Indexed OCR Text
Pages 21-40
الحب الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣]. فهذ عقوبة رادعة لكل من يعلن الحرب على الله ورسوله، بالقتل والنفي والقطع حدًّا على جرائمهم، واعتدائهم على الحرمات، وترويع الآمنين. ٢. العقوبة يوم القيامة. وكما توعد الله تعالى أعداءه بالأخذ في الدنيا، توعدهم بعذاب في الآخرة، وآيات القرآن الكريم كثيرة في هذا السياق نجمل بعضها فيما يأتي: العذاب العظيم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزَّىٌ فِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣]. * العذاب الأليم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ إِنَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَكِيمٍ )﴾ [الحج: ٢٥]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ وقال: الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيْمُ فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]. العذاب المهين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُواْ كُمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَقَدْ أَنْزَلْنَاَ ءَايَتٍ بَيِنَتِّ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ [المجادلة: ٥]. الخلد في النار. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ،مَن يُحَادِدٍ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدًا فِيهَاً ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٦٣]. * المصير السيّء. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (١١٥﴾ [النساء: ١١٥]. الحسرة والندم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمَوَّلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٦]. www. modoee.com ٢٧ حرف الحاء الإعداد للحرب أمرنا الله سبحانه وتعالى بالإعداد والتجهيز بكل ما نستطيع من قوة مادية ومعنوية لنرهب به عدو الله، ونكون أشداء على الكافرين والمنافقين، وحثنا على الشورى فيما بيننا، والتوكل على الله، وما النصر إلا من عند الله، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: إعداد القوة المعنوية والمادية: إن النفس البشرية والفطرة السليمة التي فطر الله عليها هذه النفس لتميل إلى السلم والموادعة، وتعاف من القتال والحروب، وتستشعر ثقلها ومشاقّها، والقرآن الكريم يفصح عن خفايا هذه النفس، وما تحويه من خير وشر، لا ينكر عليها هذا الشعور والإحساس، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌّ وَعَسَقٌ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فنجد أن القرآن الكريم بدأ في إعداد هذه النفس البشرية للقتال، وقد كان ذلك بالخطوات الآتية: ١. الإعداد النفسي للمقاتلين. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الترغيب في الجهاد: الجهاد أفضل الأعمال التي يبتغى بها وجه الله. جاءت النصوص القرآنية تحث المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، وقد قال الصحابة: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأخبروا بذلك(١) في قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُلْيَنٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: ٤]. وقوله تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُوا فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٣٥]. ففي الآيات بيان أن الجهاد هو أفضل سبيل لنيل مرضات الله والفوز بكراماته (٢). أمر الله نبيه بتحريض المؤمنين على القتال. يَأَيُّهَا النَّىُّ حَرْضِ قال تعالى: الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِّأْتَةٌ يَغْلِيُوْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا (١) انظر: الوجيز، الواحدي، ١٠٩٢. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٣/ ٣٢. ٢٨ القرآن الكريم الحب يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٥]. أي: بالغ في حثهم على القتال حتى لا يكونوا من الهالكين بعدوان الكافرين عليهم، وظلمهم لهم إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين(١)، ففي ذلك مصلحة للأمة یجب أن تحرص عليها. فضل الله المجاهدين على القاعدين. قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اَللّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ٩٥ [النساء: ٩٥]. فالآية فيها ما لا يخفى من بيان فضل المجاهدين. الجهاد سبيل النصر والتمكين. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْهَلْ أَذْلُكُعَلَى تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه ◌ٌَِ ◌ُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَكِيمٍ ) وَتَُّهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُ إِنْ كُ فَعُونَ ، يَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبِكُ وَيُدْخِذْكُوْ جَنَّتِ تَّرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَلَكِنَ طَتِبَةً فِ جَتَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، وَأُغْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌّ يِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ ١٣﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. قَرِيبٌ وَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ ٤ الجهاد ينهي الشرك والحروب. قال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْنَهَوْاْ فَلَا عُدْ وَنَ إِلََّ عَلَى القَّلِينَ (١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ١٠/ ٦٦. [البقرة: ١٩٣]. ٢١٩٣ أي: حتی لا یکون شرك ويكون الدين خالصًا لله، فإن انتهوا عن شركهم فلا تعتدوا على المنتهين، فلا يحسن أن يظلم من تاب وأناب (٢) والأمة اليوم تعيش حالةً من المذلة بسبب تركها للجهاد، فحلت بنا النكبات، ولن يدفع عنا ذلك إلا الجهاد. ■ الجهاد سبيل الخلد والفوز بالجنان. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ. m وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. روى الإمام مسلم بسنده عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلّقٌ بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربّهم اطّلاعةً)، فقال: (هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيّ شيءٍ نشتھي ونحن نسرح من الجنّة حیث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرّاتٍ، فلمّا رأوا أنّهم لن یتر کوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ، نرید أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتّى نقتل في (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٨. www. modoee.com ٢٩ حرف الحاء سبيلك مرّةً أخرى، فلمّا رأى أن ليس لهم غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًاُ وَاَللَّهُ عَلَى حاجةٌ تركوا)(١). ■ الجهاد بالنفس والمال ثمن الجنان. قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَقْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِّ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١)﴾ [التوبة: ١١١]. فالآية ترغب المؤمنين في الجهاد، ببيان فضله، بعد بیان حال المتخلفین عنه، فعبر السياق عن قبول ما بذل المؤمنون من نفس ومال في سبيله عز وجل(٢). المسألة الثانية: الترهيب من القعود عن الجهاد: الترهيب من القعود وعدم النفیر. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوِ الدُّنْیَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّ قَلِيلُ ﴿ إِلَّا نَفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، ١٥٠٢/٣، رقم ١٨٨٧. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/ ١٠٥. كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩]. أي: إن قعدتم عن إنفاذ أوامر الله، وعلى رأسها نصرة الله ورسوله، فسيهلككم بالعذاب، ويأت بعدكم بقوم آخرين، ليسوا من أصلابكم، وفي ذلك تأكيد الوعيد، والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية، المستلزمة للاستئصال للدلالة على شدة السّخط (٣). * التحذير من الغفلة عن السلاح. قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُّمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَيْكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّْضَى أَن تَضَعُّوْاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [النساء: ١٠٢]. ففي قوله تعالى: ﴿وَدَّ ◌ُلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَفْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ يتمنى الكفار لحظة، تغفلون بها عن أسلحتكم ومتاعکم، فیحملون علیکم حملة واحدة، (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/ ٦٥. مَوَسُورَةُ النَّهـ القرآن الكريم ٣٠ الحرب وأنتم منشغلون بصلاتكم عن السلاح والمتاع، فيقتلونکم ویستبیحون عسکرکم، فيحذر جل ذكره من الانشغال بالصلاة حال حضورها عن أخذ الحذر والحيطة وترك السلاح والغفلة عنه(١). وأعداء الأمة الیوم یحرصون على تجرید المسلمين من كل قوة، بعد أن غفلنا عن سلاحنا، وهم قد مالوا علينا، ومزقوا البلاد، واستباحوا المقدسات، وهتكوا الأعراض، وكل ذلك بسبب القعود واجب الجهاد والغفلة عن السلاح. التحذير من الوهن والضعف الاستكانة. قال تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّن نٍَِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْوَمَا أُسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ ( [آل عمران: ١٤٦]. «أي: فما فتروا، ولم ینکسر جندهم لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، وما ضعفوا عن جهاد عدوهم، ولا عن دينهم، وما استكانوا، أي: خضعوا لعدوهم))(٢). وكأنه سبحانه يقول للمؤمنين: هذا هو حال من قبلكم، فلا تكونوا أقل منهم، بوهنکم وضعفکم واستکانتکم. القعود عن القتال انقياد للشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَّقَىَ (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٩/ ١٦٢. (٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ص ٤١٧. الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أُسْتَزَلَهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران: ١٥٥]. ((قيل المعنى: إن الذين تولوا المشركين يوم أحد ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ استدعى زللهم بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ﴿يَبَعْضِ﴾ أي: بشؤم بعض ﴿مَاكَسَبُواْ﴾ من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم» (٣). ٢. الاعداد المادي للقتال. وفيه مسائل: المسألة الأولى: إعداد الجنود جسديًّا. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللّهَ أَصْطَفَتَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِّ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. إن لقوة أجسام العسكرين، قادة وجندًا، أهمية كبيرة، لما يترتب عليه من القدرة على القيام بمهامهم الميدانية، وكسر الشوكة العدو، بين السمرقندي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ذلك، فقال: آتى الله طالوت فضيلة في العلم والجسم، حيث كان رجلًا (٣) فتح البيان، القنّوجي، ٢/ ٣٦٠. www. modoee.com ٣١ حرف الحاء جسيمًا، عالمًا في فنون الحرب والقتال (١)، يأتونا من ورائنا، وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اثبتوا فى هذا المقام، فإذا عاينوكم وهذا هو ما جعله الله سببًا في أحقيته بقيادة الجند. ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام (٤). المسألة الثانية: إعداد خطط الجيش للمعركة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُّبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران: ١٢١]. إن إعداد الخطط يتأثر باختلاف الوسائل القتالية، واختلاف البيئة الجغرافية، وغير ذلك، ولكنه في جميع أحواله يتطلب الإعداد، ففي بدر نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلًا رأى الحباب بن المنذر خيرًا منه، فأخذ صلی الله عليه وسلم بقوله(٢). وفي الخندق، أخذ صلى الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق كخطة دفاعية عن المدينة (٣). وفي أحد خرج صلى الله عليه وسلم حتى وأصبح بالشعب من أحد، فمشى على رجليه، وجعل يصف أصحابه للقتال، کأنما یقوم بهم القدح، إن رأی صدرًا خارجًا أخره، ونزول جانب الوادي، وجعل ظهره وعسکرہ إلی أحد، وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة، وقال: ادفعوا عنا بالنبل حتى لا (١) انظر: تفسير السمر قندي، ١ / ١٦٢. (٢) انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري، ص١٩١. (٣) انظر: المصدر السابق، ص ٢٧٧. المسألة الثالثة: إعداد آلة القتال. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ٦٠ الإعداد التهيئة، ويدخل في ﴿مَّا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ كل ما يدخل تحت قدرة الناس من عدة، والقوة: كمال صلاحية الأعضاء لعملها، وتطلق القوة مجازًا على شدة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق أيضًا على سبب شدة التأثير، فقوة الجيش شدة وقعه على العدو، وقوته أيضًا سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فهو مجاز مرسل بواسطتين، فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جیوش عصرنا(٥). وعليه فإن الأمة مطالبة اليوم بتسخير مقدراتها لامتلاك القوة المادية، التي (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٨/ ٣٤٦. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠/ ٥٥. مَوَسُو ◌َرُ التفسير القرآن الكريم ٣٢ الحب تؤهلها لمواجهة المخاطر المحيطة بها مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ اُلْمُتَوَكِلِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. من کل جانب، وصد العدوان عن أبنائها، ومقدساتها، وعقيدتها، عملاً بما جاء بالکتاب، وأخذًا بالأسباب. ثانيًا: الشورى: جاءت شريعة الله عز وجل لترسي أفضل القيم البشرية في تألف الأرواح ورص الصفوف، واستنهاض الطاقات البشرية الكامنة في النفوس، فكانت الشورى من جملة قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، التي أرست دعائمها(١). وقد أخذ بها صلى الله عليه وسلم في كثير من شئون الأمة الاجتهادية، إذ لا مشورة فيما نزل به الوحي، فكان يستشير أصحابه في كثير من القضايا التي تمس حياتهم، مما يجعل الأمة تفتخر بميراثها من نبيها صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله عليه وسلم أكثر ما يستشيرهم في أمور القتال، لما له من أثر كبير في مجريات حياة الأمة، ولما يحتاج إليه من حشد الطاقات، ورص الصفوف، وتطييب للنفوس(٢). وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه فقال: ﴿فَِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَ نَفَضُّواْ (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ٥٣٤. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤/ ٢٥٠. وفي هذا تشريف لهذه الأمة، وبيان لفضلها عند ربها؛ فإن الملك العظيم لا يستشير إلا الخاصة من ملئه (٣). وتعتبر الشورى جزءًا من الإعداد، وحسن الإدارة، والتدبير قبل الدخول في الحروب والغزوات، ويمكن الاستدلال بما يأتي: ١. مشورة موسى لقومه في دخول الأرض المقدسة. ﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ قال تعالى: الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اَللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ . قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاً قَالَ رَبِّ إِنَّ لَآ ٢٤ إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ ٢٥ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِىِ الْأَرْضِِّ (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٠٩/٩. www. modoee.com ٣٣ حرف الحاء فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ [المائدة: ٢١- ٢٦]. فموسى عليه السلام يحاور قومه ويجادلهم للزوم أمر الله، ودخول الأرض المقدسة، وهو ما يترتب عليه قتال وجهاد، ولكن البون کبیر بین جواب قوم موسى عليه السلام لنبيهم، وجواب أصحاب محمد صلی الله عليه وسلم. ٢. مشورة نبي من بني إسرائيل لقومه قبل لقاء العدو. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَا مِنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْلِنَّبٍِ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّ ثُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. فسياق الآية يتحدث عن محاورة جيل من أجيال بني إسرائيل وتشاورهم مع أحد أنبيائهم حول القتال في سبيل الله ولقاء العدو لاسترداد أرضهم وأموالهم. ٣. مشورة ملكة سبأ لقومها في أمر سليمان عليه السلام. قال تعالى: ﴿قَالَتْ بَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أَلْفِىَ إِلَّ إِنَُّ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ ٣١ قَالُواْ فَحْنُ أُوْلُواْ قُوَقِ قَاطِعَةً أَمْ حَتَّى تَشْهَدُونِ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَّرُ إِلَيْكِ فَأَنْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل:٢٩-٣٣]. ٣٣ فالأمر کبیر، إنها رسالة إعلان حرب من نبي الله سليمان، على مملكة سبأ، يطلب بها الطاعة والإذعان والاستسلام، فجمعت أهل مشورتها لحسم الأمر. والجهاد والقتال يحتاجان إلى خبرات كثيرة في فنون القتال والمواجهة مع العدو، ويحتاج إلى حشد عظيم، وذلك لا يتم إلا بالتشاور وإعمال الذهن، وسياق قوله عز وجل: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ جاء تعقيبًا على أحداث غزوة أحد، وجاء السیاق ليؤكد هذا المبدأ الأصيل رغم ما لحق بالمسلمين من جراحات. ويرى بعض أهل التفسير أن المشورة لا تكون إلا بما يختص الحروب، وأن الألف واللام في قوله: ﴿الأَمْرِ﴾ ليست للاستغراق، وإنما هي للعهد (١)، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الشورى جزء من التخطيط للقتال. وكان سادات العرب إذا لم يستشاروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لئلا يثقل (١) انظر: اللباب، ابن عادل، ٦/ ٢٠. مُوسُوبَة النَِّيَّة القرآن الكريم ٣٤ الحرب عليهم استبداده بالرأي دونهم (١)، فالمشورة على مشاورتهم، والعزم هو الأمر المروّى ركن مهم لتوحيد الصف وجمع الكلمة، المنقّح، وليس ركوب الرأي دون روية وطبائع النفس البشرية واحدة على مدى عزمًا)) (٣)، ويمكن بيان ذلك فيما يأتي: الزمان. ثالثًا: العزم والتوكل على الله تعالى: قال تعالى محذرًا المؤمنين من الخلاف والتنازع: ﴿وَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُوا فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكْ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّبِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٦]. والتنازع هو افتراق الآراء، وما يترتب عليه من الخور والجبن، والهزيمة وذهاب الدولة، واستيلاء العدو (٢). فالحرب تحتاج إلى قيادة حازمة، وإن أخطر ما يمكن أن يواجهه القائد التردد وعدم العزم في اتخاذ القرار قبل الخوض في المعركة وخلالها. فبعد أن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعداد النفسي للمؤمنين، واستشارتهم بشأن القتال، كان لابد من توجيهه صلى الله عليه وسلم والقادة من بعده للعزم في الأمر، ثم التوكل على الله عز وجل، وهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في سائر أمره، ((قال قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، لا (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١/ ٤٣٢. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٥٪ ٣٣٢. ١. عزمه في معركة بدر. ذكر المباركفوري في رحيقه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من معه قبيل معركة بدر وعقد مجلسًا عسكريًّا استشاريًّا، فتحدث أبو بكر وعمر والمقداد بن عمر، وأشاروا عليه بالمضي، فلا زال يقول: أشيروا علي، حتى تحدث حامل لواء الانصار سعد بن معاذ، فقال: والله، لكأنك تریدنا یا رسول الله؟ قال: أجل، فتکلم کلامًا حسنًا جاء في ختامه ((فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله)»(٤)، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدأ يإعداد الصفوف، ووضع خطة اللقاء. وقد ذكر الثعلبي نحوًا منه في تفسير قوله تعالى: ﴿يُجَدِ لُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال: ٦](٥). ٢. عزمه في معركة أحد. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤/ ٢٥٢. (٤) الرحيق المختوم، ص ١٨٩. (٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٤/ ٣٣١. www. modoee.com ٣٥ حرف الحاء قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]. لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروج قريش لقتاله في أحد استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه، وكان الرأي بين قتالهم خارج المدينة أو التحصن بها، فمال إلى حربهم في المدينة، فبادرت جماعة كبيرة من شبان الصحابة ممن فاتهم يوم بدر، فأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك حتى بدا أن هذا هو الرأي السائد في المدینة، فنهض صلی الله عليه وسلم، ودخل بيته، ولبس لأمته، وخرج عليهم، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمکث في المدينة فافعل، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)(١). ٣. التحذير من ترك العزم. تمثّی المؤمنون نزول سورة تحض على القتال في سبيل الله، فلما نزلت وتثاقل من تثاقل، وفتر من فتر وقعد عن العزم، وبخ الله المتثاقلين، فقال تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ﴾ [محمد: ٢١]. وهذا تبكيت للمتثاقلين لفتورهم عند الجهاد بعد الأمر به، وما یتسبب عن ذلك الفتور من عظيم الفساد، فتخرب البلاد ويتشتت العباد، والتبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيهًا على تناهي غضب الله وبلوغه الغاية (٣). وهنا العبرة والدرس النبوي البليغ، فإن للشورى وقتها، فإذا جاء وقت العزم والمضي والتوكل على الله، ولم يعد هناك مجال للتردد، وإعادة الشوری والتأرجح بين الآراء، إنما تمضي الأمور لغاياتها، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء(٢). (١) علقه البخاري في صحيحه، ٩/ ١١٢. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٤٦٠. (٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٨/ ٢٣٩. جَوَسُولَةُ اللَّهِ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٦ الحب في ميدان الحرب إنّ ميادين الحرب كثيرة، والقرآن الكريم بيّن أمورًا للمسلمين في ميدان الحرب حتى يبقى الجيش والمسلمون متماسكين ولا يؤخذون على غرّة، فتكون مصيبة على المسلمين، ومن هذه الأمور التي بيّنها الله سبحانه وتعالى ووضّحها رسولنا الكريم ما سنتعرف عليه في النقاط الآتية: أولًا: الصلاة مع الحذر: لقد وجّه القرآن الكريم الأمة أفرادًا وجماعة لكل ما يصلح شأنها، ويرعى مصالحها، ويحفظ هيبتها، ويجعل منها أمة ربانية، لا يشغلها شاغل عن ذكر الله تعالی، فلا المال ولا الولد، ولا العلاقات الزوجية والأسرية، ولا القتال ولا النزال يشغل الأمة عن ذكر الله تعالی. قال تعالى مخاطبًا نبيه والقادة من بعده: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمُّ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُ واْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ ﴾ [النساء: ١٠٢]. ١٠٢ لِلْكَفِینَ عَذَابًا مُهِینًا أي: إذا كنت حال الخوف في أصحابك -سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر- فابتدأت الصلاة المفروضة فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة، ولتقم الطائفة الأخرى وجه العدو، يطوفون في كل موضع یمکن أن یأتي منه العدو ليهاجم المصلین، فهم بحاجة للحماية لدخولهم في الصلاة، وليحمل السلاح المصلي كما يحمله من هو خارج الصلاة، أخذًا بالأسباب والحيطة والحذر(١). وسبب الأمر بصلاة الخوف ما رواه مسلم بسنده عن جابر، قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبریل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة)(٢). إن الله عز وجل وهو يربي الأمة بتوجيهاته من خلال القرآن الكريم، ويلزمها (١) انظر: المصدر السابق، ٣٨٠/٥. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافر، باب صلاة الخوف، ١/ ٥٧٥، رقم ٨٤٠. www. modoee.com ٣٧ حرف الحاء بأحكامه، لا يغفل عن توجيهها للحفاظ على يأتي: أمنها وسلامتها في اللحظات الحاسمة من حياتها. ولما كانت الصلاة هي الزاد الروحي للمؤمنين، التي يستمدون من خلالها الصلة بربهم، وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على أدائها جماعة - حتى وقت التحام الصفوف- كان لا بد من وضع الخطة الملائمة لأداء هذه الفريضة وقت القتال، على الوجه الذي يضمن سلامة الصف، وتفويت الفرصة على العدو المتربص غفلة المؤمنين عن متاعهم وسلاحهم، فأمر نبيه والقادة من بعده بأداء صلاتهم جماعة، على الوجه الذي وصفه القرآن الكريم، مع الحث على أعلى درجات الحيطة والحذر. ثانيًا: الثبات مع ذكر الله تعالى: وفي سياق التوجيهات العسكرية للمحاربين، بين السياق القرآني العدة الحقيقة التي تعينهم على ذلك. يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا ◌َّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَّا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦]. والآيات الكريمة تبين أربع مسائل تقود إلى النصر على العدو، يمكن بيانها كما ١. الثبات وعدم الفرار. في قوله تعالى: ﴿فَتْبُتُواْ﴾ أمر لعباده المؤمنين بالثبات عند لقاء العدو، وعدم الخشية، وألا يتسلل الضعف إلى نفوسهم، وهذا توضيح من الله عز وجل للمؤمنين بسنن الحروب ولقاء الأعداء في الميادين، بأن الثبات ((هو بدء الطريق إلى النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما))(١). وقد حذر الله من الفرار والتولي أمام العدو فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَذْبَارَ وَمَنْ يُوَلِهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا (١٥ ◌ِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضٍَ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ [الأنفال: ١٥- ١٦]. وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من الكبائر، إلا أن يكون ضمن خطة تتضمن الكر والفر أو الانحياز إلى دعم فئة أو جبهة من جبهات القتال الأخرى. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم وأكل الربا، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣/ ١٥٢٨. ٣٨ القرآن الكريم الحرب والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات هذه اللحظات الحاسمة، فقد تكون هي الغافلات المؤمنات)(١). ٢. ذكر الله تعالى. وفي قوله عز وجل: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ بيان أن ذكر الله تعالى واستشعار معيته يهون على الجند عظمة الموقف، ويربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، فتتحقق لهم الغلبة على العدو، والأمر بالإكثار من ذكر الله عند القتال، هو عصمة المستنجد، ووزر المستعين، ((قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما یکونون عند الضراب بالسيوف» (٢). وقد يكون أريد ذكر الله بالقلوب والألسن، كما قال ابن عباس: أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم، تنبيهًا على أن الإنسان لا يجوز أن يخلي قلبه ولسانه عن ذكر الله، أو أريد به الدعاء بالنصر والظفر؛ لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى(٣). وكلا الأمرين مطلوب من المجاهد، فالذکر باللسان من تسبيح وتعظیم لله، وكذلك الدعاء، والتبتل وطلب النصر، هو خير ما يشغل المقاتل به نفسه في (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، ١/ ٩٢، رقم ١٤٥. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢ / ٥٣٦. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١٥٪ ٤٨٩. اللحظات الأخيرة من عمره، فتصعد روحه إلی الله، وهو ذاکر لله، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة) (٤). فالذكر والدعاء ركن أصيل يجب أن نربي عليه جيوش الأمة قبل الدخول في الحروب، وقبل أن نخوض بهم المیادین، ليكونا أنيسين للمقاتلين في الشدة، وعند التحام الصفوف. ٣. الطاعة وعدم التنازع. ومن المسائل المهمة التي يجب أن يتخلق بها الجند والمقاتلون، الطاعة للقيادة وعدم التنازع، فقد عقب الله تعالى على أمره وَأَطِيعُواْ بالثبات عند اللقاء وذكره بقوله: اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، فالطاعة من أهم لوازم النصر، والظفر بالعدو عند لقاء الصفوف، كما بين المراغي في تفسيره حيث قال: ((وأطيعوا الله فيما أمركم به من الأسباب الموجبة للفلاح في القتال وفى غيره، وأطيعوا رسوله كذلك، فهو المبيّن لكلام ربه، والمنفّذ له بالقول والعمل والحكم، وهو القائد الأعظم في القتال، فطاعته هي جماع النظام، والنظام ركن من أركان الظفر، وهو المشارك لكم (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز، باب في التلقين، ٣/ ١٩٠، رقم ٣١١٦. www. modoee.com ٣٩ حرف الحاء في الرأي والتدبير والاستشارة في الأمور، عن الناس، ومنع التأثير عليهم في دينهم الذي يدينون، وعقيدتهم التي يعتقدون. ولا یکن منکم تنازع واختلاف، فإن ذلك مدعاة للفشل والخيبة وذهاب القوة، فيتغلب عليكم العدو))(١). ٤. الصبر. وهو ما سيتم الاستفاضة فيما سيأتي في النقطة الخامسة بإذنه تعالى. ثالثًا: إنزال العذاب بالأعداء بما يلقي الرعب في قلوب الآخرين: أمر الله عباده المؤمنين بالقيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأثنى على الفئة التي تقوم بهذا الجهد. قال تعالى: ﴿وَلَتَكُنْ مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِّ وَأُؤْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١)﴾ [آل عمران: ١٠٤ ]. وأمر الأمة بقتال من يصد الدعاة، ویمنعهم من القيام بدورهم الذي أمروا به. قال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلََّ عَلَى الفَّلِينَ • [البقرة: ١٩٣]. وهذا هدي الفاتحين الأولين في هذه بهم(٣). الأمة، فکانوا یخیرون الأمم بین الإسلام، أو الجزية، أو القتال كعلاج أخير، لرفع الظلم (١) تفسير المراغي، ١٠/ ١٠. مُوسُو ◌َر النفسية الموضو القرآن الكْرِيْمِ فأبى الطغاة إلا الصد عن دين الله، وإخضاع الناس لسلطانهم، فكان لزامًا على الأمة اقتلاع جذورهم، ليكونوا عبرة لكل من يصد عن هذا الدين، ويقف في وجه الدعاة إليه، وقد جاء السياق القرآني ليبين هذا المعنى. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ الَّذِينَ عَهَدتَّ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ يَتَّقُونَ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٥٧ [الأنفال: ٥٥ -٥٧]. والتشريد بمعنى التفريق مع الاضطراب، قال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غیرهم، وقيل: نکل بهم تنکیلا یشرد غيرهم من ناقضي العهد، لعلهم يتعظون (٢)، وقيل: يا محمد - والكلام لولاة الأمر من بعده- إن صادفت هؤلاء الكفرة فافعل بهم ما بدا لك من فعل، يكون رادعًا لهم، ليكون تخويفًا لمن يأتي بعدهم، أو يفعل مثلهم، قال ابن عباس: المعنی نكل بهم من خلفهم، وسمع (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٥/ ٤٩٧. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ٥٢٤. ٤٠ الحب رابعًا: ضرب رقاب الأعداء حتى أَعْمَلَهُ ﴾ [محمد: ١ -٤]. الإضعاف: إن ميدان النزال والقتال هو أحد میادین الدعوة إلى الله، فهو ليس ميدانها الأول ولن يكون الأخير، وإنما يأتي ضمن سلسلة ميادين هذه الدعوة المباركة. والمقاتل في سبيل الله هو داعية إلى الله قبل أن يكون مقاتلاً وحاملًا للسلاح، فالدعوة إلى الله تعالى رحمة وهداية للناس، وليست قتلًا ولا سفكًا للدماء. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّ رَحْمَةً ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. لِلْعَلَّمِينَ آَّ فإن أبى جند إبليس إلا التمرد على أمر الله وسلطانه، والصد عن الدعوة واعتراض سبيل الدعاة، فإن لكل داء دواءً، ودواء المعاندين والمستكبرين المحاربين أن تثخن فيهم الجراح. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اللَّهِ أَضَلَ أَغْنَلَهُمْ 0. الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لَمَنُّ مِن تَّمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ ) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ أَلْحَّ فَإِذَا مِن رَّبِهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَهُمْ لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابٍ حَتَّىَ إِذَاَ أَلَْتُمُومٌ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَتَّى تَضَعَ الْرِّبُ أَوْزَارَهَاأَ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الَّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِتَبْلُوَّا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَلَنْ يُضِلَ بينت الآيات أن الناس فريقان، أحدهما: يمثل الشيطان وحزبه، والآخر يمثل الفئة المؤمنة، توجب على المؤمنين قتالهم، وقد جيء (بضرب) منصوبًا على المصدر، أي: اضربوا ضرب الرقاب، وذلك يفيد المبالغة في قصد رقابهم لا غیر، وهذا يفيد قتلهم، والتخلص من أرجاسهم، وفي استهداف رقابهم حكمة عظيمة، فقتال المؤمنين للكفار يكون المؤمن فيه دافعًا وليس مدافعًا، كما يفعل مع رد الصائل، وقاطع الطريق، الذي لا يراد من حربه قتله، بل تخويفه ورده(١). ويستمر السياق القرآني في تحريضه للمؤمنين، ليواصلوا المعركة مع المشركين، حتى يوقعوا فيهم القتل، وينهكوا قواهم، ويكسروا شوكتهم، ويجهزوا على مقاتلتهم بين قتيل وأسير، حتى لا يبقى في الميدان إلا مسلم أو مسالم(٢). فميدان الدعوة إلى الله باللسان ميدان بليغ، قوامه دعوة الناس بالكلمة الطيبة، ومقابلة الحجة بالحجة، وانتقاء أطيب الحديث، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ (١) انظر: مفاتح الغيب، الرازي، ٢٨/ ٣٨. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٠/٥. www. modoee.com ٤١ حرف الحاء بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ جذوع النخل، رأى موسى عليه السلام أن حربًا ضروسًا يقودها فرعون واقعة لا ﴾ [النحل: ١٢٥]. (١٢٥) محالة على قومه، وأن القوم قد جزعوا وميدان النزال والقتال يجب ألا يقل بلاغة في الإٹخان، والتنکیل بالعدو، و قتله، وتشريده، عن بلاغة كلام الدعاة من الوعاظ والمرشدين. وخافوا، فأمرهم عليه السلام بالاستعانة بالله والصبر، وأخبرهم بوعد الله له بهلاك القبط، وتوريثهم أرضهم (١). خامسًا: الصبر: وحتى يتحقق للأمة مرادها من القتال، وهو التنكيل بالكفار قتلا وتشريدًا، ليستقر الرعب في قلوبهم ويسلّموا لأمر الله تعالى، ويدخلوا في دين الرحمة والهداية، فإن هذه الحالة تستدعي من المؤمنين جهدًا كبيرًا، وبذلًا وعطاءً، وتضحية وفداءً، لا يصمد معه إلا من قدّر للأمر قدره، وأعد لهذا الجهاد عدته، وخير عدة يتزود بها المقاتلون بعد تقوى الله تعالى، هو الصبر والمصابرة، وقد جاء القرآن بآياته الكريمة يحث المسلمين على الصبر والمصابرة عند لقاء العدو، ويبين لهم عاقبة هذا الصبر، حتى يبلوا البلاء الحسن، وتوضيح ذلك فيما يأتي: قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١) [الأعراف: ١٢٨]. لما توعد فرعون بني إسرائيل بقتل الرجال واستحياء النساء، والتصليب في ونلاحظ هنا أن موسى عليه السلام يأمر قومه، ويحثهم على الاستعانة بالله، والصبر قبل لقاء العدو، لما لذلك من أثر في سكون النفس وهدوئها عند اللقاء، وما يترتب على ذلك من النصر والتمكين. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَؤُواْ لِجَالُونَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. إن أفضل ما يستجلب معونة الله للعبد، هو صبر العبد لله؛ لذا كان الصبر لله تعالى عند اللقاء، وتحمل تبعات الحرب ومشاقها، من كر وفر، وإراقة دماء، وفقد أحبة، وقطع للأعضاء، وتطاير الرؤوس، وما يلحق بالمجاهدين من مشقة، طمعًا لنيل رضى الله، هي الجالبة لمعونة الله، التي يترتب عليها النصر والظفر بالعدو، ولما علمت الفئة المؤمنة القليلة، أن معية الله لا تثبت أمامها كثرة الأعداء، ولا تخذلها (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ، ٥/ ١٤٤. ٤٢ القرآن الكريمِ الحب قلة المؤمنين، قالوا جميعًا عند المبارزة: ﴿ربنا أفرغ عليناصبرًا ﴾أي: صب علينا الصبر صبًّا، كما يصب الماء على الثوب فيبلله، فاستجاب الله تعالى لدعائهم، وذلك لقيامهم بالعمل الذي يستوجب معية الله عز وجل ويجلب النصر، وهو الصبر والثبات (١). وقد جاءت آيات كثيرة في حض المؤمنين على الصبر والثبات عند اللقاء وجميعها تحمل نفس المعاني، قال تعالى: ﴿بَلَىْ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِنَ الْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. أي: إن تصبروا عند اللقاء وتتزودوا بتقوى الله عز وجل، يكن الله معكم ويمدكم بالعون والملائكة الذين يقاتلون معكم العدو، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٥) وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦]. (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٠٨. بعد انتهاء الحرب وكما يوجه السياق القرآني الأمة ويحرضها على قتال الكفار والقعود لهم كل مرصد، فإنه لا يغفل معالجة القضايا التي تنتج عن هذه الحروب، فكثيرة هي تبعات الحروب والقضايا الناتجة عنها، وقد عني القرآن بمعالجة هذه القضايا، وسيتناول هذا المبحث بعض هذه القضايا. أولًا: معاملة أسرى الحرب: إن من أهم القضايا التي يعالجها القرآن الكريم الناتجة عن الحروب قضية الأسرى. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُر أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٦٧]. ٦٧ نزلت هذه الآية الكريمة بعد غزوة بدر الكبرى، وتناول السياق فيها قضية الأسرى، وما أعقبها من جدل حول التعامل معهم، والأحكام المتعلقة بالأسرى، من ضرب رقابهم أو المن والفداء. فهذه هي المرة الأولى في حياة الأمة التي تواجه بها عدوها، وكان القصد والهدف منها كما بين الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتَبِكَةِ أَنّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ www. modoee.com ٤٣ حرف الحاء ٢﴾ [الأنفال: ١٢]. كُلَّبَنَانِ فقد كان قتل المشرکین وضرب الرؤوس والأعناق هو الغاية من المعركة، لإذلالهم، وكسر شوكتهم، وإضعافهم فلا تقوم لهم على الأرض قائمة. فلما انشغل المسلمون بجمع الأسرى والغنائم ظنًّا منهم أن قتل سبعين من المشركين يكفي لتكون المبالغة في القتل قد تحققت، فلامهم الله تعالى على ذلك فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْرَى حَتَّى یُئِنَ فِى الْآَرْضِ﴾، فهذا العدد ليس كافيًا لإذلال المشركين، وإرغامهم(١)، ولم یکن حکم من الله قد سبق في الأسرى، فاستشار صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأخذ برأي الفداء، فلامه ربه، وبين له الأصوب في هذه المسألة، وهو المبالغة في قتل المشركين وقهرهم وكسر شوكتهم(٢). وإن من یتتبع الآيات الكريمة، التي تناول السياق فيها مسألة الأسرى ليخلص إلى ما يأتي: أولًا: لام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بسبب انشغال أصحابه بأسر المشركين في المعركة الأولى، التي تواجه فيها المشركون، وبين أن الأولى في هذه المعركة هو إثخان جراحهم، وكسر (١) انظر: مفاتح الغيب، الرازي، ١٥/ ٥٠٩. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤ / ٥٨-٦٠. شوكهم، وإلحاق الهزيمة النفسية بهم، فلا يقووا على قتالكم، قال البيضاوي في تفسيره: أي حتى يكثر القتل، ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر، ويقل حزبه، ويعز الإسلام، ويستولي أهله، وأمر بالإثخان، ومنع الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين (٣). ثانيًا: لم ينه القرآن الكريم الأمة عن أسر المشرکین، وشد الوثاق علیھم، بدلیل قوله عز وجل: ﴿حَقَّ يُشْخِنَ فِ اْأَرْضِ﴾، بل شرع لهم ذلك، ولكن شريطة أن يكون بعد المبالغة في ضرب رقابهم، وإثخان القتل والجراح فيهم، حتى تنكسر راية الكفر، ويهزم جنده، ولا يبقى لهم شوكة في الأرض، أما الاشتغال بجمع الأسرى قبل أن تتحقق هذه الغاية، فهذا ما عابه الله علیھم(٤). ثالثًا: قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَتَّى إِذَا أَنْخَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ بَشَآءُ اللّهُ لَأَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٌِ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَمْ ﴾ [محمد: ٤]. ففي الآية أمر من الله لنبيه صلى الله (٣) انظر: أنوار التنزيل، ٣/ ٦٧. (٤) انظر: مفاتح الغيب، الرازي، ١٥ / ٥٠٩. ٤٤ مَوَسُوبَة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الحب عليه وسلم باستهداف رقابهم بالسيوف عند القتال والمنازلة، فذلك أنكى في القتل وأبلغ، فإن تحقق ذلك، وأغرقتموهم في دمائهم، وأنهكتم قوتهم، وظننتم أنه لن تقوم لهم قائمة، فشدوا الوثاق أسرًا وتقييدًا لمن بقی منهم، حتى لا یکروا علیکم، ويقتلوکم، وحسمتم الأمر فإذا ما انتهت المعركة، لصالحکم، فإما أن تمنوا عليهم بفکهم، أو تفادوهم وتخلوا سبيلهم(١). رابعًا: إن القرآن الكريم يتعامل مع النفس البشرية معاملة المشفق الحاني، لا معاملة الشامت المتربص، فلما فرض النبي صلى الله عليه وسلم الفداء على الأسری وجد بعضهم في نفسه، حتى قال العباس رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: ((يا محمد تركتني أتكفف قريشًا ما بقيت!))(٢)، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِمَنْ فِيَ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرً يُؤْيِّكُمْ خَيْرً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَ ٧٠ [الأنفال: ٧٠]. (٣) لهم وتطييبًا لنفوسهم خامسًا: أمر الله بالرفق بالأسير ولو كان على غير ديننا، ومن غير ملتنا ومحاربًا لنا، فأوجب معاملتهم المعاملة الحسنة، وتوفير الطعام والكساء الذي يحفظ عليه حياة كريمة، فلعل مثل هذه المعاملة أن تكون رسولًا إلى قلبه، يرى من خلالها الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين، فیکون ذلك حافزًا له للإيمان، واللحاق بركب المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ أَلَّعَامَ عَلَى حُبِّهِهِ مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. أي: يطعمون الطعام على شدة حاجتهم إليه وقلته، وقيل: لأجل حب الله وذكر منهم الأسرى، أمر الله المسلمين بالأسرى خيرًا، وإن أسراهم يومئذ أهل الشرك، فعلى هذا الوجه يجوز إطعام الأسرى، وإن كانوا على غير ديننا، وأنه يرجى ثوابه، ولا يجوز أن يعطوا من الصدقة الواجبة كالزكاة والكفارة، وقيل: الأسير المملوك، وقيل: الأسير المرأة، وقيل: غريمك أسيرك، فأحسن إلى أسيرك (٤). والأرجح -والله أعلم - أن المقصود هنا فلمّا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء من الأسارى، وشق عليهم أخذ أسير الحرب؛ فالإحسان للملوك والمرأة أموالهم، ذكر اللّه تعالى هذه الآية استمالة جاء في سياق آخر في القرآن الكريم. (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ١٥٤. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/ (٣) انظر: اللباب، ابن عادل، ٩ / ٥٧٤. ٣٧. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٤/ ٣٧٨. www. modoee.com ٤٥ حرف الحاء ثانيًا: الغنائم وتقسيمها: ومن القضايا التي عالجها القرآن الكريم بعد انتهاء الحرب قضية الغنائم وتقسيمها. ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن قال تعالى: شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ إِن كُتُمْ ءَامَنتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * [الأنفال: ٤١]. وقد تناول السياق القرآني هذه المسألة مراعيًا ضعف الأمة وفقرها، وحاجتها إلى القوة المادية والعتاد الذي يقوّي به شوكة المسلمين ويعزز قدراتهم القتالية بين سائر الأمم، ويمكن بيان معالجة القرآن الكريم لمسألة الغنائم فيما يأتي: أولًا: رد الله حكم الغنائم والفيء له عز وجل ولرسوله صلی الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١]. وهذه هي طبيعة القرآن الكريم ومنهجه في معالجة القضايا التي تطرأ في حياة الأمة، أن يرد الأمر لله ولرسوله ليحكم فيه، وقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن اختلف الصحابة في غنائم بدر، وقد أطال المفسرون القول في تعيين سبب نزول هذه الآيات وملخصها: أن نفوس أهل بدر تنافرت، ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة والاختصاص، فنزلت، فردت أمر الغنائم فيها إلى الله ورسوله، لتنهي هذا التنازع، فرضي المسلمون، وسلموا، وأصلح الله ذات بينهم(١). ثانيًا: حرم الله عز وجل الغنائم على الأمم السابقة، وأحلها لهذه الأمة لما رأى ضعفها وحاجتها للمال والعتاد. قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [الأنفال: ٦٩]. وقال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حیث کان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة)(٢). ثالثًا: ميز السياق القرآني بين ما غنم من الكفار بحرب، وبین ما أخذ بدون حرب ولا نزال. (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٥٪ ٢٦٨. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ١ / ٣٧٠، رقم ٥٢١. صَوْسُو بَرُ النَّـ القرآن الكريم ٤٦