Indexed OCR Text
Pages 41-54
الحب قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ٢° مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ اْلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَاتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: ٦-٧]. فما أعطى الله لرسوله دون حرب، فهو عطاء خالص من الله لرسوله، يجعله كيف يشاء(١). أما ما أخذ عنوة بقتال فهو غنيمة خمسها لله والرسول، وما بقي فللمقاتلين. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ إِن كُتُمْ ءَامَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾ [الأنفال: ٤١]. (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٣/ ٤٥٧. مقاصد الحرب كما بينها القرآن تتنوع أسباب الحروب ومقاصدها من أمة لأخرى، تبعًا لعقائد الأمة ونظرتها للحياة، فالإنسان المؤمن لا يعمل عملًا أو يبذل جهدًا إلا ويبتغي به مرضاة الله تعالى، ولما كانت الحرب والمشاركة فيها من أعظم ما يبذل الإنسان في هذه الحياة، كان لا بد أن تكون أهدافها ومقاصدها رضی الله عز وجل. وإن الناظر في آيات الحرب والقتال والجهاد في القرآن الكريم، يلمس دون عناء مقاصد وغايات الحرب والجهاد في الإسلام، ويمكن بيان ذلك فيما يأتي: أولًا: مقاصد عقدية: إن الدافع الأهم للجهاد في سبيل الله عز وجل إنما هو لأجل صيانة عقيدة التوحيد في نفوس الناس، وإصلاح ما فسد منها. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى التَّلِينَ [البقرة: ١٩٣]. أي: قاتلوا من يعتدون عليكم وعلى دينكم حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يعبد دونه أحدٌ، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من أصنام وأوثان مادية، أو www. modoee.com ٤٧ حرف الحاء أفكار شركية معنوية (١). إن سيادة أي عقيدة في الأرض غير عقيدة التوحيد هي فتنة في الأرض وإفساد لأهلها، والعقيدة الإسلامية هي التي لا يقبل الله تعالى من الناس غيرها، ويجب أن تسود، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِينَ ٨٥ [آل عمران: ٨٥] ومع ذلك لا يكره الناس على اعتناقها إكراهًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: ٩٩]. فلا يصح قهرهم وحملهم لدين الإسلام بعد أن بانت الأدلة والآيات الواضحة الدالة علی صدق محمد صلی الله عليه وسلم" فیما يبلّغه عن ربه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر(٢). ثانيًا: مقاصد شرعية: ويراد بالمقصد الشرعي للحرب: قتال الخارجين عن شرع الله، وإلزامهم بما أنزل الله من شرائع وأحكام، قال تعالى: ﴿قَائِلُواْ (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣/ ٥٧٠. (٢) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ١٤٩/١. اَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَ بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ ◌ِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ )) [التوبة: ٢٩] أي: قاتلوا أهل الكتاب رغم إيمانهم بالله؛ لأنهم رفضوا طاعة الله في الشرائع والأحكام، ويرفضهم هذا كأنما رفضوا الدين مطلقًا(٣). وكذلك أمر الله بقتال من أصر على التعامل بالربا، رغم إيمانه بالله، وحذره بحرب من الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ كَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولٌِّ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٧٩] أما حرب الله فهي النار يوم القيامة، وأما حرب رسوله فالسيف في الدنيا (٤)، قال قتادة: ((أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا)»(٥). فحرب المؤمنين الخارجين عن شرع الله واجب بالكتاب والسنة، وما حرب الردة منا ببعيد. ثالثًا: مقاصد اجتماعية: والمراد بالمقصد الاجتماعي للحرب: رفع الظلم عن المظلومين، والمستضعفين، (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٢/ ٣٥٠. (٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٢/ ٢٨٥. (٥) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ٣٧٤. ٤٨ مُوسُو ◌َةُ النَِّّ القرآن الكريم الحرب والمضطهدين في العالم، والمقهورين، إذا ما حال الطغاة والظالمون دون تحقيق والأسرى الذين يعذبون، ويحرمون من هذا الهدف. ممارسة حريتهم ظلمًا وعدوانًا، وهذا يظهر البعد الإنساني السامي لهذا الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْلَا تُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنَكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًّا (٥)﴾ [النساء: ٧٥]. قال الضحاك: وذلك أن كفار قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين، وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم(١)، ((والآية تتناول المؤمنين والأسرى، وحواضر الشرك إلى يوم القيامة)) (٢)، حاضرة الشّيء: القريب منه، والمجاور له(٣)، وحواضر الشرك أي المدن القريبة من بلاد المشركين، كان لزامًا علينا نصرتهم، والجهاد قربة لله من أجل رفع الظلم عنهم. فالإسلام يأمر برفع المعاناة عن المظلومين، وتحرير العنصر البشري من ذل العبودية للبشر إلى عز العبودية والانقياد لله، ولا يدخر جهدًا لتحقيق هذه الغاية النبيلة، ولو كلف ذلك بذل المال والأنفس والدماء، (١) انظر: تفسير السمر قندي، ١/ ٣١٨. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ٧٩. (٣) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ١/ ٥١٣. رابعًا: مقاصد سياسية: ويراد بالمقصد السياسي للحرب: حماية الناس من القهر والاضطهاد، والإخراج من الديار، باعتباره ظلم وجرائم سياسية، لا يقبل بها الله، ولا أصحاب القوانين الوضعية في هذا الزمان، وكذلك محاربة من نقضوا العهود. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلاَ مِنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنٍَّ لَهُمُ أَبْعَتْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْككُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَِّلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. ففي قوله عز وجل: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَّاً أَلَّا تُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَدرِنَا﴾ يقول ابن عطية: ((وأي شيء يجعلنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا)» (٤). وفي ذلك دلالة على أن القتال لاستعادة الديار التي أخرج منها الإنسان المؤمن ظلمًا وعدوانًا دون وجه حق هو قتال في سبيل الله عز وجل. قال تعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٣١/١. www. modoee.com ٤٩ حرف الحاء ◌ِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَئِهِم بِغَيْرِ حَتٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضِ لَِّمَتْ صَوَِّعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرُنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ )) [الحج: ٣٩ -٤٠]. وقد تناول سياق هذه الآية أيضًا بيان أحقية المظلومين ممن أخرجوا من ديارهم بلا ذنب اقترفوه إلا أنهم يقولون ربنا الله، وهي أحق ما يقال، فهذا إذنٌ من الله تعالى بضرورة وجود قوة تحرس أهل العقيدة، وتدافع عنهم للحفاظ على الواقع الديني، والسمة الدينية على الأرض، وأماكن العبادة فيها(١). فذكر اسم الله وحده في أماكن العبادة لا يشفع لها عند الظلمة أن تصان، فلا يعتدى على حرماتها، لذلك توجب أن تكون للعقيدة وأماكن العبادة من يدافعون عنها في وجه الطغاة المعتدين، لذلك شرع الله الجهاد لهذه الغاية. وأما نقض العهود والمواثيق فيقول تعالى: ﴿وَإِن تَكَثُوا أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِ دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤/ ٢٤٢٥. [التوبة: ١٢]. فإذا جنح المسالمون المعاهدون لكم إلى الغدر، ونكثوا ما قدّموه من ضمان الوفاء بالعهد، فقاتلوا من يشعلون نيران الفتن، وينقضون العهود، وهم سادة الكفار وقادته(٢). خامسًا: مقاصد أمنية: ويراد بالمقصد الأمني للقتال: إظهار قوة الأمة وإعداد العدة المتاحة الممكنة على الدوام، لتجعل الكفار يحسبون للقائها كل حساب. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ (١٢٣) [التوبة: ١٢٣]. أمر الله المؤمنين في أول السورة بقتال المشركين كافة حيث وجدوا، ولكنه خص هنا لقریبین منهم، فلا یمکننا قتالهم جميعًا في آن واحد، ولما كان الأفضل قتال طائفة، فكان قتال الأقرب أولى من قتال الأبعد، لأن الاشتغال بقتال الأبعد مع ترك الأقرب، لا يؤمن معه هجوم الأقرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم إذا خلت من المجاهدين، فأصل العلاقة مع العدو القريب أن يرى منا القوة والعنف على كل تحرش من طرفهم، أو محاولة اعتداء، ﴿وَلْيَجِدُواْ (٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري، ٢/ ١١. مَقَبْ لَةُ التَّقِّ القرآن الكريم الحب فِيكُمْ غِلْطَةٌ﴾ فلا يجب أن يجدوا فينا لينًا في قول أو معاملة(١). وهذه النظرة للعدو القريب ذات مغزى أمني، لما فيها من إضعافهم، وما يترتب عليه حفظ للديار، وتأمين للذراري والأموال. وفي ذات السياق فإن الأمة مطالبة بإعداد ما تقوى عليه من عدة وعتاد، وبذل واستفراغ طاقتها لتصل إلى مستوىّ من القوة يجعل لها الرهبة والهيبة في نفوس أعداء الله، وتبقى حامية للدين وبيضة المسلمين. قال تعالى: ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِم عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَّيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ :[الأنفال: ٦٠]. ٦٠ فهدف الإعداد تقوية الأمة، لتكون قادرة علی ردع المعتدین وصدهم، وحتی يرى الكفار قوة المسلمين، وعتادهم، وقوة حصونهم، ودقة تصويبهم، فيسكن الرعب في قلوب الكفار، فلا يزالون يهابون المواجهة، فيفيؤوا الى السلم. (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص، ٤/ ٣٧٤. أخلاق المؤمنين المحاربين وغيرهم إن أخلاق الأمم تنطلق من معتقداتها التي نشأت عليها، والقرآن الكريم يربي الأمة على أفضل الأخلاق وأكرمها، فوجه الأمة للأخذ بمكارم الأخلاق في كل شأن من شؤون حياتها. ولما كانت الحرب سلوكًا اجتماعيًّا اضطراريًّا لا ينفك عن واقع الحياة، جعل القرآن له قيمًا وأخلاقًا، توجب على المقاتل التزامها، لبيان طبيعة هذا الدين، وسمو أهدافه ومقاصده، حتى وقت الحروب. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَّبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَائِمُ كَثِيرٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: ٩٤]. فقد وضعت هذه الآية الكريمة القاعدة العامة لأخلاق المقاتل في الإسلام، التي تقوم على عدم قتل المسالمين وغير الحربيين، قال الطبري في تفسيره: إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم، فتأنّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، ولم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تقدموا على قتل أحد إلا من علمتموه يقينًا حربًا عليكم، www. modoee.com حرف الحاء ولا تقولوا لمن استسلم لكم، فلم يقاتلكم فلم يقاتلوكم مع قومهم، وطلبوا منكم المسالمة والمصالحة فما جعل الله لكم عليهم حجة في قتالهم، فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء(٢). مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودعوتكم لست مؤمنًا، فتقتلوه ابتغاء طلب متاع الحياة الدنیا، فإن عند الله من رزقه وفضائل نعمه ما هو خير لكم (١). ولما كانت مقاصد الحرب في القرآن الكريم سامية، لزم أن تكون أخلاق المحاربين لتحقيقها سامية، وقد جاءت آيات القرآن بجملة من الأخلاق والآداب التي يتوجب على المحارب المسلم أن يتحلى بها في الحرب وميدان القتال، والمتأمل في هديه صلی الله عليه وسلم، الذي هو الترجمة الحقيقية للقرآن الكريم، وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، يرى سمات وأخلاق المحارب المؤمن، والتي یمکن بیانها فيما يأتي: ١. عدم التعرض للمسالمين. قال تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْثَقُّ أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَئِلُوكُمْ أَوْ يُقَئِلُواْ قَوْمَهُمَّ وَلَوْشَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَّهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَم يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴾[النساء: ٩٠]. جاء قوله عز وجل: ﴿فَإِنِ أَعْتَّزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: فإن اعتزلوكم عند القتال، ويقال يوم فتح مكة (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤/ ٧١. وذكر الزمخشري: أن الكف عن القتال سبب لاستحقاقهم ترك التعرض لهم، وترك الإيقاع بهم(٣). وبعموم اللفظ، فإن المقاتل إن تراجع من الميدان وأبدى رغبة في المصالحة فلا یجب قتاله. ٢. العدل والتسامح. قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيِنِ صَبّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَِّينَ (٣)﴾ [النحل: ١٢٦]. لما انتهت معركة أحد ونظر النبيّ صلى الله علیه وسلم إلی عمه حمزة، فرأی ما فعل المشركون به قال: (لئن أظفرني الله عليهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾(٤)، وإن لهذا الدين أدبيات وقيمًا وأخلاقًا، يجب المحافظة عليها بعيدًا الانفعال العاطفي، فالدفع عن الدعوة، والأخذ بالمثل يجب أن يكون في حدود القسط والعدل، وعدم الإسراف في (٢) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٣/ ٣٥٧. (٣) انظر: الكشاف، ١/ ٥٤٧. (٤) انظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي، ٦/ ٥٢. جَوَسُولَةُ الْتَّخِّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٥٢ الحب العقوبة والزيادة في الرد، حتى يحفظ لهذه إنذار، وتخييرهم بين الإسلام، أو الجزية أو القتال (٢)، والغلول وهو: إخفاء ما يغنمه الدعوة کرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس(١). الجيش من عتاد ومال من العدو، حتى لا تجري عليه القسمة (٣)، والمثلة في القتلى، فقال صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا) (٤). قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّواْ شَعَتَيْرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَ اُلْهَدْىَ وَلَا اَلْقَلَيِدَ وَلَآ ءَآَمِينَ الْبَيْتَ أْقَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن تَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلُمْ فَأَصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىِّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴾ [المائدة: ٢]. وقال: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيِّئَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْفَّلَكِمِينَ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ فُلِلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم ٤٠ مِّن سَبِيلِ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ٤١ وَيَبْغُونَ فِ اْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ أُوْلَكَ لَهُمْ [الشورى: ٤٠- ٤٢]. ٤٢ عَذَابٌ أَلِيمٌ فأجاز عز وجل للمسلم أخذ الحق، ومعاملة الكفار في الميدان، كما يعاملوا المسلمين، ومع ذلك رغب في الصبر والتسامح. ٣. تجنب الغلول والغدر والمُثْلَة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحاربين في سبيل الله عن الغدر وهو: أخذ القوم والإغارة عليهم دون سبق (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤ / ٢٢٠٢. وفي الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحریم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان، إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة (٥). تأتي وصية النبي صلى الله عليه وسلم للقادة والجند عند عقد الألوية، لتظهر حرص القيادة على جدية التقيد بالتعاليم والأوامر العسكرية، وأنها ليست مجرد شعارات وقرارات نظرية وهمية، وإنما هي خلق وسلوك يجب أن يتحلى به الجند. ٤. عدم التعرض للشجر والزرع. قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن ◌ِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيْمَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اَللَّهِ (٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ١٢/ ٣٨. (٣) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي، ص ٥٠ . (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ٣/ ١٣٥٦، رقم ١٧٣١. (٥) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ١٢/ ٣٨. www. modoee.com ٥٣ حرف الحاء وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ ﴾ [الحشر: ٥]. لما نزل صلى الله عليه وسلم على حصون بني النضير لقتالهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، إما لإضعافهم بها، وإما ليتسع المكان بقطعها. فشق ذلك على بني النضير، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح، أمن الصلاح قطع النخيل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي صلی الله عليه وسلم، ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا، فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك، فنزلت الآية بتصديق من نھی عن القطع، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله(١). مما سبق يتبين أن الأصل في الحرب عدم التعرض للمزارع والأشجار والمواشي التي يملكها الناس والمدنيون، ولكن إذا اشترك المدنيون في محاربة جيوش المسلمين، وتمترسوا في حصونهم ومزارعهم، جاز للجيش وقيادته أن تجتهد في التعرض لهذه المزارع والأشجار بما يفسح للجيش حرية الحركة، وإغاظة الكفار، ليكون ذلك سببًا في فت عضدهم، وكل ذلك بإذن الله (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ، ١٨/ ٦. وقدره(٢). ٥. الرحمة بالصغير والمرأة. إن من أبرز أخلاق الجيش المسلم في حربه للعدو تجنب النيل أو المس بالذراري والنساء، فقد روي عن ریاح بن الربيع رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، وعلى مقدمة الناس خالد بن الوليد، فإذا امرأة مقتولة على الطريق، فجعلوا يتعجبون من خلقها، قد أصابتها المقدمة، فأتى رسول الله صلى الله علیه وسلم فوقف علیھا فقال: (هاہ ! ما كانت هذه تقاتل) ثمّ قال: (أدرك خالدًا فلا تقتلوا ذرّيّةً ولا عسيفًا)(٣). إن تعجب النبي من قتل المرأة، وتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنها ما كانت لتقاتل، فيه تأكيد بعدم التعرض للنساء في الحرب، مظنة عدم القتال، ويستفاد من كلامه صلى الله عليه وسلم أيضًا، عدم التعرض للذراري: وهم الفتية دون البلوغ، وكذلك الشأن في العبيد. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥/ ١٩٩. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧١/٢٥، رقم ١٥٩٩٢، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في قتل النساء، ٥٣/٣، رقم ٢٦٦٩، وابن ماجه في سننه، كتاب الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان، ٩٤٨/٢، رقم ٢٨٤٢. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣١٤/٢، رقم ٧٠١. مُوسُوبَةُ اللَّهـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٥٤ الحرب ٦. الحرص على عدم إراقة الدماء. وكان رسول الله صلی الله عليه وسلم" يحرص على حقن الدماء، فيقبل إسلام الشخص مهما كانت عدوانيته، فقد (روي أن رسول الله صلی الله عليه وسلم بعث بعثًا من المسلمين إلى قومٍ من المشركين، وإنّهم التقوا فكان رجلٌ منّ المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجلٍ من المسلمين قصد له فقتله، وإنّ رجلًا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنّا نحدّث أنّه أسامة بن زيدٍ، فلمّا رفع عليه السّيف قال: لا إله إلا الله فقتله، فجاء البشير إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره، حتی أخبره خبر الرّجل کیف صنع، فدعاه فسأله فقال: (لم قتلته) قال: يا رسول الله، أوجع في المسلمین، وقتل فلانًا وفلانًا، وسمّی له نفرًا، وإنّي حملت عليه، فلمّا رأى السّیف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقتلته) قال: نعم، قال: (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: (و كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: (کیف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)(١). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا اله إلا الله، ١/ ٩٧، رقم ١٦٠. فالحديث بين حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم المحارب المسلم کیف یعطي الخصم أي بارقة أمل تمكنه من النجاة بنفسه، وتحييدها من القتال. فالقتل في ذاته ليس هدفًا للمقاتل، بل عزة الإسلام مي هدفه الأسمى. وهذا الحديث يصلح أن يكون وثيقة دولية، يبنى عليها من يضعون قوانين الحروب وسياساتها، ليلزموا من خلالها الجيوش والدول المتحاربة عدم المبالغة في إراقة الدماء، واقتناص الفرصة الأولى لحقن الدماء، والكف عن المبالغة في القتل. ٧. عدم إكراه أحد على الإسلام. ومن عظمة أخلاق المحارب التي نتعلمها من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكره أحدًا على الإسلام قط، وقد كان ذلك واضحًا مع غورث بن الحارث، عندما أمسك بسيف النبي وهو نائم بظل شجرة، وأراد قتله صلی الله عليه وسلم، فقام على رأسه بالسيف وقال: (من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (الله)، فسقط السيف من یده، فأخذه صلی الله عليه وسلم فقال: (من يمنعك منّي؟) فقال الرجل: كن خير آخذ، فقال صلى الله عليه وسلم: (أتشهد أن لا إله إلّ اللّه؟)، فقال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلّى سبيله، فعاد الرجل إلى قومه فقال www. modoee.com ٥ حرف الحاء جئتكم من عند خير الناس)(١). إن هذا الموقف للنبي صلى الله عليه وسلم يبين طبيعة هذه الدعوة المباركة التي جاءت لإسعاد البشرية وإصلاحها، ودعت الناس للدخول في رحابها عن قناعة وحب ويقين، لا عن إرغام وتعسف كما يدعي خصومها، وما كانت الدعوة الإسلامية يومًا لترغم الناس عن اعتناقها عنوة، ولو كان الأمر كذلك ما حققت هذا القبول في نفوس المنصفين من غير العرب على مدى التاريخ البشري منذ فجر الدعوة. إن دعوة يوصف حماة حياضها، والمقاتلون لنصرتها بهذه الصفات، لهي جديرة أن يكتب لها القبول في نفوس المنصفين من الناس، فيصبحوا أخلص جنودها بعد أن كانوا ألد أعدائها، وأعتى خصومتها، فلما تزود جندها بمكارم الأخلاق قبل أن يحملوا السلاح، كان ثمرة جهادهم أن فتح الله لهم صدور العباد قبل أن تفتح لهم الأرض والبلاد، فأقاموا العدل، وساد الود والوئام بين المسلمين وأهل البلاد المفتوحة. (١) انظر: دلائل النبوة، البيهقي، ٣/ ٣٧٥. موسوبر النفسية العضويـ القرآن الكريم من مبادئ الحرب في سورة العاديات للحرب مبادئ وأصول، يضعها القادة العسكريون، لإنجاز مهامهم على الوجه الأفضل، وكلما كانت هذه المبادئ صادرة عن جهة عليمة وذات خبرة ودراية، كانت نتائج الحرب المرجوة أفضل وأسرع، وقد تناول القرآن الكريم جملة من هذه المبادئ والأصول في آيات كثيرة، نتناول بعض ما تناوله سياق الآيات الخمس الأولى من سورة العاديات، كنموذج للاستراتيجية. قال تعالى: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَتِ قَدْحًا فَالْغِيَرَتِ صُبْعًاً ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ فَائِرْنَ بِهِ، نَقمان). [العاديات: ١- ٥]. أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحًا، وهو صوت أنفاسها عند العدو، ﴿فَالْمُورِبَتِ قَدْحًا﴾ أي: التي توري النار، وهو إخراج النار، يقال: قدح الزند فأوری، ﴿قَالْغِيرَتِ صُبْحًا﴾ أي: يغير أهلها على العدوّ صباحًا، ﴿قأثرّنَيهِ،نَقْمًا﴾ أي: فهيجن بذلك الوقت غبارًا أو صياحًا، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدوّ، أو بالنقع، أي: ملتبسات به من جموع الأعداء، وروي أنه بعث صلی الله عليه وسلم خيلًا فمضت أشهر لم يأته منهم خبر فنزلت (٢). (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٣٣١/٥. ٥٦ الحب المتأمل في هذه الآيات الخمس يجد للمفاجأة والمباغتة على هذه السورة نلاحظ نفسه في أجواء حربية عسكرية، ووسط الآتي: معركة حامية الوطيس، وفق خطة محكمة مدروسة ومرسومة، شاملة لعناصر ومبادئ حربية، ويمكن بيان هذه المبادئ فيما يأتي: أولًا: مبدأ المفاجأة والمباغتة: ويقصد بالمفاجأة، مهاجمة العدو بغتة وفجأة، وهو في عقر داره، أو في موضع تجمعه، وتتوقف المباغتة على تقدير القائد وحنكته في تقديره موقف عدوه، فاختيار ساعة الهجوم، والظهور للعدو في وقت لا يتوقعه، دون مقدمات، وفي حركة سريعة، لا يقوى على رصدها، أو اكتشافها في وقت مبكر(١). وهذا عنصر أصيل في الحروب والمواجهات العسكرية الخاطفة، وتقوم على حسن تقدير واختيار الوقت، وسرعة التنفيذ من شأنها أن تشل قدرة الخصم على المواجهة، وتحقق أعلى نسبة من الأهداف، ومبدأ المفاجأة والمباغتة له ثلاثة أركان وهي: * الأسلوب المستخدم. * الزمان. * المكان. وإذا أردنا أن نسقط العناصر الثلاثة (١) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، ١٠ / ١١٥. # قوله عز وجل: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا﴾ أي: صوت نفسها مكتوم فلا ينتبه العدوّ، فهي مفاجأة في الأسلوب. قوله عز وجل: ﴿فَالْغِيرَتِّ صُبْحًا﴾ أي: وقت الصباح، وهو وقت المفاجأة لأخذ العدو على غير أهبة(٢)، وهذا عنصر مفاجأة في الزمان، فلا يتوقع الخصم ضربة في صفه مع الصباح الباكر. قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ مفاجأة مكانية، فلا يتوقع الخصم أن تنقل المعركة إلى وسطه وصمیم قلبه. ثانيًا: الأمن: ولما كانت المباغتة من أهم وسائل کسب الحرب، کان من أهم أسباب نجاحها التكتم والتستر(٣)، والتكتم والتستر إجراء أمني محض. وقد تناولت الآية الأولى من السورة هذا المبدأ حيث إن الخيول عندما تغير وتسرع یکون صهيلها مفزع، وقد يكون سببًا في كشف الخطة الهجومية للجيش، لذلك كانت الجيوش عند إغارتها يجعلون شيئًا (٢) محاسن التأويل، القاسمي، ٩/ ٥٢٨. (٣) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، ١٠ / ٨٠. www. modoee.com ٥٧ حرف الحاء على أفواه الخيل حتى تحول بينها وبين واضحًا في قوله تعالى: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَقْعًا﴾، الصهيل فيكون صوت نفسها قوى (١) ثالثًا: الإنزال خلف صفوف العدو: ويقصد بالإنزال خلف صفوف العدو: دخول بعض الوحدات الخاصة بالجيش، ووصولها إلى ما وراء الصفوف الأمامية للعدو حتى توجه له ضربة من الخلف، وتحدث فيه نكاية، وتقطع تواصل مقدمة الجند مع المؤخرة، وتصبح القوة المتقدمة من العدو في معزل بقية الجند، وهذا يبدو واضحًا من قوله عز وجل: ﴿فَوَسَطْنَ پِ، جَمْعًا﴾، ((قيل: صرن بعدوهنّ وسط جمع العدو))(٢)، أي اخترقن الصفوف فأصبحت مقدمة العدو مكشوفة الظهر في خطر. رابعًا: التعمية والتمويه: ويقصد بالتعمية ستر الوحدة العاملة عن عين العدو، ويعتبر هذا المبدأ من المبادئ الضرورية لإنجاح المهام الخاصة لهذه الوحدات، ووسائل التمويه كانت معروفة قديمًا، فقد كان قادة السفن يأمرون بصنع أشرعة زرقاء لسفنهم لكي تصبح مثل لون الماء أو السماء، کما يأمرون بعدم إشعال النار بالمركب؛ مما يمكنهم بالتالي من الاستفادة من عنصر المباغتة، وقد بدا ذلك (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٠ / ١٥٤. (٢) لباب التأويل، الخازن، ٤/ ٦٤٠. ((والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي أغرن فيه))(٣)، هذا الغبار من شأنه أن يغمي أعين العدو عن رؤية الجيوش المغيرة. وفي عصرنا الحديث هنالك من وسائل التغطية الصناعية كقنابل الدخان، واستغلال حالة الضباب الكثيف لتنفيذ بعض المهام الخاصة، التي تقوم بها الوحدات الخاصة ضد العدو. إن حالة إثارة الغبار، وأصوات السيوف وضبح الخيول وسرعة حركتها، وهي تضرب الأرض ضربًا بحوافرها وما ينتج عنه من قدح الشرر، يلقي في نفس جنود العدو من الفزع والهلع ما يجعل الواحد منهم لا يفكر إلا أن ينجو بنفسه، فیحدث حالة من الفرار وتفريق الجمع. خامسًا: المواجهة من نقطة الصفر: اعتادت الجيوش المعاصرة في هذا الزمان بفضل التقدم في مجال التصنيع والتقنيات العسكرية على المواجهة عن بعد، فقاذفات الصواريخ العابرة للقارات والطائرات الحربية بكافة أشكالها، بطيار ودون طيار، مما يجعل الحروب تحسم في أيام بهزيمة دول وانكسار إرادتها، قبل أن تجتاح جيوش العدو أراضيها. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢/ ٢٦٠. ٥٨ مَوسُو ◌َرُ النَّقِين القرآن الكريم الحب وتبقى المواجهة من نقطة الصفر والتحام الجيوش، هي الفيصل في تحقيق الهزيمة أو النصر، فكم من دول ذات إمكانيات كبيرة، فرت وهزمت إرادتها عند التحام الصفوف، وما حرب الأمريكان في فيتنام، والحرب الأخيرة على قطاع غزة منا ببعيد، فدولة اليهود تفر من ميدان المواجهة وهي تجر ذيول الخيبة والهزيمة أمام أبطال المقاومة عندما واجهتهم بعتاد بسيط، في تلاحم بطولي من نقطة الصفر، نقطة التحام الصفوف. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ، جَمْعًا﴾، ((أي: فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء، ففرقنه وشتتنه))(١)، وذلك بالضرورة يعني أن تتلاحم الصفوف وتلتقي السیوف وجهًا لوجه. فهذه السورة القصيرة في عدد آياتها العظيمة في معانيها، ترسم لنا نموذجًا لمعركة خاطفة تتنوع فيها عناصر المعركة، من مباغتة، واختراق لصف العدو، وتعمية، وتنوع في المفاجآت والتحام صفوف، تظهر لنا عناية القرآن واهتمامه بتربية الصف المؤمن على أعلى درجات التدريب والخطط العسكرية، تمامًا كما يربيهم على التقوى والورع والبكاء في أجواف الليل. (١) محاسن التأويل، القاسمي، ٩/ ٥٢٩. موضوعات ذات صلة: الجهاد، الحذر، السلم، القتال www. modoee.com ٥٩