Indexed OCR Text
Pages 41-44
الخشوع
قوة الرغبة في السجود لما فيه من استحضار بلقاء الله عز وجل، وهذا الأثر في حقيقته
الخضوع لله تعالى، وإنما خروا خرورًا يحمل ضمنًا أكثر من أثر؛ فهو موصل
للإيمان بالغيب، والإيمان باليوم الآخر،
والإيمان بالجنة والنار والثواب والعقاب،
وكل مافي اليوم الآخر، وفي هذا الأثر
نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّرِ
وَالصَّلَوَةٌ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّّ عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ
يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (
٤٦
[البقرة: ٤٥ - ٤٦].
واحدًا ساجدین باکین، فذكر مرتین اهتمامًا
بما صحبه من علامات الخشوع، والبكاء
بكاء فرح وبهجة، والبكاء: يحصل من
انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف
أو عن شوق، ويزيدهم القرآن خشوعًا
على خشوعهم الذي كان لهم من سماع
کتابهم(١).
ومن هنا نستطيع القول: إن المسلم وهو
يتلو القرآن أو حینما یکون في صلاته، أو في
دعائه، أو على أي حال من أحوال الطاعة
يعتريه الخوف فيعظم ربه سبحانه وتعالى
فیتملكه الانفعال فیخشع لربه عز وجل،
وهذا الخشوع يدفعه إلى إتقان صلاته، أو
إتقان طاعته، ثم هذا الإتقان یزیده خشوعًا،
فانفعاله وتأثره الأول الذي أوصله إلى
الخشوع، وهذا الخشوع اقتضى التحسين
للعمل وإتقانه وتقوى الله فيه، حينها يشعر
المصلي أو الطائع أنه يناجي ربه فيشعر نفسه
أنه بين يديه فيخشع له، فيكون الخشوع
وإتقان العمل من الأمور المستديرة. والله
أعلم.
٢. الخشوع يوصل إلى اليقين بلقاء الأجر لكفى؛ لأن غاية ما ترجوه نفس
الله.
الثاني من آثار الخشوع أنه یوصل لليقين
(١) المصدر السابق ٢٣٣/١٥-٢٣٥.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ
رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم
محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه،
وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى
مشیئته یحکم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما
أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل
الطاعات وترك المنكرات(٢).
وسبق أن ذكرنا أن الظن هنا الاعتقاد
الجازم، وأن إطلاق الظن في كلام العرب
علی معنی الیقین کثیر جدًّا.
٣. الخشوع يوصل إلى مغفرة
الذنوب و حصول الأجر منه.
ولو لم يكن للخشوع أثر إلا هذا الأثر،
وهو أنه يوصل لمغفرة الذنوب، وحصول
المسلم وتطلبه هو مغفرة الذنوب، فیا له من
أثر عظيم في تحصيله.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٣/١.
www. modoee.com
٣٩٥
حرف الخاء
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ
ثَمَنَا قَلِيلًاٌ أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل
عمران: ١٩٩].
وفي سورة الأحزاب یمتدح الله عز وجل
فیه الخاشعين والخاشعات، ویبین ثوابهم،
وما أعد لهم في الآخرة من الأجر العظيم في
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَاَلْقَلِئَتِ
وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ
وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصَّنَّيِمِينَ
وَالْحَفِظَتِ
وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالصَّنَبِمَتِ
وَاَلْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
[الأحزاب: ٣٥].
فالأجر العظيم حاصل لهم بما يقومون
به من أعمال صالحات والتي من أهمها
الخشوع.
وفي الصحيح عن عثمان بن عفان رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (من توضأ نحو وضوئي ھذا، ثمّ صلّی
ر کیتین لا یحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم
من ذنبه) (١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
جَوَسُوعَرَ النَفسِيةِ الوضوء
القرآن الكريم
٤. الخشوع سبب لاستجابة الدعاء.
من آثار الخشوع أنه يكون سببًا
لاستجابة الدعاء، وآيات سورة الأنبياء
توضح ذلك فتقول: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى
رَبَّهُ رَبٍّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِثِنَ
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجَهُ:" إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَا وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ))
[الأنبياء: ٨٩-٩٠]
٥. الخشوع يعرف المسلم بربه
ويجعله مستقيمًا على أمره.
الخشوع یعرف المسلم بربه إلى أقصى
ما يمكن أن تتحمله قدراته العقلية، ويصل
به إلى أقرب ما یمکن أن یکون عليه بشر
بعد الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه؛
لأن العبد الذي ديدنه كذلك يربط تلك
المعرفة بمجريات الحياة، فلا يرى العبد
الخاشع إلا حكمة الله وراء أفعاله ومشيئته
سبحانه، فينعكس ذلك على تعامله معه حتى
يصل إلى درجة الإحسان بأن يعبد الله كأنه
يراه، فیناجیه من قریب، ويستشعر قربه منه،
وقیومیته علیه، فیأنس به، ويزداد شوقه إليه.
فالخشوع يكشف للعبد حقيقة أصله،
باب المضمضة في الوضوء، رقم ١٦٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب
صفة الوضوء وكماله، رقم ٢٢٦.
٣٩٦
الخشوع
ومدى ضعفه وعجزه، وجهله وحجم تتذلل لربها طمعًا فيما عنده، فتتولد لديها
الطاقة التي تدفعها إلى مسارعة التقرب،
وزيادة الطاعة، وكثرة الذكر والشكر.
احتياجاته المطلوبة للاستمرار في الحياة
وأنه بالله لا بنفسه، ولو تخلت عنه العناية
الإلهية طرفة عين لهلك.
ومع بيان هذه الحقيقة فإنه كذلك
يعرفه بطبيعة نفسه المحبة للشهوات،
المائلة للفجور والطغيان، الأمارة بالسوء؛
ليشتد حذره منها، فلا ينسب لها فضلًا،
بل يجاهدها، ويروضها على الصدق
والإخلاص.
فإذا ما ربط العبد بين هذه المعارف وبین
ما يحدث له في حياته، تأكدت لديه حقيقة
نفسه، وعاش عبدًا ذليلا منکسرًا لله متحررًا
مما سواه.
فهو يجنب صاحبه العجب والكبر
والغرور، ويذكره بالنماذج التي استسلمت
لهذه الأمراض فأهلكتها، کإبليس وقارون
وفرعون وهامان وصاحب الجنتين.
فالخاشع يدرك تقدیم خشوعه لوصفات
العلاج لأهل الكبر والغرور والإعجاب
بالنفس.
فالدور الهام للخشوع يتمثل في تأثيره
على مشاعر صاحبه، وكسره لسورة نفسه
وشهواتها، مما يزيد لديها منسوب الإيمان
والخضوع والتذلل، وتوجيه الفكر والقلب
إلى الحياة الأبدية، والثقة بموعود الله عز
وجل، فالنفس التي تصل إلى هذا الحد
قال تعالى: ﴿قُلْ ءَآمِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ
أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْئًا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا
١٠٧
سُجَّدًا
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
١٠٨
لَمَفْعُولًا
فَثُو
﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
من هنا تتضح لنا أهمية الخشوع في
استقامة العبد على أمر الله، وتجلببه الدائم
بجلباب العبودية لمولاه.
فالخشوع باعث على خشية الله والفزع
إلى ذكره، وهذا أثر إيماني مهم؛ لأنه يبعث
على استقامة العبد في كل أموره وتصرفاته.
قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ
كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَّقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ أَلَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهدِی پِهِ، مَن
يَشَلَهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ {
٢٣
[الزمر: ٢٣].
٦. الخشوع من أسباب دخول
الجنة.
والخشوع والسكينة والتذلل بين يدي
الرب تبارك وتعالى من أسباب دخول
الجنة، ففي الصحيح من أبي هريرة رضي
الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا
www. modoee.com
٣٩٧
حرف الخاء
ظله ... وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خاليًا أراد الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
إذا كان لهذا الخشوع من فضل وثواب
ففاضت عيناه)(١).
وأهمية، فكيف نمارس الخشوع في حياتنا
اليومية؟
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (عينان لا تسمهما النار: عين بكت
من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل
الله)(٢).
أضف إلى ذلك أن الخشوع له فوئد
وثمار أخرى في الدنيا والآخرة، منها:
إنه القرآن! هو الوسيلة الرائعة لممارسة
الخشوع لله تعالى، وهنا ينبغي أن نصحح
الفكرة السائدة أن الخشوع يكون في الصلاة
فقط أو في قراءة القرآن، والصواب أن
الخشوع هو منهج يعيشه المؤمن كل لحظة
كما كان أنبياء الله يفعلون، فإذا تأملنا حياة
أنه مظهر من مظاهر الإیمان تظهر آثاره
على الجوارح.
الأنبياء عليهم السلام نلاحظ أنها مليئة
بالخشوع، بل كانوا في حالة خشوع دائم،
أنه يورث الخوف من الله عز وجل، إذ
الخشية ثمرة من ثمار الخشوع.
وهذا ما أعانهم على التحمل والصبر على
أنه يؤدي إلى خفض الجناح، وغض الأذى والاستهزاء وكان هذا الخشوع سببًا
البصر.
في استجابة دعائهم، ولذلك قال تعالى
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِي
عنهم:
الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَاٌ وَكَانُواْ
لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠](٣).
الخشوع في الصلاة من أسباب قبولها
والفلاح فيها.
فالخشوع من أهم أعمال القلوب التي
ينبغي للمسلم الاهتمام والعناية بها، لمن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة
والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر
الصلاة، رقم ٦٢٩ ، ومسلم في صحيحه،
كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم
٠١٠٣١
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل
الجهاد، باب ما جاء في فضل الحرس في
سبيل الله، ١٧٥/٤، رقم ١٦٣٩.
قال الترمذي: حديث حسن غريب
وصححه الألباني في صحيحه الجامع، رقم
٠٤١١٢
إذن فالخشوع ينبغي أن نحرص عليه
ونعتاده في کل أعمالنا وحركاتنا وتصرفاتنا،
جعلنا الله من الخاشعين لربهم في الدنيا.
المراقبين له في كل أحوالنا.
موضوعات ذات صلة:
التواضع، الذل، الصلاة، العبادة
(٣) طاقة الخشوع، عبد الدايم الكحيل، في موقع
الكحيل للإعجاز العلمي.
٣٩٨
جوسين
القرآن الكريم