Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الخُشُوع ح سر عناصر الموضوع مفهوم الخشوع ٣٥٦ الخشوع في الاستعمال القرآني ٣٥٨ الألفاظ ذات الصلة ٣٥٩ أسباب الخشوع ٣٦١ مواطن الخشوع ٣٦٩ ٣٧٨ خشوع الجوارح ٣٨٥ خشوع الكائنات ٣٨٧ صفات الخاشعين ٣٩٣ آثار الخشوع وثواب الخاشعين المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر حرف الخاء مفهوم الخشوع أولًا: المعنى اللغوي: خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التّطامن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعًا، والخاشع: المستكين والراكع(١). وفي لسان العرب: خشع يخشع خشوعًا، واختشع وتخشّع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضّه، وخفض صوته، وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن. والخشوع: في البدن، والصوت، والبصر، كقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨] أي: سكنت، وكل ساكن خاضع خاشع (٢). وعند الراغب الأصفهاني: الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب (٣). وابن القيم رحمه الله حينما يعرف الخشوع في اللغة يجمع بين هذه الأقوال في إيجاز فيقول مستشهدًا على كلامه بآيات القرآن الكريم: الخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللّه تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه:١٠٨] أي: سكنت، وذلّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو ييسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللّه تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ [فصلت: ٣٩](٤). إذن فالخشوع في اللغة يدور حول غض البصر وخفض الصوت، والضراعة والسهولة واللين، والخضوع والانخفاض والذل والسكون. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: ذكر العلماء للخشوع في الاصطلاح أكثر من تعريف، وهي متقاربة تدور حول خشوع القلب وخضوعه بين يدي الله عز وجل قال الجرجاني: وفي اصطلاح أهل الحقيقة: الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب (٥). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ١٨٢. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٧١/٨. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٨٣. (٤) مدارج السالكين، ابن القيم ، ١/ ٥٢٠ (٥) التعريفات، الجرجاني، ص١٣٢. ٣٥٦ القرآن الكريمِ الخشوع وقيل هو: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذّلّ، وقيل: الخشوع تذلّل القلوب لعلام الغيوب(١). وقال ابن رجب الحنبلي: وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسکونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب)(٢)(٣). وقال السعدي: وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه. (٤). ولعل أشمل التعاريف ما ذكره ابن حجر بأنه: معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة(٥). وقريب منه قول صاحب التفسير الوسيط إنه: خشية في القلب من الله تعالى تظهر آثارها على الجوارح فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها واقفة بين يدي الله سبحانه. (٦) ويلاحظ أن كلا المعنين: اللغوي والاصطلاحي يدوران حول الذل والانكسار، إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالذل والانكسار لله. (١) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم ٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة والمزارعة، عن النعمان بن بشير، رقم ١٥٩٩. (٣) الخشوع، ابن رجب ص١٧. (٤) تيسير اللطيف المنان، ص ٣٦١ - ٣٦٢. (٥) انظر: فتح الباري ٣/ ١٠١. (٦) الوسيط، محمد سيد طنطاوي ١٠ / ١٢ www. modoee.com ٣٥٧ حرف الخاء الخشوع في الاستعمال القرآني وردت مادة (خشع) في القرآن الكريم (١٨) مرة (١). والصيغ التي جاءت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴿ يَوْمَيِذٍ يَتَبِعُونَ الدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ (١٠٨ ٢ ﴾ [طه: ١٠٨] لِلَّحْمَانِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ◌َ الفعل المضارع ١ [الحديد: ١٦] وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ؟ المصدر ٢ [الإسراء: ١٠٩] ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَّصَدِّعًا مِّنْ اسم الفاعل ١٤ خَشْيَةِ اللّهِ ﴾ [الحشر: ٢١] وجاء الخشوع في القرآن على أربعة أوجه (٢). أحدها: التواضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ [البقرة: ٤٥]، يعني: المتواضعين. ٤٥ الثاني: سكون الجوارح، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٢]. الثالث: الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ اَلْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَاً وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، يعني: خائفين. الرابع: الذل، ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيٍ خَشِعَةٌ ﴾ [الغاشية: ٢]، يعني: ذليلة. (١) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٢٣٣. (٢) انظر: نزهة الأعين، ابن الجوزي ص ٢٧٦ - ٢٧٧، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٢٠٦-٢٠٧. ٣٥٨ جَوَسُولَةُ النَّقِين القرآن الكريمِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ الخشوع الألفاظ ذات الصلة الخضوع: ١ الخضوع لغة: الانقياد والمطاوعة (١). الخضوع اصطلاحًا: إظهار الانقياد والطاعة لذي سلطان. الصلة بين الخضوع والخشوع: قيل: هما بمعنى واحد، وقال ابن عاشور: والخشوع مثل الخضوع، إلاّ أن الخضوع لا يسند إلّ إلى البدن فيقال: خضع فلان، ولا يقال: خضع بصره إلا على وجه الاستعارة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وأما الخشوع فيسند إلى البدن؛ كقوله تعالى: ﴿خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ في آخر سورة آل عمران، ويسند إلى بعض أعضاء البدن؛ كقوله تعالى: ﴿خُشَّمَا أَبْصَرُهْ﴾ في سورة القمر، وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ اْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ في سورة طه (٢). وعلى هذا فالخضوع يحمل معنى الانقياد، والضعف، واللين، والتذلل، وظهور ذلك على الجوارح. التضرع: ٢ التضرع لغة: أصل مادة (ض رع) اللّين والضعف، يقال: رجلٌ ضرعٌ أي ضعيف، وغلام ضارع: ضعيف نحيف، والتضرّع: التذلّل(٣). التضرع اصطلاحًا: يعني: التذّل في وقت الشدّة والخوف، وظهور أثر ذلك في الصوت. الصلة بين التضرع والخشوع: وربما كان التضرع هو أساس الخشوع؛ لأنه هو التذلل الذي يوجد في القلب، والخشوع (١) لسان العرب، ابن منظور ٧٣/٨. (٢) المصدر السابق ١٢٦/٢٥. (٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ٢٩٨. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الخاء أثر هذا التذلل الذي يظهر على الجوارح. ويفرق الراغب بين الخشوع والتضرع فيقول: وأكثر ما يستعمل -أي: الخشوع- فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح (١). فالخشوع يلتقي مع التضرع في أن كلّ منهما يحمل معنى اللين والضعف والتذلل، كذلك يلتقيان في أن كلّ منهما يوجد في القلب فيحدث التأثر على الجوارح. الوجل: ٣ الوجل لغة: ((الوجل خلاف الطّمأنينة، وجل الرجل يوجل وجلًا، إذا قلق ولم يطمئن))(٢). الوجل اصطلاحًا: ((الوجل استشعار الخوف عن خاطر غير ظاهر وليس له أمارة)) (٣)، كذلك نجده في كتاب الله تعالى يستعمل في سياق أخص من الخوف، وهو حالة نفسية تعرض للنفس عند بداية شيء ما (٤). الصلة بين الوجل والخشوع: قال السعدي رحمه الله: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فیخضع العبد لله، ویخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل))(٥). (١) المفردات ص ٤١١. (٢) المصدر السابق ص ٢٤٣. (٣) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب الأصفهاني ص ٢٣٤. (٤) انظر: المصدر السابق، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٦٥/٥. (٥) تيسير اللطيف المنان ٢/ ٣٦٢. ٣٦٠ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الخشوع أسباب الخشوع الخشوع الذي هو الخوف والخضوع والتذلل، الذي يظهر على الجوارح لا يتأتى من فراغ، وإنما يكون منشؤه عدة أسباب أشار إليها القرآن الكريم خلال الحديث عن ذلك، وهذه الأسباب هي: الخوف من الله عز وجل، وسماع مواعظ القرآن وتدبرها، وذل العذاب لأهل النار يوم القيامة، وهذا يدعونا لأن نفصل الحديث عن هذه الأسباب فننظمها في النقاط الآتية: أولًا: الخوف من الله تعالى: أول أسباب الخشوع هو الخوف من الله عز وجل، والخوف من الله لا يتوفر إلا لمن عرف ربه عز وجل بأسمائه وصفاته، حينها يتولد في النفس استحضار عظمة الله ودوام مراقبته ومعيته، واستحضار عظمة الخالق يثمر في القلب طاعة الله وتوقيره والذل والانكسار له في كل اللحظات، ويعلم المؤمن الحياء من الله لإيقانه بوجوده ومعیته وقربه وسمعه وبصره. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد: ٤]. ومن يتعود مراقبة الله في كل أقواله وأفعاله يوفقه الله إلى خشيته وخشوعه والخوف منه دائمًا أبدًا، حتى يصل في عبادته إلى درجة الإحسان، الذي قال عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، کما في حدیث جبريل(١). وفي الصفحات السابقة نقلنا ما ذكره السعدي في العلاقة بين الخوف، والخشية، والخشوع، وقال: إن معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله. وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب. وقد وصف الله سبحانه من آمن من أحبار أهل الكتاب بالخشوع في موضعين من القرآن الكريم، وفي موضع ثالث يحض أهل الكتاب على الخشوع مبينًا لهم مزية ذلك، والخشوع في المواضع الثلاثة سببه الخوف من الله عز وجل الموضع الأول الذي يحض فيه أهل الكتاب على الخشوع في سورة البقرة ورد (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة لقمان، باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، رقم ٤٤٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم ٩- ١٠. www. modoee.com ٣٦١ حرف الخاء في قول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ * الَّذِينَ يَكُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (١) [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. الذي ذلل نفسه و کسر سورتها، وعودها أن تطمئن إلى أمر الله، وتطلب حسن العواقب، وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة؛ فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير، وكأن المراد بالخاشعين هنا: الخائفون الناظرون في العواقب، فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة. ثم يقول وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنی التفسير للخاشعین، ومعنى بيان منشأ خشوعهم، فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم، وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جدًّا، والملاقاة مفاعلة من لقي، واللقاء الحضور، والمراد هنا: الحضور بین یدي الله للحساب، أي: الذين يؤمنون بالبعث(١). والمتأمل في هذا الكلام يدرك أن خوف هؤلاء من موقفهم بين يدي ربهم تبارك وتعالى كان سببًا في خشوعهم وتذللهم (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٨٠. وانكسارهم له سبحانه في الدنيا؛ لأنهم آمنوا بالبعث وأيقنوا بالوقوف بین یدیه عز وجل للحساب. والموضع الثاني الذي هو من قبيل قال ابن عاشور: والمراد بالخاشع هنا: وصف القرآن لمن آمن من أحبار أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ m1 [آل رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ عمران: ١٩٩] تعالى: والموضع الثالث في سورة الإسراء قوله ﴿وَيَخِزُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ ﴾ [الإسراء: ١٠٩]. قال ابن عاشور: وإنما خروا خرورًا واحدًا ساجدین باکین، فذکر مرتین اهتمامًا بما صحبه من علامات الخشوع، وذكر ﴿يَكُونَ﴾ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة، والبكاء بكاء فرح وبهجة، والبكاء يحصل من انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق(٢). حتى من يخشعون في صلاتهم الذين کتبهم الله من المفلحين في سورة المؤمنون ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [الإسراء: ١٠٩]. يفسر ابن عاشور خشوعهم هذا بالخوف (٢) المصدر السابق ٢٣٣/١٥. ٣٦٢ جَوَسُوعَدُ النَفسِير القرآن الكريمِ الخشوع فيقول: وهو خوف یوجب تعظيم المخوف منه، ولا شك أن الخشوع، أي: الخشوع لله، يقتضي التقوى فهو سبب فلاح(١). وفي سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَا وَرَهَبَُّ وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقد ذكر ابن كثير أقوال المفسرين الأوائل فيها ما يوضح أن الخشوع فيها سببه الخوف فيقول: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًّاً وَرَهَبَا﴾ قال الثوري: رغباً فیما عندنا ورهبًا مما عندنا ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: مصدقين بما أنزل الله، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا(٢). وربما كان الخوف سببًا للخشوع الذي يدخل صاحبه فیمن یمتدحهم الله عز وجل، ويبين ثوابهم، وما أعده لهم في الآخرة من الأجر العظيم. ففي سورة الأحزاب في قوله تعالی: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاَلْقَنِينَ وَالْقَلِئَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَِّنَ وَالصَِّرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ (١) المصدر السابق ١٨ / ٩. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٥. وَالصََّّبِمِينَ وَاُلْصَّنَّبِمَتِ وَاَلْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. قال ابن كثير: الخشوع السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته(٣). هذا الذي ذكرناه سابقًا يعبر عن الخشوع في الدنيا، وهو خشوع المؤمنين الناشئ عن تعظيمهم لربهم عز وجل وخوفهم منه في الدنيا، وفرق بينه وبين الخشوع الذي هو الذل الناشئ عن الخوف من الله في الآخرة، فالأول باختيار المؤمن في الدنيا، والثاني مجبر عليه الكفار؛ لأنهم لم يختاروه في الدنيا، أو أمنوا مكر الله حينما كانوا في دنياهم، فتهاونوا في أوامره ونواهيه، ويدخل في ذلك الآيات التي تتحدث عن خشوع الكفار في الآخرة، ومنها آية سورة الشورى، التي تتحدث عن وصف الظالمين المشركين يوم القيامة ﴿وَقَرَنُهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خفي: * [الشورى: ٤٥]. وجدير بالذكر أن نفرق بين خوف هؤلاء في الآخرة وبين خوف المؤمنين في الدنيا، وإن کان کلاهما خوف من الله، وكلاهما (٣) المصدر السابق ٦/ ٤١٩. www. modoee.com ٣٦٣ حرف الخاء سبب للخشوع أيضًا، لكن خشوع المؤمنین في الدنیا کان باختیارهم وإرادتهم، صحيح أنه بتوفیق الله عز وجل لھم، لکن کان لهم حق الاختيار فاختاروا تعظيم الله الذي أنتج عنه خوفهم منه، فکان ذلك سببًا في خشوعهم له سبحانه في الدنيا. وقبل أن ننتقل إلى السبب الثاني من أسباب الخشوع حري بنا أن نشير إلى كيفية تحصيل المسلم لهذا السبب وهو الخوف من الله عز وجل في الدنيا، فهذا الخوف لا یتأتی إلا إذا عظم الإنسان ربه عز وجل فيستحضر عظمة الله، ويتذكر وقوفه بين يديه للحساب، ويتذكر مروره على الصراط، وربما كان أقرب من ذلك أن یتذکر وضعه في القبر وترك المشیعین له وحیدًا لا أنيس ولا جلیس، اللهم إلا عمله الذي قدمه، وتعظيم مقام الرب سبحانه لا يحصله الإنسان إلا إذا عظم أوامره ونواهيه، فيمتثل لتلك الأوامر ويسارع إلى الالتزام بها، ويمتثل للنواهي ويسارع في تجنبها، ويروض نفسه وقلبه وفكره شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الخوف من الله عز وجل في کل حركاته وسكناته، وكما يقال: العلم بالتعلم والحلم بالتحلم. ثانيًا: سماع مواعظ القرآن وتدبرها: من الأسباب التي تحمل المسلم على الخشوع سماع آيات القرآن بنية صادقة في قلب نقي خالص مخلص لله سبحانه وتدبر آياته للانتفاع بأحكامه وحكمه ومواعظه وعبره. ففي وصف من آمن من أحبار أهل الكتاب في سورة الإسراء يقول الله تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَحِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) ١٠٨ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. (١٠٩ قال ابن كثير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ جمع ذقن وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا ﴾ أي: لله عز وجل شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون ﴿سُبْحَنَ رَبِنَآَ﴾ أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قالوا ﴿إِن كَانَ وَعَّدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ وقوله: ﴿ وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ يتگُونَ﴾ أي: خضوعًا لله عز وجل وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أي: إيمانًا وتسليمًا (١). (١) المصدر السابق ١٢٨/٥. ٣٦٤ جَوَسُوع القرآن الكريم الخشوع وقال ابن عاشور: والبكاء يحصل من انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق، ويزيدهم القرآن خشوعًا على خشوعهم الذي کان لهم من سماع کتابهم(١). ويبين الله عز وجل ما يجب أن يكون عليه القلب من خشوع بسبب ذكر الله وسماع آيات القرآن في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿﴿ أَمْ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ اُلَْقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ ﴾ [الحديد: ١٦]. قال ابن كثير: يقول تعالى: أما آن للمؤمنین أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه(٢). ومن ذلك ما رواه ابن قدامة المقدسي رحمه الله في توبة الفضيل بن عياض قال: ((كان الفضيل قاطع طريق فخرج ذات يوم يقطع الطريق، فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلًا، فقال بعضهم لبعض: أعدلوا بنا إلى هذه القرية فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق يقال له: الفضيل، قال: فسمعه الفضيل فأرعد، فقال: يا قوم أنا الفضيل جوزوا، والله لأجتهدن (١) التحرير والتنوير ٢٣٣/١٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩/٨. أن لا أعصي الله أبدًا، فرجع عما کان علیه، وروي من طريق أخرى أنه أضافهم تلك اللیلة، وقال: أنتم آمنون من الفضیل، وخرج يرتاد لهم علفًا، ثم رجع فسمع قارئًا يقرأ آية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اُللَّهِوَمَا نَزَّلَ مِنَ الْحَقّ﴾ [الحديد: ١٦]. قال: بلى، والله قد آن، فكان هذا مبتدأ توبته (٣). من هنا كان الخشوع مصدرًا لهداية المسلمين الوقافين عند أوامر ربهم وحدوده. وتدبر القرآن من أعظم أسباب الخشوع، وذلك لما تشتمل عليه الآيات من وعد ووعيد، وذكر الموت والتذكير به، وأهوال القيامة، وأحوال أهل الجنة والنار، وقصص الأنبياء والرسل وما لاقوه من قومهم من صنوف الإيذاء، وأخبار المكذبين والمتکبرین ونهایتهم، ... إلى آخر كل ذلك، وهذا كله حينما يتدبره المسلم في قراءته يمتلئ قلبه بنور الإيمان وصدق التوكل فيخشع لربه، بل ويعتاد الخشوع، وهنا ندرك موضعًا آخر يبرز خشوع الجبل لو أنزل عليه القرآن، وكأن الله يأمر الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، وهذا في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ. خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِّ وَتِلْكَ (٣) انظر: التوابين، ابن قدامة المقدسي ١/ ٢٠٧. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الخاء الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ بزواجره، والخاشع: الذّليل المتواضع (٢). ﴾ [الحشر: ٢١]. ء يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن ومبينًا الخشوع أن يتدبر آيات القرآن الكريم، علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَ انَ عَلَى جَبَلٍ أَرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللّهِ﴾ أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فکیف یلیق بکم یا أيها البشر أن لا تلین قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه(١). قال الشوكاني: ﴿لَوْ أَنْزَنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَلٍ لََّأَنْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْبَةِاللَّهِ﴾ أي: من شأنه وعظمته وجودة ألفاظه وقوة مبانيه وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم ﴿خَشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ أي: متشققًا من خشية الله سبحانه حذرًا من عقابه وخوفًا من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وفيه توبيخٌ وتقريعٌ للكفّار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتعظوا بمواعظه، ولا انزجروا إذن فعلى من يريد أن يصل إلى درجة وكيفية التدبرأن يقرأ الآيات بتأمل وتفكر وعناية، حتى يصلح قلبه ويأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه، وهناك وسائل للوصول إلى التدبر منها: إدراك القارئ بأنه مخاطب بالقرآن وآياته، والاهتمام بالتأني في التلاوة، والتعرف على أسباب النزول ومواضع الوقف والابتداء، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، ومعرفة المعنى الإجمالي للآيات، والاهتمام بالقراءة الشمولية لآيات القرآن وقصصه وحواراته، والاهتمام بالمناسبات والروابط بين الآيات والسور. ثالثًا: ذل العذاب. من الأسباب الموجبة للخشوع ذل عذاب الكفار والمنافقين، وهذا الخشوع هو الذي يقع يوم القيامة، وهو الذي يكون لونًا من ألوان عذابهم، وحينها لا يقع منهم اختیارًا، وإنما يكون إجبارًا، وهذا اللون من الخشوع يختلف عن الخشوع الذي يقع من المؤمنین في الدنیا، وقد ورد هذا في أکثر من آية من الآيات التي تتحدث عن الخشوع. ففي سورة الشورى يقول الله عز وجل: (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٨/٨. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٤٦/٥. ٣٦٦ فَضْو جَوَسُولَة التقنية القرآن الكريمِ الخشوع ﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِم يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَّ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ [الشورى: ٤٥]. قال ابن كثير: ﴿وَقَرَنَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار ﴿خَشِمِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله تعالى ﴿ینظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفيِ﴾ قال مجاهد: يعني: ذليل، أي: ينظرون إليها مسارقة خوفًا منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك(١). وقال ابن عاشور في وصف الظالمين المشركين يوم القيامة: والمراد بالخشوع في هذه الآية: ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة، و((من)) للتعليل، أي: خاشعين خشوعًا ناشئا عن الذل، أي: لیس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية؛ لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا(٢). وقريب منه كلامه حينما يفسر آية القمر يقول: ﴿خُشعًا أَبصره ﴾ أي: دلیلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداتهم في وجوه الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح، وهو (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٤/٧. (٢) التحرير والتنوير ١٢٦/٢٥. كناية؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما(٣). ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿خَشِعَةٌ أَنْصَرُهُ تَرْحَقُّهُمْ ◌ِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُورِ وَهُمْ سَلِمُونَ﴾ [القلم : ٤٣]. وفي آية سورة المعارج ﴿خَشْعَةٌ أَبْصَرُهُ تَرْفَقُهُمْ فِلَّةٌ﴾ قال الشوكاني: والخشوع: الذّلّة والخضوع، أي: لا يرفعونها لما يتوقّعونه من العذاب ﴿تَرَّمَقُهُمْ فِلٌَّ﴾ أي: تغشاهم ذلّةٌ شديدةٌ(٤). وفي أكثر من آية يفسر ابن كثير الخشوع بالذلة ففي آية ﴿قُلُوبٌ يَوْمَيِدٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ ﴾ [الناز ـات: ٨-٩ ٨ أي: أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأموال. وفي قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيٍِ خَسِمَةُ @ عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ ﴾ [الغاشية: ٢-٣]. أي: ذليلة، قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها (٥). أما المسلم فإذا أدرك ذلك حقًّا اجتهد في دنياه وفي وقت العبادة خاصة بالتذلل لله عز وجل فينحني بظهره وجبهته لله سبحانه، يحسن التفكر في عظمة الله وكبريائه وسلطانه وملكوته، ويتذكر ذنوبه وتقصيره في حق ربه، فيتذلل بفقره ويظهر احتياجه لله (٣) المصدر السابق ٢٧ / ١٧٧. (٤) فتح القدير ٣٥٤/٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٢/٨. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الخاء وحده قائلًا: (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ومقداره، والخوف الدائم له سبحانه عله ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري يجنبه خشوع الآخرة. ومخي وعظمي وعصبي)(١). والتذلل في الصلاة واستحضار القرب تدفع المسلم إلى الخشوع والاستكانة وخاصة حال السجود؛ والتذلل لله، لأنه أعلى درجات الاستكانة، وأبرز حالات الخضوع لله القوي القاهر. وأشد أوقات القرب من الله عند المسلم هي أوقات السجود، ففيه يستحضر القلب معنى القرب من خالق الخلق، وحین ینتاب المسلم في صلاته وسجوده هذا الشعور يخضع ويخشع. والمسلم الذي يجتهد في دنياه ليحصل من الله في السجود من الأسباب التي هذا الخشوع ویعتاده بين يدي ربه عز وجل يجنبه الله خشوع الذل في الآخرة، وخشوعه في الآخرة یکون خشوع تكریم، واستيضاحًا لذلك نقرأ قول ابن كثير: ﴿خَشِعَةٌ أَنْصَرُ تَّمَتُهُمْ فِلَّةٌ ﴾ أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى والسجود أقرب وقت وموضعه أقرب موضع لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات. قال تعالى: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ ﴾ [العلق: ١٩]. الرب عز وجل فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه عکس السجود، كما كانوا فى الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون (٢). إذن فالتذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود سبب موصل ذل عذاب الآخرة، بل هو رافع بمشيئة الله درجاته فیھا. إذن نستطيع أن نقول: إن معرفة ذل إلى خشوع العبد لربه وخالقه، وجنبًا إياه العذاب الذي يلحق المنافقين والكفار والمشركين في الآخرة، وتدبر ذلك سبب يدفع المسلم إلى بذل الجهد في الخشوع والتذلل لله في الدنيا، وتعظيمه حق قدره (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم ٧٧١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٨/٨. ٣٦٨ حَرُ النَّسية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الخشوع مواطن الخشوع ورب سائل يسأل: هل خُصَّ الخشوع الذي ورد في آيات القرآن الكريم بمواطن معينة؟ والجواب: نعم، فمن يستقرئ الآيات بروية وتدبر يدرك أن الآيات خصت الخشوع بمواطن، ورد فيها أشد تأكيدًا في مواطن ثلاثة، نتحدث عنها في النقاط الآتية: أولًا: الخشوع في الصلاة: الخشوع في الصلاة من أهم الأسباب لحصول الفائدة المرجوة منها، وهو لب الصلاة وقلبها النابض، وبدونه ربما لا يحصل المصلي الأجر كاملًا. والخشوع له أهمية كبرى في الصلاة، وتكمن هذه الأهمية في أنه عبادة جليلة تجعل في الصلاة روحًا تسري، وهو صفة من صفات المؤمنين التي يتوقف عليها فلاحهم، وفي ذلك ورد قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١- ٢]. پورد ابن کثیر حینما یفسر هذه الآية قول محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم، إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ا الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ١- ٢]. خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين (١). وقد عدّ الخشوع في الصّلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين الّذين يرثون الفردوس، وبيّن أنّ من لم يتّصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصّلاة في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّّ عَلَى الْخَشِينَ ()﴾ [البقرة: ٤٥] (٢). ويفصل ابن عاشور في ذلك فيقول: وتقييده هنا بكونه في الصلاة لقصد الجمع بين وصفهم بأداء الصلاة وبالخشوع، وخاصة إذا كان في حال الصلاة؛ لأنّ الخشوع لله يكون في حالة الصلاة وفي غيرها، إذ الخشوع محلّه القلب، فليس من أفعال الصلاة ولكنه يتلبس به المصلي في حالة صلاته، وذكر مع الصلاة لأن الصلاة أولى الحالات بإثارة الخشوع وقوّته؛ ولذلك قدمت، ولأنه بالصلاة أعلق، فإن الصلاة خشوع لله تعالى وخضوع له، ولأن الخشوع لما كان لله تعالی کان أولی الأحوال به حال (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٩/٥. (٢) أضواء البيان ٥/ ٣٠٥. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الخاء الصلاة، لأن المصلي يناجي ربه فيشعر نفسه المسلم في صلاته وسجوده هذا الشعور يخضع ويخشع. أنه بین یدي ربه فیخشع له(١). والمعنى: قد فاز وظفر بالمطلوب، أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، بحيث لا يشغلهم شيء وهم في الصلاة عن مناجاة ربهم. وعن أدائها بأسمى درجات التذلل والطاعة (٢). مظاهر الخشوع في الصلاة: ومن مظاهر الخشوع: أن ينظر المصلي وهو قائم إلى موضع سجوده، وأن يتحلى بالسكون والطمأنينة، وأن يترك کل ما يخل بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشيء من جسده(٣). واستحضار القرب من الله في السجود؛ فالقيام والركوع والسجود في الصلاة من الأسباب التي تدفع المسلم إلى الخشوع والاستكانة والتذلل لله، وخاصة حال السجود؛ لأنه أعلى درجات الاستكانة، وأبرز حالات الخضوع لله القوي القاهر. وأشد أوقات القرب من الله عند المسلم هي أوقات السجود، ففيه يستحضر القلب معنى القرب من خالق الخلق، وحین ینتاب (١) التحرير والتنوير ٩/١٨. (٢) الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٢. (٣) المصدر السابق ١٠ / ١٢. والسجود أقرب وقت وأقر بموضع لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات. قال الله تعالى: ﴿وَأُسْجُدْ وَاقْتِب [العلق: ١٩]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه هو ساجد، فأكثروا الدعاء فيه)(٤). إذن فالتذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود سبب موصل إلى خشوع العبد لربه وخالقه. حكم الخشوع في الصلاة: حري بنا ونحن نتحدث عن موطن ومن المظاهر: التذلل في الصلاة الخشوع في الصلاة أن نشير ولو بإيجاز إلى حكم الخشوع في الصلاة، وآراء الفقهاء في ذلك، فنقول: اختلف العلماء في حكم الخشوع؛ هل هو من فرائض الصلاة، أو من سننها، أو من شروط صحتها؟ فمن العلماء من قال بوجوب الخشوع في الصلاة، ومنهم من قال: بل هو من سننها. فممن قال بوجوبه الإمام الغزالي في الإحياء، وتابعه فريق من العلماء، (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ١/ ٣٥٠، رقم ٤٨٢. ٣٧٠ جوب القرآن الكريم الخشوع دل کتاب الله عز وجل علی من کبر عليهما يحبه الله أنه مذموم بذلك في الدین، مسخوط منه ذلك، والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم. وإذا كان غير الخاشعين مذمومین، دل ذلك على وجوب الخشوع. ثم يقول في موضع آخر: فثبت أن هذا الحكم منهم حكم الإجزاء وليس حكم الخشوع واجب في الصلاة(١). واعتبره القرطبي من فرائضها حين قال: اختلف الناس في الخشوع؛ هل هو من فرائض الصلاة أو مكملاتها على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب، وهو أول عمل یرفع من الناس(٢). وحكى النووي الإجماع على أن الخشوع عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب، ليس بواجب (٣). وفي شرح أصول الفقه الشافعي: ((ومن سنن الصلاة الخشوع، وترتيل القراءة وتدبرها، وتدبر الذكر، والدخول فيها بنشاط وفراغ القلب (٤). وقال في المجموع: المسألة الثالثة: (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/ ٢٩. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٣٠٣، الوسيط ١٠/ ١٢. (٣) فتح الباري ٢٢٦/٢. وفي أدلة من قالوا: إن الخشوع سنة وليس بواجب. انظر مدارج السالكين ١/ ٥٢٠- ٥٢٢. (٤) المقدمة الحضرمية ١/ ٧٤ . ومنهم ابن تيمية حين قال في الفتاوى: يستحب الخشوع في الصلاة، والخضوع، وتدبر قراءتها، وأذكارها، وما يتعلق بها، والإعراض عن الفكر فيما لا يتعلق بها، فإن فكر في غيرها، وأكثر من الفكر، لم تبطل صلاته لکن یکره(٥). ولكن هل هذا الحكم من العلماء حكم للإجزاء أو حكم للقبول؟ الذي يظهر أن القبول. وجعله الرازي شرط صحة لا شرط قبول، حيث قال: إن الحضور عندنا ليس شرطًا للإجزاء، بل شرط للقبول، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب، والفقهاء إنما يبحثون وغرضنا في هذا المقام هذا، أي: حكم الثواب (٦). وفي حكم صلاة من عدم الخشوع قال ابن القيم: فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتد بها أم لا ؟ قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد بها، إلا بما عقل فيه منها، وخشع فيه لربه، ثم ينقل قول ابن عباس: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)(٧). وفي المسند مرفوعًا: (إن العبد ليصلي (٥) المجموع، النووي ٤ / ١١٤. (٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣/ ٢٦٠. (٧) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣١/٧. www. modoee.com ٣٧١ حرف الخاء الصلاة، ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أو ربعها حتى بلغ عشرها)(١). فقد علق الله فلاح المصلین بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح(٢). إذن فالخشوع في الصلاة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبه يتحقق للمسلم الراحة والطمأنينة والتفكر والتدبر، فتسكن نفسه ویطمئن قلبه وینشرح صدره، وتتحقق الغاية المرجوة من صلاته. والسؤال الذي يرد على فكر الكثير من المصلين والمسلمين: كيف يحصل المسلم الخشوع في الصلاة؟ الخشوع في الصلاة يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عین(٣). وقال في الكشاف: وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن یشدّ بصره إلى شيء، أو يحدّث نفسه بشأن من شؤون الدنيا، وقيل: هو جمع الهمة (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٧٩/٣١، رقم ١٨٨٩٤، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نقصان الصلاة، ٢١١/١، رقم ٦٧٦، عن عمار بن ياسر. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣٣٥/١، رقم ١٦٢٣. (٢) مدارج الساکین ١/ ٥٢٠-٥٢٢. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٩/٥. أن يستعمل الآداب وذكر من ذلك توقي كف الثوب والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك وتقلب الحصى(٤). وبالجملة فمن يعظم ربه عز وجل ويتذكر وقوفه بين ويستحضر عظمته، یدیه للحساب، ویتذکر کذلك مروره على الصراط، ويتفكر حاله حينما يذهب إلى القبور وضعه في القبر وترك المشيعين له وحیدًا لا أنیس ولا جلیس، اللهم إلا عمله الذي قدمه، ويتفكر في هذا كله وهو مقدم على الدخول في الصلاة، فيفرغ قلبه وفكره من شواغل الدنیا، ویعتبر نفسه كأنه میت بین یدي مغسله، حینها ینعم الله عليه بالخشوع في صلاته فينتفع بها، ويحقق مطلوبه فيها. والخشوع محله القلب وتظهر آثاره على الجوارح، قال ابن القيم: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره(٥). وسيأتي تفصيل تلك المسألة إن شاء الله تعالى عند الحديث عن خشوع الجوارح، وبالتحديد عند حديثنا عن خشوع القلب. (٤) الكشاف، الزمخشري ١٧٥/٣. (٥) مدارج السالكين ١/ ٥٢١. ٣٧٢ مَوسُوْ بَةُ النفسية القرآن الكريم الخشوع ثانيًا: الخشوع عند ذكر الله: كذلك من المواطن التي يتأكد فيها الخشوع عند ذكر الله وقراءة القرآن الكريم. ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ قال الله تعالى: أَنْ تَضْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِشَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ لـ [الحديد: ١٦]. أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقادله وتسمع له وتطيعه (١). والمقصود من قوله: ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذٍ بمكة، فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن، وإما أن يكون تحريضًا للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذر من التقصير، والخشوع: الاستكانة والتذلل، و﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو الصلاة، و﴿وَمَا نَزَّلَ مِنَ الْقِّ﴾ القرآن ... ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفًا له بأنه ذكر الله وتعريفًا لنفعه بأنه نزل من عند الله، وأنه الحق، ومعنى الخشوع لأجله: الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال (٢). ولب الخشوع عند ذكر الله من يتيقن (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩/٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٩٠/٢٧. الرجوع إليه سبحانه. قال الشيخ محمد عبده في هذا اليقين: ثمّ وصف الخاشعين وصفًا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة به فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ [البقرة: ٤٦]. أي: الّذين يتوقّعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء وآنّهم إليه راجعون، بعد البعث لا مرجع لهم إلى غيره(٣). وفي النفس الخاشعة الإيمان بلقاء الله تعالى الذي يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بجزاء مايعمل، ولذلك ذكر إيمان الخاشعين بلقاء الله تعالى، فقال تبارك وتعالى: ﴿أَلَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَيِهِمْ﴾ والظن بمعنى العلم اليقيني، ولكن التعبير عن العلم بالظن يفيد مع اليقين توقع الأمر المعلوم، فمعنى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ أنهم يتوقعون هذا اللقاء وقتًا بعد آخر. فهم يؤمنون إيمانًا صادقًا بلقاء الله، ويترقبون ذلك اللقاء، وينتظرونه متوقعين له، فيقينهم يقين المتوقع المترقب، فيكون في قلوبهم دائمًا، ويستعدون له بعمل صالح يقدمونه رجاء أن يغفر لهم، وأن يتغمدهم برحمته، ويكفر عنهم سيئاتهم (٤). (٣) تفسير المنار، محمد عبده، ١/ ٢٥٠. (٤) زهرة التفاسير ١/ ٢٢١. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الخاء والحديث عن الخشوع عند ذكر الله ما يزيده إيمانًا، وما ينتهي به إلى الاطمئنان، يجعلنا نستحضر آيتين أخريين لهما أثر بالغ إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، كما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانًا (١). في معالجة هذا الجانب، الآية الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمْنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: ٢]. وبالتأمل في الآية الكريمة نجد أن أول وصف من الأوصاف التي تحقق الإيمان الكامل هي وجل القلب عند ذكر الله؛ لأنه يستشعر عظمة الله وجلاله، ویتذکر وعده ووعيده، فيخاف قلبه وتضطرب روحه، والوصف الثاني هو ازدياد الإيمان عند تلاوة کتابه الکریم؛ لأنه حينئذ تزداد الأدلة لدیه، وتقوى الحجة، فيزداد قوة في إيمانه، ورسوخًا في عقیدته. قال صاحب الظلال: إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر باللّه في أمر أو نهي، فيغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته، ويتمثل عظمة اللّه ومهابته، إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فینبعث إلى العمل والطاعة ... إنها حال ینال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حین یذکر بالله في صدد أمر أو نهي؛ فیأتمر معها وینتهي کما یرید الله، عز وجل ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمنَّا﴾ فالقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن والآية الثانية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرٌ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. والمعنى: أنه كتاب متشابه الأعجاز والأطراف، متشابه في المعنى والغرض، والصحة ودقة الحكم، وتتبع منافع الناس، وهو كتاب يشبه بعضه بعضًا وتثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، أي: تعاد وتكرر بمنتهى البلاغة وروعة التصوير ودقة التعبير. هذا وصفه في نفسه، فإذا سمعه المؤمنون اقشعرت منهم الجلود، واضطربت منهم القلوب، ووجلت منهم النفوس، إذا سمعوا وعيد اللّه، ورأوا بعيون البصيرة ما أعد للمكذبين الكفار دمعت عيونهم وخشعت أصواتهم، واقشعرت جلودهم، ثم تلين قلوبهم وتسكن حينما يسمعون ذكر رحمة اللّه بالمؤمنين، تفرح نفوسهم، وتنشرح صدورهم إلی ذکر فضله على المؤمنین یوم لقائه(٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٨٥/٣. (٢) التفسير الواضح، محمد حجازى، ٢٦٦/٣. ٣٧٤ جَوَسُوع القرآن الكريمِ