Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ، الحرية عناصر الموضوع مفهوم الحرية ٦٢ الحرية في الاستعمال القرآني ٦٣ الألفاظ ذات الصلة ٦٤ الحرية بين الإقرار والإنكار ٦٥ مجالات الحرية ٨٩ الأحكام الشرعية والحرية ١٠٥ المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحرية أولًا: المعنى اللغوي: تدل مادة (ح ر ر) علی معنین رئیسین: الأول: ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص. الثاني: خلاف البرد(١). فالحُرَّ: خلاف العبد(٢). يقال: حرّ الرجل يحرّ من الحرية(٣) . ويقال: حَرَّره، أي: أعتقه، والمحرِّر الذي جعل من العبد حرًّا، فأعتقه (٤). فالحرية: الخلوص من الشوائب، والقدرة على التصرف بملء الإرادة والاختيار(٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عّفها الجرجاني بأنها: ((الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار))(٦). وعرّفها بعضهم بأنها: «حالة يكون عليها الكائن الحيّ الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة ويتصرّف طبقًا لإرادته وطبيعته))(٧). ويرى ابن تيمية أن الحرية محلها القلب، فيقول: ((الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب)» ثم يعلل ذلك بقوله: ((إن أسر القلب أعظم من أسر البدن؛ فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا، بل يمكنه الاحتيال والخلاص، أما إذا كان القلب وهو ملك الجسم رقيقًا مستعبدًا متيّمًا بغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض))(٨). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٨/١. (٢) جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ٩٦. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٨/١. (٤) لسان العرب، ابن منظور، ص ١١٨. (٥) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ١٦٥/١، التعريفات، الجرجاني، ص٨٦. (٦) التعريفات، الجرجاني ص٤٣. (٧) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/ ٤٧٠. (٨) العبودية، ابن تيمية ص ٦١. مُوسُوبَةُ النَّقِيَة القرآن الكريمِ ٦٢ الحية الحرية في الاستعمال القرآني وردت مادة (حرر) في القرآن (٧) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ المصدر ٥ [النساء: ٩٢] الصفة المشبهة ١ ﴿الُّْ بِالْخُرُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى ◌ِالْأُنثَ﴾ [البقرة: ١٧٨] إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِ مُحَرَّرًا﴾ اسم المفعول ١ [آل عمران: ٣٥] وجاءت الحرية في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الخلوص من الشوائب، والقدرة على التصرف بملء الإرادة والاختيار(٢)، والتحرير: جعل الشيء حرًّا خالصًا(٣). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٩٧، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٤٢٧. (٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ١٦٥/١، التعريفات، الجرجاني، ص٨٦. (٣) انظر: التوقيف، المناوي، ص٩٢. www. modoee.com ٦٣ حرف الحاء الألفاظ ذات الصلة العبودية: ١ العبودية لغة: مادة (ع ب د) تدلّ لغةً على اللّين والذل، وسمّي المملوك عبدًا؛ لأن فيه معنى الذل والخضوع والطاعة لغيره، وكلمة (العبد) تطلق على الإنسان حرًّا كان أو رقيقًا على معنى أنه مربوبٌ لباريه، وذليلٌ لمولاه جل وعلا(١). والعبوديّة أصلها الذّلّة(٢). العبودية اصطلاحًا: لا يختلف معنى العبودية اصطلاحًا عن معناه اللغوي، فهي إظهار للتذلل والخضوع(٣). الصلة بين الحرية والعبودية: العبودية خلاف الحرية (٤). والحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، فما استرق القلب واستعبده، فالقلب عبده(٥) . (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٦/١، لسان العرب، ابن منظور ٢٧٩/٣، تاج العروس، الزبيدي ٤١٠/٢. (٢) جامع البيان، الطبري ١ / ١٦١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٤٢. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٥٨٠. (٥) انظر: العبودية، ابن تيمية ص٨٨. مُوسُو بر النفسيةللوضوي القرآن الكريم ٦٤ الحية الحرية بين الإقرار والإنكار أولًا: الحرية المقيدة وحدودها: إننا إذا رجعنا إلى أصل الخلق والمنشأ تبين لنا أن هناك إرادة عليا قادرة خلّاقة أوجدت هذا الإنسان بالشكل والتكوين الذي هو عليه، ومن هنا يتأكد لنا أن إرادة الخلق لم تكن للإنسان وإنما الخالق الإنسان؛ ولهذا فإن الحرية معدومة فى هذا الجانب، بمعنى أن الإنسان لم يستشره ربه عن رغبته في أن يوجد في هذه الحياة الدنيا، ولا بالشكل والصورة التي وجد عليها، ولا في اليوم الذي سيولد فيه، أو اليوم الذي سيموت، أو أن يكون سعيدًا أو شقيًّا، ذكيًّا أم غييًّا، أبيض أم أسود، مرزوقًا أو مقترًا عليه؟ لذلك لا يكون مسئولا عنها فهي خارجة عن مجال حریته. وإنما الذي هو ضمن حدود حريته هو ما يمكنه أن يفضّله أو يدركه تحقيقًا لمقصوده؛ لأن العقل البشري هو الذي يعرف حدود الحرية التي أطلقت له؛ ولأن فاقد العقل غير مسئول مطلقًا، وإن تصرفاته لا يبنى عليها حکم إرادي. وإن ما يوجبه العقل للإنسان من تحرك أو تصرف أو قول، أو إمساك عن ذلك هو ضمن حدود الحرية المعطاة للإنسان، فالمسئولية تترتب على حرية التصرف المنبثقة عن عقل الإنسان، والإرادة تتبع العقل، ولا تكون لمن لا عقل له. والذات الإلهية أرادت أن نكون فكُنَّا كما أرادت، فهي التي أوجدتنا، وهي أعلم بنا منا نحن بأنفسنا، فأطلقت لنا الحرية فيما يعود علينا بالنفع، وأثابتنا على فعله، ومنعتنا ما يعود علينا بالضرر، وسمّته حدود الله، وحذّرت من تعديها، وعاقبت على تجاوزها، غير أن هذا التقيد لا يشل من انطلاقة الإنسان فيما ينفعه (١). وإنما هو لمصلحته، وإنه لم يأت منع لجانب إلا وكانت المضرة متحققة فيه، إذن الحرية في الإسلام لا تتصور إلا مقيدة؛ لأن الحرية ليست انطلاقًا من القيود؛ بل هي معنى لا يتصور في الوجود إلا مقيدًا، فالحر - كما سبق تعريفه -: هو الشخص الذي تتجلى فيه معاني الإنسانية العالية، الذي يضبط نفسه، ويحترم حقوق الآخرين، ولا يعاملهم إلا بالحسنى، وبما يجب أن یعاملوه به، بل يسمو عليهم بالتسامح، ولا یکون عبدًا لهواه، ولا أسيرًا لشهواته، بل یکون سید نفسه، مالگا لزمامها. فالحرية الحقة لا يمكن أن نتصورها انطلاقًا من كل قيد أو ضابط؛ لأن الانطلاق في جانب تقييد له في جانب آخر (٢). (١) الإنسان وحريته في الإسلام، محمود بابللي ص١٠٣ - ١٠٥. (٢) في المجتمع الإسلامي، د. محمد أبو زهرة www. modoee.com ٦٥ حرف الحاء ومن هنا كانت حدود الحرية وضوابطها ثابتة لا تقبل التغيير والتعديل من حيث الأصل؛ لأنها قائمة على أساس الشريعة الإسلامية، وهي متصفة بالبقاء والثبات؛ لأن الواضع لها هو الله تعالى، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، في الماضي والحاضر والمستقبل (١). والحرية معنى اجتماعي لا يتصوّر وجوده إلا في مجتمع متكافل يأخذ فيه الآحاد ويعطون، وإذا كانت كذلك فلابد من أن تكون في حدود رسمها المجتمع الفاضل من غير إرهاق نفسي، وفي التشريع الإسلامي هي حدود الله التي وضعها ورسمها لعباده، وحذّرهم من تجاوزها، وهو سبحانه أرحم وأرفق بهم من أنفسهم، ومن أي تشريع وضعي. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وقال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت وإن الذين يفهمون الحرية أنها انطلاق من کل قيد ولو أضرت بغيرهم هم عبيد لأهوائهم؛ لأنهم لا يرعون حق المجتمع، ولا حق أنفسهم، فلابد أن تأطرهم على الحق أطرًا؛ لأنه من كان عبدًا لنفسه وشهواته ص١٧. (١) انظر: حرية الرأي في الإسلام، محمد الخطيب ص ٤٥. أولى به العصا، ولابد من ملاحظة أن القيود الضابطة للحرية هي في أصلها قيود نفسية، وليست قيودًا خارجية ابتداءً، وهي تتكون من حقيقتين: الأولى: السيطرة على النفس، والخضوع لحکم العقل لا لحکم الهوى. وثانيهما: الإحساس الدقيق بحق الناس عليه، وإلا كانت الأنانية المفرطة الجامحة. ومن الإحساس بحق الآخرين ينبعث نور الحياء، والحياء لا يؤدي إلا إلى خير، كما تنبعث منه روح المساواة التي تفرض أن للناس حقوقًا كما لهذا الأناني من حقوق، وأنه ليس لأحد فضل على غيره إلا بعمل الخیر، وكف الأذى. والناس ليسوا سواء في مراعاة حرية الآخرين، فمنهم من يراعي هذه الحقوق، ومنهم من لا يراعيها، أو بعبارة أدق من الناس من هم أحرار بصدق تصرفاتهم، ومنهم من هم عبيد أهوائهم، وهم يحسبون أنهم الأحرار؛ لذلك كان لابد من تقييد حرية بعض الناس بقيود خارجية عن النفس بحكم الأنظمة التي يضعها ولي أمر المسلمين. وأن التعبير الصادق في معناه أن نقول: إن هذه حماية للحرية وليست قيودًا لها، وإنما هي قيود للذين انطلقوا غير مراعين لها حقًّا، أي: إن المصلحة في تقیید حرية أمثالهم حفظًا لحريات غيرهم. مَوَسوبر النفسية القرآن الكريم ٦٦ الحية ومن هنا نستطيع أن نقول أيضًا: إن القيود لا تكون للحرية إلا إذا ضعف المعنى النفسي، وتجاوز بعضهم على حقوق الآخرين. وإن وضع الأنظمة والأوامر من خالق البشر، ومجاراة المجتمعات الإنسانية لذلك، ووضعهم ما یضبط تصرفات مواطنيهم، هو من المصلحة التي اقتضتها سلامة التعايش بين الناس، وما اضطر الناس إلى تولية أمير عليهم إلا لمراعاة هذه المعاني في ضبط الأمور، وحجز المتجاوزين لحدودهم عن ذلك، ولو تركوا وهواهم لما استقام أمر الناس، ولما تعايشوا(١). ثانيًا: ضوابط الحرية: لا شك أن الحدود التي تقف عندها الحرية الإنسانية تبنى عادة على المرجعية التي تقوم عليها، والهدف والغاية التي تصبو إليها، وحين كانت المرجعية التي يقوم عليها مفهوم الحرية في الإسلام هو الوحي المنزل، وكانت الغاية التي تصبو إليها هو تحقيق الأهداف التي أرادها الله من الإنسان، وأهمها تحقيق العبودية لله عز وجل؛ فإن حدود الحرية في الإسلام انسجمت مع هذا النمط الهيكلي ... ، وارتسمت صورتها مع ما یتوافق معه. (١) المصدر السابق ص١٣٦ - ١٣٧. ومجمل تلك الحدود يرجع إلى الضابط الآتي: ((هو أن حرية الإنسان تظل مطلقة ما لم تؤدّ إلى الإضرار بدين المسلم وعبوديته لربه، أو إلى عرقلة كمال خضوعه له، وما لم تؤد إلى الإضرار بحياة الإنسان، وإفساد علاقته بالكون، أو بغيره من البشر، ومتى أدت إلى شيء من ذلك فإنه يجب أن تتوقف الحرية، ولا يجوز لها أن تقفز تلك السیاج»، إذن فحدود الحرية مركبة من بعدين أُساسین، هما: ١. البعد الديني: وهو في العلاقة مع الله تعالی، بحيث لا یکون فيها ضررٌ بتدين الناس، وعلاقتهم بربهم. ٢. البعد الدنيوي: وهو في العلاقة مع الخلق، بحيث لا یکون فیھا ضررٌ بحياة الإنسان في الدنيا، وعلاقته بالكون وغيره من البشر (٢). ومن هنا وضع القرآن الكريم ضوابط للحرية، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة ضوابط: ٥ ضوابط عقدية (حدود عقدية). ضوابط شرعية (حدود شرعية). ٠ · ضوابط اجتماعية (حدود اجتماعية). أولًا: الضوابط العقدية: وهي التي تتمثل في احترام المسلم لعقيدته هو، وتشمل كذلك احترامه لعقيدة أهل الكتاب، ومن ثمّ تشمل احترام الكتابي (٢) فضاءات الحرية، سلطان العميري ص ٨٧. www. modoee.com ٦٧ حرف الحاء لعقيدة المسلم. ١. احترام المسلم لعقيدته. ومعلوم أن الإسلام قد أوجب على متبعيه احترامه، فقد جعل لهم الحرية قبل الدخول فيه، ولكن إذا اتبعوه فلا يصح لهم الخروج منه، ومن هنا حرّم الإسلام الردة عنه، واعتناق دين آخر غيره، وهذا ما لا يرضاه الحق سبحانه . قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ يُّوكُمْ بَعْدَ إِمَتِكُمْ كَفِينَ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَ عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولٌ، وَمَن يَعْنَصِمْ بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطِ تُسْتَقِ ﴿ يَُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّإِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٠ -١٠٢]. في هذه الآية يتعجب الحق سبحانه، وينكر على من يرتد عن الإسلام إلى الكفر مع قوة أسباب الإیمان، وقطع الكفر. قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَ عَلَيْكُمْ ءَايَدتُ اللَّهِ﴾ والتي تدفع الشبه والوساوس، وفيكم الرسول، وهو متمكن من قول الحق فيكم. وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌّ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]. قال الرازي: ((لما بيّن تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ذكر بعده وعيدًا شديدًا على الردة، فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِ دْمِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلنَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]))(١). فالردة محرمة شرعًا، بل جعل سبحانه عليها عقوبة وهي الخلود في النار. وتحريم الردة ليس من الحجر على حرية الرأي أو حرية العقيدة؛ لأن الحرية الرئيسة تعطى لغير المسلم قبل اعتناقه للإسلام وهو مخیّر حینها إن شاء دخل فیه، وإن شاء أبى، أما بعد الدخول في الإسلام وأصبح عضوًا في المجتمع المسلم فلا يجوز له أن يخرج من الإسلام بحال من الأحوال. أعطى أن الإسلام وخلاصة القول: الحرية للمسلمين ولغير المسلمين، واعترف بها کحق إنساني یجب أن يتصف به الإنسان، ولكن لا يعني هذا في عرف الإسلام أن يلغي هذا من حدود الله، أو أن يعدّل بعض قوانين الإسلام إلا أن يجد له استنادًا من النصوص (٢). ٢. احترام الكتابي لعقيدة الإسلام. وقد أعطى الإسلام أهل الديانات السماوية الحرية في عدم الدخول في (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٦. (٢) الإسلام وحقوق الإنسان، محمد خضر ص٤٣. ٦٨ القرآن الكريم الحرية الإسلام بشرط أن يحترموا العقيدة ردة، فتكون المفسدة أعم (١). الإسلامية، ولا يتعمدوا إهانة شعائر الإسلام، وأما عن كيفية احترام هذا الدين الإسلامي فكما يلي: ١. يلزمهم أن يتقيدوا بأحكام الشريعة الإسلامية في الدماء والأموال والأعراض، أي: في النواحي المدنية والجنائية ونحوها شأنهم في ذلك شأن المسلمين. ٢. عليهم أن يحترموا مشاعر المسلمين الذین یعیشون بین ظهرانیھم، فلا يجوز لهم سب الإسلام ولا رسوله ولا کتابه، وليس لهم أن يروّجوا العقائد والأفكار التي تتنافى مع الإسلام. ٣. عليهم احترام الشريعة الإسلامية وعدم معارضتها، فعليهم في كل ما يراه الإسلام منکرًا أو حرامًا في حق اتباعه وهو مباح في دينهم إذا فعلوه ألا يعلنوا ذلك، ولا يتحدّوا به جمهور المسلمين. وقد شرع القرآن هذه التشريعات مراعاة لمصلحة الجميع؛ لئلا تثور الفتن والاضطرابات بينهم وبين عوام المسلمين؛ ولئلا يكون في ذلك ترويج لعقائدهم، وتحريف لعقائد المسلمين، وإغراء السفهاء المسلمين على ترك دينهم، واتباع دين النصارى أو اليهود وثم يحكم عليهم بالقتل ٣. احترام المسلم أهل الكتاب. لقد سمح الإسلام لأهل الكتاب أن يعيشوا في المجتمع الإسلامي بشرط أن يعطوا الجزية. قال تعالى: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ اَلَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. فأهل الكتاب في حقيقتهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا یحّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، وبسبب هذه الأوصاف أوجب الإسلام محاربتهم؛ حتی یذعنوا للإسلام بالدخول فیه، أو دفع الجزية؛ وذلك لإزالة العوائق المادية من جهة؛ ولتحرير الناس من الدينونة بغير دين الحق، على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار، ويقصد بذلك كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق، وعندها يتم التحرير بضمان كل فرد أن يختار الدين الحق على اقتناع فإذا لم يقتنع بقي على عقيدته، وأعطى الجزية (٢). ورغم ذلك فقد منحهم الإسلام الكثير من الحقوق، منها: · أن يترك أهل الذمة أحرارًا في معابدهم (١) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، يوسف القرضاوي ص٤١-٤٢. (٢) حرية الاعتقاد في الشريعة الإسلامية، عبدالله ناصح علوان ص٥٢. www. modoee.com ٦٩ حرف الحاء وأحوالهم الشخصية، وأباح لهم كان الإنسان يحب العجلة ولا يفكر في عواقب أمره كان من الممكن أن يفعل هذه التمسك بعقائدهم. الأفعال رغم خطورتها، ورحمة من الله بعباده جعل هذه العقوبات زواجر للناس. أباح لهم التمتع بما هو حلال عندهم، حتى ولو كان ذلك حرامًا عند المسلمين، كالخمر والخنزير وغيرها. أباح لهم حق التعلم وتعليم أبناءهم مبادئهم، فلهم إقامة المدارس الخاصة بهم، ولا يوجد ما یمنعهم من حرية الرأي والاجتماع بشرط عدم إساءة استعمال الحق، كأن يبشّروا بدينهم مثلًا ... الخ(١). ثانيًا: الضوابط الشرعية: وتتمثل الحدود الشرعية فى العقوبات التي شرعها الحق سبحانه -لمصلحة الجماعة- على عصيان أمر الشارع، والمقصود منها إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد، وإنقاذهم من الجهل(٢). والمقصود من العقوبة أمران: إصلاح المجتمع، وحمايته، ففيها إجراء وقائي وعلاجي في آن واحد. لقد ضبطت الحرية بالعقوبة؛ لأن الله تعالى منع الناس من بعض الأعمال؛ لأنها تعود بالضرر على الإنسان والإنسانية، ولما (١) الإسلام نظام إنساني، مصطفى صادق الرافعي ص٢٠٢. (٢) التشريع الجنائي الإسلامي مقارنة بالقانون الوضعي، عبدالقادر عودة ص٦٠٩. والعقوبات إما أن تكون حدًّا من حدود الله -وعلى الحاكم تنفيذها- كحد الزنا، ويتمثّل في قوله تعالى: ﴿الزَِّيَّةُ وَالزَِّ فَابْلِدُوا ◌ُلَّ وجلٍمِنهماِاْتَةً بلدٍ وَلا تَأْخُذُكُمبِهِمَا رآغٌ فِ ◌ِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]. وهذا في حق غير المحصن، وأما المحصن فعقوبته الرجم، كما جاء في الحدیث (أن رجلا ممن أسلم جاء إلى النبي صلی اللهعليه وسلم فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اعترف فأعرض عنه، حتی شهد أربع مرات، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم)(٣). وكحد القذف، ويتمثّل في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَلَةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. لأن القاذف يؤلم المقذوف إيلامًا نفسيًّا، والجلد يؤلمه إيلامًا حسيًّا، فهذا الإيلام يساوي ذاك، ويضاف على إيلامه الحسي عقوبة أخرى معنوية في المجتمع، وهي عدم (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة، ٨/ ١٦٥، رقم ٦٨١٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى ١٣١٨/٣، رقم ١٦٩١. مُوسُورُ الْبَقِيَة جوبيبو القرآن الكريم ٧٠ الحرية قبول شهادته؛ لأن القاذف يحقر المقذوف، فاستحل بذلك أن يحقره المجتمع؛ وذلك بعدم قبول شهادته (١). وكحد السرقة، ويتمثّل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُبِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]. وفائدتها هي أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما یفکر في أن یزید کسبه بکسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ویرید أن ينميه عن طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة غیرہ، فإذا قطعت يده أدى ذلك إلى نقص کسبه الذي لا يستحقه (٢). وإما أن تكون العقوبات غير الحدود كالتعزيرات، وتشمل القصاص، ويتمثّل في قوله تعالى: ﴿يَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ فِي الْقَدْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. والدافع للقتل هو حب التغلب والاستعلاء والتنازع على البقاء، فإذا علم أنه سيقتل فلن يقدم على قتل أخيه، وبهذه العقوبة يتوفر الأمن والاستقرار في المجتمع، ومن ثمّ يتمتع المجتمع بجميع مقومات الحياة؛ لنشر العدالة والسعادة بين (١) الحماية الجنائية للغرض في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، عبد العزيز محسن ص ٤٠٦. (٢) بحوث في جريمة السرقة وعقوبتها في الفقه الإسلامي، علي عبد العال ص ١٩ - ٢٢. الناس. وأما عقوبة التعزير فقد ثبتت بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوََّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَتُ قَيِثَتُّ حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبٍ بِمَا حَفِظَ اللَّهُّ وَِّي تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤]. فقد استدل العلماء بهذه الآية على أن التعزير غير محدد؛ إذ لم يحدّد كم مدة الهجران، ولا كم عدد الضرب، بل راجع إلى المصلحة، فمتى ما تحققت امتنع الضرب أو الهجر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنّ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤](٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨]. فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتی تاب الله علیھم، ولم تکن المقاطعة عقوبة محددة، ولما كانت التعازير أقل، وضررها أهون، جعلت تحت تصرف القاضي الذي يجب أن يراعي المصلحة العامة للمجتمع. (٣) المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف العالم ص٣٠٨. www. modoee.com ٧١ حرف الحاء تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى وجوب الكفارات على المخالفين والمتجاوزین لحدود الله. ثالثًا: ضوابط اجتماعية: والضوابط الاجتماعية تتمثل في العادات والأعراف. والعادة هي: ((كل عمل خيرًا كان أو شرًّا يصير عادة تميل النفس إليه، وإجابة هذا الميل بإصدار العمل مع تكرار ذلك))(١). وأما العرف فهو: ((ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول)»(٢). والعرف وسيلة مهمة وجوهرية وأساسية في الضبط الاجتماعي، وهو يحكم في وجود القانون، وفي عدم وجوده، وتظهر أهميته في رعاية القيم الروحية والاجتماعية(٣). وتكمن أهمية العرف في أن الفرد لا يستطيع مخالفة المبادئ المعرفية الموجودة (١) الأخلاق والعرف، هنية القماطي ص١٣. (٢) التعريفات، الجرجاني ص١٥٤. (٣) القيم والعادات الاجتماعية، فوزية دياب ص١٨٩. وكذلك الكفارات، وتتمثّل في قوله في المجتمع، ولو فعل لتعرض للجزاء الاجتماعي؛ لهذا كان للعرف دورٌ أساس في ضبط الحرية، ولما جاء الإسلام وأقر العادات الحسنة، وخلص المجتمع الجاهلي من العادات السيئة أمرهم بالتزام الحسن، فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَِهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. أي: خذ من أخلاق الناس وأعمالهم کل ما هو حسن (٤). وقال صلى الله عليه وسلم: (ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن)(٥). والقاعدة الفقهية المشهورة تقول: ((العادة محكمة)»(٦). وقد اعتبرت العادة العرف مرجعًا في الكثير من المسائل الفقهية، وليس هذا محل تفصيلها، فتراجع في مظانها (٧). إذن فللضوابط الاجتماعية دور في ضبط الحرية، فمثلًا مخالفة الآداب الاجتماعية العامة يعتبر مرفوضًا، فالإنسان الذي يخرج من بيته إلى الأماكن العامة لابسًا ما يستر عورته فقط يرفضه المجتمع، ويعتبره شاذًّا، رغم أنه لم يفعل حرامًا. (٤) جامع البيان، الطبري ٣٢٦/٣. (٥) أخرجه، أحمد في مسنده ٦/ ٨٤، رقم ٣٦٠٠ قال الألباني في السلسلة الضعيفة ١٤/٢: لا أصل له. (٦) الأشباه والنظائر، السيوطي ص ١١٩. (٧) المصدر السابق ص ١٢٠. جوسى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٧٢ الحية ثانيًا: الحرية في الاختيار والالتزام: هذا النوع من الحريات هو الذي انفرد به الإنسان عن سائر المخلوقات، أخذًا من قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ◌ُلْأَمَانَةَ عَلَى التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْيِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ كَنَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وتجمع أقوال المفسرين على أن المقصود من الأمانة هنا أنها: (التكليف)، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها: وهو أنه إن قام بها أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله، والله المستعان(١). وهذا التكليف للإنسان فيه الخيار وليس الإلزام، أي فيه حرية الاختيار؛ لأن باقي الحيوانات مفطورة على ما أعدها الله له، فلا تستطيع الخروج عن ذلك خلافًا للإنسان الذي له إرادة مستقلة يستطيع بموجبها أن يختار ما یرید. إنها الإرادة، والإدراك والمحاولة، وحمل المسئولية هي ميزة هذا الإنسان على کثیر من خلق الله، وهي مناط التكريم الذي أعلنه الحق سبحانه في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٣/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٨/٢٠. تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠]. وفي أمره للملائكة بالسجود لآدم في ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِّكَةِ أَسْجُدُواْلِّدَمَ قوله: فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢](٢) . ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَقْتِيَا طَوَّعًا أَوْ كُرْهَا قَالَتَّا أَنَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. فمن هذه الآيات نجد أن السماوات والأرض وهما أكبر أجرام الكون أطاعتا أمر الله دون تردد، ولم تتمردا على أمره؛ لأنهما لم تقبلا بالخيار: أي: تحمل الأمانة، أما الإنسان فإنه على خلاف ذلك، فقد كان له الحق في الخيار؛ وذلك على مسئوليته الشخصية فمن البشر من آمن بحريته دون إكراه أو إلزام، ومنهم من كفر بحريته واختياره. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤١٨/٣. www. modoee.com ٧٣ حرف الحاء وَالنُّجُومُ وَلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِيرٌ الأرض، وتحمّله للأمانة دون السماوات والأرض والجبال. مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ, مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ [الحج: ١٨]. فهذه الآية تجمع في مضمونها أنواع المخلوقات جميعها بما في ذلك الناس؛ لأن النص ورد بصيغة الجمع، أي: كل من في السموات ومن في الأرض دون استثناء، ومنها مخلوقات الله المشاهدة للإنسان مثل: الشمس والقمر والنجوم ... تسجد لله دون تردد؛ لأنها مفطورة على الطاعة، وليس لها خيار في غير ذلك. أما الناس فكثير منهم أطاع الله سبحانه بالسجود والامتثال لأمره بحریته واختياره، وكثير منهم اتبعوا طريق الشيطان فامتنعوا عن السجود دون إکراههم على ذلك، وهو القادر سبحانه؛ لأنه لو أكرههم لما كان لهم حق الاختيار، ولما كانت لهم حرية قبول تحمّل المسئولية أو التكاليف التزامًا واجتنابًا (١). فطرة أم مكتسبة؟ يقول ابن تيمية: ((الحرية فطرة في النفس البشرية، ولدت مع خلافة الإنسان في (١) الإنسان وحريته في الإسلام، محمود بابللي ص١٠٨. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى قال تعالى: السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْتَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُومًا ٠ [الأحزاب: ٧٢]. جهـ وهي من الصفات التي اختص بها الإنسان كالعقل والعلم والتفكير التصوري» (٢). فهي نعمة عظمى على الإنسان، لكن في الناس من يسيئون استخدامها، ربما فهذه المخلوقات باستثناء الإنسان عن عمد، وربما عن جهل، كأولئك الذين يريدون الحياة فوضى باسم الحرية، أو يعمدون إلى نشر الرذيلة، وإشاعة الفاحشة في المجتمع باسم الحرية الشخصية ... الخ، ومثل هؤلاء إن لم يأخذ المجتمع على أيديهم أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده. قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. يقول ابن عباس رضي الله عنهما وهنا ينشأ سؤال مهم وهو: هل الحرية في تفسيرها: ((أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بعذاب))(٣). ويعضد هذا التفسير ما رواه أبو بكر رضي (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٤٨٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ / ٩٦. جَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٧٤ الحرية الله عنه حيث قال: ((إنكم تقرؤون هذه الآية: ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ إِلَى اَللَّهِ مَرْجِمُّكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)»(١). الخلفاء، وأولياء الله الصالحين))(٢). ويرى بعض المحدثين: «أنها مكتسبة، وتعلّل لذلك بأن الشخص الذي يولد في أسرة تتمتع بتربية أفرادها على الحرية والاختيار ينشأ حرًّا مختارًا له شخصيته واختياره، ويظهر أثر ذلك في تصرفاته كلها وآرائه؛ وأما الشخص الذي ينشأ في أسرة ترزح تحت نيران الاستعباد والقهر ينشأ خائفًا جبانًا يعتمد على توجيه الآخرين ويقول الدكتور راشد الغنوشي: ((إن الحرية في التصور الإسلامي أمانة، له))(٣) ولكن يردّ على هذا الرأي بأن عدم ظهور الشخصية كان بسبب ما تراكم عليها من أنواع الظلم والاستعباد، أما إذا تخلص من هذا الاستعباد فسوف ينتج عن ذلك نوع من الاستقلال؛ لذا فحرية الإنسان فطرية، ولكن قسر الإنسان لأخيه هو الذي يكبت هذه الحرية فیؤدي إلى عدم ظهورها. أي: مسئولية، ووعي بالحق والتزام به، وإخلاص في طلبه، وتضحية من أجله، تبلغ حد الاستشهاد، نعم إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار أو هي فطرة، فقد اختصنا الله بخلقة تملك القدرة على فعل الخير والشر، والسير في أكثر من اتجاه ... ، وكانت تلك مسئولية، أما بالمعنى الأخلاقي أو التشريعي فهي: (تكيف) حسب عبارة الأصوليين، الحرية: أن نمارس مسئوليتنا ممارسة إيجابية، أن نفعل الواجب طوعًا ... ، بإتيان الأمر، واجتناب النهي، فنستحق درجة ويرى الدكتور راشد الحارثى: ((أن الحرية لها جانبان: جانب فطري تؤيده مظاهر الحرية، أو في الفطرة، ولها جانب مكتسب وذلك بإبراز هذه الفطرة وتنميتها))(٤) . قلت: والحرية فطرة وهذا هو الأصل، ولكن يمكن انحراف الإنسان عن أصله (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، ١٢٢/٤، رقم ٤٣٣٨، والترمذي في سننه، أبواب الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، ٣٧/٤، رقم ٢١٦٨. (٢) الحريات العامة في الدولة الإسلامية، راشد الغنوشي ص٣٨. (٣) وصاحب هذا الرأي هو الدكتور محمد عزيز الحبابي. انظر: من الحريات إلى التحرر، له ص١٩١. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٣٩٨/١، (٤) الحرية في القرآن الكريم دراسة موضوعية، راشد الحارثي ص٢٦. رقم ١٩٧٣. www. modoee.com ٧٥ حرف الحاء وفطرته، إما بعوامل مكتسبة من البيئة، كأن وجود ضوابط صارمة لممارسة الحرية بالطريقة الصحيحة، ولعل من الواضح يكون الشخص قد نشأ في بيئة مضطهدة مستعبدة وتريض عليها، فرغمًا عنه يخضع لبيئته، راضيًا بواقعه؛ حفاظًا على حياته، وهذه الصورة ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(١) الحديث. أن المجتمعات المتخلفة لا تحسن في الغالب ممارسة الحرية بالطريقة الصحيحة، فيخطئ من يجعل الحرية مركبًا يستبيح بها كل شيء دون ضوابط، كما يخطئ من يجعل مقاييسه الشخصية معيارًا يتصرف من خلاله كما يشاء، وإن أخطر ما في الحرية أن يمارسها من لا يعرف حدودها، ولا یحسن استعمالها. وإما بعوامل ذاتية فكرية كأن ينحرف فكر الشخص ولا يهتدي للصواب رغم وضوحه، كما هو حال الكفار مع الإيمان برسالة محمد صلی الله عليه وسلم رغم معرفتهم اليقينية له بأنه الصادق الأمين، وصدق الله إذ يقول: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِحَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ ◌ِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. ثالثًا: الحرية المطلقة والفوضى: ليس من شك أن الحرية المطلقة تقود إلى فوضى مطلقة، ومن ثمّ لابد من (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام، ٢/ ٩٤، رقم ١٣٥٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ٢٠٤٧/٤، رقم ٢٦٥٨. والجدير بالذكر أنه لا يوجد خلاف على أن الاستقرار في الأمة الإسلامية، بل وفي أي أمة يحتاج إلى أمن وأمان، وأن هذا الأمر لا يتحقق إلا في غياب الفوضى بكل مظاهرها؛ ولكي يتحقق ذلك لابد أن يبدأ الأمر بتصحيح السلوك الفردي والجماعي، والإحساس بقدر المسئولية المنوطة بالأعناق؛ لأن الإنسان لبنة في كيان المجتمع، وخير له ولمجتمعه أن يكون لبنة صالحة؛ كي لا يتأثر به الآخرون عن فساده وإفساده؛ لذلك يكون ضرره بنفسه ضررًا بفرد من أفراد المجتمع، كما أن ضرره بالآخرین یوجب مساءلته، فإذا قصّر المجتمع في واجبه تجاه من یرید الضرر به، أو بأحد من أفراده يتحمل هو مسئولية ذلك، وتقع عليه نتائج ما قصّر فيه، وإن تدارك السيئ إلى الأصلح خير من إهماله. ٧٦ مُوسُو ◌َهُ النَّ جوسى القرآن الكريمِ الحية فالمسئولية أمر مجمع على وجوبه، وقد أقرتها الشريعة الإسلامية، بل وسائر المجتمعات البشرية على اختلاف عقائدها وسلوكها، تجمع على إقرارها(١). والمسئولية تكون فردية فيما يتعلق بفرض العين، إذا قصّر به من وجب عليه، ولا يتأثر غيره بتقصيره فيه، وتكون هناك مسئولية جماعية تدخل في مفهوم الفرض الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط إثمه عن الآخرين، كما أن درء المفاسد وجلب المصالح هو مسئولية كل فرد كما هو مسئولية الجميع، والمساءلة في ذلك لا شك أنها تكون من الأعلى للأدنی، وليس فوق الإنسان إلا خالقه جل وعلا. قال تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَشَْلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢- ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءٌ وَلَتُتَكُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]. وكل إنسان مسئول بمفرده عما صدر منه، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ [الإسراء: ١٥]. (١) الإنسان وحريته في الإسلام، محمود بابللي ص ٨٧. وقال تعالى: ﴿كُلُّ أَعْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. والأمة تسأل عما صدر عنها، ولا تسأل عما صدر من غيرها؛ لقوله سبحانه: ـوْتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَامَا كَسَبَتْ وَلَّكُمْ مَا كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْيَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. والمسئولية هي مناط التكليف. وقال صلى الله عليه وسلم: (کلکم راع، و کلکم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسئول عن رعيته، ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)(٢). إذا تقرر ذلك فبدهي أن المسئولية والحرية -من حيث الظاهر- متناقضتان؛ لأن الإنسان لا يكون حرًّا فيما إذا كان مسئولًا، فالحرية كما يتصورها بعض الناس هي الانطلاق من كل مسئولية، أي إن له أن يفعل ما يشاء، وألا يسأل عما يفعل، وهذا أمر لا وجود له في طبائع البشر؛ لأن التصرف الذي يصدر عن الإنسان ويتعدى (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، ٥/٢، رقم ٨٩٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، ١٤٥٩/٣، رقم ١٨٢٩. www. modoee.com ٧٧ حرف الحاء غيره؛ لابد وأن يكون صاحبه مسئولًا عنه؛ وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر؛ لما في الطبع من مغالبة لأن هذا التصرف قد یکون ضارًّا، فهل يقبل أي إنسان أن يصاب بالضرر ولا یکون فاعل ذلك مسئولًا؟! الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الحق سبحانه من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة ... )) (٢). إن المسئولية منوطة بالشخص ومكانته الاجتماعية، وليس هناك أصدق من قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمّم المسئولية بقوله: «کلکم راع، و کلکم مسئول عن رعيته) والحرية لا يمكن أن تكون مطلقة دون قيود؛ لأنها تکون حينئذٍ فوضی ولیست حرية، وإنما هي حيوانية انفلاتية. ومن تقييد الحرية تحميل المسئولية للإنسان عما يصدر عنه، وهنا نجد أن الحرية والمسئولية غير متناقضتين، وإنما هما متعاونتان في تحقيق السلام والوئام، وحسن التعايش بين الأفراد، ولو لم يكن الإنسان مسئولًا لم يكن حرًّا(١). ولهذا وجدنا الأمم جميعها تضع الشرائع والأنظمة لضبط تصرفات أفرادها، وتفرض عليهم الالتزام بها، وعدم الخروج عنها تحت طائلة العقوبة، كما أن العقوبات لم تفرض على مرتكبيها إلا لخروجهم عن الالتزام بهذه النظم، فهي كما يقال: عقوبات رادعة وزاجرة. يقول الماوردي: ((إن الحدود زواجر (١) الإنسان وحريته في الإسلام، محمود بابللي ص١٢٧ . وإن أبرز عقوبة على ترك الحرية للإنسان في أن يفعل بنفسه ما يريد هي العقوبة على الانتحار، وهذه العقوبة لا تعرفها المجتمعات غير المسلمة، ولكنها عقوبة رادعة وزاجرة لمن يقذف بنفسه إلى الهلاك. وَلَا وقد قال تعالى محذّرًا من ذلك: ﴿وَلَا تُلَّقُوا بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى النَُّلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يتردّی في نار جهنم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا)(٣) الحديث. فإذا قيل: إن الإنسان حر في أن يفعل بنفسه ما يشاء، نقول له: إنك لم تخلق نفسك (٢) الأحكام السلطانية ص ٢٥٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، ١٣٩/٧، رقم ٥٧٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ١٠٣/١، رقم ١٠٩. ٧٨ مُؤْقَبُو بَرُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الحية ولا تملك إزهاقھا، فإذا تصرفت بما یضر هذه النفس المكرّمة فلابد من تحمّل العقوبة على ذلك؛ ردعًا لمن تسوّل له نفسه أن يفعل بنفسه مثل هذا، وإذا أخذنا مسئولية الوالد في تربية أولاده، تأكد لنا أن مصلحة هؤلاء الأولاد أن يلتزموا بأوامر والدهم، كما أن مصلحة المجتمع تتحقق في مؤاخذة الوالد عن تسيب أولاده؛ لأن عاقبة تصرفاتهم الضارة تعود على المجتمع، ولو أننا قلنا: إن إلزام الوالد لأولاده بما يراه في مصلحتهم ليس تقييدًا لحرياتهم لكنّا كمن يهرف بما لا يعرف، ولأضحكنا منا أصحاب العقول الذين يجمعون على أن في تربية الأولاد ما يكون فيه أخذًا على أيديهم بما يصلح شئونهم ويقيّدهم من بعض الحريات؛ لأن الأولاد کالعود النابت في مهب الرياح إن لم تضع له ما يسنده تقاذفته الريح وأهلكته(١). وكذلك مسئولية ولي الأمر توجب عليه أن يأخذ رعاياه بما يعود عليهم بالنفع المشترك، ومن هنا كانت المسئولية هي صون الحرية من أن تهدد في غير موضعها، أو أن تهان في إساءة فهمها، أو إساءة استعمالها، كما أن فطرة الإنسان اقتضته أن يكون مسئولا عما تحمّله أو تعهد به أمام خالقه، وإن حريته في التفلت من هذه (١) الإنسان وحريته في الإسلام، محمود بابللي ص١٢٩. المسئولية توقعه فيما لا يحمد عقباه؛ لهذا تكون حريته في تكريم هذه الحرية، وعدم تجاوز حریات الآخرین. وعلى هذا تكون المسئولية مقيّدة للحرية في علاقات الناس بعضهم مع بعض، ما دام الناس يعيشون في ظل نظام يحاسبهم على سيئ أعمالهم(٢). رابعًا: شبهات وردود حول الحرية: يزعم البعض أن إقامة الحدود فيها تضييق على الأقليات من المواطنين، وإكراه لهم أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم ومذاهبهم، وفي هذا سلب للحرية واعتداء على قداستها، وللجواب على هذه الشبه إجمالًا نقول (٣): إنّ الحدود التي تقام عليهم هي سبب ارتكاب أفعال محرّمة في دینھم أصلًا، فلم تبح شريعة من الشرائع الزنا أو السرقة أو القتل أو القذف ونحوها؛ ولهذا فإقامة العقوبة عليهم ليس على شيء مباح في دینهم. إنّ على المواطن مهما كانت ديانته أن يشترك في نهضة أمته، واستتباب الأمن، وتثبيت دعائم النظام، وطهارة الأخلاق، ولا يتأتى ذلك إلا بإقامة (٢) المصدر السابق ص ١٣٠. (٣) الآثار التربوية لإقامة الحدود، علي آل علوي ص٣٣. www. modoee.com ٧٩ حرف الحاء الحدود. إنّ الأقليات تحتاج إلى المحافظة على مقوماتها، ولا يكون ذلك إلا بإقامة الحدود، ولو خيّرت الأقليات بين إقامة الحدود وعدمها لاختارت إقامتها؛ لأنّها لا ترضى لمالها أن يسرق، ولا لعرضها أن يخدش، ولا لكرامتها أن تمسّ بما يؤذیھا. إنّ من الظلم أن نقيم الحدّ على البعض دون البعض الآخر لمجرد الاختلاف في الدين، فكيف نضمن للأقلية حياة آمنة مطمئنة دون أن يطبّق عليهم ما يطبّق على غيرهم؛ ولأننا لو فعلنا ذلك لأطلقنا لهم العنان لارتكاب الجرائم دون أي مساءلة، وفي نفس الوقت كيف نضمن الأمن لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا لا يستقيم. إنّ من حق الدولة أن تدافع عن نظامها بالوسائل الكفيلة بالردع والزجر، ولها أن تنزل العقوبة الملائمة على كل يد تمتد بالإساءة إلى نظامها، لا فرق في ذلك بين الأقلية والأكثرية. أما عن التفصيل فنقول: الشبهة الأولى: إنّ العقوبات الشرعية من جلد وقذف ورجم تعتبر إهدار للآدمية المحرمة، وإيذاء غير مقبول في عصرنا الحاضر، كما أنّ العقوبات تعتبر تدخلاً في الجريمة الشخصية والسلوك الخاص للإنسان، فعقوبة الزاني إذا زنا برضا المجني عليه من مصادرة الحرية، وكذا شرب الخمر. ويردّ على هذا بالآتي (١): ١. إنّ العقوبات ليس فيها هدر للآدمية ولا إهانة لها، فإنّ الإنسان متی اقترف جرمًا معينًا فقد أهان نفسه، واستحق العقاب الذي يمنعه من معاودة جرمه، کما يجعله عبرة لغيره بحيث يحمله ذلك على التفكير بالعقوبة كلما حدّثته نفسه بذلك. ٢. قد ثبت أنّ العقوبات البدنية مؤثرة بصاحبها، وزاجرة لغيره، أمّا غيرها من العقوبات كالحبس فقد ثبت عدم جدواها، إذ يدخل المجرم بجريمة ويخرج وقد تعلّم جرائم عدّة. ٣. أمّا دعوى أنّ هذه العقوبات تدخّلٌ في الحرية الشخصية فغير مسلم بها؛ وذلك: إنّ حقيقة الحرية لا تعني إطلاق العنان للإنسان في فعل ما يشاء بلا قيد ولا حدود، فتلك هي الفوضى بعينها، وتلك هي إهدار لحرية الآخرين، وعدوان على حقوق الله، وحقوق (١) انظر: أثر تطبيق الحدود، الغزالي عيد ص١٧٨. ٨٠ ◌ُوَ سُولَةُ النَّهـ بُوَيَـ القرآن الكريم