
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِيِّ إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨].
قال بعض أهل العلم: إنه أخّر الاستغفار
إلى السحر، وهي الساعة التي تفتح فيها
أبواب السماء، قال ابن زيد: السحر هو
السدس الأخير من الليل (٣).
يوم الجمعة.
وقت اجتماع الهمم، وتعاون القلوب
على استدرار رحمة الله ﴿يَأَيّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٥٥.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الدال
ذِكْرِ اَللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ ) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِي
اٌلْأَرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩-١٠].
■ رمضان.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَاءٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ
الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٥) وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥- ١٨٦].
فقد ذكر سبحانه إجابة الدعاء عقب ذكره
فريضة الصيام، وقال صلى الله عليه وسلم:
(ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر،
والإمام العادل، ودعوة المظلوم)(١).
ليلة القدر.
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب في العفو والعافية، ٥/ ٤٧٠، رقم
٣٥٩٨، وابن ماجه في سننه، كتاب الصيام،
باب في الصائم لا ترد دعوته، ١/ ٥٥٧، رقم
١٧٥٢.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن)).
وهي أكثر الليالي أهمية في استجابة
الدعاء، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ل لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ
مِّنْ أَلْفِ شَهْرِ ن نَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمْيٍ سَلَمُ هِىَ حَّ مَطْلَعَ الْفَجْرِ﴾.
[القدر: ١ - ٥].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت:
يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة
ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم
إنك عفو تحب العفو فاعف عني)(٢)، فعلى
المؤمن أن يتحرى هذه الليلة، ويحييها
بالصلاة والدعاء.
حال السجود.
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدٌ وَأَقْتِّب
[العلق: ١٩].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرب
ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا
الدعاء)(٣).
الحرم المكي.
ويظهر ذلك فيما ورد عن بعض الصحابة
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٤١٦/٥، رقم ٣٥١٣، وابن ماجه في سننه،
كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية،
١٢٦٥/٢، رقم ٣٨٥٠.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)) .
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، ٦٤٦/١، رقم ٢٠٩١.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص (٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال
في الركوع والسجود ١/ ٣٥٠ - ٤٨٢.
٣٨٣، رقم ٢٥٩٢.
٣٣٦
جونير
الْقُرْآن الكَرِيْمِ

الدعاء
رضوان الله عليهم؛ فعن حبيب بن صهبان
قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يطوف بالبيت وهو يقول بين الباب والركن
أو بين المقام والباب: ﴿رَبَّنَاْ ءَائِنَا فِى
الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١](١).
* المساجد.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ بَقٍ بِاَلْقِسْطٌ
وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُّ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾
[الأعراف: ٢٩].
﴿وَأَقِيمُواْ وُجُومَكُمْ عِنْدَ
وأما قوله:
كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال
بعضهم: معناه: وجهوا وجوهکم حیث کنتم
في الصلاة إلى الكعبة، وقال آخرون: بل عنی
بذلك: واجعلوا سجودکم لله خالصًا، دون
ما سواه من الآلهة والأنداد، قال أبو جعفر:
وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية أن القوم
أمروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم لا إلى
ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا
دعاءهم لله خالصًا، لا مكاءًا ولا تصديةٌ(٢).
وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، جماع
أبواب دخول مكة، باب القول في الطواف،
١٣٧/٥، رقم ٩٢٩١.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٨٠/١٢-٣٨١.
وَاْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِجَتْرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ( لِيَجْزِهُمُ
اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهٌ وَاللهُ يَرْزُقُ
مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦-٣٨].
وفي هدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم أدعية طيبة مرتبطة بالمسجد، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل
أحدكم المسجد فليقل: اللهمّ افتح لي
أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهمّ إني
أسألك من فضلك)(٣).
و کان رسول الله صلی الله عليه وسلم إذا
دخل المسجد قال: (بسم الله والسّلام على
رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي
أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله،
والسّلام على رسول الله، اللّهمّ اغفر لي
ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) (٤).
خامسًا: الدعاء وقت الشدة والضرورة:
لابدّ للداعي أن يتوجه إلى الله تعالى
توجّه المضطر الذي لا يرجو غيره، وأن
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل
المسجد، ٤٩٤/١، رقم ٧١٣.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥/٤٤، رقم
٢٦٤١٧، وابن ماجه في سننه، كتاب
المساجد والجماعات، باب الدعاء عند
دخول المسجد، ٢٥٣/١، رقم ٧٧١ .
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،
١/ ٢٣٧، رقم ٠٦٣٢
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الدال
يرجع في كلّ حوائجه إلى ربه، ولا ينزلها إلى الله تعالى واللجا إليه تعالى من
بغيره من الأسباب التي لا تملك ضرًا ولا الاضطرار، وقال السدي: ((الذي لا حول
نفعًا، قال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم
مِّنِ دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الشُّرِّ عَنكُمْ وَلَا
تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
فإذا لجأ الداعي إلى ربه بقلب سليم،
وكان دعاؤه حقيقيًا صادقًا جادًا، تحقق
الانقطاع الصادق بالاضطرار الحقيقي إلى
الله تعالی الذي هو شرط في قبول الدعاء،
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاءُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِّ
أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:
٦٢].
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد،
المرجو عند النوازل، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ
الضُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:
٦٧].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ اَلْضُّرُّ فَإِلَيْهِ
تَجَْرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
أَمَّن يَجِيبُ الْمُضْطَرَّ
وهكذا قال ها هنا:
إِذَادَعَاهُ﴾ أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر
إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين
سواه(١).
المضطر المكروب هو ذو الضرورة
المجهود الذي أحوجه مرض أو شدة، أو
فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٠٣.
له ولا قوّة، وقيل: المذنب إذا استغفر، وهو
إفتعال من الضرورة، واللام فيه للجنس، لا
للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر،
ويكشف السوء الضر، ويدفع عن الإنسان ما
يسوعه»(٢).
وقد ضمن الله تعالى إجابة المضطر
إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه؛ فأما قوله
تعالى: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فهو كالتفسير
للاستجابة، فإنه لا يقدر أحد على كشف
ما دفع إليه من فقر إلی غنی، ومرض إلى
صحة، وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا
يعجز، والقاهر الذي لا ينازع(٣).
والسبب في ذلك أنّ الضرورة إليه
بالالتجاء تنشأ عن الإخلاص، وقطع القلب
عمّا سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع
وذمة وجد من مؤمن أو کافر، طائع أو فاجر،
كما قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْقُلْكِ
وَجَیْنَ بِهِم بِیج ◌َئِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتُهَا ◌ِبِے
عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ
أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوا ◌ْاللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَيْنْ
أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ٢٢٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ١٦٥،
معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥١، مفاتيح الغيب،
الرازي ٢٤ / ٥٦٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٦٥.
٣٣٨
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ

الدعاء
[يونس: ٢٢].
من الأشياء؛ منكم ومن غيركم، ﴿اَلْحَمِيدُ﴾
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة
هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
أجابهم عند ضرورتهم ووقوع
إخلاصهم، مع علمه أنّهم يعودون إلى
شرکھم و کفرهم، وقال تعالی:
فَإِذَا
رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلْدِينَ﴾
[العنكبوت: ٦٥].
فيجيب المضطر لموضع اضطراره
وإخلاصه(١).
فمن اعتقد أن للہ شریگًا لم يحصل له
الاضطرار؛ لأنه يقول: إن كان هذا المعبود
لا ينصرني فذاك الآخر ینصرني، وإن لم
يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل
الإجابة ولا النصرة(٢).
والحق أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله
تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم،
في أمور دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿يَأَيُها
النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ
الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
(يقول -تعالى ذكره -: يا أيها الناس أنتم
أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا،
وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم،
وتنجح لديه حوائجكم ﴿وَاللهُهُوَآلْغِىّ﴾عن
عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٣/٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٣٨٥.
بکم وبغیر کم فمنه، فله الحمد والشکر بکل
حال»(٣).
قوله: ﴿إِلَى اللهِ ﴾ إعلام بأنه لا افتقار
إلا إليه، ولا اتكال إلا عليه، وهذا يوجب
عبادته؛ لكونه مفتقرًا إليه، وعدم عبادة غيره
لعدم الافتقار إلى غيره(٤).
وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون
إلی الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع
مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد
لا یملکون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأن
من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق، فإنه
يحرمها في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه
بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة(٥).
والعبد يسأل ربه كل شيء يحتاجه في أمر
دينه ودنياه؛ لأن الخزائن كلها بيده سبحانه
وتعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
عِندَنَا خَزَّائِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾
[الحجر: ٢١].
أي: وما من شيء إلا ونحن قادرون على
إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب
الخزائن مثلًا لاقتداره أو شبه مقدوراته
بالأشياء المخزونة، التي لا يحوج إخراجها
إلى كلفة واجتهاد، وما ننزله من بقاع القدرة
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٥٤.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٣٠.
(٥) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٣٧/٢.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الدال
إلّا بقدر معلوم حده الحكمة وتعلقت به
المشيئة، فإن تخصيص بعضها بالإيجاد في
بعض الأوقات مشتملًا على بعض الصفات
والحالات لابد له من مخصص حكيم (١).
سادسًا: خفض الصوت في الدعاء:
من آداب الدعاء خفض الصوت، وجعله
بين المخافتة والجهر؛ لقوله عز وجل: ﴿قُلِ
أَدْعُواْاللَّهُ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ
اَلُْسْنَىّ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ١١٠].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((كانوا يجهرون بالدعاء، فلما نزلت هذه
الآية أمروا أن لا يجهروا ولا يخافتوا، وتأويل
الكلام -كما ذكر الطبري -: قل ادعوا الله
أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء
الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك
في صلاتك ودعائك فيها ربك ومسألتك
إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك
المشركون، ولا تخافت بها، فلا يسمعها
أصحابك ﴿وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾(٢).
و((المراد بالصلاة: الدعاء، وهذا قول
عائشة رضي الله عنها، وأبي هريرة،
ومجاهد، وروي هذا مرفوعًا أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال في هذه الآية: إنما ذلك
في الدعاء والمسألة، لا ترفع صوتك فتذكر
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٠٩/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٥٨١/١٧ - ٥٨٨.
ذنوبك فيسمع ذلك، فتعيّر بها، فالجهر
بالدعاء منهي عنه، والمبالغة في الإسرار غير
جائزة، والمستحب من ذلك التوسّط وهو
أن یسمع نفسه»، کما روي عن ابن مسعود
رضي الله عنه أنه قال: ((لم يخافت من أسمع
أذنیه».
وروي عن الإمام مالك أنه قال: ((إنما
أنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ
وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ في
الدعاء))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِ نَفْسِكَ
تَضَرُّهَا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ◌ِالْغُدُوِّ
وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف:
٢٠٥].
قوله: ﴿وَدُونَ اُلْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، المراد
منه: أن يقع ذلك الذکر بحيث يكون متوسطًا
بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى عن
زكريا عليه السلام: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءُ
خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: وتفسير
قوله: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ﴾، المعنى: أن
يذكر ربه على وجه يسمع نفسه، فإن المراد
حصول الذكر اللساني، والذكر اللساني إذا
کان بحیث یسمع نفسه فإنه يتأثر الخيال من
ذلك الذكر، وتأثر الخيال يوجب قوة في
الذكر القلبي الروحاني، ولا يزال يتقوى
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٧٢.
٣٤٠
جَوَنُور
القرآن الكريم

الدعاء
كل واحد من هذه الأركان الثلاثة، وتنعكس
أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض،
وتصير هذه الانعكاسات سببًا لمزيد القوة
والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض
ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور
والظلام(١).
أبعد من الرياء؛ ذلك أنّ الشريعة مقرّرة أنّ
السر فیما یعترض من أعمال البر أعظم أجرًا
من الجهر، قال الحسن بن أبي الحسن:
لقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض عمل
أبدًا(٢).
ويبيّن العلامة ابن القيم فوائد لإخفاء القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.
الدعاء، فيقول:
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب
أولها: أنّه أعظم إيمانًا؛ لأنّ صاحبه يعلم والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا
أنّ الله يسمع دعاءه الخفي.
ثانيها: أنّه أعظم في الأدب والتعظيم؛
ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع
الصوت، وإنّما تخفض عندهم الأصوات،
ویخفت عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه،
ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل
الأعلى، فإذا ربنا يسمع الدعاء الخفي، فلا
یلیق بین یدیه إلا خفض الصوت.
(١) المصدر السابق ١٥/ ٤٤٤.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٣/٧-٢٢٤.
ثالثها: أنه -يعني الإخفاء- أبلغ في
التضرّع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه
ومقصوده، فإنّ الخاشع الذليل الخاضع إنّما
يسأل مسألة ذليل قد انكسر قلبه، وذلت
جوارحه، وخشع صوته.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
خامسها: أنه أبلغ في جمعه القلب على
کما أنّ الدعاء مع هذه الھیئة یکون کما
قال الله تعالى: ﴿وَخُفْيَةٌ﴾ لأنّ ذلك يكون الله في الدعاء، فإنّ رفع الصوت يفرّقه
ويشّته، فكلّما خفض صوته كان أبلغ في
حمده، وتجريد همته، وقصده للمدعو
سبحانه وتعالى.
سادسها: أنه دالٌّ على قرب صاحبه
يقدرون على أن يكون سرًا فيكون جهرًا من الله، وأنّه لاقترابه منه وشدة حضوره
يسأله أقرب شيء إليه، فيسأله مسألة مناجاة
تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنّه یکلّ
لسانه وتضعف بعض قواه (٣).
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم قومًا يرفعون أصواتهم بالدعاء أنكر
عليهم قائلًا: (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا
تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعا
قريبًا) (٤).
(٣) التفسير القيم، ابن القيم ص ٨٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة خيبر، ١٣٣/٥، رقم
٤٢٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر
www. modoee.com
٣٤١

حرف الدال
سابعًا: عدم الاعتداء في الدعاء:
ومن آداب الدعاء عدم الاعتداء فيه؛
فالاعتداء فیه من أسباب موانع إجابته، قالٍ
سبحانه وتعالى: ﴿أَدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقد فسّر الاعتداء -في معنى الآية-
بتكلف السجع في عبارات الدعاء، أو
التفصیل فیه بتكلف (١).
وکذلك فسّر برفع الصوت به؛ قال ابن
عباس رضي الله عنهما لعكرمة رحمه الله:
((فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني
عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك))(٢). يعني: لا
يفعلون إلا ذلك الاجتناب.
والتعجل من صور الاعتداء في الدعاء،
والإنسان خلقه الله تعالى وأوجد فيه غرائز
وفطر فيكون أحيانًا في غاية السرور والفرح
من نفسه أو من أحد أقاربه وأصدقائه، وقد
يتغيّر الحال تمامًا فيصير القريب عدوًا،
والعدو صدیقًا، بل قد يدعو الإنسان أحيانًا
على نفسه وولده، ثم یندم بعد قليل، فلو
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب
خفض الصوت بالذكر، ٢٠٧٦/٤، رقم
٢٧٠٤.
(١) الأذكار، النووي ص ٤٢١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب ما يكره من السجع في الدعاء،
٨/ ٧٤، رقم ٦٣٣٧.
استجيبت الدعوة لدام حزن هذا الإنسان
إلى الأبد، قال عز وجل: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ
لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ
إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
قال أبو جعفر: ((يقول -تعالى ذكره -:
ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في
الشر، وذلك فيما عليهم مضرة في نفس
أو مال ﴿اَسْتِعْجَالَهُم پِالْخَيْرِ﴾، يقول:
كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه
به ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾،يقول: لهلكوا،
وعجّل لهم الموت، وهو الأجل))(٣).
٣٤٢
جوسيق
القرآن الكريم
(٣) جامع البيان ١٥/ ٣٣.

الدعاء
أنواع الدعاء
ينقسم الدعاء في القرآن إلى دعاء
ممدوح ودعاء مذموم، وسوف نعرضها في
النقاط الآتية:
أولًا: الدعاء الممدوح:
إن أعظم الأدعية الممدوحة هي تلك
التي أثرت عن الأنبياء عليه السلام.
وقدسجّلت آيات القرآن الكريم كثرة
من أدعية الأنبياء والمرسلين وعباد الله
الصالحين، والنظر فیھا یعلّم المسلم کثیرًا
من آداب الدعاء، ويهبه كثيرًا من أوجه
الخیر؛ إِذ یعرف کیف يدعو، وبم يدعو،
ويتجدد وعيه بسير الأنبياء والمرسلين ممن
يؤمن المسلم بهم، وهم لديه في مقام القدوة
والاحتذاء.
وقد اهتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة
والسلام وأتباعهم من عباد الله الصالحين
بالدعاء، فاستجاب الله دعاءهم، وهذا كثير
في القرآن ومن أمثلته:
·آدم عليه السلام.
ذكر القرآن الكريم ما كان من وسوسة
الشيطان لآدم عليه السلام: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة:
٣٦].
وما ترتب على ذلك من ندمه عليه السلام
وزوجه؛ آنئذٍ اتجها إلی الله في ذل وانكسار
واعتراف بالذنب؛ مما يسجّله قوله تعالى:
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّوْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وذلك عندما «قال آدم: أي ربّ أرأيت إن
تبت واستغفرت؟! قال: إذا أدخلك الجنة،
فقالا قولهما السابق، وهي الكلمات التي
تلقاها آدم من ربه))(١).
وكانت الاستجابة للدعاء والاستغفار؛
فغفر الله لهما، كما قال سبحانه:
﴿فَلَقَّى
ءَدَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ
الَّ
[البقرة: ٣٧].
◌َّحِيم
ثم أكرمه الله بالاصطفاء، فقال عز وجل:
﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَىْ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ
عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٣٣].
وخصّه بالاجتباء، فقال عز وجل:
أَجْتَبَهُ رَبُّهُ، فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢].
نوح عليه السلام.
فقد سجّل القرآن ما كان من حرص
نوح عليه السلام على دعوة قومه ليلًا
ونهارًا، لكن ذلك كله لم يغيّر من إعراضهم
وصدهم شیئا، بل استمروا في کفرهم حينها
انقطعت الحجة، واستحقوا العذاب، فدعا
عليهم عليه السلام بقوله: ﴿وَقَالَ نُحُ رَبِّ
لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن
تَذَرَّهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْ إِلََّ فَاجِرًا كَفَّارًا
٧ رَّبِّ أَغْفِرْلِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٦/٢.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الدال
مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا
نَّبَارًا﴾ [نوح: ٢٦-٢٨].
وسبب الدعاء عليهم هو إضلالهم
لعباد الله سبحانه وتعالى، وأنه لن يخرج
من أصلابهم إلا الكفار، ولا شك أن هذا
من علم الغيب، ولكن الله سبحانه وتعالى
أطلع عليه نوحًا بما أوحى إليه، قال الطبري:
((قال قتادة: أما والله ما دعا عليهم حتى أتاه
الوحي من السماء ﴿وَأُوجِى إِلَى نُوجِ أَنَّهُلَن
يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا نَبْتَيِسْ بِمَا
كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [هود: ٣٦]. فعند ذلك دعا
علیهم نبي الله نوح))(١).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: «لما
استنفذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب
والأرحام من المؤمنين، أوحى الله إليه))(٢).
وقال السعدي: «وإنما قال نوح ذلك لأنه
مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لأخلاقهم
علم بذلك نتيجة أعمالهم؛ فلهذا استجاب
الله دعوته، فأغرقهم أجمعین، ونجی نوحًا
ومن معه من المؤمنين)»(٣).
وقد استجاب الله عز وجل دعاء نوح
عليه السلام على قومه فأغرقهم بالطوفان،
وأنجاه ومن آمنوا معه؛ قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ
٢ فَدَهَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ، فَفَتَحْنَاً
(١) جامع البيان ٢٩/ ١٠١.
(٢) أحكام القرآن ١٠٥٨/٣.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص٧٢٣.
أَبْوَبَ السَّمَاِ بِمَلَوْ مُنْهَمٍِ ﴿ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا
فَالْفَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (٢) وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ
أَوَجٍ وَدُسُرٍ (٢) تَجْرِى ◌ِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِمَن كَانَ كُفِرَ﴾
[القمر: ٩-١٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ
﴿ وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
Vo
الْمُجِيبُونَ
الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٥-٧٦].
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ
وقال:
فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوِْ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَّايَئِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ
فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٦-٧٧].
إبراهيم عليه السلام.
وكان خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام
معروفًا بالدعاء والمناجاة؛ قال ابن مسعود
رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ
[التوبة: ١١٤].
إنه كان يكثر من الدعاء(٤).
قال الله تعالى عن دعائه: ﴿ رَبِّهَبْ لِی
حُكْمًا وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّالِحِينَ ﴿ وَأَجْعَل ◌ِفِىِ
لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴿ وَلَجْعَلِ مِن وَرَةِ جَنَّةِ
النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٣
فاستجاب الله له؛ قال تعالى: ﴿فَقَدْ
ءَاتَّيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم
مُلَّكَّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ؟ ٥٤].
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٤٩/٨.
مُؤَ الَةُ الْبَّنِّ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٤٤

الدعاء
وقال في قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
[يوسف: ١٠١].
﴿وَإِنَّهُ فِ اُلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [البقرة:
١٣٠].
وكانت الاستجابة لدعائه عليه السلام
الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَل ◌ِی
لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ﴾ مذكورةً في قوله
سبحانه: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (٨) سَلَمُ عَلَى
نُجَ فِ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ}
[الصافات: ٧٨ - ٨٠].
وقد أشرك ولده إسماعيل في الدعاء
كما أشركه في البناء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ
إِبْرَهِهُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١) رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا
مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾
[البقرة: ١٢٧-١٢٨].
رَبِّ أَجْعَل
وقوله تعالى كذلك:
هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَيَنِىَّ أَنْ تَّعْبُدَّ
الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وقوله أيضًا: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْْمًا
وَأَجْعَل لِى لِسَانَ
(٨٣
وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّالِحِينَ (
صِدْقٍ فِ اَلْأَخِرِينَ ﴿ وَلَجْعَلِ مِنْ وَرَثَةٍ جَنَّةِ
النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥].
ويدل دعاؤه لأبيه رغم كفره وإعراضه
على شفقته وعطفه، قال تعالى: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِىّ
إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِينَ﴾ [الشعراء: ٨٦].
وذلك لأنه قد وعده بالاستغفار له، كما
جاء في قوله: ﴿سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ
رَبِّإِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
هود عليه السلام.
وقد تضرع هود عليه السلام لربه حين
كذّبه قومه، وخالفوه وتنقصوه قائلًا: ﴿قَالَ
رَبِّ أَنْصُرْنِىِ بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٣٩].
لوط عليه السلام.
أما لوط عليه السلام فأخذ يدعو قومه،
ولكنهم لم يجيبوا داعي الله، وهمّوا
بإخراجه قال تعالى على لسانهم: ﴿أَخْرِجُوا
ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِ يَنَطَهَّرُونَ ﴾
[النمل: ٥٦].
((فلما طال تماديهم في غيّهم ولم
ينزجروا دعا عليهم لوطٌّ، وقال: ﴿قَالَ
رَبِّ أَنصُرْنِىِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾
[العنكبوت: ٣٠])(١).
يعقوب عليه السلام.
وقد اشتد البلاء بيعقوب عليه السلام،
قال تعالى: ﴿وَجَهُو عَلَى قَبِصِهِ،بِدَرِكَذِبِ قَالَ
بَ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ
الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
وقال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ
عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌّ فَاللَّهُ
خَيْرٌ حَفِظًاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤].
وقد ناجى يعقوب عليه السلام ربه
شاكيًا إليه بثه وحزنه: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٦ / ٥٦.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الدال
أَنْفُسُكُمْ أَقْرٌّ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِىِ
٨٣
بِهِمْ جِيمَاْ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأْسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ
عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ قَالُواْ تَاللَّهِ
تَفْتَؤُّأْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَّ تَكُونَ حَرَضًا
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا
أَشْكُواْ بَنِّي وَحُزْنِيِّ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اُللَّهِ
مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ يَنَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسُواْ
مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْئَسُوا مِن زَّوْجِ اللَّهِ
إِنَّهُ لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾
[يوسف: ٨٣-٨٧].
ثم استجاب الله دعاءه، ورد عليه يوسف
وأخاه، قال الله: ﴿قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُ
قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَّاً
إِنَّهُ, مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ
ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُتَّا لَخَطِينَ
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللّهُ
لَكُمَّ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ آ أَذْهَبُواْ
بِقَمِيصِى هَذَا فَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِ يَأْتِ بَصِيرًا
وَأَتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِيْنَ ا وَلَمَّا
فَصَلَتِ الْغِيْرُ قَالَ أَبُهُمْ إِ لَأَجِدُ رِيحَ
يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ ) قَالُواْتَالَّهِ إِنَّكَ لَفِى
ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ (٥) فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ
أَلَقَنَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَّ بَصِيرًاْ قَالَ أَلَمْ أَقُل
لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[يوسف: ٩٠-٩٦].
يوسف عليه السلام.
ودعا يوسف عليه السلام ربه حين
استشعر وطأة البلاء: ﴿قَالَتْ فَذَالِكُنَّ الَّذِى
لُمْتُنَّفِى فِيهِ وَلَقَدْ رَوَ دَتُ عَنْ نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمٌ وَلَيْن
لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوْنَا مِنَ الصَّغِرِينَ
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَفِيَّ إِلَيَّةٌ
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ
اْجَهِينَ ) فَأَسْتَجَابَ لَهُرَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٢-٣٤].
ويطلعنا دعاء المرسلين على ما كان
من جهدهم المبذول في تبليغ الرسالة
لأقوامهم، والاجتهاد في هدايتهم؛ فكان
في تدبر الآيات التي تعلقت بدعائهم عليهم
السلام ما يذكّر بسيرتهم، ويخوّف من مغبة
الإعراض عن الصراط المستقيم.
موسى عليه السلام.
وقد دعا موسى عليه السلام ربه طالبًا
عونه للقيام بمهمة التبليغ على أكمل وجه،
فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى ٥ وَكَّرْ لِّ
أَمْرِى وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِىِ يَفْقَهُواْ قَوْلِي
(٨٠) وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيْرًّاً مِنْ أَهْلِ هَرُونَ أَخِى )
آشْدُد یهِ، أَزْرِی) وَأَشْرِگهُ فِ آَمْرِى﴾ [طه: ٢٥-
٣٢].
وقد استجاب الله له ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ
سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦].
وبعد أن وجد من الإعراض والعناد ما
وجد دعا على فرعون وقومه، قال الله تعالى
٣٤٦
جَوْسُو
القرآن الكريم

الدعاء
عن موسى وهارون: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا وقيل: وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم
بتوبتهم ولم يعرف الحال، فظن أنه كذبهم
وغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة
للمبالغة؛ ((أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة
لخوفهم لحوق العذاب عندها)»(٢).
إِنَّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَّلًا فِى
الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَْمِسْ
عَلَى أَمْوَ لِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقَّ
يَرَوَأُ الْعَذَابَ الْأَلِيمُ﴾ [يونس: ٨٨].
هذا دعاء عليهم بهلاك الأموال، أو جعلها
غير منتفع بها؛ لأنهم جعلوا تلك الأموال في
سبیل الإضلال، فيضلّون ويضلّون، و کذلك
دعا عليهم بقساوة القلوب جزاء جحدها
للحق، وإعراضها عن الدعوة (١).
وقد استجاب الله لهما ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت
دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَّعَانٍ سَبِيلَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].
يونس عليه السلام.
وهناك دعوة يونس عليه السلام التي ورد
ذكرها في القرآن مقرونًا بذکر الاستجابة لها.
قال الله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ
مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىْ فِ
اُلُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِ
فَاسْتَجَبْنَا
٨٧
كُنْتُ مِنَ الظَّالِينَ
لَهُ، وَتَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ تُشُچِى
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨].
إذ ذهب مغاضبًا لقومه لما تبرم بطول
دعوتهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي
إصرارهم مهاجرًا عنهم، قبل أن يؤمر،
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٣٩/٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٤١.
عن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون
إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا
أنت سبحانك إني كنت من الظالمين،
لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا
استجاب الله له)(٣).
# سليمان عليه السلام.
وسليمان عليه السلام آتاه الله الملك،
وسخّر له الريح، وعلّمه منطق الطير، وجعل
جنوده من الثقلین، فدعا الله بأن لا يكون
هذا الملك لأحد من بعده، فقال تعالى:
﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ
بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَالْوَهَّابٌ﴾ [ص: ٣٥].
هب لي ملگًا لا ينبغي لأحد من بعدي أن
يسلبنيه، وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا
ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فیکون
حجةً وعلمًا لي على نبوتي، وأني رسولك
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٥٩.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٤٠٩/٥، رقم ٣٥٠٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٣٧/١، رقم ٣٣٨٣.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الدال
إليهم مبعوث (١).
أيوب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ أَنّ
مَسَفِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء:
٨٣].
يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان
أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده؛
وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام
والحرث شيء كثير، وأولاد كثير، ومنازل
مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن
آخره، ثم ابتلي في جسده، وقد كان نبي
الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر، وبه
يضرب المثل في ذلك(٢).
وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر
نفسه بما یوجبها، واکتفی بذلك عن عرض
المطلوب لطفًا في السؤال(٣).
وقد استجاب الله عز وجل: ﴿فَاسْتَجُبْنَا
لَهُ، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ.
وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى
لِلْعَيِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٤].
زكريا عليه السلام.
ودعا زكريا عليه السلام ربّه طالبًا الذّرّيّة،
قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّهُ.
قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةٌ طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ
﴿ فَنَادَتَّهُ الْمَلَتِكَهُ وَهُوَ قَآپِمٌ يُصَلِى فِی
الدُّعَلِ
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠٨/٢١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٩/٥.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥٨/٤.
اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل
عمران: ٣٨-٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّ إِذْ نَادَى رَبَّهُ.
رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٩].
ومع علمه أنه شيخٌ کبیر، وأنّ زوجه عاقرٌ
لا تلد، إلاّ أنه أخذ يناجي ربه ويدعوه خفيةً.
قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ.
زَكَرِيََّ ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءَ خَفِيًّا
قَالَ رَبٍ إِى وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَّبِكَ رَبِّ شَقِيًّا (
٤
وَإِ خِفْتُ الْمَوَِّىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ
أَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِنْ لَّدُنكَ وَلِيًّا ن يَرِثُنِ
وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
[مريم: ٢-٦].
فاستجاب الله له ورزقه بيحيى سيدًا
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا
وحصورًا
لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ
كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَبَا وَرَهَبَّأُ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾
[الأنبياء: ٩٠].
عيسى عليه السلام.
وقد دعا عيسى عليه السلام ربّه أن ينزل
المائدة على قومه كما طلبوا منه؛ لتكون
دليلاً على نبوته، فقال: ﴿اَللَّهُوَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ
عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا
٣٤٨
جَوَبُورَةُ النَّفِيَّة
القُرآن الكَرِيمِ

الدعاء
وَءَاخِرِنَا وَءَايَّةً مِّنكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ
[المائدة: ١١٤].
محمد صلی الله عليه وسلم.
وکان رسول الله صلی الله عليه وسلم
وصحبه يفزعون إلى الدعاء؛ وفي هذا
تعليم للأمة، وتربية في حسن التوجه إلى
الله، وصدق التوكل عليه، وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٣) فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اَللَّهِ
وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
[آل عمران: ١٧٣-
وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
١٧٤].
وفي بدر حيث التقى الجمعان، دعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه،
واستنصره متضرعًا إليه حتى سقط رداؤه،
فأنجز له الله تعالى ما وعده، وأمدّه بألف
من الملائكة مردفين، ولاحت بشائر
الانتصار(١).
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قال: لما کان یوم بدر نظر رسول الله صلی
الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف،
وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا،
فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم
القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: (اللهم
أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني،
(١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٧٥/٣.
اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام
لا تعبد في الأرض) فما زال یهتف بربه، مادًا
يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن
منکبیه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على
منکبیه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله
كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما
وعدك، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
رَبَّكُمْ فَأُسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ
الْمَلَتِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا
بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا
مِنْ عِندِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:
٩- ١٠]. فأمده الله بالملائكة (٢).
.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَزِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣) إِذْ تَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَثَةِ
ءَالَفيِ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ { بَلَىَ إِن تَصْبِرُوا
وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُم
بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوْمِينَ (٢) وَمَا
جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُّكُمْ بِهِ وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل
عمران: ١٢٣ -١٢٦].
وبهذا كان المؤمنون من الصحب الكريم
تمثيلاً لمرحلة من نصرة دين الله في تاريخ
البشرية تذكّر بما كان من جنود طالوت
الذين ثبتهم الله وقاتلوا جالوت؛ ولما اشتدّ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الإمداد بالملائكة، ١٣٨٣/٣،
رقم ١٧٦٣.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الدال
الفزع بأصحاب طالوت لكثرة العدد والعدة الله في كل صلاة وسيلة لتجديد الوعي بهذه
الأبعاد؛ إذ يضرع المسلمون بهذا الدعاء في
في صفّ جالوت وجنوده، طلبوا من الله
النصر في ضراعة؛ فدعوا الله متضرعین.
كل صلاة: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ))
أَهْدِنَالصِرَطَ الْمُسْتَقِيمُ﴾ [الفاتحة: ٥-٦].
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
وَثَبْتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ ﴿ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ
وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
اَلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
اَلْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠
وفي كل المراحل التي نهض المؤمنون
فيها بجهادهم لنصرة الدين وإعلاء كلمة الله
کان التعويل على الدعاء يستمد به العون من
ناحية، ويتوقى به اليأس من انقطاع الاسباب
أو الاغترار بها من ناحية أخرى.
ويتأسى المسلمون بما تضمنته آي القرآن
من أدعية الصالحين من عباد الله المؤمنين؛
إذ يلازم الدعاء إخلاص عبوديتهم لله
وتمسکهم بدينه، وجهادهم في سبيله،
ويتأسس دعاؤهم على عبوديتهم الخاشعة
لله التي تملأ قلوبهم يقينًا بالاستعانة به
وحده؛ فلا مدعو غيره، ولا مسئول سواه،
ومع استحضار هذه المعاني في القلوب
يكون (الصّراط المستقيم) هدفًا وغاية. ومن
رحمة الله بعباده أن كان الوقوف بين يدي
ويدعو المسلم ربه كل يوم في فاتحة
الكتاب -التي لا صلاة إلا بها- بهذا
الدعاء ﴿أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرِطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الََّآلِينَ﴾
[الفاتحة: ٦-٧].
إن الهدف المبتغى الذي يضرع المسلم
بهذا الدعاء العظيم لأجله هو الهداية
الصراط المستقيم؛ وهو صراط وسط بين
سبيل من حل عليه الغضب، ومن زل في
الضلالة.
﴿ أَهْدِنَا﴾ دعاء ورغبة من المربوب إلى
الرب، والمعنى: دلنا على الصراط المستقيم،
وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة
إلى أنسك وقربك، قال بعض العلماء:
فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته
موضوعًا في هذه السورة ... ، وجعل هذا
الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي
يدعو به الداعي؛ لأن هذا الكلام قد تكلم به
رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه
الذي تكلم به، وفي الحديث الذي رواه أبو
هريرة رضي الله عنه: (ليس شيءٌ أكرم على
٣٥٠
جَوَبُو
القرآن الكريم

الدعاء
الله من الدعاء)(١)(٢).
والصراط الذي يسأل المؤمنون ربهم أن
یھدیهم إليه صراط من ظفر بالنعمة غير ضال
ولا مغضوب عليه؛ والمفسرون يوجهون
الدلالة إلى اليهود أهل الغلو في الدين،
والنصارى أهل الغلو في الرهبانية، وكلا
الطائفتين زلت في اعتقاد معوج متخبط.
((وقد اختلف في ((المغضوب عليهم»
و((الضالين)) من هم؟ فالجمهور أن
المغضوب عليهم اليهود، والضالين
النصارى)) (٣).
وبتأمل أحوال الأمم السالفة يكون
استخلاص العبرة على نحو يتجلى في
دعاء المؤمنين وتضرعهم إلى خالقهم؛ قال
تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَاً
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
بِهِهُ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْتَأْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا
فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة:
٢٨٦].
قال أبو جعفر: «ویعني بذلك جل ثناؤه:
قولوا: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًّا﴾ يعني
(١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة،
رقم ٨٧٤٨.
وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، رقم ٢٢٣٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٧/١.
(٣) المصدر السابق ١٤٩/١.
بـواصْرًا﴾ العهد، كما قال جل ثناؤه:
﴿وَأَخَذْتُمْ عَ ذَالِكُمْ إِصْرِى﴾ [آل عمران: ٨١].
﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
وإنما عنى بقوله:
إِصْرًا﴾، ولا تحمل علينا عهدًا فنعجز
عن القيام به ولا نستطيعه ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ,
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ يعني: على اليهود
والنصارى الذين كلفوا أعمالًا، وأخذت
عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم
يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة، فعلّم الله
عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم
الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده
ومواثيقه على أعمال إن ضيعوها أو أخطأوا
فيها أو نسوها، مثل الذي حمل من قبلهم،
فیحل بهم بخطئهم فیه وتضییعهم إياه مثل
الذي أحل بمن قبلهم»(٤).
ويرتبط الإيمان بالتوجه الى الله بالدعاء
صدورًا عن العبودية الخاشعة؛ كما نجد في
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى
لِلْإِيمَنِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَامَنَاْ رَبَّنَا فَأَغْفِرْ
لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ
الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَِقٌ مِّنْ عِبَادِى
يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
الزَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَّنَا إِنَّنَاً
ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
(٤) جامع البيان ٦/ ١٣٥.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الدال
[آل عمران: ١٦].
ويستشعر المؤمنون أن هذه الهدايه نعمة
جليلة، وهبة عظيمة يسألون الله أن يحفظها
لهم ﴿رَبَّ لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ
لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَمَّابُ ﴾ [آل عمران: ٨].
ويظهر إدراك المؤمنين لعظم نعمة
الإيمان في كثير من أدعية القرآن؛ ولاسيما
حين تشتد المواجهة بين المؤمنين
والكافرين؛ قال تعالى: ﴿وَمَاكَانَ قَوْلَهُمْإِلَّآ
أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيَّ أَمْرِنَا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٧].
وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَالنِسَآِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَنَا مِن ◌َّدُنْكَ وَلِيًّا
وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًّا﴾ [النساء: ٧٥].
وقد تضرع الذين آمنوا مع شعیب علیه
السلام إلى الله عز وجل قائلين: ﴿رَبِّنَا أَفْتَحْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾
[الأعراف: ٨٩].
واستمد السحرة المؤمنون بموسى
الصبر من ربهم، مستمسکین بدینهم حتى
انقضاء أجلهم؛ ﴿رَبَّنَاَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَّناً
مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦].
وتضرع الذين آمنوا معه ألا يكونوا فتنة
للقوم الظالمين؛ على نحو ما ورد في قوله
تعالى: ﴿فَقَالُواْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
وأيضًا استمد أصحاب الكهف من ربهم
الرحمة والرشد؛ حين خافوا الافتتان في
دینهم، فهربوا إلى الكهف، ودعوا الله ربهم
قائلين: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنَكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ
أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
والحواريون وهم أنصار عيسى عليه
السلام وتلاميذه دعوا الله قائلين: ﴿رَّنَآ
ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا
مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣].
قال أبو جعفر: ((وهذا خبر من الله عز
وجل عن الحواريين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَآ
ءَامَنَا﴾، أي: صدّقنا ﴿بِمَا أَنزَلْتَ﴾، يعني:
بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك،
﴿وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ يعني بذلك: صرنا أتباع
عيسى على دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه
على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك،
وقوله: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾،
يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين
شهدوا بالحق، وأقروا لك بالتوحيد،
وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك،
فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم
به من کرامتك، وأحلنا محلهم، ولا تجعلنا
ممن كفر بك، وصد عن سبيلك، وخالف
أمرك ونهیك)»(١).
والحال کذلك مع رهبان النصارى وهم
(١) المصدر السابق ٦/ ٤٥٢.
٣٥٢
مَوَسُولَةُ التَّفي
القرآن الكريم

الدعاء
الذين فاضت أعينهم بالدمع عند سماعهم
القرآن لمعرفتهم بأنه الحق من ربهم ﴿رَبَّنَآ
ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
((هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى
من أهل الإيمان، فلما بعث الله -تعالى
ذكره- نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
آمنوا به))(١).
ولهذا فقد كان من الدعاء المحمود
الدعاء للمسلمين بالثبات على الدين؛
ويستفاد ذلك من دعاء إبراهيم عليه السلام
لذريته بقوله: ﴿رَبَنَا إِّ أَسْكُنتُ مِن ذُرِیَّقِی
بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا
لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
تَّهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
قال ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَارْزُقْهُم
مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ((أي: ليكون
ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه واد
غير ذي زرع، فاجعل لهم ثمارًا يأكلونها،
وقد استجاب الله ذلك، كما قال: ﴿وَقَالُواْ
إِن تَِّعِ الْهُدَى مَعَكَ تُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ
ثُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ
كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧].
وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته
ویر کته، أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة
(١) المصدر السابق ٥٠١/١٠.
مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها،
استجابةً لدعاء الخليل عليه السلام)»(٢).
ومن الله وحده يطلب المؤمنون خير
الدنيا وخير الآخرة ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ
رَيَّنَآ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١].
قال أبو جعفر: «یعني بذلك جل ثناؤه:
فإذا قضیتم مناسککم أيها المؤمنون فاذكروا
الله کذکرکم آباءكم أو أشد ذکرًا، وارغبوا
إليه فیما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال
وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصًا،
ولطلب مرضاته، وقولوا: ﴿رَبَّنَآ ءَائِنَا فِ
الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ﴾، ولا تكونوا كمن اشترى
الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا
وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا
حظ لهم في ثواب الله، ولا نصيب لهم في
جناته، وکریم ما أعد لأوليائه))(٣).
جاء في تفسير الرازي الإنسان خلق
محتاجًا ضعيفًا، لا طاقة له بآلام الدنيا ولا
بمشاق الآخرة، فالأولی له أن يستعيذ بربه
من كل شرور الدنيا والآخرة (٤).
وقد اختلف أهل التأويل في معنى
﴿حَسَنَةٌ﴾ التي ذكر الله في هذا الموضع،
فقال بعضهم: يعني بذلك: ومن الناس من
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٤٢.
(٣) جامع البيان ٢٠١/٤.
(٤) مفاتيح الغيب ٣٣٦/٥.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الدال
يقول: ربنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في
الآخرة، وقال آخرون: بل عنى الله عز وجل
بال﴿حَنَةُ﴾ في هذا الموضع في الدنيا:
العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة، وقال
آخرون: ﴿حَسَنَةٌ﴾ في الدنيا: المال، وفي
الآخرة: الجنة، وقيل: في الدنيا حسنة امرأة
صالحة، وفي الآخرة حسنة الجنة والحور
حلالًا، وعملاً صالحًا، ﴿وَفِي الْآَخِرَةِ
حَسَنَّةً﴾ المغفرة والثواب.
قال أبو جعفر: ((والصواب من القول في
ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر
عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله، ممن
حج بيته، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا،
والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب
النار وقد تجمع الحسنة من الله عز وجل
العافية في الجسم والمعاش والرزق والعلم
والعبادة، وغير ذلك، وأما في الآخرة فلا
شك أنها الجنة؛ لأن من لم ینلها يومئذٍ فقد
حرم جميع الحسنات، وفارق جميع معاني
العافية)) (١).
ومن خير الدنيا ما ينعم الله به على عباده
من عطايا ونعم، وما يهبهم من ذرية مما
يتجلى في هذا الدعاء الذي ورد في قوله
تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىّ
أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَهُ
وَأَصْلِحْ لِى فِىِ ذُرِيَّقِيٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ
الْمُسْلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقد دعت امرأة عمران -أم مريم البتول-
ربها قائلةً أن يقي ابنتها وذريتها من الشيطان
الرجيم، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ
رَبِّ إِّ وَضَبْتُهَا أُنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ
اُلَّكَوِ كَالْأُنْقٌ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَرَ وَإِنَّ أُعِيذُهَا
العين، وقيل: ﴿فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ رزقًا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران:
٣٦].
أما في الآخرة فيشفق عباد الرحمن من
النار، سائلين الله عز وجل أن يقيهم إياها،
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَصْرِفْ
عَنَّا عَذَابَ جَهَتَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾
[الفرقان: ٦٥].
ويسألونه الجنة ونعيمها، كما ورد في
دعاء امرأة فرعون التي دعت ربها وتضرعت
إليه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا
فِى الْجَنَّةِ وَجِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَجْنِ مِنَ
اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].
ويستقي المؤمنون مما ورد في أدعية
الأنبياء والمرسلين كثيرًا من آداب الدعاء
وشروطه؛ فرسول الله صلی الله عليه وسلم
غالبًا ما يصدّر دعاءه بالفعل (قل) لأنه تعليمٌ
من الله عز وجل لرسوله كيفية الدعاء،
والأمر للرسول أمرٌ لأمته أيضًا، قال تعالى:
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَّ
(١) انظر: جامع البيان ٢٠٣/٤- ٢٠٥.
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٣٥٤