Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
٧
S
الجـ
عناصر الموضوع
مفهوم الحكم
٨
الحكم في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
أنواع الحكم
١٢
الحكم لله في الدنيا والآخرة
١٥
موانع الحكم بالعدل
٢٣
موقف الناس من الحكم بالعدل
٢٨
٣٠
أثر تحكيم الشريعة على المجتمع
المُجَلَّدَ الثَّالِثْ عَشَر

حرف الحاء
مفهوم الحكم
أولًا: المعنى اللغوي:
مشتق من حکم یحکم حکمًا، حکم مفرد وجمعها أحکام، والحكم هو المنع، يقال:
حكمت الرجل أي: منعته، وسمي الحاكم بهذا الاسم؛ لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكم
هو القضاء والفصل بين المتخاصمين بالعدل، وسميت الحكمة بهذا الاسم؛ لأنها تبنى على
العلم الذي يمنع من الوقوع في الجهل (١).
ثانيًا: الحكم اصطلاحًا:
قال أحمد المراغي: ((الحكم هو العلم بالخير والعمل به))(٢).
قال القشيري: ((هو إحكام الفعل على وجه الأمر)) (٣).
قال الجرجاني: ((إسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا)) (٤).
وقيل: ((هو القضاء بالشيء بأنّه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه)»(٥).
وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن تعريف الحكم بأنه: هو العلم بالخبر والعمل به على
وجه الإلزام والأمر.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ إذكل منهما ينبني عن العلم والإلزام.
(١) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٥٦٤/١، تهذيب اللغة، الأزهري ٦٩/٤، مختار الصحاح، الرازي،
ص٧٨، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/ ٥٣٩.
(٢) تفسير المراغي ١٩/ ٧٣.
(٣) تفسير لطائف الإشارات ٤٢٢/٢.
(٤) التعريفات، ص٩٢.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٢٦.
٨
جَوَنُو
القرآن الكريم

الحكم
الحكم في الاستعمال القرآني
ورد ذكر (الحكم) في القرآن الكريم (٨٦) مرة (١).
والصيغ التي جاءت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ
٤٨ [غافر: ٤٨]
حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ®
الفعل المضارع
٣٩
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدٌ ﴾ [المائدة: ١]
﴿قَلَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ وَرَبَّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
[الأنبياء: ١١٢]
١١٢
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ
يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
(٤٣)﴾ [المائدة: ٤٣]
اسم التفضيل
٢
أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعَكَمِ الْحَكِمِينَ ﴾ [التين:٨]
وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ
اسم الفاعل
٥
﴾ [يونس: ١٠٩]
الاسم
٤
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ،
وَحَكَمَا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]
وجاء (الحكم) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: القضاء (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢١٢ - ٢١٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤٨.
٩
www. modoee.com
٣٠
المصدر
٧
فعل الأمر

حرف الحاء
الألفاظ ذات الصلة
القضاء:
١
القضاء لغةً:
من قضى يقضي قضاءً، وهو الحكم والأمر، يقال: قضى بين الخصمين أي: حكم بينهما،
وأمر بالحق لصاحبه (١).
القضاء اصطلاحًا:
((هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات))(٢).
الفرق بين الحكم والقضاء:
القضاء يقتضي فصل الأمر على التمام، أما الحكم فيقتضي المنع من الخصومة (٣).
الفصل:
٢
الفصل لغة:
الفصل أي: القطع، يقال: قطعه فانقطع أي: فصل بين أجزائه، والفصل مفرد وجمعها
فصول، والفاصل هو الحاجز بين الشيئين، والفصل في القضاء هو التفريق بين الحق
والباطل (٤).
الفصل اصطلاحًا:
هو التمييز بين المحق والمبطل بعلامة يعرف بواسطتها كل واحد منهما(٥).
الصلة بين الحكم و الفصل:
الحكم يقتضي المنع من الخصومة، أما الفصل فيقتضي التمييز بين أجزاء الشيء الواحد
للتفريق بينهما.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٢٥٥.
(٢) مختصر الفقه الإسلامي، التويجري ص ١٠٠١.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ١/ ١٩٠.
(٤) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣٢٩/٨، مختار الصحاح، الرازي ص ٢٤٠.
(٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٢٤/٣، تفسير الشعراوي، ١٠٥٢/٢.
١٠
جوببيو
القرآن الكريم

الحكم
الشهادة:
٣
الشهادة لغةً:
الشهادة من شهد يشهد شهادة، وهي الإخبار، والشهادة مصدر، وهي مفرد وجمعها
شهادات، والشاهد هو معطي الخبر (١).
الشهادة اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((هي إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على
آخر)»(٢).
الصلة بين الحكم والشهادة:
الحكم هو إلزام المتخاصمين بالحق لمنع استمرار الخصومة بينهما، أما الشهادة فهي
إفادة الحاكم بالأخبار التي تظهر له الحق، ومن ثمّ فإن الشهادة هي البيئة التي يستند إليها
الحاكم لمنع الخصومات.
الحيف:
٤
الحیف لغةً:
من حاف يحيف حيفًا، وهو الميل والجور(٣).
الحيف اصطلاحًا:
هو الميل عن الحقّ في الحكم(٤).
الصلة بين الحكم والحيف:
الحكم الأصل فيه العدل وإعطاء الحق إلى صاحبه، أما الحيف فيه ظلم وجور.
(١) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٥١٤، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٢٤١/٢.
(٢) التعريفات، ص١٢٩.
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٣/ ٤٥٠.
(٤) انظر: متخير الألفاظ، ابن فارس ص ١٨٤.
www. modoee.com

حرف الحاء
أنواع الحكم
إن الحکم في دین الله نوعان رئیسان،
وهي الحكم الشرعي والحكم القدري،
وهما كما يأتي:
أولًا: الحكم الشرعي:
١. تعريف الحكم الشرعي.
((هو ما دل عليه خطاب الشرع المتعلق
بأفعال المكلفين من طلب فعل، أو ترك، أو
تخییر، أو وضع)»(١).
٢. أنواع الحكم الشرعي.
الحكم الشرعي نوعان: تكليفي،
ووضعي.
١. الحكم التكليفي: ((هو خطاب الله
المتعلق بأفعال المكلفين على جهة
الطلب أو التخيير))(٢).
٢. الحكم الوضعي: ((هو خطاب الله
المتعلق بجعل الشيء سببًا للشيء، أو
شرطًا له، أو مانعًا منه، أو صحيحًا، أو
فاسدًا))(٣).
٣. أقسام الحكم التكليفي.
الإيجاب:
(١) موسوعة الفقه الإسلامي، محمد التويجري
٢٦٥/٢.
(٢) الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل
القرفشاوي وآخرون، ص ٢٠.
(٣) المصدر السابق، ص٢٣.
الإيجاب لغة: الإلزام(٤).
الإيجاب اصطلاحًا: هو خطاب الله
تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل
اللزوم والحتمية؛ بحيث يثاب الفاعل
ويعاقب التارك (٥).
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ويفهم من هذا النص القرآني أنّ مقيم
الصلاة مثاب، وتاركها آثم، وكذلك الأمر
بالنسبة لكلٍّ من الزكاة، والركوع في الصلاة،
لاسيما أنّ كلَّا من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة
من أركان الإسلام.
• الندب:
الندب لغة: الحث والدعاء(٦).
الندب اصطلاحًا: هو خطاب الله
تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل
الاستحباب، لا على سبيل الحتمية(٧).
يَتَأيَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مثاله: قوله تعالى:
إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِلْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاِبُ
أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ
(٤) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي
وحامد قنيبي، ص٩٨.
(٥) انظر: قواطع الأدلة في الأصول، أبو المظفر
التميمي ١ / ٦٤.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٥٤/١.
(٧) انظر: بيان المختصر، أبو القاسم الأصفهاني
٦٨/٢.
جَوَّسُورَةُ الـ
القرآن الكريمِ
١٢

الحكم
شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْضَعِيفًا
أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فأمر الله تعالى هنا للندب، فإن كتب
الدين فهذا حسن، وإن لم يكتب فلا إثم (١).
الإباحة:
(٢)
الإباحة لغة: الإطلاق والتحليل
الإباحة اصطلاحًا: هو الخطاب الذي
خيّر الشارع فيه المكلف بين الفعل والترك،
دون ترتّب ثواب أو عقاب(٣).
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾
[المائدة: ٢].
والأمر بالصيد هنا يفيد الإباحة بعد
التحريم؛ لزوال السبب الذي حرّم الصيد
من أجله، وهو الإحرام(٤).
التحريم:
التحريم لغة: المنع(٥).
التحريم اصطلاحًا: هو خطاب الله
تعالى المتعلق بطلب الترك على سبيل
اللزوم والحتمية، بحيث يثاب التارك،
(١) انظر: الوسيط، الواحدي ١/ ٤٠١.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
بالقاهرة، ص٧٥.
(٣) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة
الأوقاف، الكويت ٣٧٦/٢.
(٤) انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام،
محمد صدیق خان ص٢٢٨.
(٥) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد
مختار ١ /٤٨١.
ويعاقب الفاعل (٦).
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ
اَلْيَنِمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٌ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
فهذه الآية تفيد حرمة التعدي على مال
اليتيم بأي صورة من صور التعدي(٧).
* الكراهة:
الكراهة لغة: القبح والبغض
(٨)
٠
الكراهة اصطلاحًا: هو خطاب الله تعالى
المتعلق بطلب الترك على سبيل التنفير، لا
على سبيل الحتمية(٩).
مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
قبل أن یجلس)(١٠).
وفي رواية أخرى: عن أبي قتادة صاحب
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
دخلت المسجد ورسول الله صلّى الله
عليه وسلّم جالسٌ بين ظهراني النّاس، قال:
فجلست، فقال رسول الله صلّى الله عليه
(٦) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة
الأوقاف، الكويت ٣١٩/١٧.
(٧) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس
ص٢٢٧.
(٨) انظر:
العربية
اللغة
معجم
المعاصرة، أحمد مختار ١٩٢٤/٣.
(٩) انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل
القرفشاوي وآخرون ص ٢٠.
(١٠) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
قبل أن يجلس، ١ / ٩٦، رقم ٤٤٤.
www. modoee.com
١٣

حرف الحاء
وسلّم: (ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن شرطًا بحيث يتوقف وجود الحكم على
وجود الشرط، ويلزم من عدم وجود الشرط
عدم وجود الحكم(٥).
تجلس؟) قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك
جالسًا والنّاس جلوسٌ، قال: (فإذا دخل
أحدكم المسجد، فلا يجلس حتّى يركع
رکعتین)(١).
٤. أقسام الحكم الوضعي.
١. السببية.
السببية لغة: العلاقة التي تكون بين
السبب والمسبب (٢).
السببية اصطلاحًا: هو ما جعله الشارع
علامة على مسبّه، بحيث يلزم من وجود
السبب وجود المسبب، ومن عدم وجود
السبب عدم وجود المسبب (٣).
مثاله: جعل الدلوك سببًا لإيجاب
الصلاة، قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اَلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
٢. الشرطية.
الشرطية لغة: من الشرط، وهي إلزام
الشيء والتزامه (٤).
الشرطية اصطلاحًا: هي ما اعتبره الشرع
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية
المسجد بركعتين، ١ /٤٩٥، رقم ٧١٤.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد
مختار ٢/ ١٠٢٢.
(٣) انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف،
ص ١١٧.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤٠٤/١٩.
مثاله: جعل الطهارة شرطًا لصحة
الصلاة.
٣. المانعية.
المانعية لغة: من منع يمنع منعًا، والمنع
هو تحجير الشيء، وهو ضد الإعطاء (٦).
المانعية اصطلاحًا: هي ما اعتبره الشرع
وصف يلزم من وجوده عدم وجود متعلقه،
ولا يلزم من عدم وجوده وجود متعلقه أو
عدمه(٧) .
مثاله: جعل النفاس مانعًا من صحة
الصلاة والصيام.
٤. کون الشيء صحيحًا أو فاسدًا.
وذلك من وجهة نظر الشرع، فالصلاة
مثلا إذا أقيمت بكامل أركانها وشروطها فهي
صحيحة، وإذا لم تستو أركانها وشروطها
فهي فاسدة (٨).
(٥) انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف،
ص١١٨.
(٦) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده
٢/ ٢٠٣، مختار الصحاح، الرازي، ص٢٩٩.
(٧) انظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله،
عیاض السلمي، ص٥٨.
(٨) انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل
القرفشاوي وآخرون، ص٢٣.
جَوَسُولَة الَّقية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
١٤

الحكم
ثانيًا: الحكم القدري:
القدر لغةً: بفتح الدال وسكونها هو
القضاء والحكم والمبلغ (١).
القدر اصطلاحًا: هو علم الله السابق
بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح
المحفوظ، ثم خلقه لها (٢).
أحكام القدر كلها خاضعة لما أوجده
وقدره وكوّنه الله تعالى، فما شاء الله كان
وما لم يشأ لم یکن، ومن ثمّ فلا يصدر شيء
من العباد إلا بقدر الله تعالى.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ
أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ا مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا
كَسَبَ ن سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ ))
وَأَمْرَأَتُهُ، حَمَّالَةَ الْحَطپ ۵ فی جِيدِهَا
حَبْلٌ مِّن قَسَدٍ﴾ [المسد: ١ -٥].
فأبو لهب وزوجه وإن لم يلتزما شريعة
الله تعالى، فهما خاضعان لحكم القدر
فيهما، والذي يتضمن بقاءهما على الكفر
والشرك حتى يموتا، ومن ثمّ يكون مصيرهما
النار (٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦٢/٥.
(٢) انظر: شرح مسائل الجاهلية، محمد بن عبد
الوهاب، صالح الفوزان، ص١٥٣.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٥٠٣.
الحكم لله في الدنيا والآخرة
إن حکم الله حق ثابت في الدنيا، كما هو
حق ثابت في الآخرة.
قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ
أَسْمَآءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ
أَنَزَلَ اللّهُ بِهَا مِنِ سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا
تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].
ونظرًا لأهمية هذا الأمر كان من
الضروري بيانه كما يأتي:
أولًا: حكم الله تعالى في الدنيا:
نوّر الله تعالی الدنیا بأحكامه التي هدى
(٤).
بها عباده إلى الحق المبين
قال تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَِّ
مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكُمْ فِهَا مِصْبَاحُ اَلْمِصْبَاحُ فِ
زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَنَّهَا كَوَكَبُ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَوِ
مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ثُورٌّ عَلَى ثُوِّ يَهْدِى
اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَتَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
وتسمى أحكام الله تعالى التي سنّها
للعباد في الدنيا (الشريعة الإسلامية)،
وتتميز الشريعة الإسلامية بعدة ميزات
جعلت منها أحسن الشرائع على الإطلاق،
ومن هذه الميزات:
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٠/١٧.
www. modoee.com
١٥

حرف الحاء
١. الربانية:
وتعني أن أحكام الشريعة الإسلامية التي
تنظم شئون العباد في الدنيا صادرة عن الله
تعالى، ويترتب على هذه الميزة أمران، هما:
الأول: خلوها من النقص والجور
والهوى.
الثاني: أنها ذات قداسة في النفوس، ولا وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
أدل على ذلك من فعل المسلمين حينما
٥. الثبات:
نزلت آية التحريم للخمر، فامتلأت شوارع
المدينة بالخمر (١).
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
٢. الشمول:
حيث شملت أحكام الدين كافة مناحي
الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية وغير ذلك (٢).
٣. الواقعية:
وتتجلى في كون أحكام الشريعة تتعامل
مع واقع المكلفين عند التشريع، ومثال
ذلك: إباحة تناول المحرمات عند الضرورة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ
وَاَلَدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اَللَّهِ فَمَنِ
اُضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِنَّمَ عَلَيْهِ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
(١) انظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة،
محمد أبو شهبة ٢/ ٣٥٤.
(٢) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي
٣٣/١.
رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
٤. الوسطية:
ويراد بها الاعتدال في التشريع، ومثال
ذلك: أن الله تعالى أباح لعباده الإنفاق
شريطة عدم البخل والتبذير (٣).
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُوْلَمْ يُسْرِقُواْ
[الفرقان: ٦٧].
وتشتمل الشريعة الإسلامية على صنفين
من الأحكام هما: أحكام تفصيلية لا تقبل
التغيير والتبديل كأحكام العبادات، وأحكام
عامة كالشورى والعدل، وهذه مع ثباتها إلا
أن آلية تطبيقها تختلف باختلاف العصور (٤).
٦. التوازن:
ويقصد به أن أحكام الشريعة الإسلامية
وازنت بين مصلحة الفرد ومصلحة
الجماعة، فأباحت الشريعة الإسلامية للفرد
حرية التملك حرصًا على مصلحته، وحرّمت
عليه إيذاء الآخرين بما يملك حرصًا على
مصلحة الجماعة، کما وازنت بين متطلبات
الجسد ومتطلبات الروح، فشرّعت تناول
الطيبات مراعاة لمتطلبات الجسد، وشرّعت
(٣) انظر: علم المقاصد الشرعية، نور الدين
الخادمي، ص٨.
(٤) انظر: روضة الناظر، ابن قدامة المقدسي
١/ ٦١٥.
١٦
جوسُبوبة النفسية
القرآن الكريم

الحكم
الصوم مراعاة لمتطلبات الروح (١).
٧. العموم:
ويعني بذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية
جاءت للناس كافة رحمة للعالمين (٢).
قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَاَفَّةً
لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
٨. الجزاء الدنيوي والأخروي:
وقد انفرد التشريع الإسلامي بالجزاء
الأخروي الذي يعزز دور الوازع الديني
في نفوس العباد، فيستشعرون مراقبة الله
تعالى لهم، وهذا أدعى لاستجابتهم لأحكام
الشريعة الإلهية (٣).
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ
مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْمٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأُ بَعِيدًاً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ"
﴾ [آل عمران: ٣٠].
٣٠
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
كما أن الشريعة الإسلامية قد وضعت
العقوبات المناسبة في الدنيا لمن ارتكب
الجرائم، سواء أكانت هذه العقوبات حدودًا
أو قصاصًا أو تعزيرًا (٤).
(١) انظر: التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في
كل زمان ومكان، محمد فهمي، ص١١٠.
(٢) انظر: رسالة لطيفة جامعة، أصول الفقه
المهمة، السعدي ص٦١.
(٣) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي
٣٧/١.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٩٦٥.
ثانيًا: تحريم التحاكم إلى غير شرع
الله:
رعاية من الله تعالى لمصالح عباده في
الدنیا حرم عليهم التحاكم إلى غير شرعه،
وتفصيل هذا التحريم كما يأتي:
قال تعالى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَّى
وَثُرَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِنَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآَةً فَلَا
تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ
بِكَايَتِ ثَمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
إذا اعتقد من يحكم بغير ما أنزل الله
تعالى أن أحكامه الوضعية أفضل من أحكام
الشريعة الإسلامية، أو حكم بغير ما أنزل الله
تعالی جحودًا فهو كافر (٥).
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ
وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَاُلْسِنَّ بِأَلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَّ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
وذلك لمن ترك الحكم بشريعة الله
تعالى اتباعًا للهوی دون جحود لما أنزل الله
تعالى من الأحكام(٦).
(٥) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٤٩/١.
(٦) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي ٥٣٢/٣.
www. modoee.com
١٧

حرف الحاء
قال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَآَ
أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٤٧].
وذلك لمن حکم بغير ما أنزل الله تعالى
وهو عالم بحرمة ذلك دون جحود لأحكام
الشريعة (١).
ثالثًا: حكم الله تعالى في الآخرة:
سمّى الله تعالى اليوم الآخر بعدة
أسماء، ولكل اسم من تلك الأسماء مدلوله
الخاص، ومن هذه الأسماء: يوم الدين،
ويوم الحساب، ودلالة هذين الاسمين هي
أن الله تعالى سيجمع الخلق يوم القيامة
لمحاسبتهم فيكافئ المحسن ويعاقب
المسيء.
وقد جاءت آيات الكتاب العزيز على
ذكر محاسبة الله تعالى لعباده في الآخرة،
ومن تلك الآيات:
قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
خَيْرًا يَرَهُ ل) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
وذلك يعني أن العمل مهما كان قليلاً فله
اعتبار عند الله تعالی ویحاسب عليه(٢).
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِنَبَهُ بِمِينِهِ.
أَفَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) وَقَلِبُ إِلَى
٧
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦ /١٩٠.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي ٥٤٣/٦.
القرآن الكريم
١٠
أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوْقِيَ كِنْبَهُ, وَرَآءَ ظَهْرِه (
فَسَوْفَ يَدْعُواْ تُبُورًا ، وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق:
٧ - ١٢ ].
ودلالة ذلك أن الله تعالى سيحكم على
المحسن بالنعيم وعلى الفاجر بالجحيم (٣).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ
لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا
قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
إِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:
١٩٩].
وذلك يعني: أن الله تعالى عالم بكافة
أعمال عباده، لا يخفی علیه منها شيء، ومن
ثمّ فهو سبحانه سريع في محاسبتهم (٤).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُونَ فِالنَّارِ
فَيَقُولُ الضُّعَفَتُؤْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا
كُتَّالَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا
مِّنَ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧].
ودلالة ذلك أنه لا مجال لمراجعة الله
تعالى في أحكامه النهائية التي سيصدرها في
الآخرة(٥).
إن الحکم بين الناس في الدنيا هو ما بين
حكم بشريعة الله تعالى، وحكم بالجاهلية
التي لا يرضاها الله، والآيات في كلا
النوعين ظاهرة في کتاب الله تعالى، وهي ما
(٣) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٨١٥٩/١٢.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٣٦/١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٩/٢١.
١٨

الحكم
بین أمر ونھي، وبيان ذلك فيما يلي:
رابعًا: الحكم بالشريعة:
خلق الله تعالى الإنسان وأسند إليه مهمة
الخلافة في الأرض التي تقتضي الحكم
بشرع الله، قال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ
خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَِّعِ
الْهَوَىُ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ
اْحَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وقد أعان الله تعالى عباده على أداء هذه
المهمة العظيمة من خلال عوامل أهمها:
١. العقل:
وبه يكون التعلم والفهم، وتمييز الحق
من الباطل، والغث من السمين، ولعل
الهدف من ابتداء الوحي بالأمر بالقراءة هو
توجيه العباد إلى توظيف قدراتهم العقلية
للتعلم الذي يكون معه التمكين في الأرض،
وتحكيم الشريعة الإلهية.
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضِّنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْتَها
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَجَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا
جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والأمانة هنا تعني: المحافظة على شعائر
الدين وتشريعاته(١)، والمحافظة على الأمور
من مهام العقل كما هو معلوم، يؤيد ذلك ما
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٦/٢٠.
ذهب إليه غیر واحدٍ من المفسّرین بأنّ معنى
الأمانة في هذه الآية هو العقل (٢).
٢. القوة:
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين
بالسعي لامتلاك القوة قدر المستطاع؛
لإعلاء كلمة الله بتحكيم شرعه في أرضه
التي بسط المؤمنون سيطرتهم عليها.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَمَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ ﴾
[الأنفال: ٦٠].
٣. المنهاج:
ويتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية
المطهرة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَ لَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنَكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
وَحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَيِقُواْ
اُلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَّبِّئُكُمْ
بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: ٤٨].
وأما الحكمة من وجوب تحكيم الشريعة
(٢) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٢٤٩/٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٧/٢٢.
www. modoee.com
١٩

حرف الحاء
الإسلامية فتكمن في قوله تعالى: ﴿أَفَُكْمَ
الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمِ
يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
يعني: لا حکم أحسن من حكم الله إن
كنتم موقنين أنّلكم إلهًا عدلًا في أحكامه(١).
وبذلك تكون الحكمة من وجوب
تحكيم الشريعة الإسلامية هي أنّها شريعة
الخالق جلّ وعلا للمخلوق، ومن هو الذي
یعلم ما يصلح للمخلوق أکثر من خالقه؟!
وبما أنّ الخالق هو الله تعالى، فهل من يصدر
أحكامًا خيرًا من التي أصدرها للخلق؟!
وقد وضع الحق جل وعلا للحكم بما
أنزل ضوابط، أهمها:
١. الواجب على العباد أن يوظّفوا هذه
العوامل للحكم بما أنزل الله تعالى،
والتقصير في ذلك يعد استنكافًا عن
أداء الأمانة التي أسندها الله تعالى
لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ
اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا
أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾
[النساء: ١٠٥].
٢. حذّر الله تعالى الحكام من العدول
عن الحق واتباع الهوى، فقال سبحانه:
﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَآءَهُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ
بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِيدُ
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٩٧/١.
اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
النَّاسِ لَفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
والمعنى: وأن الله تعالى نهى محمدًا
صلى الله عليه وسلم أن يتّبع أهواء
الیھود وحذّرہ من أن يتّبع بعض آرائهم
فيترك بعض ما أنزل عليه، ولا يعمل
به، ويعمل بما اقترحوه علیه، وأعلمه
أن اليهود إن أعرضوا عن قبول حكمه
وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد
الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة؛ نتيجة
ما اقترفوا من الذنوب، وما ارتكبوا
من الخطايا، ومن ثمّ ندّد بأعدائه
حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون، أي:
عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى
ورسله(٢).
٣. اقتضى العدل الإلهي أن تسري أحكام
الشريعة الإسلامية على الناس كافة،
فالحاكم والمحكوم أمام أحكام الشرع
سواء، وكذا الشريف والوضيع، فلا
أحد يعلو فوق الحكم الإلهي في النظام
الإسلامي، وقد أرسى رسولنا الكريم
صلی الله عليه وسلم لذلك بقوله (إنّما
أهلك الذین قبلکم، أنهم كانوا إذا سرق
فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم
الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو
(٢) انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري
٦٣٩/١.
٢٠
جوسيس
القرآن الكريم

الحكم
أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطعت وخرابًا.
لذا نجد أن الله تعالى أنكر على مريدي
يدها)(١).
وقد ربط الله تعالى بين تحقق الإيمان الحكم بغير ما أنزل الله بقوله: ﴿أَفَحُكْمَ
اَْهِيَّةِ يَبْغُونٌّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمَاً لِقَوْمِ
يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
في نفس العبد وبين التسليم لأمر الله
تعالى وحكمه، قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
والمعنى: ليس الأمر كما يزعم الناس
بأنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون
إلى الطاغوت، ويصدّون عن حكمك يا
محمد، فلا يصح إيمانهم حتى يجعلوك
حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم،
فالتبس علیهم حکمه واختلفوا بسببه، ثم لا
تحرج أنفسهم مما قضيت، ويسلّموا أمرهم
إليك أتم التسليم(٢).
خامسًا: الحكم الجاهلي:
على الرغم من أنه لا أحد من العقلاء
والمنصفين ينكر تفوق أحكام الشريعة
الإسلامية على ما عداها من الأحكام
الوضعية الأخرى، إلا أن فساد قلوب
الكثيرين من أتباع الهوى يرغبون في تحكيم
شريعة غير الله لضمان عدم المساس
بأشخاصهم مهما عاثوا في الأرض فسادًا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الغار، رقم ٣٤٧٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١٨/٨.
والمراد: أييغي هؤلاء اليهود الذين
احتكموا إليك يا محمد، فلم يرضوا
بحكمك، إذا حكمت فيهم بالقسط حكم
عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم
كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي
حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوز
خلافه، ثم وبّخ الله تعالى هؤلاء الذين
أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليهم من اليهود، ومستجهلًا فعلهم
ذلك منهم بالاستفهام الإنكاري: ومن هذا
الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله
تعالی عند من کان یوقن بوحدانية الله، ويقرّ
بربوبيته؟(٣).
ومن الأمثلة على الأحكام الجاهلية التي
تجاهلت مصالح العباد مراعاة لمصالح
الطغاة والمفسدين في الأرض:
وأد البنات.
قال تعالى: ﴿يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْرِ مِن سُوْهِ مَا
بُشْرَ بِّهِ أَيُّمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ اَلتُّرَبِ أَلَّا
سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩].
والمعنى: إذا وهب الله تعالى أحدًا من
(٣) انظر: المصدر السابق ٣٩٤/١٠.
www. modoee.com
٢١

حرف الحاء
أهل الجاهلية بتتًا فإنه يستخفي من قومه
لسوء ما بشّر به، ومن أجل ما يلحقهم من
العار فإما يمسك ما بشّر به على هون وذل
أم يئده، حيث يجعلون الولد الذي هذا محله
عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على
عكس هذا الوصف (١).
* تقسيم الأنعام قسمة جائرة.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ
هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّم
عَلَىْ أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُنْ قَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ
شُرَكَآءً سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنٌَّ حَكِيمٌ
عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩].
والمعنى: أنهم كانوا يجعلون ما في
بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم،
ويحرمون منه إناثهم، إلا إذا نزل الحمل
میتًا فعندئذ یشترك فیہ الذكور والإناث! ثم
توعدهم الله تعالى لنسبتهم هذه الشريعة
المضحكة إليه جل وعلا (٢).
تأخير الشهر الحرام.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ
الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُونَهُ
عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا
حَرَّمَ اَللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللَّهُ زُقْنَ لَهُمْ
سُوَّهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧].
والمعنى: إن تأخير حرمة شهرٍ حرّمه
الله إلى شهرٍ آخر لم يحرّمه زيادة في الكفر
حیث إنه إحلال ما حرّم الله وتحرّيم ما أحلّ
الله، والله تعالى بذلك التأخير يضل الذين
كفروا حيث إنهم إذا قاتلوا في أحد الأشهر
الحرم أحلّوه وحرّموا مكانه شهرًا آخر،
وإذا لم يقاتلوا في الشهر المحرم حرّموه؛
ليوافقوا عدّة ما حرم الله من الأشهر، وهو
أنّهم لم يحلّوا شهرًا من الحرم إلاّ حرّموا
مکانه شهرًا من الحلال، ولم يحرّموا شهرًا
من الحلال إلّ أحلّوا مكانه شهرًا من الحرم
ليكون الحرم في العدد أربعة، كما حرّم الله
فتكون موافقة للعدد، وقد زيّن لهم الشّيطان
ذلك العمل الفاسد، والله سبحانه لا يرشد
الكافر لما سبق له في الأزل أنه من أهل
(٣)
الجحيم
٠
هذه طائفة من أحكام الجاهلية التي لا
تدع مجالًا لعاقل إلا أن يفر منها فراره مما
یفزعه؛ وذلك لما اشتملت علیه من ترهات
وخرافات تجعل من الحياة كابوسًا لا يطاق.
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢١٨/٢.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢١٤/٣. (٣) انظر: الوجيز، الواحدي، ص٤٦٣.
٢٢
جوية
القرآن الكريمِ

الحكم
موانع الحكم بالعدل
إن للحكم بالعدل موانع ومعوقات
وصوارف، تحاول الحيلولة من كون حكم
الله واقعًا في حياة البشرية، وبيان هذه
الموانع فيما يأتي:
أولًا: الكفر والنفاق:
١. الكفر:
الكفر لغةً: من كفر يكفر كفرًا فهو
كافر، والكفر هو الستر والجحود، وضده
الإيمان (١).
الكفر شرعًا: يعني إنكار الخالق جل
وعلا وجحود شريعته(٢).
علاقة الكفر بالحكم العادل:
يشكّل الكفر بالله تعالى حجر عثرة أمام
تحكيم الشريعة الإسلامية العادلة، ويرجع
ذلك إلى عدم تسليم الكافر بالحاكمية لله
تعالى وحده، وجحوده للشريعة الإسلامية.
وقد عد القرآن الكريم عدم تحكيم
الشريعة الإسلامية جحودًا لها كفرًا أكبر،
يخرج صاحبه بموجبه من الملة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيَهَا هُدًى
وَنُورٌ يَحَكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ
(١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده
٣/٧.
(٢) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري
٠٤٦١/٤
هَادُواْ وَالرَّبَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبٍ اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً فَلَا
تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ
◌ِثَايَتِي ثَمَنَا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
والمعنى: أن الذي یحکم بغیر حکم الله
مستهینا به جاحدًا له، وقد بلغ به الاستنكار
لشريعة الله درجة التهكم عليه يعدّ كافرًا
خارجًا من ملة الإسلام؛ لأن ذلك جحود
وإنكار أو استهزاء بآيات الله مع العلم أنها
من عند الله تعالى، واستنكار مؤداها، ومن
جحد أحكام القرآن فقد كفر كفرًا أكبر(٣).
كما عدّ القرآن الكريم عدم تحكيم
الشريعة الإسلامية من غير جحود لها ظلمًا
أو فسقًا.
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنفِ
وَالْأُذُنَ يِالْأُذُنِ وَاَلْسِنَّ بِأَلْسِنِّ وَاَلْجُرُوحَ
قِصَاصٌّ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ
لَّ وَ مَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنجِيلِ
بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنَزَّلَ اللَّهُ
فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
والمعنى: أن الذين لا يجدون في
أحكام الشريعة الإسلامية التي لا تأمر إلا
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤/ ٢٢٠٤.
www. modoee.com
٢٣

حرف الحاء
بالعدل والحق ما يتفق مع ظلمهم، ويدعم
بغيهم، فيحكمون بغير شريعة الله تعالى
فهم ظالمون، وأما الذين لا تقع أیدیھم في
شريعة الله على أي سند يبيح لهم الفجور
والفسوق، والاستهتار والعقوق والشذوذ
فهم فاسقون(١).
يقول الشيخ محمد الناصري عن
الأصناف الثلاثة سابقة الذكر: ((فهؤلاء
الأصناف الثلاثة هم خصوم شريعة الله،
وعليهم ألقى كتاب الله أضواءه الكشافة
حتى تسفل كلمتهم في الأرض، ولا تعلو
فيها إلا كلمة الله))(٢).
٢. النفاق:
النفاق لغةً: النفق سرب في الأرض،
مشتق إلى موضع آخر، والنفقة والنافقاء،
جحر الضبّ واليربوع، ونفق (بالفتح)
وأنفق: خرج. ونفق: أخفى، ومنه اشتقاق
.(٣).
المنافق في الدين
٠
والنفاق نوعان:
الأول: سلوكي، وهو المقصود بقوله
صلی الله علیه وسلم: (أُربٌ من کنّ فیه كان
منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهنّ
كانت فيه خصلةٌ من النّفاق حتّى يدعها: إذا
اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد
(١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد
مكي الناصري ٢/ ٦١.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٦١.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥٤/٥.
غدر، وإذا خاصم فجر) (٤).
الثاني: عقائدي، وهو الموضّح في
تعريف النفاق شرعًا.
النفاق شرعًا: إظهار الإيمان وإبطان
الكفر، ومخالفة القول الفعل، والسر العلن،
والظاهر الباطن(٥).
علاقة النفاق بالحكم العدل:
تعدّ ظاهرة النفاق من أكبر ما يعيق
الحكم بالشريعة العادلة؛ وذلك أن المنافق
يظهر ولاءه للعدل ورغبته فيه، وفي باطنه
يخفي حقده على العدل وأهله، فالعدل لا
يحقق له طمعه في الحصول على ما لا يحق
له، يؤيد ذلك:
قوله تعالى حكاية عن المنافقين:
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ
يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنُ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَكَ
◌ِاَلْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُقُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ
بََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ (٢٥) وَإِن يَكُن لَُّ الْحَىّ
يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ * أَفِ قُلُوِبِهِم ◌َّرَضُّ أَمِ أَرْقَابُواْ أَمْ
يَخَافُونَ أَنْ يَصِفَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ، بَلْ أُوْلَكَ هُمُ
الفك العُونَ { ..
[النور:٤٧ - ٥٠].
والمعنى: يَقُولُ المنافقون بألسنتهم:
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه وَأَطَعْنا حكمهما من غير
اعتقاد منهم بذلك، ثُمَّ تُعرِضُ جماعةٌ مِنْهُمْ
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق ١٦/١، رقم ٣٤.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٧٦،
تیسیر الکریم الرحمن، السعدي، ص٤٢
بَر التقنية
جوسين
القرآن الكريمِ
٢٤

الحكم
عن طاعة الله ورسوله بالتزام حكمهما مِنْ ويريد الشيطان أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين
إلى طواغيتهم عن سبيل الحق والرشاد
الذي يكون في الرضا بحكم الله تعالى
ورسوله(٢).
بَعْدِ ذلِكَ الادعاء بالألسنة، ويطلبون حکم
غيرهما، وهؤلاء ليسوا بِالْمُؤْمِنِينَ، وإذا
علموا مسبقًا أن الْحَقُّ لهم يُذْعِنوا وينقادوا
لحكم الله ورسوله، ومشكلة هؤلاء أن
فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضَ الكفر والنفاق والريبة
من حكم الله تعالى ورسوله، وبالتالي فقد
ظلموا أنفسهم لإعراضهم عن حكم الله
تعالی ورسوله، سواءً أکان الحکم لهم أو
علیھم(١).
وقال تعالى حكاية عن المنافقين أيضًا:
﴿أَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ
أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ
يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا
بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه
محمدًا، موجهًا الأمر إليه للنظر في حال
الذين يزعمون أنهم صدّقوا بما أُنزل إليك
من القرآن، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا
بما أنزل من قبلك من الكتب، ویریدون أن
يتحاكموا في خصوماتهم إلى الطواغيت
التي يعظمونها، ويرضون بحكمها من دون
حكم الله ورسوله، على الرغم من أنهم
أمروا أن يكفروا بها، ویؤمنوا بالله وحده،
(١) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي
٢٧٢/١٨.
ونظرًا لعظم إجرام الكافرين والمنافقين
في تركهم للحكم بما أنزل الله تعالى فقد
جعل الله تعالى من جهنم مرتعًا ومقامًا لهم.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِءَ إِنَّكُمْ
إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى
حَمَنَ﴾ [النساء: ١٤٠].
وحرصًا من الله تعالى على فلاح
المؤمنين في الدنيا، ونجاتهم من عذاب الله
في الآخرة حذرهم من الركون إلى الظالمين
المفسدين في الأرض بتحكيمهم غير شريعة
الله تعالى، والأخذ بآرائهم ونصائحهم؛ فقال
تعالى: ﴿وَلَا تَرَّكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ
النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَبِ النََّارِ
١١٣
لَا تُصَرُونَ
وَزُلَغَا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ ﴾ [هود: ١١٣ - ١١٤].
والمعنى: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى
قول الذين كفروا بالله، فتأخذوا منهم
وتوافقوا أعمالهم؛ فلا تنصرون في الدنيا
ویتسلط علیکم عدوّكم، وتكون النار مثواكم
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٠٧.
www. modoee.com
٢٥

حرف الحاء
في الآخرة بفعلكم هذا وحينها لا يكون لكم ولا يعتقد حقًّا، ولا يبصر سبيلًا، فمن ذا
من دون الله من مؤيد يؤيدكم، أو وليّ يلي الذي بعد ذلك يذكّره بالحق وينفعه به(٢).
أمركم(١).
ثانيًا: اتباع الهوى:
عبد الناس عبر التاريخ كثيرًا من
الطواغيت، وفي كل مرة كانوا يعبدون فيها
طاغوتًا جديدًا، كانت أهواؤهم تبتكر لهم
إلهًا آخر ليعبدوه من دون الله تعالى، ولعل
من أبرز ما يدعو الناس إلى اتباع الأهواء
على الرغم من علمهم بأنها تقودهم إلى
الفساد والهلاك هو الرغبة في التحرر من
التكاليف التي تترتب على الإيمان بالله
تعالى، وإرضاء الشهوات، وتقديم العاجل
على الآجل.
ومراعاة لمصالح العباد حذّر الحق جل
وعلا من اتباع الهوى، والوقوع في حبائله،
نجد ذلك واضحًا جليًّا في:
قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عٍِ وَخَتَّمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَوَّةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَّكَّرُونَ
(٢٣) ﴾ [الجاثية: ٢٣].
والمعنى: أنه مطواع لهوى النفس يتّبعها
في کل ما تدعوه إليه، فهو يعبدها من دون
الله تعالى، فضلّ بذلك على علم منه،
واختار الضلال وفعله، فهو لا يقبل وعظًا،
(١) انظر: المصدر السابق ١٥/ ٥٠٠.
وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ
أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أَتََّعَ
هَوَنَّهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اْلَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
والمعنى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ عن طريق
الهدى والرشاد، ﴿مِمَّنِ اُتعَ﴾ هوی نفسه
بغير حجةٍ من اللّه، والله ﴿اللَّهَلَا يَهْدِى﴾
قومًا يتبعون أهواءهم دون أن يكون عندهم
برهان ودليل(٣).
الصلة بين اتباع الهوى والحكم بالعدل
في القرآن:
وقد بيّن القرآن الكريم الصلة بين اتباع
الهوى، والحكم بالعدل من خلال العديد
من الآيات، والتي منها:
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَلَهَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ
أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّاأَوْ فَقِيرًا
فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن
تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
(١٣٥ ] [النساء: ١٣٥].
والمعنى: يا أيها المؤمنون كونوا على
جاهزية تامة للقيام بما أمر الله تعالى به من
الإقساط عند الشهادة حتى وإن كانت على
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣٠٣/٣.
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٨/ ١٧٧.
٢٦
◌َةُ النَّسِية
جوية
القرآن الكريمِ