Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحكمة
ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(القرآن حكمة، فمن تعلم القرآن في شبيبته
خلط بلحمه ودمه، ألا وإن النار لا تمس
قلبًا وعى القرآن، ولا جسدًا اجتنب محارمه
وأحل حلاله وآمن بمحكمه ووقف عند
متشابهه ولم يبتدع فيه)(١).
وخلاصة ما یمکن استنباطه من وصف
القرآن الكريم بالحكمة فيما مر ذكره من
مواضع ما يأتي:
١. أنه وصف بذلك لكونه مستقرا فيه
الحكمة وهي حقائق المعارف وما
يتفرع عليها من الشرائع والعبر
والمواعظ.
٢. أن الحكمة من الصفات السامية التي
يتحلى بها المؤمن، وأن الرجوع إلى
كتاب الله تعالى في كل أمور الإنسان
هو عين الحكمة ومنبع الصواب إذا
فيه الحل لكل ما يشكل عبر العصور
والأزمان.
٣. أن كل ما أتى به الحكماء ويأتون،
وما نطق به البلغاء ينطقون، مرده إلى
كتاب الله تعالى سواء أدركوا ذلك
أم لم يدركوا، وحسبك من آيات الله
(١) أخرجه البيهقي في السنن الصغرى رقم ٩٨٩
كتاب فضائل القرآن، باب التّرغيب في تعلّم
القرآن وتعليمه وتلاوته، وفي شعب الإيمان
رقم ٢٦٩٦ فصل في تنوير موضع القرآن.
تعالی آیات جمعت فأوعت، وبلاغة
للفصحاء أعیت.
www. modoee.com

حرف الحاء
وصف الرسل والصالحين بالحكمة
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
أنّ الحكمة نعمة يؤتيها من يشاء من عباده،
نبيًّا كان أو غير نبي، مع ما أودعه في الرسل
والأنبياء خاصة من صفات فطرية مادية
ومعنوية فاقوا بها غيرهم، وذلك تأهيلًا
لمهتمهم السامية، ورفعًا لمكانتهم، وقد
تقدم الكلام على نعمة إيتاء الحكمة، وما
ورد في تفسير الحكمة في الآية.
ومن خلال تتبع آيات القرآن الكريم يجد
المرء وصفًا من الله تعالى لبعض أنبيائه
ورسله بالحكمة، وكذا بعض الصالحين من
عباده من غير الأنبياء، وهو ما أتناوله في هذا
المبحث على النحو الآتي:
أولًا: الأنبياء والرسل عليهم السلام
والحكمة:
أنعم الله سبحانه وتعالى على جميع
أنبيائه ورسله بنعمة الحكمة بكل جوانبها
في التعلم والتعليم والممارسة والتطبيق، في
الأقوال والأفعال، وهذه سمة جميع الأنبياء
والرسل حتى يستطيعوا أن يقوموا بمهمتهم
التي أو کلها الله تعالی لهم على أكمل وجه،
وحتی تثمر دعوتهم.
والقرآن الكريم يورد مواطن إيتاء الأنبياء
الحكمة على وجوه شتى، بعضها منصوص
عليه بلفظ الحكمة، وبعضها بلفظ الحكم أو
الفهم، أورد منها هنا أقوال من فسّرها بالفهم
والعلم ونحوه من معاني الحكمة.
١. حكمة خليل الرحمن إبراهيم
عليه السلام.
امتن الله تعالى على نبيه أبي الأنبياء
الخليل إبراهيم عليه السلام بنعمة الحكمة،
حيث دعا بذلك سيدنا إبراهيم، فقال كما
جاء في القرآن ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣].
فقد فسرت الحكمة هنا بالعلم والفهم،
كما هو مروي عن مقاتل وغيره، أو: البيان
على الشيء على ما توجبه الحكمة(١)،
وهناك من فسرها بالنبوة(٢).
وفي موطن آخر تشير آية كريمة إلى النعم
التي أنعم الله تعالى بها على آل إبراهيم
عليه السلام ومنها الحكمة، وذلك قوله
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ
وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكَّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
وقد فسر البعض الحكمة هنا بأنها
المعرفة بالدين والفقه فيه(٣).
وهذه الآية تشمل من آل إبراهيم سيدنا
موسی وداود وسليمان علیهم وعلى نبينا
(١) انظر: تفسير مقاتل ٢٦٩/٣، الكشف والبيان،
الثعلبي ٧/ ١٧٠.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٨١/٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٧/٣، زاد
المسير، ابن الجوزي ٤٢١/١.
٥٦
القرآن الكريمِ

الحكمة
الصلاة والسلام(١).
ومن لطائف الآية كما ذكر بعض
المفسرين: ((أن هذا إلزام لليهود بما يعترفون
به ولا ينكرونه وهو مسلّم عندهم، أي:
لیس ما آتینا محمدًا وأصحابه من فضلنا
بأبدع حتى تحسدهم اليهود على ذلك، فهم
يعلمون بما آتينا آل إبراهيم وهم أسلاف
محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء أعمامه،
وفيه حسم لمادة حسدهم واستبعادهم
المبنيّين على توهم عدم استحقاق الحسود
ما أوتیه من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق
الوراثة كابرًا عن كابر، وإجراء الكلام على
سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال
العناية بالأمر))(٢).
٢. حكمة كليم الله موسى عليه
السلام.
أنعم الله على كليمه موسى عليه السلام في بيته له ولابنه سليمان عليه السلام، وقد
بالنجاة من بطش فرعون و کیده، وعاش ما
قدر الله تعالی له في مدین ثم عاد إلى مصر
رسولًا إلى فرعون وملئه، فدار بينهما الحوار
المذکور في سورة الشعراء، الذي ذکر فیه
نبي الله موسى نعم الله تعالى عليها، ومن
بينها الحكمة التي رزق إياها وهو في مقتبل
عمره، قال تعالى: ﴿وَلَنَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَأُسْتَوَىٌ
(١) انظر: السراج المنير، للشربيني ٣١٠/١، فتح
البيان، القنوجي ٣/ ١٥٠.
(٢) فتح البيان، القنوجي ١٤٩/٣-١٥٠.
ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَِمَاً وَكَذَلِكَ نَجْزِىِ الْمُحْسِنِينَ
[القصص: ١٤].
قال محمد بن إسحاق: ((آتاه الله حكمًا
وعلمًا، أي: فقهًا في دينه ودین آبائه وعلمًا
بما في دينه من شرائعه وحدوده))(٣).
وفي قول الله تعالى ﴿فَفَرِرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا
خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[الشعراء: ٢١].
نجد أن الله تعالى قد ذكر الحكمة مع
الرسالة مما يدل على أنهما متغايران، وأن
الحكمة هنا ليس مقصودًا بها الرسالة، بل
المقصود بها العلم والفهم، كما ذكره مقاتل
بن سليمان وتبعه بعض المفسرين (٤).
٣. حكمة نبي الله داود عليه السلام.
نبي الله داود عليه السلام أحد أنبياء بني
إسرائيل جمع الله تعالى له الملك والنبوة
کان داود جنديًّا في جیش طالوت، فامتن
الله تعالى بقتل جالوت ورزقه الله تعالى
بعد ذلك الملك والحكمة، فسار بها في
الناس معلمًا وحاكمًا ومرشدًا.
وجاء النص الصريح على نعمة إيتاء
سيدنا داود الحكمة في موضعين، والحكم
الذي فسر بمعنى الحكم في موضع ثالث
(٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٥٢/٩.
(٤) انظر: تفسير مقاتل ٢٦٠/٣، تفسير
السمرقندي ٥٥٢/٢، زاد المسير، ابن
الجوزي ٣٣٧/٣.
www. modoee.com
٥٧

حرف الحاء
من كتاب الله تعالى:
أولًا: في قصة طالوت وجالوت في
قول الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِنِ اللَّهِ
وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلًا
دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ
اْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
﴾ [البقرة: ٢٥١].
٢٥١
الْعَلَمِينَ
ثانيًا: في قول الله تعالى ﴿فَفَهَّمْنَهَا
سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَسَخَّرْنَا
مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالََّيْرْ وَكُنَّا
فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩].
والقصة مبسوطة في حكمة سيدنا
سليمان عليه السلام.
ثالثًا: قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ، وَءَاتَيْنَهُ
اُلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ اَلْخِطَابِ ﴾ [ص: ٢٠].
والحكمة المذكورة في آية ص فسرها
ابن عباس رضي الله عنهما والقاضي شريح
(١)
بأنها الفهم (١).
وفسرها السدي ومجاهد بأنها النبوة،
وفسرها أبو العالية بأنها العلم بكتاب الله،
وفسرها قتادة بأنها السنة (٢).
وأما فصل الخطاب ففسرت بتفسيرات
عدة منها: أنها الشهود والبينات، وفسرت
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٧٢، تفسیر
السمر قندي ٦٠٥/٢.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٦٢/١٥
بعلم القضاء، وهذا ما روي عن القاضي
شريح وعامر الشعبي وقتادة (٣).
ومنها أنها قوله في الخطبة (أما بعد)،
حيث روي أن أول من قالها سيدنا داود عليه
السلام.
قال ابن الخطيب: ((فصل الخطاب
عبارة عن كونه قادرًا على التعبير على كل
ما يخطر بالبال ویحضر في الخيال، بحيث
لا يخلط شيئًا بشي وبحيث يفصل كلّ مقام
عن ما يخالفه، هذا معنى عامّ يتناول فصل
الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق
وپتناول جميع الأقسام» (٤).
٤. حكمة نبي الله سليمان عليه
السلام.
وصف القرآن نبي الله سليمان عليه
السلام بما يدل على الحكمة معنويًّا لا لفظيًّا
في هذه المواضع منها:
# واقعة الحكم في الغنم التي نفشت في
الحرث:
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ
يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ () فَفَهَّمْنَهَا
سُلَيْمَنَّ وَكُلَّا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا
مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٧٣، اللباب
في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٩٣/١٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٧٣، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ٣٢٥.
٥٨
جوسين
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

الحكمة
[الأنبياء: ٧٨-٧٩].
فَعِلينَ
وهذه الآية واقعة في سياق قصة الغنم
التي نفشت في الحرث، وكان داود عليه
السلام ملكًا نبيًّا يحكم بين الناس فوقعت
هذه النازلة، وکان سلیمان علیه السلام کبیرًا
يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم،
وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر،
فتخاصم إليه رجل له زرع، دخلت حرثه
غنم رجل فأفسدت علیه، فرأى داود دفعها
إلی صاحب الحرث، فخرجا على سليمان،
فشكى صاحب الغنم فجاء سليمان فقال:
يا نبي الله، إني أرى ما هو أرفق بالجميع،
أن يأخذ صاحب الغنم الحرث يقوم عليه
ويصلحه حتى يعود كما كان، ويأخذ
صاحب الحرث الغنم في تلك المدة ينتفع
بمرافقها من لبن وصوف ونسل، فإذا عاد
الحرث إلى حاله، صرف كل مال صاحبه
إليه، فرجعت الغنم إلى ربها والحرث إلى
ربه، فقال داود: وفقت يا بني، وقضى بينهما
بذلك(١).
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٠٦/٦.
الثناء على ذلك، وأثني على أبيه داود عليه
السلام كذلك، وذلك قوله:
سُلَيْمَانَ وَكُلَّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
ويفيد قوله جل شأنه: ﴿فَفَهَّمْنَهَا﴾ أنه
فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من
الشرع، لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا
ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا ﴾ أليق
بالأول من الثاني، كما ترى (٢).
وقدم سليمان في الذكر على داود لتوفر
علمه، وتأخر ذکر داود لتشريفه بذکر کتابه،
وإبرازه في جملة مستقلة له بالذكر ولكتابه،
فما فاته من التقديم اللفظي حصل به
التضعيف من التشريف المعنوي(٣).
وهذه الآية استفاد منها بعض المفسرين
أنّ تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهيم
دلیل علی أنه لم يفهم داود ذلك، ويدل على
ذلك وجوه:
والقصة تدل على أن الحکم کان ﴿وَكُلَا ءانینَاحُگمًا وَعِلْمًا﴾، ذکر ما كانا
بالاجتهاد لا بالوحي، وأنهما عليهما
السلام حكما فيها معًا، كل منهما بحكم
مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما
وقع اختلاف في الحكم، وقد أصاب سیدنا
سليمان عليه السلام في حكمه، واستحق
أولها: أن إشراكه عزّ وجلّ إياهما
جميعًا في الحكم والعلم وغيره؛ حيث
قال: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ﴾، وقال:
مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل
التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في
الآخر على أنه کان مخصوصًا به دون الآخر.
والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذکرت لنا
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٤/ ١٧٠.
(٣) البحر المحيط، أبو حيان ٤١٣/٣.
www. modoee.com
٥٩

حرف الحاء
لنستفيد بها علمًا لم يكن، فلو لم يكن تعلق به حكم من أحكام الشريعة (٢).
سلیمان مخصوصًا بالفهم دون داود، لكان
لا يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم
أنهما قد أوتیا حكمًا وعلمًا، وكانا يحكمان
بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل التخصيص
بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن
مفهما ذلك، والله أعلم.
والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا بمعنى: وكن قريبًا حتى ترى مراجعتهم.
حکم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب بتفهيم
الله إياه وبتوفیقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما
جميعًا العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم،
والتفهيم هو فعل اللّه؛ حيث أضاف ذلك
إلى نفسه(١).
واقعة التثبت في قبول الأخبار:
وذلك في قوله تعالى ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧].
والآية فيها دليل على أن الإمام يجب
عليه قبول عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم
في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم؛ لأن
سليمان عليه السلام لم يعاقب الهدهد حين
اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذرًا؛
لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سلیمان
علیه السلام حبب إليه الجهاد، وقد قبل عمر
رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم
يعاقبه، ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا
واقعة إرسال الكتاب إلى ملكة سبأ،
وذلك في قول الله تعالى: ﴿اَذْهَبِّكِتَِی
هَذَا فَلَقِّهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا
يَرْجِعُونَ﴾ [نمل: ٢٨].
ففي الآية أمر للهدهد بالتولي حسن
أدب ليتنحی حسب ما يتأدب به مع الملوك،
وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع
إليه؛ أي: ألقه وارجع. ﴿فَأَنْظْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
[النمل: ٢٨](٣).
واقعة الإتيان بعرش ملكة سبأ وتغيير
معالمه، واستعراض عظمة الملك
أمامها لاختبارها:
وذلك في قول الله تعالى: ﴿قَالَ تَكْرُوالَهَا
عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾
[النمل: ٤١].
وقوله بعد ذلك بآياتين: ﴿قِيلَ لهَا أَدْخُلِ
الضَّرْحِ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَثَفَتْ عَن سَاقَيْهَاً
قَالَ إِنَّهُ, صَرْحٌ مُمَزَّدٌ مِّن قَوَارِيرُّ قَالَتْ رَبِّ
إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [النمل : ٤٤].
وهذا دليل على إرادة نبي الله سليمان
عليه السلام إبراز نعمة الله تعالى عليه،
وإتيانه من القدرة والملك ما یأتي به بعرشها
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٦/١٣.
(٣) المصدر السابق ١٣ / ١٢٧.
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣٦٢/٧.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
٦٠

الحكمة
في لمح البصر، ثم تنكيره لها بهذه الصورة
لينظر هل تقبل دعوة الهدى أم تعاند؟،
ولقد كانت الأولى حيث هداها الله تعالى
للإيمان.
٥. حكمة نبي الله يوسف عليه
السلام.
ذكر الله تعالى نعمته على نبيه يوسف
عليه السلام وهي إيتاء العلم والحكمة وهو
في مقتبل عمره، فقال جل شأنه: ﴿ وَلَمَّا
بَلَغَ أَشُدَّهُ, ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَكَذَلِكَ نَجْرِى
اَلْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: ٢٢].
فقد فسر الحكم هنا بالحكمة، قال
الزجاج: ﴿مَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي جعلناه
حكيمًا عالمًا، وليس كل عالم حكيمًا،
الحكيم العالم المستعمل علمه، الممتنع من
استعمال ما یجهّل فيه)) (١).
وفسر مجاهد وغيره حكمة سيدنا يوسف
عليه السلام بأنها العلم والفهم أو العقل
والعلم، وذلك قبل أن ينعم الله تعالى عليه
بالنبوة (٢).
وفسرها عبد الرحمن بن زيد بأنها تأويل
الكلام، العلم والحلم، على ما هو معروف
من السورة من أن يوسف عليه السلام كان
أعبر الناس (٣).
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٩٩/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/١٥، الكشف
والبيان، الثعلبي ٥/ ٢٠٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/١٣، تفسير
ویمکن إبراز بعض جوانب حكمة سيدنا
يوسف عليه السلام في العناصر الآتية:
# حكمته عليه السلام في امتناعه عن
المعصية وعدم استجابته لامرأة العزيز،
خوفًا من الله تعالى، وحفظًا لنعمة
التربية التي رباها إياه عزيز مصر.
قال تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن
نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبٍ أَحْسَنَ مَثْوَىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: ٢٣].
وهذا من تمام عصمته، وكمال حكمته
عليه السلام، فقد ترك المعصية خوفًا من
الله تعالى، ثم صيانة للمعروف الذي أسداه
إليه العزيز.
حكمته عليه السلام في اختيار بلية
السجن على بلية الاستجابة لكيد
النساء، لما في الاستجابة لهن من
الوقوع في الفحشاء ومعصية الله تعالى.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفِ عَنِى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
وَأَكْنُ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾ [يوسف: ٣٣].
وهذا من صعب الابتلاء الذي وقع فيه
سيدنا يوسف عليه السلام، كما يفيده كلام
الماوردي: «الاختبار مقرون بالاختیار، ولو
تمنّ العافية بدل ما کان یدعی إلیه لعله كان
يعافى، ولكنه لما قال: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا
ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٠٣.
www. modoee.com
٦١

حرف الحاء
يدعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ طولب بصدق ما قال، ويقال:
إن يوسف عليه السلام نطق من عين التوحيد
حيث قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ
إِلَيْهِنَّ مُنْكُنًا﴾ فقد علم أن نجاته فى أن يصرف
سبحانه البلاء عنه لا بتگلّفه ولا بتجنبه)»(١).
حكمته عليه السلام في دعوة رفقائه
في السجن إلى الله تعالی برفق ولین،
واختيار الوقت المناسب لدعوتهم
حين عرضوا عليه الرؤيا، وذلك في
الآيات (٣٧ -٤٠).
ومن ذلك ما جاء في قول الله تعالى
﴿يَصَحِ السِّجْنِ ◌َ أَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ
اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ
إِلَّ أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّ
أَنَزَّلَ اللَّهُ يَهَا مِنِ سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلََّ لِلّهِ أَمَرَ أَلَّا
تَعْبُدُواْ إِلََّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ٣٩ -٤٠].
وهنا مواعظ وعبر في دعوة سيدنا
يوسف عليه السلام استفاد منها الدعاة
من بعده، فالداعية الحكيم هو من ينتهز
الفرصة السانحة لنشر دعوته، ويتفهم حال
المدعوين ومدى تأهلهم لاستقبال دعوته،
ويحتج عليهم بالبراهين الساطعة، وهذا
باب واسع معروف في منهج الدعوة إلى الله
تعالی.
حكمته عليه السلام في عدم استعجال
(١) لطائف الإشارات، القشيري ١٨٣/٢.
الخروج من السجن حين جاءه رسول
الملك حتی یستبین وجه الحق وتظهر
براءته.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُنِ بِهِ»ٌ فَلَمَّا
جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلَّهُ مَا بَالُ
النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّ يِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
﴾ [يوسف: ٥٠].
ولقد كان عدم استعجال سيدنا يوسف
عليه السلام من العجائب، ولكنه عاد عليه
بالخير العاجل، وهذا عكس ما حصل في
طلب الإمارة، فإن كثيرًا من المفسرين ذكر
أنه لما لم يتعجل في الخروج من السجن،
آتاه العفو سريعًا، ولما طلب الإمارة - مع
کونه أهلا لها، فإنها تأخرت فترة، وكله بقدر
الله تعالی الذي یدبر کل أمر، وقيل: إن سبب
التأخير أنه لم يقل: إن شاء الله(٢).
وقد روى عن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (رحم الله أخي يوسف، لو لبثتُ في
السّجن، ثمّ جاءني الدّاعي لأسرعت)(٣).
قال ابن عادل الدمشقي نقلًا عن ابن
الخطيب: ((وهذا من العجائب؛ لأنه لما تأبى
(٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٣٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١١/٩.
(٣) أخرجه أحمد في الزهد رقم ٤١٩، ص٦٨.
قال السيوطي في الفتح الكبير ٢/ ١٢٥: إنه
من مراسيل الحسن.
وحَسَّنَ العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٤٢٧
بعض طرقه، ونقل عن المناوي تحسين بعض
طرقه كذلك.
جَوَسُولَةُ التقنية
القرآن الكريمِ
٦٢

الحكمة
عن الخروج من السّجن، سهّل الله علیهذلك
على أحسن الوجوه، ولما سارع فى ذكر هذا
الالتماس، أخّر الله ذلك المطلوب عنه،
وهذا يدلّ على أنّ ترك التّصرف والتفويض
إلى الله تعالى أولى))(١).
حکمته عليه السلام في تأويل رؤيا
الملك، وتدبير أمور مصر في سني
المجاعة على غرار تأويله.
قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا
فِي سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَ سَبْعُ عِجَافٌ
وَسَيْعِ سُتْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَعَلِّ أَرْجِعُ
إِلَى اَلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ
سِنِينَ دَأَبَا فَا حَصَدُمْ فَذَرُؤُهُ فِ سُنْبُلِهِ إِلََّ قَلِيلًا
مِمَّا نَّأَكُونَ ) ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ
يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ )
ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامّ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ
يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: ٤٦ -٤٩].
حكمته عليه السلام في طلب الإمارة
حیث لم یکن بمصر حينئذ من هو أهل
لها.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآپنِ
الأَرْضِ إِنی حَفِيظُ عَلیمٌ)﴾ [يوسف: ٥٥].
وفي هذا دليل على جواز أن يخطب
الإنسان عملًا يكون له أهلًا وهو بحقوقه
وشروطه قائم(٢).
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٣٦/١١.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٥٠/٣.
ولا يخالف هذا ما ورد في حدیث عبد
الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال له: (يا عبد الرّحمن بن سمرة،
لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أوتيتها عن مسألةٍ
و کلت إليها، وإن أوتیتها من غير مسألةٍ أعنت
عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها
خیرًا منها، فكفّر عن يمينك وأت الّذي هو
خيرٌ)(٣).
لأن سؤال سيدنا يوسف للإمارة أجاب
عنه العلماء بأجوبة ذكرها الإمام القرطبي:
منها: أن يوسف عليه السلام إنما طلب
الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في
العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى
حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه
فإنه لم يكن هناك غيره.
ومنها: أنه لم يقل: إني حسیب کریم، ولا
قال: إني جمیل ملیح، إنما قال﴿إِ حَفِيظ
عَلِيمٌ﴾ فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب
والجمال على الرغم من توفر الحسب
والنسب والجمال فيه.
ومنها: أنه إنما قال ذلك عند من لا يعرفه
فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب منه، رقم ٦٦٢٢، ومسلم في
صحيحه، كتاب الأيمان، باب: ندب من
حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي
الّذي هو خيرٌ، ويكفّر عن يمينه، رقم ١٦٥٢.
www. modoee.com
٦٣

حرف الحاء
أَتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢].
لأنه لم يكن هنالك غيره(١).
والولاية لا تذم إذا كان المتولي لها يقوم
بما يقدر عليه من إقامة الشرع، وإيصال
الحقوق إلى أهلها، وأنه لا بأس بطلبها إذا
كان أهلًا، وأعظم كفاءة من غيره، وإنما
المذموم إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان
موجودًا من هو أمثل منه أو مثله، أو لم يرد
بها إقامة أمر الله، بل أراد الترؤس والمأكلة
المالية (٢).
ومن لطائف الآية ما يأتي:
أ. ما ذكره ابن عطية أن يوسف عليه
السلام -بحکمته -قد فهم من الملك
أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره
في الملك، فألقى يده في الفصل الذي
تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان
إلى من يجب ووضع الحق على أهله
وعند أهله(٣).
ب. ما ذكره البيضاوي أن فيها دليل على
جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد
لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه
لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٦/٩-٢١٧.
(٢) تيسير اللطيف المنان، السعدي ص ٢٨٢.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥٥/٣.
إلا بالاستظهار به (٤).
ومنها: أنه رأى ذلك فرضًا متعينًا عليه، ج. أن وصف سيدنا يوسف نفسه بأنه
(حفيظ عليم) فيه معان عدة ذكرها
المفسرون؛ منها: أنه حفيظ بتقدير أمور
الخزائن أو البلاد، عليمٌ بساعة الجوع
حين يقع، ومنها: أنه يقصد حفيظ لما
وليتني عليم بجميع ألسن الغرباء الّذين
يأتونك، ومنها: أن المعنى حافظ لما
استودعتني، عالم بما وليتني، ومنها
أنه حافظ للأنساب عالم بالألسن، أي:
اللغات (٥).
د. أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في
نفسه من الصفات الكاملة، من العلم
وغيره، إذا كان في ذلك مصلحة وسلم
من الكذب، ولم يقصد به الرياء، لقول
يوسف عليه السلام هذا (٦).
حكمته عليه السلام في حواره مع إخوته
وهو يذكرهم بما فعلوه معه تلميحًا لا
تصریحًا.
قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُمِيُوسُفَ
وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ ﴾ قَالُواْ أَوِنَّكَ
لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّنَّاً إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصِْرْ فَإِنَّ
اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ أَلْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٦٨/٣
(٥) انظر: تفسير مقاتل ٣٤٠/٢، جامع البيان،
الطبري ١٤٩/١٦.
(٦) تيسير اللطيف المنان، السعدي ص ٢٨٢.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريم
٦٤

الحكمة
٨٩ - ٩٠].
٨. حكمة نبي الله يحيى عليه
· حكمته عليه السلام في تدبير حيلة السلام.
استبقاء أخيه معه، وهي الواردة في قصة
الصاع وإخفائه في الطعام، وما تلى
ذلك من أحداث، وذلك في الآيات (من
٧٠ - ٨٠).
٦. حكمة نبي الله لوط عليه السلام.
﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ
الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ ثَّعْمَلُ الْخَبَتَّبِتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
قَوْمَ سَوٍْ فَسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].
حيث فسر البعض الحكم هنا بالحكمة
والعلم بالله تعالى(١).
٧. حكمة نبي الله عيسى عليه
السلام.
وذلك في قول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ
اُلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةَ وَاَلْإِنْجِيلَ﴾ [آل
عمران: ٤٨].
وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةَ وَالْإِنجِيلٌ﴾
[المائدة: ١١٠].
والحكمة هنا فسرت بأنها ((تعليم العلوم
وتهذيب الأخلاق؛ لأن كمال الإنسان في أن
يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به،
ومجموعهما هو المسمى بالحكمة» (٢).
(١) التفسير المظهري، محمد ثناء الله ٢١٠/٦.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٦/٨.
وذلك في قول الله تعالى: ﴿بَيَحْيَ خُذٍ
اُلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَّيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:
١٢].
فقد فسر مقاتل ومعمر بن راشد وأبو
العالية وغيرهم الحكمة هنا بأنها العلم
والفهم، حيث أعطي الفهم لكتاب الله في
حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال، حتى
روي أنه أوتي الحكمة وهو ابن ثلاث سنين،
و کان لا يلعب مع الصبيان، ويقول: ما للعب
خلقنا(٣).
٩. حكمة عشرة من الأنبياء ورد
ذکرهم إجمالاً.
وهذا ما جاء في آية (وتلك حجتنا)
وما تلاها في سورة الأنعام حيث ذكر الله
تعالى عشرة من الأنبياء هم: نوح وإسحاق
ويعقوب وأيوب وهارون وزكريا وإلياس
وإسماعيل واليسع ويونس.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا
إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْيِدَّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ
رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَّ كُلَّا مَدَيْنَاً وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ
قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوَبَ
(٣) انظر: تفسير مقاتل ٦٢٢/٢، جامع البيان،
الطبري ١٥٥/١٨، تفسير ابن أبي حاتم
١٤٠٠/٧.
www. modoee.com
٦٥

حرف الحاء
وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونٌّ وَكَذَلِكَ نَجْزِی
الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَذَكَرِيَّا وَيَحْبِى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَ
كُلٌ مِّنَ اُلَِّحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ
وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ
﴿ وَمِنْ ءَابَّ ◌ِهِمْ وَذُرِيَّنِهِمْ وَإِخْوَنِهِمٌ وَلَجْنَبَيْتَهُ
وَهَدَيْتَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ذَلِكَ هُدَى
اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ
لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
ءَاتََّهُمُ الْكِتَبَ وَاْشَكْرَ وَالنُّبُوَةُ فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ
فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ ﴾
[الأنعام: ٨٣ - ٨٩].
حیث ذکر من تفسيرات الحکم هنا أنها
((العلم والفقه والفهم)) (١).
١٠ . حكمة خاتم الأنبياء والمرسلين
سيدنا محمد صلی الله عليه وسلم.
وهذا جاء منصوصًا عليه في دعوة سيدنا
إبراهيم عليه السلام، واستجابة الله تعالى
لهذه الدعوة وامتنانه على الناس بإرسال
خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ
رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ
اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ﴾[البقرة: ١٢٩].
فكانت الاستجابة من الله تعالى لدعوة
خليله إبراهيم عليه السلام بأن أرسل نبيه
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٥٦/٤،
مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٩/٢.
محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للإنبياء
والمرسلين، وآتاه ما لم يؤت أحد من
الأنبياء قبله، ویین فضل نبوته على الناس،
فقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا
مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَِنَا وَيُزَكِيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا
لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١].
وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَكَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤](٢).
قال ابن وهب: قلت لمالك: ما الحكمة؟
قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين،
والاتباع له (٣).
وقال ابن زيد: الحكمة: الدين الذي
لا يعرفونه إلا به صلی الله عليه وسلم،
يعلمهم إياها، والحكمة: العقل في الدين،
والحكمة: شيء يجعله الله في القلب، ينور
له به(٤).
(٢) انظر: معجم الأعلام والموضوعات في
القرآن، عبدالصبور مرزوق ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٧/٣.
(٤) انظر: المصدر السابق.
٦٦
جوبيبو
القرآن الكريم

الحكمة
ثانيًا: الصالحون والحكمة:
أنعم الله تعالى على بعض عباده
الصالحين بالحكمة، ويعد لقمان عليه
السلام أشهر حكيم عبر تاريخ البشرية،
حيث نص القرآن الكريم صراحة على إتيان
الله تعالى الحكمة له كنعمة من النعم التي
يؤتيها الله تعالى من يشاء من عباده، فقال
جلٍ شأنه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ
لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ
فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢].
والحكمة الواردة في الآية جاء في
تفسيرها عن مجاهد وقتادة وغيرهما أنها
((الفقه والعقل والإصابة في القول في غير
نبوّةٍ))(١).
ولا مجال للحديث هنا عن صفة لقمان
عليه السلام ونسبه والزمن الذي عاش فيه،
فالذي يعنينا هنا حكمته التي صرح بها القرآن
الكريم والتي تعددت جوانبها على حد قول
بعض المفسرين: ((وحكمة لقمان ماثورة فى
أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقربة
للخفيات بأحسن الأمثال، وقد عني بها أهل
التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في
هذه السورة، وذكر منها مالك في ((الموطأ))
بلاغين في كتاب ((الجامع)) وذكر حكمة له
في كتاب ((جامع العتبية)) وذكر منها أحمد
بن حنبل في ((مسنده)) ولا نعرف كتابًا جمع
(١) انظر: المصدر السابق ١٣٤/٢٠.
حكمة لقمان»(٢).
وقد وردت آثار كثيرة عن حكمة لقمان
وصفتها وكيف استعملها، وطائفة منها
أقوالًا وأفعالًا، ما لا يتسع المقام هنا لذكره
تفصيلا، ویکفي إیراد بعضه.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذکر
لقمان الحكيم فقال: ((ما أوتي ما أوتي عن
أهل، ولا مال، ولا حسب ولا خصال،
ولكنه كان رجلاً صمصامة(٣) سكيتًا، طويل
التفكير عميق النظر، لم ينم نهارًا قط ولم
يره أحد يبزق ولا يتنحنح ولا يبول ولا
يتغوط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك،
كان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة
یستعیدها إياه و کان قد تزوج وولد له أولاد
فماتوا فلم یبك علیهم، وكان يغشى السلطان
ويأتي الحكماء لينظر ویتفکر ويعتبر، فبذلك
أوتي ما أوتي)) (٤).
وهل حكمة لقمان فطرية أم مكتسبة؟
الذي نص عليه القرآن الكريم أن حكمة
لقمان عليه السلام هي نعمة أنعم الله تعالى
علیه بها، ولكن هذا لا يمنع أن من تمام نعمة
الله تعالى عليه أن يوفقه لاكتساب شيء من
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ١٥٠.
(٣) الصمصامة: اسم للسيف القاطع، وللرجل
القوي.
(٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٩٨/٩
رقم ١٧٥٣٧، الدر المنثور، السيوطي
٥١٢/٦-٥١٣.
www. modoee.com
٦٧

حرف الحاء
الحكمة من خلال التجارب والأحوال، ثالثًا: معالم الحكمة عند الأنبياء
والصالحين:
والتمسك بالطاعات والبعد عن المعاصي،
ويكون هذا من إيتاء الحكمة بإيتاء أسباب
نیلها.
يؤيد هذا ما روي أن لقمان عليه السلام
قيل له: ((بم نلت هذه الحكم، وقد كنت
راعيًا؟ فقال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة،
وترك ما لا يعنيني))(١).
وروي أيضًا عنه قوله: ((إنّي تعلّمت
الحكمة من الحمقى، والأدب ممّن
ليس له أدبٌّ فإنّي كلّما رأيت منهم فعلًا
مخالفًا لطبعي وقبيحًا في منظري تعوّدت
المخالفة)) (٢).
وحكي عنه أنّه قال: إنّي تعلّمت الحكمة
من العميان، فإنّهم لا يضعون أقدامهم قبل
الفحص، فإنّ وجدوا فيه تمكينًا يضعون
ويمشون، وإلّا فيتركون ويطلبون جهةً
أخرى فيها تمكينٌ؛ فلذا لا أفعل شيئًا بلا
تأمّل ما فيه، وفي عاقبته(٣).
(١) أخرجه الإمام أحمد فى الزهد ص ٤٩،
والطبري في تفسيره ٢١/ ٦٧، وابن أبى
شيبة في مصنفه رقم ٧٣٤٢٥/ ٧٤، باب كلام
لقمان عليه السلام.
(٢) انظر: بريقة محمودية في شرح طريقة
محمدية، الخادمي ٢/ ٢٩٤.
(٣) انظر: المصدر السابق ٦٥/٣.
من خلال ما تقدم ذكره في المبحث
السابق يمكن هنا إجمال معالم الحكمة عند
الأنبياء الصالحين على النحو الآتي:
١. من معالم الحكمة عند الأنبياء:
١. مخاطبة الأنبياء أممهم على قدر
عقولهم، ومراعاة مقتضى أحوالهم
على اختلاف أقدارهم وأعمارهم.
٢. الترفق واللين في مخاطبة الولاة
المعاندين ومحاورتهم، ومجادلتهم
بالتي هي أحسن، ومن أمثلة ذلك حوار
سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمروذ،
وحوار موسى عليه السلام مع فرعون
في سورة الشعراء وغيرها من السور.
٣. اللين في مخاطبة الأهل والأقارب
كالوالدين والأبناء، والحرص على
استجابتهم للدعوة إنقاذًا لهم من النار،
ومن أمثلة ذلك حوار سيدنا نوح مع ابنه
في سورة هود وحوار سيدنا إبراهيم
عليه السلام مع أبيه في سورة مريم.
٤. استعمال الحجج القوية، والبراهين
الظاهرة في دعوة الأنبياء لقومهم،
لإقامة الحجة عليهم وإقناعهم باتباع
الأنبياء، وذلك واضح في حوارات
جميع الأنبياء والتي ورد طرف منها في
٦٨
فَضْو
جوبيه
القرآن الكريم

الحكمة
سور الأعراف وهود والشعراء.
٥. تباين أساليب الأنبياء والمرسلين
في دعوة أتباعهم، واختيار كل نبي
ما يناسب قومه من الطرق، وإن كان
الجميع يتفقون على جعل الحكمة
أساسًا واضحًا، من أسس الدعوة،
وطريقًا من طرقها.
٢. معالم الحكمة عند الصالحين:
١. استعمال الحكماء الصالحين الحكمة
فيما وضعت له من إرشاد الناس
وتعليمهم بالقول والفعل، وذلك من
باب شکر المنعم جل وعلا.
٢. سير الحكماء الصالحين في الناس
بالحسنی، بحیث لا یرتکبوا قبيحًا من
الأفعال، ولا يصدر عنهم خبيئًا من
الأقوال تؤثر عنهم.
٣. حرص الحكماء من الدعاة المخلصين
على مخاطبة الناس على قدر عقولهم،
ومراعاة أحوالهم، وضبط ذلك
الخطاب بضابط الحكمة، ويفعله بما
يناسب ظروف وأحوال المخاطبین،
وسير السلف الصالح في هذا الشأن
کثيرة ناصعة البياض .
مجالات الحكمة
الحكمة مطلوبة في كل شيء قولًا
وعملًا، وأي مجال تدخله الحكمة يكون
صالحًا، ویکتب له النجاح والفلاح، وهذه
أبرز مجالات الحاجة إلى الحكمة:
أولًا: الحكمة في الدعوة إلى الله
تعالى:
الدعوة إلى الله تعالى من المهام السامية،
حيث إنها في المقام الأول وظيفة الإنبياء
والرسل، ثم وظيفة فئة من أتباعهم وهم
العلماء والمصلحون، وإمامهم في هذا سيد
الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي
نزل عليه قول الله تعالى: ﴿ آُدْعُ إِلَى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم
بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن
سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وقد فسرت الحكمة هنا بأنها كتاب الله
تعالى، والموعظة الحسنة، هي العبر التي
هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات
في كتابه، وفسرت الحكمة أيضًا بأنها النبوة،
والموعظة بأنها القرآن (١).
وفسر الرازي (الحكمة) بالمقالة
المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
٢٢٣/٣، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن
أبي طالب ٦/ ٤١١٥.
www. modoee.com
٦٩

حرف الحاء
للحق المزيل للشبهة و((الموعظة الحسنة))، والأهواء، والعقل والذكاء، والشدة واللين،
وبناء عليه فإنه من مقومات الحكمة أن يعي
وهي التي لا یخفی علیھم أنك تناصحهم بها
وتقصد ما ينفعهم فيها(١).
الداعية ذلك جيدا حتى تثمر دعوته وتؤتي
أكلها (٣).
ويمكن القول بأن الحكمة في الدعوة
تكون بوضع الدعوة في موضعها، ومخاطبة
کل واحد بما يناسب حاله ویلیق به، إذ إن
هذا أقرب لحصول المقصود منه، ولا
شك أن الحكمة في الدعوة لها أهمية
كبيرة، وذلك لأن ((الحكمة إذا اقترنت
بالدعوة فإنها تقوي الأمل واليقين، وترتفع
بالمدعوين إلى مستوى الشعور بالمسئولية
والتكليف، وإذا ما تأكد فيها هذا الشعور
فسوف تتغير طباعهم وتعتدل مسالكهم
ويصح توجيههم، فحق على الداعي إلى الله
أن يعمل على إيقاظ هذا الشعور بالتي هي
أحسن))(٢).
أساليب الحكمة في الدعوة إلى الله
تعالى:
من أبرز مقومات الحكمة في الدعوة إلى
الله تعالى ما يلي:
١. معرفة طبائع الناس، وطبقات
المدعوين.
وذلك لأن الناس ليسوا جميعًا على
شاكلة واحدة، بل هم مختلفون في الميول
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٦٤٤.
(٢) انظر: مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله،
صالح الحميد ص٤.
ويؤيد ذلك قول ابن مسعود رضي الله
عنه «ما أنت بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه
عقولهم، إلّا كان لبعضهم فتنةً» (٤).
وقول علي رضي الله عنه ((حدّثوا
النّاس، بما يعرفون أتحبّون أن يكذّب اللّه
ورسوله»(٥).
ودلالتهما واضحة على ضرورة مراعاة
حال المدعو، حتى لا تؤدي الدعوة إلى فتنة
أو نسبة الكذب لله تعالى أو لرسوله صلى
الله عليه وسلم.
٢. النظر في الظروف الزمانية والمكانية.
من حكمة الداعية تخير الأوقات وانتهاز
المناسبات، بحيث تقع دعوته في الموقع
الصحيح، وهذا معلم كبير ومؤثر من معالم
الحكمة وتلمسها، فلا يلقي المرء موعظته
إلا في مكان مناسب، وفي وقت يحسن
الإلقاء فيه، أما إذا كان المكان والزمان غير
مناسبین، أو كان الناس عنه منصرفين، وعن
(٣) انظر: المصدر السابق ص٢٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، في المقدمة
١١/١.
(٥) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب العلم، باب
من خصّ بالعلم قومًا دون قومٍ، كراهية أن لا
يفهموا.
جَوَسُولَهُ النفسية
القرآن الكريمِ
٧٠

الحكمة
حديثه غير راغبين فلا يتلكم(١).
ويقول طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك
ويؤيد هذا حديث ابن مسعود رضي الله رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة
عنه قال:(کان النّبيّ صلی الله عليه وسلم
(يتخوّلنا بالموعظة في الأيام، كراهة السّآمة
علينا)(٢).
وفي رواية للبخاري: عن أبي وائل، قال:
كان عبد اللّه يذكّر النّاس في كلّ خميسٍ،
فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرّحمن لوددت
أنّك ذكّرتنا كلّ يوم؟ قال: أما إنّه يمنعني
من ذلك أنّي أكره أنّ أمّكم، وإنّي أتخوّلكم
بالموعظة، كما كان النّبيّ صلّى الله عليه
وسلّم يتخوّلنا بها، مخافة السّآمة علينا»(٣).
٣. التلطف في الدعوة بالقول الحسن
والأسلوب اللین.
القول الحسن إذا أحكم صاحب الدعوة
قوله وسدد لفظه، وألان جانبه للناس فقد
أوتي من الحكمة بابًا عظيمًا، يقول الله عز
وجل: ﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
(١) انظر: مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله،
الحميد ص٣١، أدب الموعظة، محمد بن
إبراهيم الحمد ص٣٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب ما كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم
يتخوّلهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا
رقم ٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب صفات
المنافقين وأحكامهم، باب الاقتصاد في
الموعظة رقم ٢٨٢١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة،
رقم ٧٠.
وأنا رجل في حدة، فأقول لهم بعض القول
الغليظ؟ فقال: لا تفعل. يقول الله تعالى:
﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود
والنصارى فكيف بالحنيفي
(٤)
٠
وإذا كان المدعو ذا قرابة أو ولاية أو
سلطة أو سطوة على الداعية، فينبغي أن
يترفق الداعية به، والأمثلة في هذا القرآن
منها دعوة سيدنا إبراهيم لأبيه والتي وردت
مبسوطة في قول الله تعالى: ﴿وَاذگُرْ فِ
الْكِتَبِ إِبْرَهِيمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقَائِّيًّا إِذْقَالَ لِأَبِهِ
يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ
شَيْئًا يَأَبَتِ إِنِّيِ قَدْ جَاءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ
يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا يَأَبَتِ لَا
تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)
يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا (٥﴾[مريم: ٤١ -٤٥].
والآيات واضحة الدلالة على مدى
حكمة سيدنا إبراهيم عليه السلام واستعماله
التلطف والتودد مع أبيه في الحوار على
الرغم من عناد الأب وكفره، ومع ذلك
فقد حفظ خليل الرحمن لأبيه مودة الأبوة
ومکانتھا، ولم یأل جهدًا في دعوته، بل
والاستغفار له.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٦.
www. modoee.com
٧١

حرف الحاء
ومنها دعوة موسى وهارون عليه السلام
لعدو الله فرعون، حيث أمرهما القول
بالقول اللين في قول الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ.
قَوْلاً لَِّنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
والقصد من القول اللين ومعناه أمور
عدة، منها: أن لا یبقی له حجة، ولا يقبل
له معذرة، ومنها: أن ذلك لرعاية حقّ تربية
فرعون لموسى فالوالد أولى بالرّفق (١).
ومن أحكام الآية الكريمة -كما ذكره
الإمام القرطبي- أنها ((دليل على جواز
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن
ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة،
وضمنت له العصمة، ألا تراه قال: ﴿فَقُولَا لَهُ.
قَوْلَا لَّيْنَا﴾ [طه: ٤٤].
وقال: ﴿ قَالَ لَا تَخَافَاْ إِنَِّى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
فکیف بنا فنحن أولى بذلك. وحينئذ
يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبة، ويظفر
بمطلوبه، وهذا واضح»(٢).
ثانيًا: الحكمة في التعليم:
التعليم من المواطن التي تتطلب قدرًا
كبيرًا من الحكمة، وذلك لأنه مهمة تنتقل
بالمرء من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم،
وكلا المرحلتين يختلف عن الآخر، فيتطلب
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٨/ ٢٣٤، نظم الدرر، البقاعي ١٢ / ٢٩٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٩٩/١١.
لكل حالة حكمتها، والتعليم لا يستغني عنه
المجتمع بكل فئاته، ولهذا يستلزم الأمر أن
يكون المعلّم على قدر كبير من الحكمة التي
تعينه على اداء مهمته.
ولو رجعنا إلى كتاب الله تعالی لوجدنا
أمثلة كثيرة تبرهن على الحكمة في التعليم
والتعلم، ومن ذلك قصة موسى والخضر.
وهذه القصة تفيض عبرًا وعظات فيما
یتعلق بشأن التعلیم وغيره.
والقصة اشتملت كما هو معروف على
الآيات (٦٠-٨٢) من سورة الكهف.
ومن ملامح الحكمة في القصة ما يأتي:
أنّ الخضر كان يبني أحكامه على
الحقائق والأسرار، حيث ذكر مبررات
فعله بعد فراغه منها جميعًا(٣).
أنه استعمل الحكمة في كل أموره،
حيث ((أسند الإرادة في قوله: ﴿فَأَرَدُ
أَنْ أَعِبَهَا﴾ إلى نفسه لأنه المباشر
للتعييب، وثانيًا في قوله: ﴿فَرَدْنَآَ﴾
إلى الله وإلى نفسه، لأنّ التبديل بإهلاك
الغلام وإيجاد الله تعالى بدله، وثالثًا
في قوله: ﴿فَرَادَرَبُّكَ ﴾ إلى الله وحده
لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامین، أو
لأن الأول في نفسه شرّ والثالث خير
والثاني ممتزج، أو لأنه لما ذكر العيب
أضافه إلى إرادة نفسه، ولما ذكر القتل
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٢٠٢.
٧٢
جومبو
القرآن الكريم

الحكمة
عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهًا على
أنه من العظماء في علوم الحكمة، فلم
يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية،
ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل
صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى لأنّ
التكفل بصلاح الأبناء لرعاية حق الآباء
ليس إلا لله تعالى))(١).
أنّ الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره
على الحقائق لا على الظاهر، فإذا رأیت
ما یکرهه طبعك وینفر عنه عقلك فاعلم
أن تحته أسرارًا خفية وحكمًا بالغة، وأن
حکمته ورحمته اقتضت ذلك(٢).
ومن ملامح الحكمة في التعليم كذلك
ما يأتي:
أن لا يشق المعلم أو الفقيه على الناس
في الأحكام ويخفف على نفسه، فقد
قال رویم: ((من حكم الحكيم أن يوسع
على إخوانه في الأحكام ويضيق على
نفسه فيها؛ فإن التوسعة عليهم اتباع
العلم والتضييق على نفسه من حكم
الورع»(٣).
٤ مخاطبة الناس على قدر عقولهم،
(فالواجب على الحكيم والعالم
التحرير أن يقتدي بالنبي صلى الله
عليه وسلم فيما قال وما فعل، فقد كان
(١) السراج المنير، الشربيني ٣٩٩/٢.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١ / ٢٠٢.
(٣) الرسالة القشيرية، ١/ ٨٥.
عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس
على قدر عقولهم، ومواقفه في ذلك لا
تحصى.
ويؤيد ذلك ما تقدم ذكره من قول ابن
مسعود رضي الله عنه: ((ما أنت بمحدّثٍ
قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلّا كان
لبعضهم فتنةً» (٤).
وقيل لبعض الحكماء: ((ما بالك لا تطلع
أحدًا على حكمة يطلبها منك، فقال: اقتداءً
بالباري جلّ وعلا حيث قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ
اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَهُم
◌ُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]))(٥).
ثالثًا: الحكمة في التعامل مع الخلق:
يتطلب التعامل مع الناس قدرًا من
الحكمة تناسب كل إنسان، وتناسب كل
موقف من المواقف، ومن أبرز ملامح
الحكمة في التعامل مع الناس حسن الخلق
معهم.
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿وَقُولُو ◌ْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وفي معنى الحسن هنا أقوال طيبة
للمفسرين، منها: قول الحسن أن المراد
به: لين القول، من الأدب الحسن الجميل
والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه،
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
(٥) انظر: الذريعة إلى مكارم الشريعة، الأصفهاني
ص١٨٠.
www. modoee.com
٧٣

حرف الحاء
ومنها: قول أبي العالية: إنه المعروف،
ومنها: قول الماوردي: إن المعنى: خالقوا
الناس بخلق حسن (١).
ولا مانع من إرادة كل تلك المعاني،
وذلك لأن الحسن يشملها جميعًا، والناس
يرضيها حسن التعامل، ويتأتى بمعاملة
الناس ما لا يتأتى غيرها.
وفي حديث أبي ذرِّ الغفاري رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (اتّق الله حيثما كنت، وأتبع
السيئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلقٍ
حسن)(٢).
قال الأحوذي في معنى (وخالق النّاس
بخلقٍ حسنٍ): ((أي: تكلف معاشرتهم
بالمجاملة في المعاملة، وغيرها من نحو
طلاقة وجه، وخفض جانب، وتلطف
وإيناس، وبذل ندى، وتحمل أذى، فإن
فاعل ذلك یرجی له في الدنيا الفلاح، وفي
الآخرة الفوز بالنجاة والنجاح))(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٦/٢، النكت
والعيون، الماوردي ١٥٤/١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، حديث أبي
ذر الغفاري، ٢٨٤/٣٥، رقم ٢١٣٥٤،
والترمذي في كتاب البر، باب معاشرة الناس،
رقم ١٩٨٧.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي،
المباركفوري ٦/ ١٠٤.
آثار الحكمة
الحكمة سمة من سمات الأنبياء
والصالحين والعلماء العاملين، وهي نعمة
من الله تعالى يؤتيها من يشاء، وتحقق للمرء
فوائد وتعود عليه بآثار طيبة أبرزها ما يأتي:
١. تحصيل الخير الكثير.
أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن من
رزق الحكمة فقد رزق خيرًا كثيرًا، فقال
جل شأنه: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَدَّةٌ وَمَن
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرَأُ وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
والخير الكثير مفسر لدى العلماء تبعًا
لتفسيرهم للحكمة، فمن رأى أنها القرآن
فسّر الخير الكثير بما يترتب على حفظ
القرآن وفهمه من علوم ومعارف، وكذا من
فسرها بالنبوة أو فسرها بالسنة على نحو ما
تقدم ذكره في معاني الحكمة، ومهما أوتي
المرء من الحكمة ومن العلوم والمعارف
فهو وإن کان کثیرًا في مقاييس البشر لكنه
قلیل إذا نظرنا إلى علم الله تعالی.
وقد روي في هذا الشأن عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال: «قالت اليهود:
يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي
كتابك: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا
كَثِيرًاً﴾ [البقرة: ٢٦٩].
ثمّ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
جَوَسُوعَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٧٤