Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الحمد
عناصر الموضوع
مفهوم الحمد
٨٤
الحمد في الاستعمال القرآني
٨٦
الألفاظ ذات الصلة
٨٧
حمد الله تعالى لنفسه
٨٩
٩٧
موجبات الحمد
١٠٨
مقامات الحمد
١٢٠
الحامدون
المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر

حرف الحاء
مفهوم الحمد
أولًا: المعنى اللغوي:
يقول ابن فارس: ((الحاء والميم والدال، كلمة واحدة وأصل واحد، يدل على خلاف
الذم، يقال: حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة غير
المذمومة)»(١).
ويقال: حمدت الرجل أحمده حمدًا: إذا رأيت منه فعلًا محمودًا، وأحمدت الأرض
أحمدها إحمادًا: إذا رضيت سكناها أو مرعاها(٢).
ومن أسماء الله سبحانه وتعالى (الحميد)، أي: المحمود على كل حال، فعيل بمعنى
مفعول (٣)، ولهذا سمي نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم (٤).
ويقول العرب: حماداك أن تفعل كذا، أي: غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم،
ويقال: أحمدت فلانًا: إذا وجدته محمودًا. قال الفرزدق:
فلم تجر إلا جئت في الخير سابقًا ولا عدت إلا أنت في العود أحمد(٥)
ويستخلص مما سبق أن الحمد: الوصف بالكمال في الخصال الحسنة بحسب
الموصوف، مع سلامتها من عارض الذم والعيب والنقص.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر الجرجانى عدة تعريفات لـ (الحمد) باعتبارات مختلفة، وهي:
الحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها.
الحمد القولي: هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه.
الحمد الفعلي: هو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء لوجه الله تعالى.
الحمد الحالي: هو الذي يكون بحسب الروح والقلب، كالاتصاف بالكمالات العلمية
والعملية، والتخلق بالأخلاق الإلهية.
(١) مقاييس اللغة ٢ / ١٠٠.
(٢) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٥٠٥.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤٣٦/١.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٤٦٧.
(٥) لسان العرب، ابن منظور ٣/ ١٥٨.
٨٤
جَوَسُوعَدَاً
القرآن الكريم

الحمد اللغوي: هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل باللسان وحده.
الحمد العرفي: فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، أعم من أن يكون فعل اللسان
أو الأركان (١).
ويجمع بين هذه التعريفات ما عرفه به ابن القيم بقوله: ((إخبار عن محاسن المحمود مع
حبه وإجلاله وتعظيمه))(٢).
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي؛ إذ كلاهما يدلان على إخبار عن
محاسن المحمود.
(١) التعريفات ص٩٣.
(٢) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ٩٣.
www. modoee.com
٨٥

حرف الحاء
الحمد في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حمد) في القرآن الكريم (٦٨) مرة (١).
والصيغ التي جاءت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ.
عمران: ١٨٨]
[آل
المصدر
٤٣
﴿اَلْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة: ٢]
﴿اَلْتََّيُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ
[التوبة: ١١٢]
﴿ وَمِنَ أَلَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
[الإسراء: ٧٩]
٧٩
رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا ◌َ
الصفة المشبهة
١٧
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ (٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]
أفعل التفضيل
١
وَمُبَشِّرًا برَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ( أَخْمَدُ﴾ [الصف: ٦]
وجاء الحمد في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: الثناء بالفضيلة(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الحاء، ص٤٥٣ -٤٥٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٠٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤٩٩/٢.
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريمِ
٨٦
١
اسم الفاعل
اسم المفعول
٥

الألفاظ ذات الصلة
الشكر:
١
الشكر لغة:
هو عرفان الإحسان ونشره(١). وقال الرازي: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من
المعروف(٢).
الشكر اصطلاحًا:
هو عرفان الإحسان، والاعتراف بالنعمة، وأداء ما يترتب عليه، والقيام بحق مسديها(٣).
قال ابن قيم الجوزية: ((الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى
قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة)) (٤).
الصلة بين الحمد والشكر:
أولًا: مما تقدم يتبين أن الحمد لا يكون إلا باللسان، وأما الشكر فإنه يكون باللسان وغيره،
ودليله قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَعْمَلُوْءَالَ دَاوُودَ شُكْرًاً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
فالحمد من جهة ما یکون به أخص من الشكر.
ثانيًا: سبق البيان أن الحمد يكون على جميع أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأما الشكر فإنه
لا يكون إلا على النعم(٥).
فالحمد من جهة ما يكون عليه أعم من الشكر، فهما بينهما عموم وخصوص، كما قرره
المحققون من أهل العلم (٦).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/١٠.
(٢) مختار الصحاح ص ٣٤٤.
(٣) انظر: العين، الفراهيدي ٥/ ٢٩٢، جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٧٣٢، الصحاح، الجوهري ٢/ ٧٠٢،
المخصص، ابن سيده ٣/ ٤٢٤.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٢٤٤.
(٥) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص٢٠.
(٦) انظر: تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني ١/ ٣٥، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي ١/
١٠٨، الكشاف، الزمخشري ١/ ٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٢٨.
www. modoee.com
٨٧

حرف الحاء
المدح:
٢
المدح لغة:
هو وصف المحاسن بكلام جميل، يقابله الهجاء(١).
المدح اصطلاحًا:
هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا(٢).
الصلة بين الحمد والمدح:
المدح يستعمل فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يصدر منه أو يجبل عليه ويكون
فیه بالتسخیر، فقد يمدح الإنسان على جمال هيئته، كما يمدح بحسن خلقه وسخائه وعلمه،
والحمد يكون في الثاني ولا يكون في الأول(٣)، وهذا باعتبار المخلوق بينما هو باعتبار
الخالق فهو يكون في الصفات الذاتية والفعلية، وذلك أن صفات الله الذاتية والفعلية متعدية
بالإنعام على من عبده.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٠٨، العين، الفراهيدي ٣/ ١٨٨.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص١١٦.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٥٦.
٨٨
جَوَبُور
القرآن الكريمِ

حمد الله تعالى لنفسه
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
((اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات
لقد حمد الله سبحانه وتعالى نفسه في
القرآن الكريم في مواضع كثيرة، على أمور
متنوعة، منها:
المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها
أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف
أولًا: حمد الله لنفسه على ربوبيته بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء،
مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا
العامة والخاصة:
إليها، ومدارها عليها، وهي: الله، والرب،
والرحمن.
أول ما حمد الله نفسه عليه في مفتتح
كتابه العزيز: ربوبيته العامة.
قال تعالى: ﴿الْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾
[الفاتحة: ٢].
ثم نثر ذلك على بعض مظاهرها في
ثنایا کتابه في سور متعددة، والأمر الذي قام
الدليل على إثباته في فضل سور القرآن، هو
أن أعظم سورة فيه هي الفاتحة، حیث جاء
الحديث عن أبي سعيد بن المعلّى، قال:
(كنت أصلّي في المسجد، فدعاني رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت:
يا رسول اللّه، إنّي كنت أصلّي، فقال: (ألم
يقل اللّه: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ
لِمَا يُحِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])، ثمّ قال لي:
(لأعلّمنّك سورةً هي أعظم السّور في
القرآن، قبل أن تخرج من المسجد). ثمّ أخذ
بيدي، فلمّا أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل:
لأعلّمنّك سورةً هي أعظم سورةٍ في القرآن،
قال: (﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة:
٢] هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي
أوتيته)(١).
وبنيت السورة على الإلهية والربوبيّة
والرحمة)»(٢).
وهي أيضًا بمثابة الديباجة للقرآن، حيث
حوت على وجازتها وجزالتها، عامة ما جاء
في القرآن من معاني في آيات سبع، فكانت
كل آية منها جامعة لما في بابها من المعاني،
وأول هذه الآيات هي قوله: ﴿الْحَمْدُ بِّهِرَبِ
الْمَلَّمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢](٣).
لذلك يمكن القول بأنها أجمع آية
للمحامد كلها، فالله سبحانه وتعالى قد
أثبت فيها الحمد لنفسه حالة كونه موصوفًا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، ٦/
١٧، رقم ٤٤٧٤.
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ص١١.
(٣) وردت هذه الجملة في مواضع أخر من كتاب
الله تعالى؛ فوردت في سور: الأنعام: ٤٥،
يونس: ١٠، الصافات: ١٨٢، الزمر: ٧٥،
غافر: ٦٥، وقد جاءت في معرض التعقيب
على مظهر من مظاهر الربوبية كما سيأتي بيانه
لاحقًا.
www. modoee.com
٨٩

حرف الحاء
بربوبيته لكل مربوب، وهم العالمون وكل أمر مخصوص، فكان المراد منها الإطلاق
علی جمیع الأفعال، وکامل الأوصاف، مما
ما سوى الله عالم، والرب يطلق في اللغة
على المالك، والسيد، والمدبّر، والمربّي،
والقيم، والمنعم؛ والمتمم، ولا يطلق مفردًا
أضيف، فقيل: رب کذا. ورب كل شيء:
مالكه ومستحقه (١).
یوجب لله حق الألوهية، فبحمد الله جل
جلاله في هذه الآية ثبتت حقوق الله جميعًا،
إلا على الله عز وجل، وإذا أطلق على غيره ألا وهي: توحيده ربًّ، أي: في أفعاله،
وتوحيده في أسمائه وصفاته، وتوحيده في
ألوهيته.
فهو باعتبار اجتماع هذه المعاني كلها
فيه، وبالنظر إلى آثارها في مخلوفاته يسلّم
المتأمل، ويقر المتفكر بأنه حاز أعظم وأجل
مراتب الحمد سبحانه وتعالى.
وتوحيد الربوبية عرّفه أهل العلم بأنه:
((إفراد الله بأفعاله؛ من خلق، ورزق،
وإحياء، وإماتة، وإعطاء، ومنع، وضر،
ونفع ... ، إلخ))(٢)، والأفعال بآثارها لا تنفك
عن انصباغها بصفات فاعلها، والحاصل
بعد ذلك أن الحمد علی الربوبية، هو حمد
عليها مطابقة، وعلى صفات صاحبها تضمنًا
والتزامًا، وبهذا كانت هذه الآية هي أجمع
آية لإثبات الحمد لله سبحانه وتعالى،
خاصة أنها مبتدأ الكلام وافتتاحه، ولم تأت
تعقيبًا على فعل بذاته، أو وصف بعينه، أو
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٨/ ٢٥٦، الزاهر، أبو
بكر الأنباري ١ / ٤٦٧، الصحاح، الجوهري
١٣٠/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٢/٢،
لسان العرب، ابن منظور ١/ ٤٠٠، تاج
العروس، الزبيدي ٤٥٩/٢.
(٢) المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر بن
محمد عطا صوفي ص ٦٣.
الحمد على بعض مظاهر الربوبية
العامة:
لاشك أن الله سبحانه وتعالى يحمد
على كل فعل منه، وجميع أفعاله وصفاته
فيها تربية لخلقه، إلا أن هناك آيات ذكر الله
تعالى فيها بعض معالم ربوبيته، المستوجبة
لحمده بما ذكر فيها أفعال كانت آثارها
مستوعبة لجميع مخلوقاته، أو لجميع
المكلفين على وجه التحديد، فمنها خلقه
السماوات والأرض، وجعله الظلمات
والنور، وإنزال المطر، وإحياء الأرض به،
وانفراده بالملك لخلقه، وأنه هو الذي بدأ
الخلق ونوع وأبدع، وفرق وجمع، وجعل
ملائكة رسلًا أولي أجنحة مثنى وثلاث
ورباع، ويرحم خلقه فينزل عليهم ما يخرج
به قوتهم، بعد حصول قنوطهم، وهو رب
السماوات ومن فيها، ورب الأرض ومن
علیها، ورب العالمين أجمعین، وقد جاءت
هذه المظاهر على وجه التخصيص في
الآيات الواردة في کتاب الله عز و جل، كما
٩٠
القرآن الكريمِ

محمد
سیبین في هذا المطلب إن شاء الله تعالى.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿اَلْحَمْدُ للَّهِ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلْقُّلُمَتِ
وَالنُّورِّ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
[الأنعام: ١].
يحمد الله نفسه في هذهالآية على أنه خلق
السموات والأرض، خصهما بالذكر؛ لأنهما
أعظم مخلوقاته فيما يراه العباد وفيهما العبر
والمنافع للعباد، وجعل الظلمات والنور،
والجعل بمعنی الخلق، وقال الواقدي: ((کل
ما في القرآن من الظلمات والنور فھو الکفر
والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما
الليل والنهار))، وقال غيره: ((ويدخل في
ذلك الإيمان والكفر، وظلمة القلب والوجه
ونور القلب والوجه)) (١).
وفي الآية الآتية إلزام لهم بما أثبتوه من
توحيد الربوبية على وجوب التسليم بتوحيد
الألوهية، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَین
سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ
اُلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ
لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت:
٦٣].
فأنت لو سألتهم من خلق السماوات
والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا
به الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع
الأشياء؟ ﴿لَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وحده، ولاعترفوا
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢ / ١٠٨.
بعجز غيره عن القيام بشيء من ذلك،
فقل: الحمد لله، الذي خلق العالم العلوي
والسفلي، وقام بتدبيرهم ورزقهم، وبسط
الرزق على من يشاء، وضيقه على من يشاء؛
حكمة منه، ولعلمه بما يصلح عباده وما
ينبغي لهم(٢).
ذكر الله سبحانه وتعالى عموم ملكه،
وأن جميع ما في السماوات والأرض - وهذا
شامل لجميع العالم العلوي والسفلي - أنه
ملكه، يتصرف فيهم بأحكام الملك الكونية
والشرعية والجزائية، وهو واسع الغنى، وأن
أعمال الناس الصالحة لا تنفع الله شيئًا فهو
غني عنهم، وعن أعمالهم، ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم
مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ
اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) لِلَّهِ مَا
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾
[لقمان: ٢٥ - ٢٦].
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن سعة حمده،
وأن حمده من لوازم ذاته، فلا يكون إلا
حميدًا من جميع الوجوه، فهو حميد في
ذاته، وهو حميد في صفاته، فكل صفة من
صفاته، يستحق عليها أكمل حمد وأتمه،
لکونھا صفات عظمة وکمال، وجميع ما
فعله وخلقه يحمد عليه، وجميع ما أمر به
ونھی عنه یحمد عليه، وجميع ما حكم به في
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٣٥.
www. modoee.com
٩١

حرف الحاء
العباد وبين العباد، في الدنيا والآخرة، يحمد وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:
٢٨].
علیه(١).
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ جَاعِلِ
الْمَئِكَةِ رُسُلَّا أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَ وَثُلَكَ وَرُبَعُ يَزِيدُ
فِىِ الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:
١].
أثنى جل جلاله على نفسه بهذا الحمد
العظيم، مقترنًا بكون مبدأ الخلق منه جل
جلاله، وأنه جعل الملائكة رسلا علی هیئات
متعددة، وذلك يدل على أن خلقه للسماوات
والأرض، وما ذكر معه يدل على استحقاقه
للحمد لذاته لعظمته وجلاله و كمال قدرته،
لما في خلق السماوات والأرض من النعم
على بني آدم، فهو بخلقهما مستحق للحمد
لذاته، ولإنعامه على الخلق بهما، وكون
خلقهما جامعًا بين استحقاق الحمدين
المذكورين (٢).
يخبر الله سبحانه وتعالى أنه ينزل المطر
على عباده بعد انتظاره مدة طويلة أورثتهم
يأسًا من نزول المطر، حتى استحق التعبير
عنه بالغیٹ بإزالته علامات الیاس والبؤس
والشقاء عن وجوههم، لينشر بذلك المطر
رحمته بما نتج عنه من الخيرات والبركات
والأرزاق التي انتظروها بفارغ الصبر،
﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
(١) انظر: المصدر السابق ص٦٥٠.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٧٦.
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
فهو سبحانه وتعالى الذي يتولى عباده
بالإحسان والفضل والإنعام؛ وهذا لأن
الله حميد في أفعاله وتصرفاته(٣)، ﴿فَلَّهِ
اَلَْمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[الجاثية: ٣٦].
يخص الله سبحانه وتعالى نفسه بالحمد
علی أیادیه علی خلقه، فإياه فاحمدوا، وله
فاعبدوا، فکل ما بکم من نعمة فهو مصدرها،
وليس لأحد سواه في أدنى أثر أو فضل، فهو
مالك السموات السبع، ومالك الأرضين
السبع، ومالك جميع ما فيهنّ(٤).
الحمد على ربوبيته الخاصة وبعض
مظاهرها:
إن الله سبحانه وتعالى الذي ربی جمیع
مخلوقاته بربوبيته العامة؛ لتستقيم الحياة
الكونية على هذا النحو البديع، وكذلك
كان شأنه مع الحياة الشرعية التي جعل
لها ما تستقيم به، من إنزال الكتب المنظمة
لحياتهم على وجه محکم، لا عوج فيها
ولا ظلم؛ بحيث تنظم علاقاتهم مع كل من
يتصلون به، وأرسل إليهم الرسل؛ ليقتدوا
بهم، وليهتدوا بهدیھم، ورعی من استجاب
له رعاية خاصة يصلحون بها بحسب
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الطنطاوي ١٣/ ٣٦.
(٤) انظر: تفسير المراغي، ٢٥/ ١٦٧.
٩٢

محمدع
منازلهم، وأكرم أهل طاعته، وأهلك من الباطل، والباطل لا يثبت بل هو مدموغ،
وعاقبته إلى زوال،
عصاه، في الدنيا والآخرة، وقد جاءت هذه
المظاهر مقرونة بالحمد في القرآن الکریم،
بعد تتبع البحث لها على النحو الآتي:
ءَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ
١٠
لَمَّا جَآءَ هُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌّ ◌َ لَّا يَأِيهِ
الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].
١. حمد الله لنفسه علی إنزال الكتب.
یحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في آيات
عدة من كتابه على نعمة هي من أجل النعم
على عباده، بأن أنزل لهم الكتب التي تتحقق
لهم بها المنافع في الدنيا والآخرة، وذلك
أنّ ما وهبهم إياه بمقتضى ربوبيته العامة لا
يكون نعمة إلا إذا عمل فيه بمقتضى ربوبيته
الخاصة، فجاءت هذه الكتب متضمنة
لإصلاح الحياة، من غير اعوجاج، ﴿اَلْحَبْدُ
لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِشَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ
عِوَجًا﴾ [الكهف: ١] وعلى طريق واضح بيّن
قويم، ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى
صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١].
ولا يعلم حقيقة هذه الهداية إلا من أقبلوا
على هذه الكتب وقرءوها، وتدبروا معانيها،
وطبقوها واقعًا عمليًّا في حياتهم، فعاشوا
بها الحياة الهانئة، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِىّ
إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
بخلاف الذين أعرضوا عنها فإنهم لم
يرفعوا بعلومهم الدنيوية رأسًا، وإن دالت
لهم الدولة ساعة من الزمن، فهم على
وأما هذه الكتب فما فيها من الباطل
شيء، بل کل ما فيها حق وصدق وعدل
ورحمة وحكمة من حكمة الحميد في أقواله
وأفعاله وتشريعاته(١).
٢. حمد الله لنفسه على إرسال الرسل.
يختم الله سبحانه وتعالى سورة
الصافات بتسبيح نفسه وحمدها، بقوله عز
وجل: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
﴿ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴾ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وهي من السور التي تخصصت في بيان
أحوال الرسل مع أممهم ما بين الإجمال
والتفصيل القليل، وبيان ما أعقبهم الله على
قیامهم بحقه وحق رسالته من توفیقهم،
وإهلاك أعدائهم، وتمكينهم في الأرض،
وحسن الثناء في الآخرين، وجزائه لهم
بما جعله للمحسنين، وقد جعل السلام
على المرسلين في خاتمة السورة واقعًا
بين تسبيحه وحمده؛ إشارة إلى أن من
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ١٠٢،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ / ١٢٠،
فتح القدير، الشوكاني ٤ /٥٩٥، أيسر
التفاسير، الجزائري ٢٣٦/٣.
www. modoee.com
٩٣

حرف الحاء
مقتضيات تنزهه عن النقص وحمده بصفات
الكمال؛ إرسال الرسل هداية للناس، وإقامة
للحجة(١)، وقد حبا الله سبحانه وتعالى
الرسل بصفات الكمال البشري الحميدة،
الأمر الذي يؤهلهم لأن يكونوا قدوة
للعالمين، وهو لم يرسلهم لحاجة به للخلق،
بل هو غني عنهم، ولکنه غني حمید، فمع
غناه عنهم لم يحرمهم من إرسال الرسل
الذین یهدونهم إلى الحق، وهم على أحسن
خلق، ولهم أحسن سيرة، وقد حمد نفسه
على ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ
لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَلْيَوْمَ الْآَخِرَّ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
اٌلْفِىُّ الِْيدُ﴾ [الممتحنة: ٦](٢).
٣. حمد الله لنفسه على فضله في إهلاك
الكافرين.
یبین الله سبحانه وتعالى أنه أرسل رسلاً
للأمم السابقة، فكذبوهم؛ فابتلاهم الله
بالشدة والفقر والأمراض والعلل؛ لعلهم
يلجئون إلى الله بالدعاء، ویؤمنون برسل الله
ویصدقونھم، فما فعلوا !. ثم نھج معهم نهجًا
آخر بأن بدّلهم مكان الفقر والشدة السعة في
الرزق، ومكان المرض والأسقام الصحة
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٢ / ١٥٠،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣ / ١٩٨،
التفسير المنير، الزحيلي ٢٣/ ١٥٨.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٩/ ٥٠٥،
محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٢٠٦، التفسير
الواضح، الحجازي ٣/ ٦٥٩.
والعافية؛ لعلهم يشكرون الله على نعمه،
فما فعلوا !. فأمهلهم الله تبارك وتعالى مدة
ثم قطع دابرهم وأهلکھم، يقول جل جلاله:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أَمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَآِ
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم
وَالضَّرِّ لَعَلَّهُمْ بَتَضَرَّعُونَ (١)
بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ
مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبُوَبَ كُلِّ
شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا
هُم مُّبْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوَّأَ
وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٢ -٤٥].
وفي النصر والتأييد من الله لرسله بأن
يقطع حجة الكافرين ويهلكهم من الربوبية
الخاصة لأنبيائه وأوليائه ما حمد الله نفسه
عليه، وهو للحمد أهل(٣).
ثانيًا: حمد الله لنفسه لإثبات الكمال له
وحده:
١. حمد الله لذاته على كمال حياته،
وتفرده بالألوهية.
الحياة الكاملة هي الحياة التي لا يعتريها
نقص بنوم، أو مرض، أو موت، أو سآمة،
أو أي عارض من عوارض النقص في حياة
المخلوقین، وقد انفرد الله عز و جل به عن
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٣٦٤،
معالم التنزيل، البغوي ٢/ ١٢٤، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٣/ ١٣٤، محاسن
التأويل، القاسمي ٤ / ٣٦١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص٢٥٦.
فَضْو
جُوبُواحة النفسية
القرآن الكريمِ
٩٤

الحدث
سائر الموجودات، يقول جل جلاله: ﴿هُوَ الله مثلًا لنفسه - وله المثل الأعلى - والعبد
اُلْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ مثلًا لمن عبد من دونه، فأيهما أكمل(٢)،
الدِّينَُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [غافر: ٦٥].
يثبت الله سبحانه وتعالى في هذه الآية
الحياة الكاملة الدائمة لنفسه، وأن كل من
عداه لهم أعمار محدودة، وأزمان معدودة،
وآجال مکتوبة، تنتهي بها حياتهم، وأنه هو
المتفرد بالألوهية حقًّا، وأن نسبتها لغيره
زعم باطل، وذلك بما له من الحمد على
کماله الذي لم يبلغه سواه، لا في ذاته ولا
في صفاته(١).
٢. حمد الله لذاته بتنزهه عن المثيل
والشريك.
يضرب الله سبحانه وتعالى الآية التالية
مثلًا لنفسه ولمن عبد من دونه برجلين:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى
شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنَّا فَهُوَ يُنفِقُ
مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
أحدهما حر مالك لأمر نفسه ولماله
یتصرف فیه کیف یشاء، ویأمر وینھی کیفما
أراد، والآخر عبد مملوك هو وماله لسيده،
ليس له من الأمر والنهي شيء، فالحر جعله
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٦٧،
محاسن التأويل القاسمي، ٨/ ٣١٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ١٩٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٧٤١، التفسير المنير،
الزحيلي ٢٤ / ١٥٤.
والفرق بينهما في الكمال هو دون الفرق
بين الله ومخلوقاته بكثير، فالفرق بين
الحر والعبد هو باعتبارات مقيدة من بعض
الوجوه، ولكن الفرق بين الله ومخلوقاته
مطلق، فالله له الكمال من كل وجه،
والمخلوق ناقص من کل وجه.
مثل آخر ضربه الله لعبادة الله وحده،
وعبادة الشرك به، يقول سبحانه وتعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَةُ مُتَشَكِسُونَ
وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
فالله وحده أمره واحد، ونهيه واحد،
و کله حكمة ورحمة، بخلاف الشرکاء الذين
لكل واحد منهم وجهة ورأي مختص به،
وبذلك يكون لكل واحد فيهم أمر يختلف
عن الآخر، ونھي لا يتفق فيه مع غيره، ولهم
أهواء ومصالح يتناحرون عليها، ولايعبئون
لذلك بمصلحة من عبدوهم، وشأنهم
على النقيض من أمر الله سبحانه وتعالى
و نھیە(٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٦٢، أنوار
التنزيل، البيضاوي، ٣ / ٢٣٤، درء تعارض
العقل والنقل، ابن تيمية ٨/ ٥٢٨، الأمثال في
القرآن، ابن القيم ص٢١.
(٣) انظر: جامع المسائل، ابن تيمية ١٧٧/٦،
الأمثال في القرآن، ابن القيم ص ٥٤، الأمثال
القرآنية، الجربوع ٩٥/١.
www. modoee.com
٩٥

حرف الحاء
فالله غني عن ذلك؛ لذا فأوامره ونواهيه
کلها في مصلحة العبد، ونفعها مردود عليه،
يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث
القدسي: (ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي
فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) (١)،
فمن كان هذا حاله فهو الكامل المستحق
لأن يفرد في العبادة، وغيره على عكس
ذلك.
ثالثًا: حمد الله لنفسه حمدًا ملء خلقه:
١. حمد الله لنفسه حمدًا يستغرق
الزمان.
يحمد الله سبحانه وتعالى نفسه فى هذه
الآية، يقول فيها:
وَهَوَ اللهُ لَا إِلَه إلا هو
لَهُ الْحَمْدُّ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةٌ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
حمدًا استغرق الزمان؛ وذلك لأنه هو
الإله المتفرد بالألوهية على مدار الزمان،
وأن الإفضال والإنعام فيه منه وحده لا
شريك له، وأنه جعل الأولى مزرعة للآخرة،
وهو الذي له الحكم في الآخرة لئلا يضيع
عمل عامل في الدنيا فلا يحصل له الأجر في
الآخرة، أويفلت طاغٍ أو ظالم في الدنيا فلا
ينال جزاءه، وأن من أنكر ألوهيته في الدنيا
فسيقر له بها في الآخرة(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الظلم، ٨/ ١٦، رقم ٦٦٦٤.
(٢) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
٢. حمد الله لنفسه حمدًا يستوعب
المكان.
أثبت الله تعالى الحمد المطلق لنفسه
في السماوات والأرض؛ لأن كل ما فيهما
دال على كماله وجلاله واقتداره واتقانه
دلالة ظاهرة، خضع كل ما في السماوات
والأرض لأن یسبحوا له، طوعًا أو کرها.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿ُسَمُِّ لِلَّهِمَا فِی
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ وَهُوَعَلَى
كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].
فاستحق بذلك أن يشهد لنفسه بالحمد
صدقًا وعدلًا، وأن يعترف له بذلك كل شيء
فيهما(٣).
٣. حمد الله نفسه حمدًا يشمل الزمان
والمكان معًا.
يعلن الله جل جلاله أن الحمد ثابت
لذاته، ومن موجبات ذلك ملكيته التامة
لكل ما في السماوات والأرض، ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
اَلَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَهُالْحَمْدُفِى
اْأَخِرَةَّ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ [سبأ:١].
طالب ٨ / ٥٥٦٦، إرشاد العقل السليم، أبو
السعود ٧/ ٢٣، تفسير المراغي، ٨٧/٢٠،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧/٢٠،
التفسير الميسر، مجموعة من العلماء ص
٣٩٣.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٢٨٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٨٦٦، التفسير
الواضح، الحجازي ٣/ ٦٨٤، أيسر التفاسير،
الجزائري ٥ / ٣٦٠.
جَوَسُولَةُ النَّسَيْ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٩٦

وهو حمد ملء المكان، وممتد إلى انتهاء
الزمان، لا منازع ولا شریك، فحمدہ کامل
شامل قد ملأ المكان وأحاط بالزمان (١)
٤. حمد الله لنفسه حمدًا مقرونًا بالتسبيح
ملء المكان على مدار الأزمان.
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بتسبيحه
في الأوقات الأربعة، ذكرها في آية من سورة
الروم بقوله جل وعلا: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ اَلْحَمْدُ فِ
السَّمَوَنِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
[الروم: ١٧ - ١٨].
وهذه هي الأوقات الممتدة على مدار
النهار والليل(٢)، وهذا على سبيل الإنشاء
والطلب، وجعل جملة الحمد الخبرية
متوسطة بين الأوقات المأمور بالتسبيح فيها؛
ليبين أنه ثابت ملء السماوات والأرض
وفي كل وقت (٣)؛ لما له من كمال الصفات
وجميل الأفعال في كل زمان ومكان، فله
الحمد حمدًا كثيرًا، وسبحانه وتعالى بكرة
وأصيلاً.
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٤١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦ / ٤٩٤، نظم
الدرر، البقاعي ١٥/ ٤٢٩.
(٢) ولهذه الآيات التي ورد الحمد فيها معتبرًا
للزمان والمكان نظائر سنوردها في مواضع
أخر.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/
٥٤، روح المعاني، الألوسي ١١/ ٢٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٦٦.
موجبات الحمد
أولًا: التمجيد والثناء:
حمد الله سبحانه وتعالى ذاته في آيات
كثيرة، وکان لذلك الحمد موجبات عدة،
منها:
١. حمد الله والثناء عليه بمقتضى
أسمائه الحسنى، وتنزهه عن الولد
والشريك والولي.
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده في
خواتيم سورة الإسراء أن يدعوه بأي اسم
من أسمائه؛ لأنها الحسنى البالغة في الحسن
غايته في ألفاظها ومعانيها، وهي معانٍ ذات
دلالات متعددة، منها:
دلالة مطابقة: وهي أن الله يتصف بصفة
جاء بها هذا المعنى، ودلالة تضمن:
وهي أن اتصافه بهذا المعنى الحسن
يتضمن الكمال.
دلالة التزام: وهي أن كمال الله في هذه
الصفة يستلزم اتصافه بصفات الكمال
التي لا تتحقق هذه الصفة إلا بها (٤).
دلالة اقتضاء: وهي أن اتصاف الله
بهذه الصفات التى جاءت بها المعاني
المأخوذة من أسمائه الحسنى يقتضي
الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى مستحق
(٤) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه
الحسنى، ابن عثيمين ص ١١.
www. modoee.com
٩٧

حرف الحاء
للحمد بها(١).
قل أَدْعُواْ اللّه أو
٧
يقول سبحانه وتعالى:
أَدْعُواْ الرَّحْتَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَّ وَلَا
◌َّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًا
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ
يَكُ لَّهُ شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ، وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ
وَكَبِرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
فالقارئ لهاتين الآيتين يجد أن الله
سبحانه وتعالى عقّب بحمد نفسه مع زيادة
بيان لموجبات أخرى للحمد، وهي أنه لم
يتخذ الولد؛ فالذي يتخذ الولد سيأتي عليه
يوم ويكون مربوبًا لولده الذي سيقوم على
رعايته والقيام على شئونه؛ لأن هذه هي سنة
الأسرة، وأنه تنزه عن الشريك الذي يكون
مماثلًا ومنازعًا لشريكه، وله سلطان يضاهي
سلطانه، قد يحول بينه وبين أمر قضاه فلا
یستطیع أن یمضیه، وأنه لا يحتاج إلى حليف
يستنصر به من هزيمة قد تلحق به الذل،
تعالى وتقدس ربنا عن کل عیب ونقص، وله
الحمد المطلق والثناء كما أثنى على نفسه
فليس أحد يستطع الثناء عليه بما هو أهله إلا
هو (٢).
وهذا من دلائل كبريائه جل جلاله،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٨٠/١٧،
محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٥٢٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٤٥/١٠، لباب التأويل، الخازن ٣/ ١٥٠،
فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٣١٧.
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
«وتكبيره تعالى وتنزيهه یکون:
بتكبيره فى ذاته، باعتقاد أنه واجب
الوجود لذاته، وأنه غني عن كل
موجود.
بتكبيره في صفاته، باعتقاد أنه مستحق
٠
لكل صفات الكمال، منزه عن صفات
النقص.
بتكبيره في أفعاله، فتعتقد أنه لا يجري
شىء في ملكه إلا وفق حكمته وإرادته.
بتكبيره في أحكامه، بأن تعتقد أنه
ملك مطاع، له الأمر والنهى، والرفع
والخفض، وأنه لا اعتراض لأحد عليه
في شيء من أحكامه، يعزّ من يشاء،
ویذل من يشاء.
تکبیرہ في أسمائه، فلایذکر إلا بأسمائه
الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته
المقدسة)»(٣).
٢. حمد الله والثناء عليه بمقتضى
تفرده بالملك الأبدي للموجودات.
يحمد الله نفسه في آية من كتابه على أن
ما في السماوات والأرض كلهم له ملك
وعبيد، يتصرف فیهم بحمده، حمدًا دائمًا
مستمرًا لا ينقطع إلى يوم القيامة؛ لأنه في
الآخرة، يظهر من حمده، والثناءعليه، ما
لا يكون في الدنيا، فإذا قضى الله سبحانه
وتعالى بين الخلائق كلهم، ورأى الناس
(٣) تفسير المراغي، ١٥/ ١١١.
٩٨

محمد
والخلق كلهم، ماحكم به، وكمال عدله والأرض في الدنيا هو الذي خلقهم
وقسطه، وحكمته فيه، حمدوه كلهم على وأوجدهم من العدم، وهو المتصرف فيهم،
ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار والمالك لهم ملكًا تامًّا خالصا دون ما سواه
في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، وهو الحكيم
في تدبير خلقه، الخبير بهم وبما يصلحهم،
وبما عملوا، وماهم عاملون، محيط بجميع
ذلك)»(٣).
إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده، وأن هذا
من جراء أعمالهم، وأنه عادل في حكمه
بعقابهم (١)، يقول تعالى: ﴿ .. وَقُضِىَ بَيْنَهُم
بِاِْ وَقِيلَ اْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
أما ظهور حمده لأهل الجنة فذلك لما
يظهر لأهل الجنة من عظمة ربهم، وجلاله،
وجماله، وسعة کماله حین یرونه، ما یوجب
له كمال الحمد، والثناء عليه (٢)، يقول الله
عز وجل: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ
وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْخِيرُ﴾ [سبأ: ١].
وأورد ابن جرير في تفسيره ما معناه:
((أن الحمد التام الكامل كله للمعبود الذي
هو مالك جميع ما في السماوات السبع وما
في الأرضين السبع دون كل شيء سواه، لا
مالك لشيء من ذلك غيره، فالمعنى: الذي
هو مالك ذلك جميعه، وله الحمد التام
الكامل في الآخرة كالذي هو له ذلك في
الدنيا العاجلة؛ لأن كل من في السماوات
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧٣١.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ١١/ ١٦١، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٦٧٤، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ١٣٥، التفسير
الوسيط، الطنطاوي ١١ / ٢٦٢.
٣. تمجيد الله بمقتضى غناء عن
عباده.
يخاطب الله سبحانه وتعالى الناس
جميعًا معلمًا إياهم ومعلنًا لهم بأنه خلقهم
وهو غني عنهم، وذلك بأنهم فقراء
محتاجون لمن يدبر أمورهم من كل وجه،
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ
اُلْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
وليس أحد إلا الله عز وجل يقوم بهذا
الأمر، فهم الفقراء بكل أنواع الفقر، وهو
الغني بكل أنواع الغنى، محمود في غناه؛
ولولا ذلك لما تنعموا في هذه الحياة، ولما
قامت للكافرين منهم قائمة كالذين خاطبهم
موسى عليه السلام بهذا الخطاب.
يقول مولانا جل في علاه: ﴿وَقَالَ مُوسَى
إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيُّ
حَيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].
وبيّن لهم أنه غني عن إيمانهم به
وعبادتهم له، وإذا رأوا أنهم لا يحتاجون
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٤٦.
www. modoee.com
٩٩

حرف الحاء
إلى الله بكونهم يرزقون، ويأكلون ويتمتعون المحيط الذي يحيون فيه، سواء أكانت
النعمة مادية أم معنوية، وبيان ذلك ما جاء
في جواب موسی لفرعون حین سأله عن
ربه، فقال عليه السلام كما جاء ذكره في
القرآن: ﴿قَالَ فَمَنْ رَُّّكُمَا يَمُوسَى ، قَالَ رَبُّنَا
الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩،
٥٠].
بشتى أنواع الملذات، فما ذلك إلا لأنه
حميد في غناه، يرزق ويعطي ويمد ويزيد،
حتى وإن کفر به من خلقه من کفر، وکان
رده على نبيه إبراهيم عليه السلام حين سأله
أن يرزق من آمن من عباده ممن سکن البلد
الحرام أنه سيرزق أيضًا من كفر منهم أيضًا.
وهذا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَّهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَامِنًا وَأَرْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرّ قَالَ
وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَبِئْسَ اَلْمَصِيُ﴾ [البقرة: ١٢٦].
وهذا من کمال حمده أنه مع قدرته على
حرمانهم بسبب امتناعهم عن أداء ما أوجبه
عليهم، لم يمنعهم ما أوجبه لهم على نفسه
على سبيل الوعد، ﴿وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللهِ ﴾ [التوبة: ١١١] سبحانه جل جلاله.
ثانيًا: الإنعام:
إن نعم الله سبحانه وتعالى أمر لا يطيق
إحصاءه إلا الله جل جلاله، وقد توقفنا مع
الآية التي جمع الله سبحانه وتعالى لحمده
فيها كل ما يقتضيه الحمد، وهي قوله:
﴿اَلْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وذلك أن تربية الله سبحانه وتعالى
للعالمين جميعًا تشمل تربيته لهم بكل نعمة
يحتاجون ليتم لهم التكيف والانسجام مع
فقد أعطى كل شيء خلقه صورته وهيئته
التي هي أليق به وأنسب له، وهداه للكيفية
التي تناسب البيئة التي وجد فيها، وهذا من
أعظم مظاهر الإنعام على كل المخلوقات؛
لذلك أخبر الله سبحانه وتعالى عن حالهم
وانشغالهم بحمده عليه بقوله: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ
السَّمُوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ
إِلَّا يُسَبِعُ مِحْدِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ
حَلِيمًاً غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
إن هناك من الإنعام ما اختص الله به
الناس دون غيرهم، ومنه ما فضل الله به
بعض الناس على بعض؛ ولذلك نجد أنه
يحمد نفسه عند ذكره لهذه النعم، أو أن من
أكرمهم بها يحمدونه عليها على ما ستأتي
الإشارة إليه، وسنجتهد في ترتيب الآيات
بحسب فضل النعم المضمنة فيها من خلال
نماذج نذكرها تقتضي حمد المنعم سبحانه
وتعالى، وذلك فيما يأتي:
بَرُ الْبَقِيَة
جوبيع
القرآن الكريمِ
١٠٠

محمد
١. نعمة إنزال الكتب ذات الصراط
المستقیم الذي لا عوج له.
يختم الله عز وجل الآية الأولى من
سورة إبراهيم باسمه الحميد، بقوله سبحانه
وتعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ القُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]؛
ليكون فاصلة مناسبة لما ورد في الآية من
ذكره لنعمة إنزال الكتب؛ التي يخرج الله
بها الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى
نور التوحيد والرشاد، ليسيروا على صراط
مستقيم، ينتهي بهم إلى رضا ربهم العزيز
الحمید في إنعامه وإكرامه و جزائه.
وفي أول آية من سورة الکھف تقریر لما
جاء في آية سورة إبراهيم، ولكن بصورة
أخرى، ببيان استغراق المحامد كلها على
إنزال الكتاب بدون عوج أو تعارض أو
اختلاف، لا إبهام فيه ولا اضطراب، ﴿الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ
عِوَجَا﴾ [الكهف: ١].
وذلك أن الاهتداء بهدي هذا الكتاب
تستقيم عليه الحياة، بل والأرض والسماء
وما فيهما، وبدون ذلك یکون الفساد، يقول
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ
لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
بَلَ أَتَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم
مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١].
فإن الحق الذي يجب عليهم أن يتبعوه،
لا أن يتبع هو أهواءهم؛ هو ما كان فيه
ذكرهم، ألا وهو القرآن، وإلا فإن السماوات
والأرض وما فيهما سيكون فيه من الفساد
بحسب إعراضهم عن الحق الذي في هذا
الكتاب؛ لذلك فإن الساعة لا تقوم، ولا يأذن
الله بخراب الدنيا حتى لا يبقى فيها من يؤمن
بالله.
جاء في الصحيح عن عبد الرّحمن بن
شماسة المهريّ، قال: ((كنت عند مسلمة بن
مخلّدٍ، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص،
فقال عبد الله: لاتقوم السّاعة إلّا على شرار
الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهلية، لا يدعون
الله بشيءٍ إلّا ردّه عليهم، فبينما هم على
ذلك أقبل عقبة بن عامرٍ، فقال له مسلمة:
يا عقبة، اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة:
هو أعلم، وأمّا أنا فسمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم، يقول: (لا تزال عصابةٌ من
أمّتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم،
لا يضرّهم من خالفهم، حتّى تأتيهم السّاعة
وهم على ذلك)، فقال عبد الله: أجل، (ثمّ
يبعث الله ريحًا كريح المسك مسّها مسّ
الحرير، فلاتترك نفسًا في قلبه مثقال حبّةٍ
من الإیمان إلّا قبضته، ثمّ یبقی شرار النّاس
عليهم تقوم السّاعة)(١).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأمارة،
باب قوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من
www. modoee.com
١٠١

حرف الحاء
فالحمد لله الذي أنزل کتابًا لا عوج له
تستقيم به الحياة في الدنيا والآخرة.
یبین الله سبحانه وتعالى موقف من أنعم
الله عليهم بنعمة العلم، أن الذي يجدونه
ویقرون به أن ما أنزله الله علی نبيه صلی
الله عليه وسلم هو الحق، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
وهو الهدى إلى الصراط المستقيم، الذي
فيه أقوم الطرق إلى حياة كريمة صحيحة
مطمئنة، وأنه يعطي كل ذي حق حقه، فلا
ظلم ولا هضم، ولا کذب ولا وهم.
قال عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا
وَعَدْلَاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[الأنعام: ١١٥].
صدقًا في أخباره الماضية والمستقبلة،
وعدلًا في أحكامه الدينية والدنيوية.
٢. نعمة العلم وتفضيل الله به
الأنبياء على غيرهم من الناس.
يخبرنا الله في آية من کتابه عما آتاه الله
نبیین کریمین من أنبيائه وهما داود وسليمان
عليهما السلام حیث أنعم الله عليهما بالعلم
الذي جعل الله الحظ الأوفر منه للأنبياء.
يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ
وَسُلَيْمَنَ عِلْمَّاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرِ
مِّنْ عِبَادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥].
خالفهم، ٣/ ١٥٢٤، رقم ١٩٢٤.
وقد جعل الله العلم أنفس ما يتركونه
من بعدهم، وهو الميراث الذي يستفاد من
بعدهم، لا تركة لهم ينتفع بها سواه، قال
صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا
يطلب فيه علمًا سلك اللّه به طريقًا من طرق
الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضًا
لطالب العلم، وإنّ العالم ليستغفر له من في
السّموات، ومن في الأرض، والحيتان في
جوف الماء، وإنّ فضل العالم على العابد،
کفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب،
وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم
يورّثوا دينارًا، ولا درهمًا ورّثوا العلم، فمن
أخذه أخذ بحظًّ وافرٍ)(١).
وقد علما أن هذا الذي أنعم الله به عليهما
من العلم هو أفضل ما ينعم به على إنسان؛
لذلك فقد حمد الله على أن فضّلهما بهذا
العلم على كثير من عباده المؤمنين الذين
ليسوا بأنبياء.
٣. نعمة هداية التوفيق ومن ثم إلى
الجنة.
بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، ويتنعموا
فيها بسلامة الصدر من العلل التي كان
يتنغص بها عموم المؤمنين بحكم طبيعتهم
(١) أخرجه أبو داود في سننه، کتاب العلم، باب
الحث على طلب العلم، ٣/ ٣١٧، رقم
٣٦٤١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
١٠٧٩/٢، رقم ٦٢٩٢.
١٠٢
صَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
القرآن الكريم