Indexed OCR Text
Pages 21-40
الحزن
كما أن فراقه يصيبه بالحزن، وعندما طلب
أخوة يوسف من أبيهم أن يترك معهم أخاهم
يوسف ليذهب للعب والرعي، قال لهم:
قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ
يَأْكُلَهُ الذِّتْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ ﴾
[يوسف: ١٣].
والمعنى: یشق علي مفار قته مدة ذهابکم
به إلی أن يرجع، وذلك لفرط محبته له لما
يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة
والكمال في الخلق والخلق صلوات الله
وسلامه عليه(١).
يقول القشيري: ((يحزنني أن تذهبوا به
لأني لا أصبر عن رؤيته، ولا أطيق على
فرقته ... هذا إذا كان الحال سلامته .. فكيف
ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب))(٢).
وقال الرازي: ((اعلم أنهم لما طلبوا منه
أن یرسل یوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين:
أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه
مما یحزنه))؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.
والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه
برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به»(٣).
أما أم موسى عليها السلام فإنها لما
وضعت موسى خافت عليه من فرعون
وجنوده أن يقتلوه، لأنهم كانوا في ذلك
الوقت يقتلون كل مولود ذكر من بني
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٣٢٠.
(٢) لطائف الإشارات، ٢/ ١٧٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨ / ٤٢٦.
إسرائيل، فأوحى الله إليها أن تضعه في
تابوت ثم تلقيه في اليم، ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَ أُمِّ
مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِیهِ فِى
اَلْيَّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْتٍ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧].
والمعنى: وأوحينا إلى أم موسى:
أعلمناها أن ترضع ولدها الرضعات الأولى
التي لا بد منها ثم تضعه في تابوت ثم تلقيه
في اليم. أي: في البحر، وهو نهر النيل، ﴿وَلَا
تَخَافِوَلَا نَحْرَبٍ﴾ أي: لا تخافي أن يهلك ولا
تحزني على فراقه، إنا رادوه إليك (٤).
لا شك أنالخوف کان یسیطر علی جمیع
أركانها وجوانحها والحزن يملأ قلبها، كيف
تترك ولدها في ذلك الصندوق مرميًّا به في
البحر، حقًّا إنه موقف عصيب. فإذا كانت
الأم تحزن لفراق ولدها؛ لأنه ذاهب إلى
عمل سينقضي بعد فترة من الزمن، أو أنه
مسافر وسيرجع بعد أيام، فكيف بقلب أم
موسى على فقد ولدها والمخاطر تحدق به
من كل مكان، ولكن كانت عناية الله ورعايته
تحوطان موسى عليه السلام، فحفظه الله
سبحانه وتعالى ورده إلى أمه سالمًا معافى
ولا قلق ولا خوف عليه بعد ذلك.
له تعالى: ﴿فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].
وقال: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ كَنَّ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٥٤.
www. modoee.com
١٣٥
حرف الحاء
تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ
أَكْتَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [القصص: ١٣].
والمعنى: فرددناك إلى أمك بعد ما
صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها
بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في
اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من
فرعون عليك أن يقتلك(١).
وقيل: ((أي: فرددناه إلى أمه بعد أن
التقطه آل فرعون، لتقرّ عينها بابنها إذا رجع
إليها سليمًا، ولا تحزن على فراقه إياها))(٢).
قال ابن عاشور: ((وهذه منة عليه - أي:
موسى- لإكمال نمائه، وعلى أمه بنجاته،
فلم تفارق ابنها إلا ساعات قلائل، أكرمها
الله بسبب ابنها.
وعطف نفي الحزن على قرة العين
لتوزيع المنة؛ لأن قرة عينها برجوعه إليها.
وانتفاء حزنها بتحقق سلامته من الهلاك
ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى.
وتقديم قرة العين على انتفاء الحزن مع
أنها أخص -فيغني ذكرها عن ذكر انتفاء
الحزن- روعي فيه مناسبة تعقيب فرجعناك
إلى أمك بما فيه من الحكمة)) (٣).
وقال الشنقيطي: ((وقوله تعالى في
آية القصص: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ
وعد الله المذکور هو قوله:﴿وَلا
حَقٌّ
(١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٣٠٥.
(٢) تفسير المراغي ٢٠/ ٤١.
(٣) التحرير والتنوير، ١٦/ ٢١٩.
تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ
اَلْمُرْسَلِينَ﴾))(٤).
فترك الولد والأهل من أسباب الحزن،
ويشتد ويغلظ عندما لا يعلم ما سيؤول إليه
أمرهما بعد الترك.
سابعًا: فقد الأحبة:
فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان على
حب أقاربه وأصحابه وإخوانه، وعندما
یصاب في واحد منهم فإنه یحزن، وهذا أمر
طبيعي، فالوالدان یحزنان علی فقد ولدهما،
والعكس، والزوج على زوجته، والعكس،
وكل محبوب للقلب إذا فارقه يحزن لفراقه.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن
نبيه يعقوب عليه السلام عندما فقد ولده
المحبوب یوسف علیه السلام أنه حزن حزنًا
شديدًا حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن،
وكثرة البكاء.
، سبحانه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ
یقول
يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبَيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ
اٌلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: ٨٤].
والمعنى: وتولى يعقوب عليه الصلاة
والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا
الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت
عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد
الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ١١.
مَوَسُوبَةُ الْتَقِّية
القرآن الكريم
١٣٦
عيناه من ذلك. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي: ممتلئ إبراهيم(٣). فعندما مات ولده إبراهيم حزن
رسول صلى الله عليه وسلم ودمعت عيناه
القلب من الحزن الشديد، ﴿وَقَالَ يَأَسَفَى
عَلَ يُوسُفَ﴾ أي: ظهر منه ما كمن من الهم
القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة
الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى(١).
الشريفتان، وقال: (إن العين تدمع، والقلب
يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا
بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) (٤). وفي
رواية: (تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول
إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك
لمحزونون)(٥).
يقول الإمام البغوي: ((وذلك أن
يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين
تتام حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على
يوسف فأعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَأَسَفَى
يا حزناه، ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ والأسف أشد
الحزن، ﴿وَأَتَيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾
عمي بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست
سنين، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مكظوم مملوء
من الحزن ممسك عليه لا يبثه. وقال قتادة:
يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرًا. قال
الحسن: کان بین خروج یوسف من حجر
أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عامًا، لا تجف
عینا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ
أكرم على الله من يعقوب»(٢).
وفي بكاء يعقوب وحزنه دليل على
جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل
أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف؛ فإنه
قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٠٤.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٢٦٧.
ولكن الحزن عند نزول المصيبة يجب
ألا يتجاوز المشروع، ويتعدى الممنوع، فلا
يسخط صاحبه بقول أو فعل، ولا يعترض
على أقدار الله النازلة بلسان؛ ولا يصيح
وينيح، ولا يلطم الخد ولا يشق الثوب، بل
يصبر ويحتسب، ويسترجع.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣ / ١٧٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا بك
لمحزونون)، ٢/ ٨٣، رقم ١٣٠٣.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال
وتواضعه وفضل ذلك، ٤ / ١٨٠٧، رقم
٢٣١٥.
www. modoee.com
١٣٧
حرف الحاء
الحزن المنهي عنه
((لم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه،
أو منفيًّا. فالمنهي عنه كقوله تعالى: ﴿
وَلَا
تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقوله: ﴿وَلَا تَّحْزَنْ عَلَّهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨،
النحل: ١٢٧، النمل: ٧٠] في غير موضع،
وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
[التوبة: ٤٠].
والمنفي كقوله: ﴿فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨])(١).
أولًا: الحزن على المعرضين:
نهى الله سبحانه نبيه محمدًا عليه الصلاة
والسلام في غير ما موضع من القرآن الكريم
عن الحزن على إعراض المشركين عن
دعوته وعدم استجابتهم لرسالته ورفضهم
الدخول في دينه، فقد كان النبي صلى الله
عليه وسلم يجتهد ويبذل كل ما يستطيع
لتبليغ ما أرسله الله به، ويحرص كل
الحرص على أن يدخل الناس في هذا الدين
حتى ينجوا من النار، ويخلصوا أنفسهم
من الشرك والعبودية لغير الله، ولكن كان
المشركون يقابلونه بالإعراض والاحتقار
ورفض ما يدعوهم إليه، فكان يصيبه الحزن
لما يجد من هؤلاء، بل كانوا مع إعراضهم
يتعرضون لإيذائه بأفعالهم وأقوالهم، فكان
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥٠٠.
القرآن يتنزل على نبيه يسليه ويزيل ما في
قبله من هم وحزن نتيجة ما كان يفعله
قومه به، وهذه هي الآيات التي كانت تنھی
النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن على
إعراض المعرضين.
يقول تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ
فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللّهَ شَيْئًاْ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ
يَجْعَلَ لَهُمْ حَقَّا فِ اَلْآَخِرَةِّ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ [آل عمران: ١٧٦].
والمعنى: أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان حريصًا على الخلق، مجتهدًا في
هدایتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، فقال
الله تعالى له: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
آلگُفرِ﴾ من شدة رغبتهم فیه، وحرصهم عليه
﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُوا اللهَشَيْئًا﴾ فالله ناصر دينه،
ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا
تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون
في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا،
وحصول العذاب الأليم في الأخرى (٢).
قال ابن كثير: ((يقول تعالى لنبيه صلى
الله عليه وسلم: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ
فِ الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على
الناس كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة
والعناد والشقاق، فقال تعالى: ولا يحزنك
ذلك ... )(٣).
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٥٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ١٧٣.
١٣٨
مَوَسُوعَدُ النفسية الوصف
القرآن الكريم
الحزن
يَأَيُّهَا الرَّسُولُلَا
وقال تعالى:
يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ مِنَ
الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن
قُلُوبُهُمُّ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَّعُونَ
لِلْكَذِبِ سَنَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَوْـ
يَأْتُوَةٌ يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ.
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ
فَأَحَذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ
لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدٍ
اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ
وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[المائدة: ٤١].
والمعنى: ((لا تهتم ولا تبال بمسارعة
المنافقين فى الكفر؛ وذلك بسبب احتيالهم
في استخراج وجوه الكيد والمكر في
حق المسلمين، وفي مبالغتهم في موالاة
المشركين؛ فإني ناصرك عليهم وكافيك
شرهم))(١).
يقول القاسمي: ((﴿لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ
يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ﴾ أي: لا تهتم ولا
تبال بما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام
ومضرة أهله))(٢).
قال الخازن: (((﴿مِنَ اُلَّذِينَ قَالُوا
ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ يعني:
المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان بالقول
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٣٥٨.
(٢) محاسن التأويل، ٢/ ٤٦٢.
وَمِنَ
وكتموا الكفر وهذه صفة المنافقين
اُلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: وطائفة من اليهود))(٣).
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُئِكَ
وقال تعالى:
كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَتُنِيِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهُ
عَلِيُمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [لقمان: ٢٣].
ن
وََ
لما ذكر الله المسلم فى قوله:
يُسْلِمْ وَجْهَهُ: إِلَى اللَّهِ وَهُوَ تُحْسِنٌ فَقَدٍ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىُّ وَ إِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ )
[لقمان: ٢٢].
ذكر الكافر المعرض عن الهدى الذي
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك
أن النبي كان يهتم ويحزن لهذا الإعراض
والجحود من قبل الكافرين فقال الله له:
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُّنِكَ كُفْرُهُ﴾.
قال الرازي: «أي: لا تحزن إذا کفر كافر
فإن من یکذّب وهو قاطع بأن صدقه یتبین
عن قریب لا یحزن، بل قد يؤنّب المكذّب
على الزيادة في التكذيب إذا لم يكن من
الهداة ويكون المكذب من العداة ليخجله
غاية التخجيل، وأما إذا كان لا يرجو ظهور
صدقه يتألم من التكذيب، فقال: ﴿قَلَا
يَحْزُئِكَ كُفْرُ﴾، فإن المرجع إلي فأنبتهم
بما عملوا فيخجلون)» (٤)
وقال السعدي: ((﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ
كُفْرُهُ﴾؛ لأنك أديت ما عليك، من الدعوة
(٣) لباب التأويل، ٢/ ٤٣.
(٤) مفاتيح الغيب، ٢٥ / ١٢٦.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الحاء
والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين،
وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم، وترغيب في
الإسلام لکل من کان خارجًا عنه، فالآية من
الاحتباك: ذِکْر الحزن ثانیًا دلیلٌ علی حذف
ضده أولًا، وذِكْر الاستمساك أولًا دليلٌ على
حذف ضده ثانيًا)» (٣).
على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم
اهتدائه؛ لأنه لو كان فيه خير، لهداه الله،
ولا تحزن أيضًا على كونهم تجرأوا عليك
بالعداوة، ونابذوك المحاربة، واستمروا
علی غیهم وكفرهم، ولا تتحرق علیھم،
بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب)»(١).
وقال المراغي: «لا تحزن علی کفرهم
بالله وبما جئت به، ولا تذهب نفسك علیھم
حسرات، فإن قدر الله نافذ فیهم))(٢).
أما البقاعي فقد ربط الآية بالتي قبلها
وفصل القول في جمل الآية فقال: ((ولما
ذكر المسلم ذكر الكافر فقال: ﴿ وَمَن
كَفَرَ﴾ أي: ستر ما أداه إليه عقله من أن الله
لا شريك له، وأنه لا قدرة لأحد سواه، ولم
يسلم وجهه إليه، فتكبر على الدعاة وأبى
أن ینقاد لهم، اتباعًا لما قادہ إلیه الهوى،
بأن جعل لنفسه اختيارًا وعملًا فعل القوي
القادر، فقد ألقى نفسه في كل هلكة لكونه
لم يتمسك شيء ﴿فَلَا يَحْزُنكَ﴾ أي:
يهمك ويوجعك، وأفرد الضمير باعتبار
لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال:
﴿كُفْرُهُ﴾ كائنا من كان فإنه لم يفتك شيء فيه
خير ولا معجز لنا ليحزنك، ولا تبعة عليك
بسببه، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأول
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٥٠.
(٢) تفسير المراغي، ٢١/ ٩١.
وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا
◌ِاَللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا
(١٢٧) [النحل: ١٢٧].
يَمْكُرُونَ
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ((لكونهم لم
يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار، ويقوى
بهم جانب الإسلام، وكأن هذا هو الصفح
المأمور به، وهو الإعراض عنهم أصلًا
ورأسًا إلا في أمر البلاغ)» (٤).
وقال أيضًا: «﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي:
في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع
للنفس)»(٥).
وقال البغوي: «﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في
إعراضهم عنك» (٦).
وقال الشوكاني: ((نهاه عن الحزن فقال:
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الكافرين في
إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحدٍ،
فإنّهم قد أفضوا إلى رحمة اللّه))(٧).
(٣) نظم الدرر، البقاعي ١٥/ ١٩٠.
(٤) المصدر السابق ١١ / ٨٨.
(٥) المصدر السابق ١١/ ٢٨٤.
(٦) معالم التنزيل، ٥/ ٥٤.
(٧) فتح القدير، ٣/ ٢٤٣.
١٤٠
مُوسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
الحزن
وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ، وَلَا تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾
[النمل: ٦٩ -٧٠].
في هذه الآية يقول تعالى مسليًا لنبيه
صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
أي: المكذبين بما جئت به ولا تأسف علیھم
وتذهب نفسك عليهم حسرات(١).
قال النسفي: ((﴿وَلَا تَّحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لأجل
أنهم لم يتبعوك ولو يسلموا فيسلموا))(٢).
وقال البيضاوي: ((﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
على تكذبيهم وإعراضهم)) (٣).
وقال تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَنَّغْنَا
بِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيَّهِمْ وَأَخْفِضْ
٨٨﴾ [الحجر: ٨٨].
جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيَّهِمْ﴾ أي: إذ لم يؤمنوا،
ليقوى بمكانهم الإسلام، وينتعش بهم
المؤمنون، وقد كان صلى الله عليه وسلم
یود أن يؤمن به کل من بعث إليه، ویتمنی
لمزيد شفقته عدم إصرار الكفار على
كفرهم (٤).
فهذه الآيات نجد فيها أن النبي صلى الله
علیه وسلم کان یصیبه الهم والحزن بسبب
إعراض قومه عن الإيمان به، وعدم تصديقه
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٨٨.
(٢) مدارك التنزيل، ٢ / ٦١٩.
(٣) أنوار التنزيل، ٤ / ١٦٦.
(٤) تفسير المراغي، ١٤ / ٤٦.
فيما جاء به عن الله سبحانه، فكان القرآن
يتنزل عليه وينهاه عن الحزن على إعراض
الكافرين والمنافقين.
كما أنه عليه الصلاة والسلام مع إعراض
الكافرين عن دعوته وعدم استجابتهم
لرسالته لم یکتفوا بهذا، بل كانوا يتعرضون
له بالأذية القولية والفعلية من شتم وسب
وسخرية واحتقار واتهام بالكذب والإفك
والسحر، وأن هذا القرآن إنما هو من عنده أو
من عند غيره من البشر، وليس من عند الله
سبحانه، فكان يحزن عليه الصلاة والسلام
لما كان يسمعه من أذية هؤلاء المشركين
المكذبين، فكان الله ينهاه عن الحزن، وكان
ينزّل عليه القرآن تسلية له وتقوية لقلبه،
وتثبيتًا له على الحق.
قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى
يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ اُلفَِّيلِينَ بِثَايَتِ
اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: ٣٣].
قال الرازي: ((اعلم أن طوائف الكفار
كانوا فرقًا كثيرين، فمنهم من ينكر نبوته؛
لأنه کان ینکر رسالة البشر، ويقول: يجب أن
يكون رسول الله من جنس الملائكة، وقد
ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء
وأجاب عنها. ومنهم من يقول: إن محمدًا
يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك
محال. وكانوا يستدلون بامتناع الحشر
والنشر على الطعن في رسالته. وقد ذكر الله
www. modoee.com
١٤١
حرف الحاء
تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة ... ، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني
ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وذكر ما لا زهرة: يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم،
ينبغي من القول، وهو الذي ذكره الله تعالى
في هذه الآية.
فأنتم أحقّ من کفّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم
تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من
واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا
فقيل كانوا يقولون: إنه ساحر وشاعر وكاهن
ومجنون وهو قول الحسن. وقيل: إنهم كانوا
یصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دینه
وشريعته. وقيل: کانوا ینسبونه إلى الكذب
والافتعال)»(١).
صلى الله عليه
الحكم فإن غلب محمد
وسلم رجعتم سالمين، وإن غلب محمدٌ
فإن قومکم لا يصنعون بکم شيئًا، فيومئذ
سمّي ((الأخنس))، وكان اسمه ((أَبيّ)) فالتقى
الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي
جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن
وقال القاسمي: ((وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ
إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها، ﴿الَّذِى
یقُولُونَ﴾ أي: یقولون فيك، من أنك كاذب أو
ساحر أو شاعر أو مجنون)) (٢).
محمد، أصادق هو أم کاذب؟ فإنه ليس ههنا
من قریش أحد غيري وغیرك یسمع كلامنا!
فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا
لصادق، وما كذب محمّد قط، ولكن إذا
ذهب بنو قصيّ باللواء والحجابة والسقاية
والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ
أنه عليه الصلاة والسلام بمكانة من الله عز ◌ِحَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، («فآيات الله))، محمدٌ
صلی الله علیه وسلم»(٤).
وقال أبو السعود: ((استئناف مسوق
لتسليته صلى الله عليه وسلم عن الحزن
الذي يعتريه، مما حكى عن الكفرة من
الإصرار على التكذيب، والمبالغة فيه، ببيان
وجل وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجعٌ إليه
تعالى في الحقيقة وأنه ينتقم منهم لا محالة
أشدّ انتقام)»(٣).
روى الطبري عن السدي في قوله: ﴿قَدْ
نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحُْنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ
وَلَكِنَّ الْفَّيِلِينَ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ قال:
(١) مفاتيح الغيب، ١٢/ ٥١٧.
(٢) محاسن التأويل، ٤/ ٣٤٥.
(٣) إرشاد العقل السليم، ٣/ ١٢٦.
وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ
اَلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[يونس: ٦٥].
قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى
ذكره لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم لا
يحزنك، يا محمد، قول هؤلاء المشركين
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ١١/ ٣٣٣.
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
١٤٢
الحزن
في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان حصولها تذهب العقول، وتزيغ الأبصار،
والأصنام))(١).
وقال الألوسي: «والذي علیه الجمهور
أنه استئناف سيق تسلية للرسول صلى الله
عليه وسلم عما كان يلقاه من جهة الأعداء
من الأذية الناشئة مقالاتهم الرديئة الوحشية
وتبشيرًا له عليه الصلاة والسلام بالنصر
والعز)) (٢).
وقال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُّنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ
مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ()﴾ [يس: ٧٦].
لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَلَا
يَحْزُنكَ﴾ يا محمد قول هؤلاء المشركين
بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا
به شعر، ولا تکذیبهم بآيات الله و جحودهم
نبوتك))(٣).
پنھی نبيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن
الإعراض قومه عنه وكفرهم به وأذيتهم
له، والآيات السابقة نرى فيها أن الله
سبحانه وتعالی کان ینهى عن الحزن على
المعرضين.
ثانيًا: الحزن عند الهزيمة:
الهزيمة وقعها على النفس عظيم، وعند
(١) جامع البيان، ١٥/ ١٤٢.
(٢) روح المعاني، ٦/ ١٤٤.
(٣) جامع البيان، ٢٠/ ٥٥٣.
وبعد وقوعها يحدث الحزن والغم، فهي
مؤلمة جدًا، كيف لا وفيها قد يفقد الأحبة،
وتكسر الشوكة، وتسلب الكرامة، ويذل
العزيز، ويهان الكريم، وتأخذ الأموال،
وتستحل الأوطان والحرمات، وقد يكون
فيها الهلكة، ولذا لا يتقبلها إلا أصحاب
القلوب القوية المؤمنة بأقدار الله سبحانه
وتعالى.
ولهذا فالقرآن الکریم قد أدب المؤمنين
قال الإمام الطبري: ((يقول تعالى ذكره عندما وقعت بهم الهزيمة في غزوة أحد
وعلمهم کیف يتعاملون مع مثل هذه البلوى.
فبعدما وقعت الهزيمة حزن الصحابة على ما
أصابهم، كيف والبلوى كانت مؤلمة فقد
فقدوا سبعين رجلاً من خيارهم فيهم عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة،
والخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى كان وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بجراحات بالغة، فكسرت رباعيته، وشج
وجهه الشریف، و کذلك أصابهم رضي الله
عنهم جراحات كثيرة أثخنت في أجسادهم،
فتحصل من ذلك غم وحزن.
يقول سيد قطب: ((لقد أصاب المسلمين
القرح في هذه الغزوة، وأصابهم القتل
والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا
في أبدانهم بأذى كثير. قتل منهم سبعون
صحابيًّا، و کسرت رباعیة الرسول صلى الله
عليه وسلم وشج وجهه، وأرهقه المشركون،
www. modoee.com
١٤٣
حرف الحاء
وأثخن أصحابه بالجراح .. وكان من نتائج المحكم، وفشلكم وتنازعكم في الأمر،
وذلك خروج عن سنة الله في أسباب الظفر،
هذا كله هزة في النفوس، وصدمة لعلها
لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في
بدر، حتی لقال المسلمون حین أصابهم ما
وبهذه التربیة تكونون أحقاء بألا تعودوا إلى
مثل تلك الذنوب، فتكون التربية خيرًا لكم
أصابهم: ((أنّى هذا؟)) وكيف تجري الأمور من عدمها، بل يجب أن تزيدكم المصائب
قوة وثباتًا بما تربیکم على اتباع سنن الله في
معنا هكذا ونحن المسلمون؟!))(١).
ولكن مع ما أصابهم فقد نهاهم الله الحزم والبصيرة، وإحكام العزيمة، واستيفاء
الأسباب في القتال وغيره، وأن تعلموا أن
سبحانه وتعالى عن الحزن.
الذين قتلوا منكم شهداء، وذلك ما كنتم
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّخْزَنُواْ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٣)﴾
[آل
عمران: ١٣٩].
تتمنونه كما سيأتي، فتذكره مما يذهب
بالحزن من نفس المؤمن (٢).
وقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ
عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ
أُخْرَنَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآَ
أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
﴾ [آل عمران: ١٥٣].
(١٥٣)
أي: ولا تحزنوا على من قتل منكم في
ذلك اليوم، ويصح أن يكون هذا النهي إنشاء
بمعنى الخبر، أي: إن ما أصابكم من القرح
في أحد ليس مما ينبغي أن يكون موهنا
لأمرکم ومضعفًا لكم في عملکم ولا موجبًا
لحزنکم وانكسار قلوبکم، فإنه لم یکن
نصرًا تامًّا للمشركين عليكم، وإنما هو تربية
لكم على ما وقع منكم من مخالفة قائدكم
صلى الله عليه وسلم في تدبيره الحربي
(١) في ظلال القرآن، ١ / ٤٧٨.
مَوَسُوبَةُ الْمَّقِين
القرآن الكريم
قال الإمام الطبري: ((وهذا من الله تعالى
ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح
والقتل بأحد. قال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾،
يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي
نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح،
عن جهاد عدوکم و حربھم»(٣).
وقال: ((وأما قوله: ﴿لِكَيْلًا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ
أَصَبَكُمْ﴾، فإن تأويله على ما قد
بيّنت، من أنه: ﴿لَكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا
فَاتَكُمْ﴾، فلم تدرکوه مما کنتم ترجون
إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور،
وحيازة غنائمهم ﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١١٩.
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٣٤.
١٤٤
الحزن
في أنفسكم، من جرح من جرح وقتل من ومريم-عليها السلام-وأبي بكر الصديق
رضي الله عنه، ونهوا جميعًا عن الحزن في
قتل من إخوانكم))(١).
تلك الأحوال، وهذا تفصيل تلك الأحوال:
وقال: ((﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ من
الهزيمة»(٢).
وقال السعدي: ((يقول تعالى مشجعًا
لعباده المؤمنين، ومقويًا لعزائمهم ومنهضًا
لهممهم: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَخْزَنُوا ﴾ أي: ولا
تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في
قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم
بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب،
والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم،
وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم
وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا
على قتال عدوكم، وذکر تعالى أنه لا ينبغي
ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون
في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه،
فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب
الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ إِن كُتُم
مُؤْمِنِينَ﴾))(٣).
ثالثًا: الحزن حال الكرب:
من الحزن الذي جاء منهيًّا عنه في القرآن
الكريم الحزن حال الكرب، وقد وقع
الكرب لنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام
(١) المصدر السابق ٧/ ٣١٤.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٤٩.
١. لوط عليه الصلاة والسلام.
لما أرسل الله ملائكته لإهلاك قوم لوط
جاءوا لوطًا عليه الصلاة والسلام في صورة
فتيان حسان، فأصابه عليه الصلاة والسلام
الهم ونزل به الکرب خوفًا على ضيوفه من
أذى قومه، وكان لا يعرف أنهم ملائكة،
وما لبث غیر یسیر حتى جاء قومه يريدون
من لوط أن يترك لهم ضيوفه ليفعلوا بهم ما
يريدون، فأخذ يدافع قومه ويجادلهم علّهم
يرجعون، ولكن دون جدوى، ومن شدة
الكرب الذي نزل به والخوف على ضيوفه
قال لقومه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى
زَكْنِ شَدِيدٍ ﴾ [هود: ٨٠].
فقالت له الملائكة: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ
يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١].
في هذا الحال وفي هذه الكربة ينهى نبي
الله لوط عليه الصلاة والسلام عن الحزن،
لأن أولئك الأشرار لن يصلوا إلى ضيوفه،
وأن العذاب نازل بقومه.
﴿وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ
يقول الله سبحانه:
رُسُلُنَا لُوطًا سِنَّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا
وَقَالُواْ لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنُّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ
إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ
٣٣
[العنكبوت: ٣٣].
www. modoee.com
١٤٥
حرف الحاء
قال ابن كثير: «لما استنصر لوط عليه
السلام بالله عز وجل عليهم، بعث الله
لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه
السلام في هيئة أضياف ... ثم ساروا من عنده
فدخلوا على لوط في صورة شبان حسان،
فلما رآهم كذلك ﴿يقَ بِهِمْ وَضَافَ
بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: اغتم بأمرهم إن هو أضافهم
خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي
عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة
الراهنة قالوا: ﴿لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾))(١).
وقال سيد قطب -بعد أن ذكر مشهدين
الآيات السابقة لهذه الآية -: ((وينتقل إلى
مشهد ثالث. مشهد لوط وقد جاء إليه
الملائكة في هيئة فتية صباح ملاح وهو يعلم
شنشئة قومه، وما ينتظر ضيوفه هؤلاء منهم
من سوء لا يملك له دفعًا. فضاق صدره
وساءه حضورهم إليه، في هذا الظرف
العصيب: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا
سَِّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ .. ويختصر
هنا هجوم القوم على الضيوف، ومحاورة
لوط لهم، وهم في سعار الشذوذ المريض ..
ويمضي إلى النهاية الأخيرة. إذ يكشف له
الرسل عن حقيقتهم، ويخبرونه بمهمتهم،
وهو في هذا الكرب وذلك الضيق: ﴿وَقَالُواْ
لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾))(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٢٥٠.
(٢) في ظلال القرآن، ٥/ ٢٧٣٤.
٢. مريم عليها السلام عند مخاضها.
لما حملت مريم عليها السلام بعيسى
عليه السلام خافت من الفضيحة فابتعدت
عن الناس(٣) إلى مكان بعيد، «فلما قرب
ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة،
فلما آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد
عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة
الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها
ماتت قبل هذا الحادث، و کانت نسيًا منسيًّا
فلا تذكر))(٤).
وما تتمنى هذه الأمنية إلا أن الکرب قد
بلغ بها مبلغه، واشتد عليها حتى قالت هذا
القول، وفي هذا الحال العصيب والكرب
الشديد تنهى عن الحزن، وتبشر بأن الله
أکرمها بنهر تشرب منه.
قال الله تعالى: ﴿فَنَادَ نَّهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيبًا ﴾ [مريم :٢٤].
قال السعدي: ((فحينئذ سكّن الملك
روعها وثبّت جأشها وناداها من تحتها،
لعله في مكان أنزل من مكانها، وقال لها:
لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، فـ
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِئًا ﴾ أي: نهرًا تشربين
منه»(٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
١٤٦
مُوسْو ◌َةُ الَّقية
القرآن الكريم
الحرف
٣. أبو بكر عندما كان في الغار مع إلينا))(١).
النبي صلى الله عليه وسلم.
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه رفيقًا
للنبي صلى الله عليه وسلم في الغار يوم
الهجرة، وجاء المشركون يبحثون عن النبي
صلی الله عليه وسلم وصاحبه حتى وصلوا
إلی باب الغار فأخذ الکرب أبا بكر وبلغ به
مبلغًا عظيمًا، خوفًا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم من المشركين، فإذا بالتوجيه
النبوي لرفيق الدرب بأن لا يحزن، لأن الله
معهم.
قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَّنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ
بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفَلَى وَكَلِمَةُ
اللَّهِ مِى الْعُلْبَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ))
[التوبة: ٤٠].
قال الإمام الطبري: ((﴿إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ﴾، إذ يقول رسول الله لصاحبه
أبي بكر، ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، وذلك أنه خاف
من الطّلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من
ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿لَا تَحْزَنَ﴾، لأن الله معنا والله
ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا
وقال العز بن عبد السلام: ((ولما ألمّ
الحزن قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه
بما تخيله من وهن الدين بعد الرسول صلى
الله عليه وسلم قال له الرسول صلى الله
عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا بالنصر
علیھم))(٢).
رابعًا: الحزن عند الموت:
لا شك أن الموت مصيبة عظيمة یصاب
بها الإنسان وله کرب شديدة وأهوال عظيمة
حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم عند موته
كان يدخل يده في ركوة (٣) فيها ماء ويمسح
بها جبينه ويقول: (لا إله إلّا اللّه، إنّ للموت
سكراتٍ)(٤).
في هذه الكربة العظيمة هناك صنف من
الناس تتنزل عليهم الملائكة وتقول لهم:
﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾، تنهاهم عن
الحزن في ذلك الكرب من باب البشرى
لهم.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدَمُواْ تَخََّزَّلُ عَلَيْهِمُ
(١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٢٥٨.
(٢) تفسير القرآن، العز بن عبد السلام ٢/ ٢٢.
(٣) بفتح الراء، وسكون الكاف: إناء صغير من
جلد، يشرب منه الماء.
انظر: شرح أبي داود، العيني ١ / ١٤٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه
وسلم ووفاته، ٦/ ١٣، رقم ٤٤٤٩.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الحاء
الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ ﴾
[فصلت: ٣٠].
قال الشوكاني: ((﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا
تَحْزَنُوا﴾ أن هي المخفّفة أو المفسرة أو
الناصبة، ولا على الوجهين الأوّلين ناهیةٌ،
وعلى الثّالث نافيةٌ، والمعنى: لا تخافوا ممّا
تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا
على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهلٍ وولدٍ
ومالٍ. قال مجاهدٌ: لا تخافوا الموت ولا
تحزنوا على أولادكم، فإنّ اللّه خليفتكم
عليهم. وقال عطاء: لا تخافوا ردّ ثوابكم
فإِنّه مقبولٌ، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإنّي
أغفرها لكم» (١).
خامسًا: الحزن على الفائت:
لما وقعت غزوة أحد كان في بداية الأمر
النصر والظفر للمسلمين على المشركين،
حتى أن منهم من بدأ بجمع الغنائم، ولكن
لما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونزلوا من فوق الجبل التفّ
عليهم المشركون وتحولت المعركة من
نصر إلى هزيمة وفات المسلمون ما كانوا
قد أحرزوه من نصر وغنيمة، فأصابهم الغم
والحزن، فأنزل الله سبحانه بعد هذه المعركة
آيات تنهاهم على الحزن على ما فاتهم.
(١) فتح القدير، ٤ / ٥٩٠.
مَوَسُولَهُ الْبَعِيد
القرآن الكريم
﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ
قال تعالى:
وَلَا تَلْؤُونَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيّ أَخْرَكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّاً
بِغَدٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٥٣].
قال الألوسي: ﴿لَّكَيْلَا تَحْزَنُواْ
عَلَى مَافَاتَكُمْ﴾ من النصر))(٢).
وقال البغوي: ((من الفتح والغنيمة))(٣).
وقال ابن كثير: ((أي على ما فاتكم من
الغنيمة والظفر بعدوكم)» (٤).
وفي سورة الحديد نهانا الله سبحانه عن
الحزن علی ما یفوتنا من الدنيا.
قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى
الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن
قَبْلٍ أَن تَبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ
ءَاتَتَكُمْ
• [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
قال الإمام الطبري: ((يعني تعالى ذكره:
ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم
ولا في أنفسكم، إلا في کتاب قد کتب ذلك
فيه، من قبل أن نخلق نفوسكم ﴿لِكَتْلًا
تَأْسَوْا﴾ يقول: لكيلا تحزنوا، ﴿عَلَى مَا
وَلَا
من الدنيا، فلم تدرکوه منها،
فَاتَكُمْ
(٢) روح المعاني، ٢/ ٣٠٥.
(٣) معالم التنزيل، ٢ / ١٢٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ١٢٧.
١٤٨
الحزن
تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنْكُمْ﴾ منها))(١).
وقال المراغي: ((أي: أعلمناكم بتقدم
علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل وجودها،
لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم،
وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تحزنوا
على فائت، ولا تفرحوا بآت)) (٢).
هذه هي الآيات التي فيها النهي عن
الحزن، وهي متنوعة كما مرت معنا فمنها ما
ينهى عن الحزن على إعراض المعرضين،
ومنها ما ينهى عن الحزن عند الهزيمة، ومنها
ما ينهى عن الحزن عند الكرب، ومنها ما
ينهى عن الحزن على الفائت.
(١) جامع البيان، ٢٣/ ١٩٧.
(٢) تفسير المراغي، ٢٧ / ١٨١.
نفي الحزن عن المتقين يوم البعث
في ذلك اليوم العصيب، يوم الفزع
الأكبر، يوم الأهوال العظيمة والشدائد
الجسام، يؤمِّن الله سبحانه وتعالى صنفًا
من عباده، وهم المتقون، يطمئنھم بأنهم لا
خوف عليه ولاهم يحزنون، هؤلاء العباد
يتكرم عليه الرحمن ويجعلهم في أمن
وأمان.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ
لَهَا وَرِدُونَ : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءٍ وَالِهَةً
مَّا وَرَدُوهَا وَكُلِّ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ لَهُمْ
فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْوَ أُوْلَكَ
إِنْ
١٠٠
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا
عَنْهَا مُبْعَدُونَ )
وَهُمْ فِي مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ
١٠٢
لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَلَقَّهُمُ
الْمَلْتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ
تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٨ -١٠٣].
أي: من كتبت له السعادة والنجاة من
النار فأولئك يكونون مبعدين عنها لا
يسمعون صوت لهيبها، ولا يخافون من
أهوالها وآلامها، بل يكونون في نعيم دائم
وتستقبلهم الملائكة مهنئين لهم قائلين: هذا
یومکم الذي كنتم توعدون في الدنيا (٣).
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٧/ ٧٣.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الحاء
قال الشوكاني: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ
الْأَكْبَرُ﴾ قرأ أبو جعفر وابن محيصن
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ بضم الياء وكسر الزاي،
وقرأ الباقون ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ بفتح الياء
وضم الزاي. قال الیزیدي: حزنه لغة قریش،
وأحزنه لغة تميم، والفزع الأكبر: أهوال يوم
القيامة من البعث والحساب والعقاب (١).
وقال ابن كثير: ((﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ
الْأَكْبَرُ﴾ قيل: المراد بذلك الموت،
رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن
عطاء، وقيل: المراد بالفزع الأكبر النفخة
في الصور، قاله العوفي عن ابن عباس، وأبو
سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن
جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر بالعبد
إلى النار، قاله الحسن البصري، وقيل: حین
تطبق النار على أهلها، قاله سعید بن جبير
وابن جريج، وقيل: حین يذبح الموت بين
الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه
ابن أبي حاتم عنه)»(٢).
يوم القيامة والبعث، عن ابن عباس))(٣).
الآتية:
* الموت.
النفخة في الصور.
(١) فتح القدير، ٣/ ٥٠٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٣٣٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ١١/ ٣٤٦.
حين يؤمر بالعبد إلى النار.
حين تطبق النار على أهلها.
حین یذبح الموت بين الجنة والنار.
أهوال يوم القيامة والبعث.
ولا تنافي بين تلك الأقوال، فإن الله
یؤمن عبده المؤمن من كل ذلك.
يقول الألوسي: ((﴿لَا يَخْزُنُّهُمُ الْفَزَعُ
الْأَكْبَرُ﴾ بيان لنجاتهم من الإفزاع بالكلية
بعد نجاتهم من النار؛ لأنهم إذا لم يحزنهم
أكبر الإفزاع لم يحزنهم ما عداه بالضرورة
كذا قيل»(٤).
ومن الآيات الدالة على نفي الحزن عن
عباد الله المتقين يوم البعث قوله تعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيٍِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا
يَعِبَادِ لَا خَوفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآ
٦٧
أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (
الْمُتَّقِينَ
﴾ [الزخرف: ٦٧-٦٨].
٦٨
والمعنى: يا عباد الله المؤمنين الذين
تحققتم في العبودية لرب العالمين، لا
خوفٌ عليكم في هذا اليوم العصيب، ولا
وقال القرطبي: ((والفزع الأكبر أهوال أنتم تحزنون على ما فاتكم من الدنيا(٥).
وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه
فتحصل في تفسير الفزع الأكبر الأقوال يقال لهم: يا عبادي لا خوف عليكم (٦).
يقول الإمام الطبري: ((وفي هذا الكلام
محذوف استغنى بدلالة ما ذکر علیه. ومعنى
(٤) روح المعاني، ٩/ ٩٣.
(٥) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٣/ ١٥٣.
(٦) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب ١٠ / ٦٦٩٦.
١٥٠
مُوسُوبَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكْرِيْمِ
الحزن
الكلام: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُُّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾، فإنھم یقال لهم: يا
عبادي لا خوف علیکم اليوم من عقابي،
فإني قد أمنتکم منه برضاي عنكم، ولا أنتم
تحزنون على فراق الدنيا؛ فإن الذي قدمتم
عليه خير لكم مما فارقتموه منها)) (١).
أما متى يقال لهم ذلك، فقد ذكر الإمام
الطبري بسنده إلى المعتمر بن سليمان عن
أبیہ قال: سمعت أن الناس حین یبعثون لیس
منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: ﴿يَعِبَادِ
لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾،
فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتبعها ﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِشَايَقِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ))
[الزخرف: ٦٩] قال: فييأس الناس منها غير
المسلمين
يقول الشوكاني: ((يقال لهؤلاء المتقين
المتحابين في الله بهذه المقالة فیذهب عند
ذلك خوفهم، ویرتفع حزنهم))(٣).
أما معنى قوله: ﴿لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْیَوْمَ وَلَآ
أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ((أي: لا خوف يلحقكم
فیما تستقبلونه من الأمور، ولا حزن یصیبکم
فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كل
وجه، ثبت المحبوب المطلوب)»(٤).
ففي ذلك اليوم الشديد الأهوال نفى الله
(١) جامع البيان، ٢١/ ٦٣٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) فتح القدير، ٤/ ٦٤٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٩.
عن عباده المتقين الحزن والخوف من تلك
الأهوال، فعنایة الله تحفهم وأمنه یحفظهم،
جعلنا الله من عباده المتقين.
www. modoee.com
١٥١
حرف الحاء
نفي الحزن عن أهل الجنة
الجنة هي دار النعيم، ودار الكرامة، ومن
يدخلها یکون منعمًا أبد الآبدين، لا همُّ فيها
ولا بأسَّ ولا حزنٌ، روى مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم، قال: (من يدخل الجنة ينعم لا
ببأس، لا تبلی ثیابه ولا یفنی شبابه)(١)، وزاد
أحمد: (في الجنّة ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ
سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِ
شُغُلٍ فَكِهُونَ ، ثُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى
لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَهُ مَا
الْأَرَآيِكِ مُتَّكِفُونَ {
سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ تَّحِيمٍ (١)﴾
يدُونَ ﴾.
[يس: ٥٥-٥٨].
ومن كان هذا حاله فعلى ماذا يحزن؟!
إذن فمن النعيم الذي امتن الله به على عباده
في دار کرامته أنه جعلهم في فرح وسرور،
وليس في خوف وحزن.
وأهل الجنة يدركون هذا الفضل -وهو
ذهاب الحزن عنهم - ولذا فهم يحمدونه
سبحانه ویشکرونه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ
الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنُّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل
الجنة، ٤ / ٢١٨١، رقم ٢٨٣٦.
(٢) مسند أحمد، ١٥/ ٢٢٩، رقم ٩٣٩١.
﴾ [فاطر: ٣٤].
قال ابن عاشور: ((والمراد: أنهم لما
أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما كانوا فيه قبل
من هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة
للسابقين والمقتصدين ومما كانوا فيه من
عقاب بالنسبة لظالمي أنفسهم)) (٣).
وقال أبو بكر الجزائري: ((أي كل الحزن
فلا حزن يصيبهم إذ لا موت في الجنة ولا
فراق ولا خوف ولا همّ ولا کرب فمن أین
يأتي الحزن)» (٤).
كما أن الله سبحانه وتعالى قد نفى
الحزن عن أهل الجنة، وقد جاء ذلك في
غير ما موضع من القرآن الكريم، قال الله
سبحانه وتعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا
يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ الَْنَّةَ لَآَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ
وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٩].
قال القاسمي: ((وقوله تعالى: ﴿اَدْخُلُواْ
ابْنَّةَ لَآَ خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ أي:
لا خوف عليكم من العذاب النازل بالكفار،
ولا تحزنون كحزن الكفار على فوات
النعيم، وهذا إما من قول أصحاب الأعراف،
يتآمرون بینھم بدخول الجنة بعد تبکیت أهل
النار، فيقول بعضهم لبعض: ادخلوا الجنة،
وإما من كلام أهل الأعراف للمؤمنين، أي:
يقولون لهم: ادخلوا الجنة، أو من تتمة
(٣) التحرير والتنوير، ٢٢/ ٣١٦.
(٤) أيسر التفاسير، ٤ / ٣٥٦.
١٥٢
القرآن الكريم
الحرف
مخاطبة أهل الأعراف للرجال، كأنه قيل
لهم: انظروا إلى هؤلاء الذين أقسمتم لا
ینالهم الله برحمته، کیف نالوها، حیث قیل
من قبله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ لََّْةَ﴾ وعلى كلّ
فالجملة مبنية على قول محذوف إيجازًا،
للعلم به))(١).
القول ليس من قول أصحاب الأعراف،
فقال: ((﴿أَدْخُلُواْ اَلْنَّةٌ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَاّ أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ﴾ أي: قيل لهم من قبل الرحمن
عز وجل: ((﴿أَدْخُلُواْ أَبَّْةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾
مما يكون في مستقبل أمركم، ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ﴾ من جراء شيء ينغص عليكم
حاضرکم، وحذف القول للعلم به من قرائن
الكلام كثير في التنزيل وفي كلام العرب
الخلص، ولکنه قل في کلام المولدین، حتی
لا تراه إلا في کلام بعض بلغاء المنشئین،
وقيل: إن أهل الأعراف هم الذين يقولون
لهؤلاء ادخلوا الجنة إلخ. وهو بعيد بل لا
يصح مطلقًا على القول بأنهم الذين استوت
حسناتهم وسيئاتهم؛ إذ لا يليق بحالهم
أن يخاطبوا من هم فوقهم بهذا الأمر لا
قبل دخول الجنة ولا بعده. وهو وإن كان
يليق من الملائكة أو الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام فالمتبادر الأول، وهو الحكاية
بتقدير القول)»(٢).
(١) محاسن التأويل، ٥/ ٦٣.
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٣٨٩.
فمن يدخل الجنة يقال له: ﴿لَا خَوْفُ
عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، سواء الداخلون
هم الضعفاء والمساكين الذين سخر منهم
رؤساء أهل النار، أم غيرهم، فالحزن منفي
عنهم.
قال الشنقيطي: ((واختلف في قائل
ورجح صاحب تفسير المنار أن هذا هذا القول، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام
أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل
النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء
المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في
الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم،
وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء،
والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلھم نعيمًا
أبدًا ﴿أَمَلُلاَءِ﴾ الضعفاء المساكين الذين
كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون
منهم وتقسمون -تحلفون بالله-
لا
يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ ماذا قال لهم الله؟ قال
لهم: ﴿أَدْخُلُواْ الْنَّةً لَآَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ﴾، وعلى هذا فيكون أصحاب
الأعراف قد وبّخوا رؤساء الكفر والقادة
بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا
وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين
کانوا یسخرون منھم أحّهم الله دار کرامته،
ونفى عنهم الخوف والحزن أبدًا.
وقال بعض العلماء: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ
أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هي من كلام
الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض
www. modoee.com
١٥٣
حرف الحاء
ابْنَّةَ﴾ راجعة إلى أصحاب الأعراف،
أن أصحاب الأعراف بعد أن وبّخوا أهل
النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد
ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول
لأصحاب الأعراف: ﴿أَدْخُلُواْ لَبْنَّةٌ لَا خَوْفُ
عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وهذا الوجه
الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين،
والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير
كثيرًا جدًّا من علماء التفسير))(١).
فتحصل من أقوال المفسرين أن من
دخل الجنة يقال له: ﴿لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ
أَثُمْ تَحْزَنُونَ﴾، فالحزن منفي عن عباد الله
الذين يدخلهم سبحانه دار كرامته ويسكن
في جنته.
ومن الآيات الدالة على نفي الحزن عن
أصحاب الجنة ما ذكره سبحانه وتعالى
عن الشهداء فقال: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللّهُ
مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم
مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
﴾ [آل عمران: ١٧٠].
١٧٠
قال الإمام الطبري: ((يعني بذلك تعالى
ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من
إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في
الدنیا علی مناهجهم من جهاد أعداء الله مع
رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا
(١) العذب النمير، الشنقيطي ٣٠١/٣ - ٣٠٢.
الملائكة أمره بذلك، وأن قوله: ﴿أَدْخُلُواْ بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي
صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم،
فرحون أنهم إذا صاروا كذلك ﴿أَلََّّخَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، يعني بذلك:
﴿أَلَّخَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾، لأنهم قد أمنوا عقاب
الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف
الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ﴿وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلّفوا وراءهم من
أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي
صاروا إليه والدعة والزّلفة))(٢).
فهؤلاء الشهداء يستبشرون بمن لم
يلحق بهم من إخوانهم بأن لهم من الكرامة
والزلفى في الجنة وأنهم لا خوف عليهم
ولاهم يحزنون وذلك لما رأوه من كرامة
حصلت لهم.
قال المراغي: ((﴿أَلَّخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمّ
يحزنون ﴾ أي: هم يستبشرون بما تبین
لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم
أحياء، وهي أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة
أبدية، لا يكدرها خوف من وقوع مكروه من
أهوالها، ولا حزن من فوات محبوب من
نعيمها)»(٣).
وقال صاحب تفسير المنار: ((وقوله:
﴿أَلَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
بدل اشتمال من الذين لم يلحقوا بهم،
(٢) جامع البيان، ٧/ ٣٩٥.
(٣) تفسير المراغي، ٤/ ١٣٢ -١٣٣.
مَوَسُو ◌َ الْبَقِيَة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٥٤