Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْبَر النفسية الموضوعى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الحضارة عناصر الموضوع مفهوم الحضارة ٢٨٦ الحضارة في الاستعمال القرآني ٢٨٨ الألفاظ ذات الصلة ٢٨٩ ٢٩٠ أهمية الحضارة للإنسان ٢٩٠ محاور الحضارة في ضوء القرآن ٣٠٥ أسس البناء الحضاري في ضوء القرآن ٣٢٤ تأملات حضارية في القصص القرآني المجلد الثانىعشر حرف الحاء مفهوم الحضارة أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (حضر) تدل على إيراد الشّيء، ووروده ومشاهدته. وقد يجيء ما يبعد عن هذا وإن كان الأصل واحدًا(١). والحَضَر: خلاف البدو، والحَضَارة والحِضَارَة: سكون الحَضَر، كالبداوة والبداوة(٢). والحاضرة: خلاف البادية وهي المدن والقرى والريف؛ سميت بذلك لأنّ أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار(٣). وفي المعجم الوسيط: الحضارة الإقامة في الحضر، والحضارة ضد البداوة وهي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني ومظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: هناك تعريفات كثيرة، نذكر منها ما يلي: عرفها الأستاذ محمد محمد حسين بأنها: كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ونواحيه: عقلًا وخلقًا ومادة وروحًا ودينًا ودنيا(٥)، وهذا التعريف تعريف شامل لجوانب الحضارة المادية والروحية وأهدافها الدينية والدنيوية. وعرفها أبو الأعلى المودودي بأنها: تصور سليم للحياة الدنيا وغايتها في نظام اجتماعي، يقود الإنسان إلى الرقي والإخاء والأمان، ويقول: ((هي نظام متكامل يشمل كل ما للإنسان من أفكار وآراء وأخلاق وأعمال في حياته الفردية أو الأسرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية)) (٦). والحضارة ليست مجرد تصورات أو مفاهيم ومبادئ وقيم ولكنها أيضًا تطبيق لهذه التصورات والقيم والمبادئ فهي تجمع بين النظرية والتطبيق والتخطيط والتنفيذ بين التصورات وبين الواقع. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٧٥. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤١. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٩٠٨/٢، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣٨٦. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٨١/١. (٥) الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين ص ٤. (٦) الحضارة الإسلامية، المودودي ص ٥. مُوسُو ◌َرُ النَِّّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٨٦ الحضارة والحضارة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وعمارة الأرض تحتاج إلى قلوب طاهرة وأياد متوضئة ونفوس عامرة وعقولٍ زاخرة وهمم عالية. ولا سبيل إلى إصلاح النفوس وعمارة القلوب وتوحيد العقول إلا بالمنهج الرباني الذي شرعه لنا رب العالمين. وعرف مالك بن نبي الحضارة بأنها: ((جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أعضائه جميع الضمانات اللازمة لتقدمه))(١). ويعرفها في كتاب آخر بأنها هي: ((البحث الفكري والبحث الروحي))(٢). والتعريف الأول لمالك بن نبي لم يحدد مصدر هذه العوامل ولا نوعيتها، ولم يحدد نوع هذا التقدم المطلوب، وتعريفه الثاني تعريف غير مطابق للمفهوم الشامل للحضارة فالحضارة كما أسلفنا القول ليست مجرد بحوث ونظريات ولكنها إلى جانب ذلك تطبيق وتنفيذ عملي. وعرفها الشيخ سعيد حوى رحمه الله: بأنها «اجتماع الثقافة مع المدنية ضمن شروط معينة وظروف معينة)) (٣)، فالحضارة شاملة للجانب الثقافي وللجانب المدني، أقول: والثقافة في ذاتها لا تشمل جميع الجوانب الروحية في الإنسان، بل تعد جانبًا منها. ويعرفها دتوفيق السبع: بأنها: ((الحصيلة الشّاملة للمدنيّة والثقافة وهي مجموع الحياة في صورتيها المادّيّة والمعنويّة))(٤). ونلاحظ مما سبق: أن بعض العلماء عرف الحضارة تعريفًا عامًّا، والآخرين عرفوها من منظور إسلامي والذي يهمنا في هذا البحث هو تعريف الحضارة الإسلامية؛ لأنها هي موضع بحثنا، وتعريفها: ((سعي الإنسان المتواصل إلى تحقيق غايته في هذا الوجود»، هذه الغاية التي تدور حول القيام بواجبات العبودية لله تعالى وعمارة هذا الكون في ضوء التشريعات الإلهية ... فالمعنى الاصطلاحي للحضارة لا يخرج عن معناه اللغوي الذي هو خلاف البداوة، ويتطور مفهومه في العصر الحديث؛ ليشمل مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي، وهي أمور اقتضتها ظروف الحياة المعاصرة. (١) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي ص ٥٠. (٢) شروط النهضة، مالك بن نبي ص ٣٣. (٣) منطلقات إسلامية لحضارة عالمية، سعيد حوى ص ٢. (٤) قيم حضاريّة، توفيق السبع ص ٤١. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الحاء الحضارة في الاستعمال القرآني لم يرد لفظ (الحضارة) في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة وهي مادة (حضر) موجود في القرآن، والذي يعني: الحضور والشهود لمكان أو إنسان أو غيره (١). وصلة هذا المعنى بالحضارة أن الحضارة شاهدة على المنجزات والثمرات الناتجة عن العمل ، والحضور للعقل وللوعي الإنساني وللإبداع واضح فيها. وأما (الحَضَر) أو (الحَضَارة) فإنها لم ترد في القرآن الكريم، بل وردت كلمة (القرية) مفردة ومجموعة، وكلمة (المدينة)، وأصل المدينة: قرية صغيرة امتد عمرانها حتى صارت مدینة. وقد جاء لفظ (القرية) في مواضع كثيرة، في سياق الاعتبار والاتعاظ بمصير القرى الهالكة. وقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من مظاهر الحضارة والرقي، وعوامل ازدهار الحضارات ونهوضها، ونقل لنا صورًا ومشاهد من تلك الحضارات، وكيف مكَّن الله تعالى لأمم بائدة، كما ذكر آفات الحضارات وعوامل سقوطها، وقدم منهجًا راشدًا، وميزانًا دقيقًا لتقييم أي حضارة كانت. قال سبحانه وتعالى عن سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَفِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالِ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبُّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ:١٥]. وقال عز وجل عن عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌ِءَايَةٌ تَعَبَقُونَ (١٦) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠]. وتحدث عن ذي القرنين فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ، فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًّا ٨٤ [الكهف: ٨٤]. إلى غير ذلك مما اشتمل عليه القصص القرآني، من وصف حال الأمم السابقة، وما مَنَّ الله علیهم به من نعم. (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤١. ٢٨٨ القرآن الكريمِ الحضارة الألفاظ ذات الصلة القرية: ١ القرية لغة: الْقَرْيَةُ: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس (١)، وإنما سميت قرية لاجتماع الناس ـيها(٢). القرية اصطلاحًا: لا يختلف عن معناها في اللغة، وتطلق على المدينة أيضًا(٣). الصلة بين القرية والحضارة: تدل القرية على اجتماع الناس واستقرارهم في أبنية ومنازل، والاجتماع والاستقرار هما أساس الحضارة، فلا تتحقق الحضارة بدونهما. المدنية: ٢ المدنية لغة: مدن بالمكان: أقام به. ومنه سمّيت المدينة، وهي فعيلةٌ، وتجمع على مدائن بالهمز، وتجمع أيضًا على مدنٍ ومدنٍ. (ومدن) مدنًا: إذا (أتاها) (٤). المدنية اصطلاحًا: التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال استعماره للطبيعة (٥). الصلة بين المدنية والحضارة: تتحقق المدنية بالرقي المادي فقط، أما الحضارة فتحتاج إلى الرقي المعنوي أيضًا. كما تقاس درجة المدنية بموضوعات محددة ومحسوسة، أما الحضارة فيتعذر قياسها بسهولة لاشتمالها على قضايا معنوية (٦). (١) المصدر السابق ص ٦٦٩. (٢) مقاییس اللغة، ابن فارس ٧٨/٥. (٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٣٢. (٤) تاج العروس، الزبيدي ٣٦/ ١٥٧. (٥) انظر: الثقافة والحضارة الإسلامية، إبراهيم علي محمد ص ١٥. (٦) انظر: المصدر السابق ص١٦. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الحاء أهمية الحضارة للإنسان للحضارة أهميتها البالغة للإنسان، فالإنسان کما قیل مدني بطبعه، یمیل إلی العيش في المجتمعات، فإذا تهيّأت له الأجواء الحضارية، وعاش حياة طيبة آمنة، بذل ما في وسعه للمشاركة في دورة التقدم والنهوض. والحضارة الإنسانية الرائدة تحقق للإنسان إنسانيته، وتيسر له القيام بدوره المنشود، كما تيسر له غايته الكبرى وهي عبادة الله تعالى، وتعينه على تحقيق حاجياته وتلبية رغباته، وبلوغ طموحاته المشروعة. فإصلاح الدنيا مما يعين على إصلاح الدين، وسهولة العيش ويسر الحياة، مما يفرغ القلب لعبادة الله وذكره. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنَصَبْ ن) وَإِلَى رَبِكَ فَأَرْغَب ٥﴾ [الشرح: ٧-٨]. فإن فراغ القلب من الأشغال والهموم أدعى لحضوره وصفائه، وإقباله على مناجاة ربه. قال ابن كثير رحمه الله : «أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطاً فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة))(١). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ / ٦٤٢. محاور الحضارة في ضوء القرآن لا بدّ لكلّ بناء من محاور أساسية لا يقوم إلا بها، أولها: البنَّاء الذي يبني ويشيد، وثانيها: المنهج الذي يسير عليه أو التصميم الذي ينفّذه، وثالثها: الأرض التي يبني عليها، ورابعها: موادّ البناء الأساسية والمساعدة. والحضارة بناء، له محاوره الرئيسة ودعائمه الأساسية: الإنسان، والكون، والمنهج. الإنسان وهو اللبنة الأساسية والدعامة الرئيسية في البناء الحضاري والمحور الرئيسي لها بما حباه الله من كرامة وما وهبه من ملكات، وما سخّر له من نعم، وما أودعه فیه من طاقات، والكون الذي سخره الله للإنسان بما فیه من کنوزٍ وذخائر و ثروات وطاقات، والمنهج الذي يسلكه الإنسان ليبني حضارته ويحميها. والحضارة هي ثمرة التفاعل بين هذه العناصر الثلاث: الإنسان، والكون، والحياة، وعمر أي بناء يتوقف على متانة أسسه ورسوخ دعائمه، وتماسك لبناته وتناسق أجزائه، فلا تنافر ولا شذوذ. ومن ثم فلزامًا على الإنسان الذي يسعى للنهوض أن يعرف إنسانيته ودوره وعلاقته بالكون والحياة. أولًا: الإنسان: من سمات المنهج القرآني في الحديث عن الإنسان: استيعاب حیاته وتاريخه: منذ ٢٩٠ مُوسو عبر التطبيق الوضوء القرآن الكريم الحضارة بداية الخليقة حتى نهاية العالم، فلقد جمع لنا القرآن تاريخ الإنسانية منذ آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن علیھا، ثم مصیر الإنسان ومستقرّه الأخروي، استيعاب الإنسان: روحًا وجسدًا، عقلًا وقلبًا، فكرًا وعاطفة، استيعاب الإنسان: عقيدةً وشريعةً وسلوكًا. استيعاب الإنسان: على اختلاف مشاربه وأفكاره وتصوراته ومعتقداته وأوطانه وأجناسه، استيعاب الإنسان: من جهة مصالحه ومنافعه وهدایاته، من جهة طبائعه ونزعاته ودوافعه، فالذي خلق الإنسان هو العليم به. قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَ كُمِنَ اْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُونِ أُمَّهَنَتِكُمْ فَلَا تُزَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِىِ نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ، كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْبِّ. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٣ -١٤]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحَمِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ يِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٥]. لقد صار الإنسان بشرًا سويًّا يفكر ويجادل، يقدّر ويناضل، ببني ويهدم، يعمر ويخرّب، يسبر الأغوار، ويمتطي صهوة البحار، ويغوص في الأعماق، ويحلّق في الأجواء، ويسبح في الفضاء، ويشقّ الجبال، ويقدّ الصخر، ويفلّ الحديد، فهلّا تذکر ماذا كان قبل أن یکون؟ هل استشعر قدره حین كان نطفةً من ماء مهين، ثم انتقل بقدرة الله وتقديره من طورٍ إلى طورٍ حتى استوت خلقته واكتملت صورته؟ نظرتين زائفتين لقد نقض القرآن للإنسان: النظرة الأولى: نظرة الاستعلاء التي تصل به إلى حدّ الغرور والإعجاب وازدراء ما حوله من مخلوقاتٍ متكئًا على ما منحه الله من مواهب وما أولاه من نعم. فبيّن له أصله ومادته لا لازدرائه أو تحقيره ولكن ليعرف قدره وطبيعته، ويبرأ من داء الكبر. قال تعالى: ﴿فَلْتَظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ )) خُلِقَ مِن مَّلَوِ دَافِقٍ (١) يَخْجُ مِنْ بَيْنِ السُّلْبِ وَاَلَّيِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]. وقال تعالى: ﴿ الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ. وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ ، تُوَّجَعَلَ نَسْلَهُ www. modoee.com ٢٩١ حرف الحاء مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ٥ ثُمَّسَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنِ رُوحِيَةٌ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَاْأَفِدَةَ قَلِيلًامَّا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٧-٩]. وقال تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ اَلْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدّى ـ)أَ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِ يُعْنَىِ ، ثُمَ كَانَ عَلَقَةٌ فَخَلَقَ فَسَوَّى ) جَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذِّكَرَ وَالْأَنَى﴾[ القيامة: ٣٦ - ٣٩]. وهذه الآيات تبرز عناية الرحمن بهذا المخلوق ورعايته له. النظرة الثانية: نظرة المذلّة والهوان والضّعف التي تصل إلى حدّ احتقار الذّات والخنوع لكلّ كائن، والشّعور بالذّنب والخطيئة، ولقد بين القرآن كرامة الإنسان ومكانته وتميزه عن سائر المخلوقات. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾[ التين: ٤]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَّكَ بِرَّكَ اَلْكَرِيمِ ن الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴾ فَسَجَدَ الْمَلََكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ الحجر: ٢٨ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَحَلْنَعُ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٠ ]. الوعي الإنساني: خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته بعد أن علّمه الأسماء كلها ودعاه لدخول الجنة وحذره من أن يقرب شجرة معينة، ثم أغواه الشيطان فأكل منها هو وزوجه حواء، ثم بدت آثار المعصية فتابا إلى الله تعالى، وکان هبوطهما إلى الأرض، کلّ هذا يدل على أن الإنسان الأول خلق سويًّا مكتملًا، وبدأ أول لحظات وجوده مكرَّمًا محفوفًا برعاية الله، عاقلًا واعيًا مكلّفًا، ودرج في سلَّم العلم والمعرفة، هذه هي النظرة القرآنية للإنسان. أما النظريات الفلسفية المجرّدة من نور الوحي، المبنية على تصورات وتخمينات بشرية فترى الإنسان خلق مهينًا حقيرًا وانتقل من طور إلى طور حتى ارتقى إلى درجة القرود ثم إلى صورته البشرية، واعتمد على نفسه فتخبّط کثیرًا حتى اكتسب المعارف عن طريق المصادفة، وعن طريق الملاحظة والتجربة، وهكذا تحقّر هذه الفلسفات والتصورات الضالة من شأن الإنسان وتتجاهل الوحي والرسالات التي جاءت تعرف بنشأة الإنسان وغاية وجوده وكرامته، واتباعه للهداية الربانية وتوحيده لخالقه حتى انتكست بعض الأجيال ومالت إلى الشرك بوساوس الشيطان وتزيينه. من شواهد عناية القرآن بالإنسان: ومن مُؤَسْو ◌َر النفسية الموضو القرآن الكَرِيْمِ ٢٩٢ الحضارة شواهد عناية القرآن بالإنسان ورود اسمه في القرآن في ثمانية وخمسين موضعًا، حیث جاءت كلمة (الإنسان)، وفي ستة مواضع كلمة (الإنس)، وفي سبعة مواضع كلمة (بني آدم)، في حين جاءت كلمة (الناس) في مائة واثنين وثمانين موضعًا وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على عناية القرآن بهذا الكائن. وحديث القرآن عن الإنسان حديثٌ وافٍ، یشمل جميع مراحل حیاته، ویبین له منهجه في الحياة، وعلاقته مع الكون. مقاصد القرآن في أولی رسائله: تجلّت مقاصد کلام ربّ البرية، مع أول ما نزل على رسول الإنسانية وهو يتعبد في الغار. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ ® خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ل ◌َقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ الَّذِى عَّمَ بِالْقَلَمِ ن عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَئِكَ الَّذِى خَلَقَ﴾: أوّل رسالةٍ قرآنية يتودد الله فيها لعباده، ويعرّ فهم بنفسه، فهو ربّنا وملیکنا، خالقنا ورازقنا، ومدبّر أمورنا، ومصرّف أحوالنا، على وجه العناية والحفظ. أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تضع لنا منهجًا لتلقي العلوم وتأصيلها، وتطبيقها. ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ أوّل توجيهِ إلهيِّ، أول تكليفٍ ربائيٍّ يحمل دعوةٌ عامةً إلى القراءة، وحثًّا على العلم؛ فالقراءة وسيلة الوعي والمعرفة، والعلم طريق المجد، ونبراس الرقيّ والحضارة. ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ فلتكن القراءة بالله ولله، فمنه تعالى العون والتوفيق، هو غايتنا ورجاؤنا، وسيّدنا ومليكنا؛ فينبغي أن نطلب العلم لله، ونجرّد العمل له وحده، ونبرأ من کلّ حولٍ وطولٍ، إلى حوله وقوته، ونطلب المزيد من العلم منه وحده، فهو معلّمنا وملهمنا. ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ والخالق عز وجل قد هيّأنا للقراءة بما أودعه فينا من العقل والفهم والاستيعاب. ولأنه تعالى هو خالقنا فهو وحده الذي یأمرنا وینهانا، وینظّم دنيانا. ولأنه تعالى هو خالقنا ومعلّمنا؛ فقد أنزل كتابه يضبط لنا أصول العلوم وقواعدها. خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾: تفصيلٌ بعد إجمالٍ، بيانًا لأصل هذا الإنسان ونشأته، أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تؤذن بأنه دعوةٌ عالمیةٌ، تحمل مشاعل النور، وتفتّح روافد الخیر، وتفجّر ينابيع الرحمة للإنسانية. وإشارةً لمادة خلقه، وطورٍ من أطوارها العجيبة، فمعرفة الإنسان بأصله وأطواره مما يضيء له طريقه وينير بصيرته، وإذا أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تضع اللبنات الأولى في صرح بناء حضارةٍ إنسانيةٍ رائدةٍ راشدة. كانت علوم البيئة مبنيةٌ على علاقة الإنسان www. modoee.com ٢٩٣ حرف الحاء ووعيه بالكون والكائنات؛ فإن معرفته بذاته والقراءة وأدواتها، ولقد كان لذلك أثرٌ بالغٌ هي الركيزة والمنطلق لهذه المعرفة. ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ﴾: التوجيه الأول والثاني في رسالة الإسلام (اقرأ) وما ذاك إلا لأهمية القراءة ودورها الحيوي في حياة هذا الكائن، وللمرة الأولى يعرفنا الله بصفةٍ من صفاته، صفة الكرم، فالله تعالى أكرم من كلّ کریم، ومن العجيب أن يستهلّ بها آخر کتبه، بعد فترةٍ من الرّسل واندراسٍ للكتب، وفي هذا ما فيه من التودّد إلى الإنسان والإقبال عليه، والعناية به، وتقديم البشرى له، وحفزه على العلم والعمل؛ فإنّ الذي يثيبه ویجازیه هو أكرم الأکرمین، فليسارع إلى العلم النافع، وليتنافس في ميادينه؛ لخدمة الإنسانية وراحتها ورفاهيتها، فإنّ الأجر والثواب من أكرم الأكرمين، في الدنيا قد تفوته الجوائز وتحجب عنه المحفّزات، ويحرم من التقدير، أو يعيش مغمورًا، ويموت منسيًّا، ولكن هذا لا يضيره؛ لأنه يرتقب الأجر من أكرم الأکرمین، ممن لا يضيع عنده عمل العاملين، ولا يضيع أجر المحسنين ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرمُ﴾. ﴿الَّذِى عَلَّم ◌ِلْقَمِ﴾ فالعلم منه تعالى وله تعالى، هو تعالى الذي علّم الإنسانية وأرشدها إلى وسائل التعلّم وأدواته، ونزول هذه الآية على النبي الأميّ لتطرق مسامع الأميين وتلفت أنظارهم إلى العلم ووسائله على أمّة الإجابة، والتي ارتقت إلى صدارة الأمم وتسلّمت دفّة قيادة موكب الإنسانية، وحملت لواء العلم ومشاعل النور، وشيّدت أرقى حضارةٍ عرفتها الإنسانية في مسيرتها. ﴿عَلَّمْ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَ﴾ فالوحي هو المصدر الأول للتعلّم والتلقّي، والأنبياء إلى جانب دعوتهم لإصلاح الدين جاءوا بصلاح الدنيا، ونقلوا للإنسانية كثيرًا من العلوم والمعارف عن طريق الوحي، حتى تميّز الإنسان بالعلم والفهم، والتلقي والتلقين، والتحصيل والاستيعاب، والاستقراء والملاحظة، والتجربة والاستنباط، والتطوير والابتكار، من منطلق الوحي الإلهي. تلك هي نظرة القرآن للإنسان، وبيانه لمعالم طريقه، وتوضيحه لعلاقته بخالقه جل وعلا، وفي الرسالة الأولى دعوةٌ للإنسانية أن تقرأ وترتقي سلّم العلم وتستضيء بأنواره، أن تقرأ مستعينةً بربها فهو الخالق الرازق المدبر المعلّم، وأن تجعل من العلم هاديًا ودليلًا لتحقيق عبوديتها لخالقها جل وعلا ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ﴾، فهو تعالى الذي امتنّ على الإنسانية بنعمة الوجود. ثم يتكرر الأمر بالقراءة فهي مفتاح العلوم وطريق المعرفة وسبيل الهداية ﴿آقرأ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ﴾ كما تكرر ذكر الربّ جل وعلا ٢٩٤ القرآن الكريم الحضارة مرتين: مرةً في معرض الامتنان على الإنسان تكريمًا له وتفضّلًا عليه. بنعمة الوجود، ومرةً في بيان نعمةٍ من أجل النعم، وهي نعمة العلم، غذاء الأرواح، وقوت القلوب، وروح الأمم والشعوب. ومن هذه الآيات نخلص إلى ما يلي: عناية القرآن بالإنسان، فالإنسان هو محور هذا الكتاب العظيم. أول ما نزل من القرآن دار حول بیان نعمة الله على الإنسان. أول أمر للإنسان أن يقرأ ويتعلم فالقراءة طريقه للعلم، والعلم سبيل الهداية والرقي. تكرر الأمر بالقراءة؛ لأهميتها ومزيتها فهي مفتاح العلوم وباب المعارف. التعبير بصفة الربوبية لبيان عناية الخالق بالإنسان فهو تعالى الذي خلقه ورزقه وعلمه. الفلاح في الدارين. ثانيًا: الكون: من دلائل تکریم الله تعالی للإنسان ومن تمام إنعامه عليه: أن جعل الكون كلَّه مسخَّرًا لمنفعته؛ السماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والليل والنهار، والماء واليابس، والبحار والأنهار، والنبات والحيوان والجماد، كلّها مسخّرةٌ لمصلحة الإنسان، قال تعالى: ﴿اَلَّتَرَ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُرُ مَّافِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِ، وَئُمْسُِ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِيٌ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥]. وفي سورة لقمان: ﴿أَلَمْتَرَوْاْ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَكُمْ نِعَمَهُ ظَهِرَةُ وَبَاطِنَةُ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَى وَلَاَ كِتَبِ مُنِيرٍ ﴾[ لقمان: ٢٠ ]. وفي سورة الجاثية: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكٌ اَلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَإِبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُرْ تَشَّكُرُونَ (٢) وَسَخَّرَ لَكُمَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢ - ١٣ ]. فالإنسان مع ضعفه وضآلة حجمه: كرّم الله الإنسان بالعلم، فينبغي أن سخّرت له هذه المخلوقات، وتلك العوالم يحسن الانتفاع به فهو سبيل النجاة وطريق مع عظمها وقوتها وامتدادها إلا أن الله عز وجل طوّعها له وهيّأها لخدمته وانتفاعه رحمةٌ منه ولطفًا. لقد سلك بنا القرآن مسلكًا لطيفًا، فأرانا من هذا الكون مشاهد متعددة متنوعة، أوقفنا على عظمة خلقها وتكوينها وعلى نظامها ودقتها وانتقل بنا منها إلى خالقها ومنظمها ومدبّرها وآيات القرآن الكريم تجلّ لنا هذا الکون المشهود، وتبرز روائعه وتصف بدائعه، وتحكي اتساقه وتكشف حقائقه www. modoee.com ٢٩٥ حرف الحاء وتبرهن على عظمة خالقه، وعن شمول وعمق تلك النظرة القرآنية يقول د. المبارك رحمه الله: ((إن هذه النظرة إلى الكون كما جاء بها القرآن تحتوي على نظرة الماديين إلى الكون، من حيث استخراج السنن والقوانين وارتباط الحوادث بعضها ببعض بروابط مطردة دائمة، ولكنها تزيد عليها، فالماديون يقفون هنا عند هذه المرحلة، والمؤمن بالله يتجاوزها إلى الإيمان بقوة أوجدتها من العدم وبعثت الحياة في أحيائها وقدرت لها نظمها ورسمت لها طريقها ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىَّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠ ]. أما المادي فلا يفكر في البداية ولا في النهاية، بل يبحث فيما بينهما ويشاركه المؤمن على طريقة القرآن في الإيمان بالله وفي نظرته فيما بينهما، ولكنه يتجاوز هذه النظرة ويصعد من الكون إلى خالقه، إن الماديّ ضيق الأفق محدوده، والمؤمن واسع الأفق، لا يقف عند حدوده، والمادي ينظر للكون نظرة جافة جامدة، والمؤمن ينظر إليه من خلال نظرته إلى عظمة الله ورحمته وفضله، فيتصل بالكون والطبيعة اتصالًا ربَّانيًّا يشعر خلاله بنبضة الحياة وخفقة الروح ويستشعر العظمة والرحمة في نظراته، إنه أوسع عقلًا وأيقظ قلبًا وأرهف ضميرًا وحِسًّا))(١). هناك حقائق كبرى يدركها الإنسان حين يتخلّص من قيود العقليّة المادّة الضّيّقة ويفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون العريض فيتدّره بنظرةٍ واسعة الأفق، وإيمان بكلّ القوى المذخورة فيه وسيجد حينئذٍ ظواهر عجيبة في حياة الإنسان، لا يمكن تفسيرها إلّا علی فرض وجود الرّوح. إن في الكون حقائق کبری، لا يمكن للإنسان أن يدركها ومباهج لن يذوق حلاوتها ولن يتنسم عبيرها ما لم يتخلّص من القيود المادية التي أثقلته ويتجرّد من تلك النظرة الضيقة إلى أن يفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون الرحيب فيتأمله بعين بصيرته، ويستكشفه بنور إيمانه حينئذٍ ستنكشف له أسرار وتنجلي أمام ناظريه دقائق ولطائف. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ آَخْئِلَفِ اُلَلِ وَاُلَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَهُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾[ يونس: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىَ إِنْزَهِيمٌ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ ﴾[ الأنعام: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىّ أَن يَكُونَ قَدٍ أُقْتَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ. يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. (١) نحو إنسانية سعيدة، محمد المبارك ص ٣٤. ـودَةُ التَّفِيَة جوب القرآن الكريم ٢٩٦ الحضارة للكون وعلاقته به وعمق معرفته واعتدال سلوكه في هذا الكون، ويقدر معرفته بنواميس هذا الكون وسننه ودقائقه بقدر تقدّمه وتمكّنه وتحقيقه لواجبات الخلافة، لكنّ معرفة الإنسان بالكون لا تتناسب مع طموحاته وآماله، وهناك حجبٌ كثيفة وحواجز تحول دون انطلاق الإنسانية في عالم المعرفة منها بعده عن المنهج الرباني، وتشبّث كثير من البشر بالأساطير والأوهام التي ترسّبت في عقولهم، وانصرافهم عن العلم والمعرفة بإشباع الشهوات وتحقيق المكاسب المادية، ((وقد صرح العالم إينشتاين أن كلّ ما جمعه من معلومات عن هذا الكون لم يقدّم له عنه إلا لغزًا مقفلًا يستعصي على الحل))(١). رسالة الإنسان في هذا الكون: خُلِقٍ الإنسان لأسمى غاية وأسنى مقصد وهو إخلاص العبادة لله رب العالمين الذي خلقه ورزقه وأكرمه وفضله على كثير من المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. فمهمة الإنسان وغايته ومحور وجوده (١) منهج الحضارة الإنسانية في القرآن، محمد البوطي ص ١٣٧ . إن تقدّم الإنسان وتحضّره مرتبطٌ بنظرته هو عبادة الله وحده، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (کنت ردف النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرّحل. فقال: (يا معاذ بن جبل) قلت: لبيك رسول الله وسعدیك ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ) قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. ثمّ سار ساعةٌ، ثمّ قال: (يا معاذ!) قلت: لبّيك رسول الله وسعديك، قال: (هل تدري ما حقّ الله على العباد؟) قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنّ حقّ الله علی العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ!) قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك، قال: (هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (أن لا یعذّبھم)(٢). فمهمّة الإنسان: عبادة الله عز وجل، والقيام بحقّ الخلافة في الأرض، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان الرحمة في أرجائها، والمحافظة على مواردها وحسن استغلالها، ورعاية البيئة وحمايتها، وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك رقم ٥٩١٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، ٥٨/١، رقم ٣٠. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الحاء قال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا فَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتِ لِيَبْلُؤُكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ومن مقتضيات مهمة الاستخلاف في الأرض: المحافظة على ثرواتها وكنوزها، وخيراتها، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها، وفق منهج الله تعالى، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدبِّره. والاستخلاف يعني: أن الإنسان وصيُّ علی ھذا الكون لا مالگًا له، إنه مستخلفٌ على إدارته واستثماره وإعماره أمینٌ عليه. والإنسان موكّلٌ بعمارة الأرض مخوّلٌ بریادتها، فضلاً عن كونه جزءًا من هذه البيئة التي أمر بحمايتها ورعايتها؛ فهو مخلوقٌ من الأرض، قد اشتمل تركيبه على جميع عناصرها، فهو جزءٌ منها وصلاحه مقترن بصلاحها وحاضره ومستقبله مرتهنٌ بحاضرها ومستقبلها، وحين يعي ذلك يسعى إلى التدابير الواقية من المفاسد الناتجة عن الإضرار بها. قال تعالى: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُّلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَاءُ فَأَخْرَحْنَا بِهَِّ أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَفَّى وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ النُّهَى ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ ٥٤ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه: ٥٣ - ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِوَاُسْتَعْمَرَكُفِيهَا﴾ [هود: ٦١]. (استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكّنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها)»(١). إن للإنسان دوره المنشود في هذا الكون فهو قوةٌ إيجابيةٌ، خلقه الله تعالى ليعمّر ويطوّر، وليصلح وينمّي، والله سبحانه في عونه بتسخير كثيرٍ من المخلوقات له ومنحه كنوز هذه الأرض وخيراتها، وهو معانٌ من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية. ورسالة الإنسان في الكون رسالة إصلاح وبهذا أنزل الله الكتب وأرسل الرسل. ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ قال تعالى: أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتؤَّأْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ؟ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُثُتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَّاً (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٨٤. مُوسْو ◌َةُ التَّسبيل موضو القرآن الكريم ٢٩٨ الحضارة وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَنكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ﴾ [هود: ٨٧ - ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ أْمُصْلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٧٠ ]. ولقد دعا الإسلام إلى معرفة قيمة ما حولنا من مخلوقاتٍ والبحث عن دورها وطبيعتها، فكم تعلّم الإنسان من الكائنات من حوله، وكم هداه الله بسببها إلى مخترعاتٍ أفادت الإنسانية، و کم کانت ولا تزال سببًا في هدايته إلى خفايا غابت عنه فلم يصل إليها علمه المحدود. تأمل في قصة هابيل وأخيه قابيل: كيف کان الغراب معلّمًا للإنسانية - أول دروسٍ في حماية البيئة - كيف تدفن موتاها في أولّ حالة وفاةٍ إنسانية ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى اُلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأَوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىٌّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. من هنا كانت المخلوقات الأخرى مصدرًا من مصادر المعرفة الإنسانية فضلاً عن أهميتها البيئية، لذلك فإنه من الأخطاء التي نبّه الإسلام عليها محذّرًا من الوقوع فيها أن يحتقر الإنسان بجهلٍ منه بعض المخلوقات، أو يتطاول عليها بلسانه فيسبّها لأذّى أصابه منها، ويغفل عما تحمله من خیر. ثالثًا: الغاية: الغاية من الحضارة الإنسانية الرائدة التي يسعى إليها الإسلام تنسجم مع الغاية من وجود الإنسان في هذا الكون، وهي غاية يسعى الإنسان لتحقيقها كفرد، وفي إطار المجتمع الذي يعيش فيه. ولقد استخلف الله تعالى آدم وذريّته في الأرض، وأعلم بذلك ملائكته الكرام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فمهمّة الإنسان: عبادة الله عز وجل، والقيام بحقّ الخلافة في الأرض، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان أرجائها، والمحافظة على الرحمة في مواردها وحسن استغلالها، ورعاية البيئة وحمايتها. وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ، ومن مقتضيات مهمة www. modoee.com ٢٩٩ حرف الحاء الاستخلاف في الأرض: المحافظة على مغتصبي إرادته، كما حدث في الشيوعية التي فرضت أهدافها وأفكارها الخبيثة بالحديد ثرواتها و کنوزها، وخيراتها، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها، وفق منهج الله تعالى، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدېّره. والنيران، وإزهاق الأرواح، وحرب الأدیان حتى تهاوت عروشها وخرّت سقوفها على رؤوس سدنتها وحماتها وقادتها، وكفرت بها الشعوب، وهذا هو الفرق بين الغاية في ورسالة الإنسان هي رسالة الإصلاح والتعمير، ولقد سخّر الله للإنسان کل ما يعينه ويذلل له الصعاب كي يقوم بواجبه ویؤدي رسالته. الإسلام والغاية في غيره من الملل والنحل والنظم، الغاية في الإسلام واضحةٌ محددةٌ، غايةٌ صادقةٌ عادلةٌ، غايةٌ تلبي نداء الفطرة الإنسانية وتحقق المصالح العليا للإنسانية، ورضا الله عز وجل غاية وجود الإنسان لن يتحقق إلا باتباع منهجه وابتغاء وجهه الکریم في کل عمل يقوم به الإنسان، وهذا يدعوه إلى اختيار الأعمال الصالحة النافعة، وجودة العمل وإتقانه، ومراقبة خالقه جل وعلا، وسعيه إلى إرضائه بإخلاص النية وإتقان العمل. كما أنها تلبي المطالب الفردية العادلة، وتجمع شتات القلوب، وتوثّق عراها، تلك الغاية الأسمى هي التي تحمل المؤمن على الصدق والتجرّد والتفاني والتسامي على أعراض الدنيا. إن توحيد المنهج ينبثق عن توحيد الغاية، وتوحيد الغاية يترتب عليه توحید الرؤى والتوجّهات والسلوك، ونبل الغاية يفضي إلى نبل الوسائل المحققة لتلك الغاية. تلك الغاية الکبری هي التي توحّد بین المؤمنين وتجمع كلمتهم وتؤلف قلوبهم، بينما لو ترك للإنسان تحدید غایته لوجدنا أنفسنا أمام غايات متباينة وأهواء متفرقة ومصالح متناقضة، تؤدّي إلى التنافر والصّدام بين أفراد المجتمع مما يشيع الفوضى ويعطل الجهود ويبدد الطاقات ويعدد الوجهات، ولا يمكن لغاية ما أن تفرض على المجتمع فرضًا، ویؤطّر الناس علیها أطرًا؛ فإنه إن خنع لذلك فترةمن الوقت فسرعان ما ينتفض على قاهريه ويثور على قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَلَهَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنَفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ بِرَّاً وَعَلَئِيَّةٌ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَّةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَكَ لَمْ عُقْبَ الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ. وَأَلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيِلَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَِّينَ يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨]. ٣٠٠ القرآن الكريم الحضارة وقال تعالى: ﴿ وَمَآءَاتَلْتُممِّن رِبَّالِيبُوا فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانْتُم مِّن ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: ٣٩]. فلا يراد وجه الله تعالى إلا بصالح الأعمال ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق ومحامد الخصال، وبهذا ترقى المجتمعات وتنهض الأمم وتتحد كلمتها حين تسمو غایتها. ويرشدنا القرآن إلی أن کل الغايات ذاهبة أدراج الرياح، لكنّ غاية واحدة هي الباقية وهي النافعة، حین نقصد وجه الله تعالى. قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَيْكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَاءِ ﴾ [الرحمن: ٢٦- ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. إن الصلة وثيقةٌ بين الغاية والمنهج والثمرة؛ فالغاية: وجه الله، والمنهج: التسليم القلبي والإحسان العملي، والثمرة: الأجر العظيم الذي ينتظره من ربه فضلًا عن الأمن والسعادة التي يحظى بها في الدارين. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَتْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّيُرِيدُونَ وَجْهَةٌ. وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ: عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا ﴾ [الكهف: ٢٨]. إن المؤمن يجعل من ابتغائه لمرضاة ربه حافزًا ودافعًا للتسابق إلى الخيرات والتنافس في میادین البر، مع ضبط عمله وسلوكه بهذه الغاية المنشودة. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيْتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال تعالى: ﴿لَاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَّةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَنْضَاتِ اَللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُ جَهَنَّهُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ١٦﴾ [آل عمران: ١٦٢]. www. modoee.com ٣٠١ حرف الحاء وتجاوبًا بين طموح الإنسان ورغباته وأفكاره وأحواله، بين عقله وقلبه، بين ضميره ووجدانه، ووحدة الغاية تنتج تجاوبًا وانسجامًا وألفة بين أفراد المجتمع. ومن أكبر مزايا تلك الغاية أنها إذا تحققت، تحقق بالتبع كل ما للإنسان في هذه الحياة الدنيا من الآمال والأماني، من الناحية الفردية، أو الاجتماعية دون أن يجعلها الإنسان غايات مقصودة لذاتها، والقرآن الكريم في كثير من آياته قد عدد الآمال والأماني، والنعم والمقاصد التي تتحقق بنفسها إذا نال الإنسان مرضاة ربه، إن أكبر ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه في حياته الدنيوية هو الأمن والسلام، والسكينة والطمأنينة القلبية. يقول تعالى: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَلُونَ﴾[ البقرة: ١١٢]. ولا شك أن وضوح الغاية سبب في وضوح الطريق ودفعةٌ لسلوكه وصولًا لتلك الغاية. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَّاللّهِ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [ يوسف: ١٠٨]. إن تلك الغاية الأسمى للحضارة الإنسانية في الإسلام تجعل للحضارة إن وحدة الغاية تورث انسجامًا تامًا سماتها التي تتميز بها عن غيرها من الحضارات، وإن اشتركت معها في مظاهر كثيرة، لكنها تتميز حين يتعلق الأمر بالعقيدة الإسلامية، والشريعة الربانية، والغاية الكبرى للحضارة، فالإسلام أباح الفنون الجميلة، وحثّ عليها لا لذاتها كما في غالب النظم الأخرى، ولكن لكونها رسالة سامية ترقی بمشاعر الإنسان وتهذب سلوكه مع ما فيها من مسرّة للناظرين، وبهجة للقلوب، ومتعة حلال طيبة، بينما غالبية النظم الأخرى تجعل الفن للفن والأدب للأدب کما یردّدون، ویروّجون، ومن ثمّ فلا رباط للفنون والآداب ولا ضوابط لها، حتى لو انحرفت عن مسارها الإنساني الراقي إلى مسار بهيميٍّ، فانحدرت وتردّت إلى العري والمجون والتبذل والخلاعة، تثير الغرائز، وتؤجّج الشهوات، وتلهب العواطف، وتعصف بالقيم، وتنحدر بالأخلاق، وتفسد الذوق، وتهبط بالروح كما هو الحال في الحضارة الغربية، وكما يروج وكلاؤها ودعاتها المنبهرون بها في بلاد العالم الإسلامي. رابعًا: المنهج: إذا اتضحت لنا الغاية من وجود الإنسان، فقد اتضحت لنا ملامح المنهج الرباني الذي يقيم تلك الغاية ويحققها في الواقع، ٣٠٢ فَضْو مَوْسُوء القرآن الكريم الحضارة هذا المنهج لا بد وأن يكون قدسيًّا علويًّا والبيئات والمشارب والأهواء، متباينة في اجتهاداتها، وتصوّراتها ونظراتها للمصالح وتقييمها للأمور، ومن ثمّ فما تتفتق عنه العقول من مناهج لا يمكن أن تبلغ حدّ الكمال والشمول، ولا يمكن إلا أن تكون حتى يذعن له الإنسان ويقبل عليه، وأن یکون واقعيًّا حقيقيًّا حتی یکون صالحًا للتطبيق في دنيا الناس، لا يجافي الفطرة ولا یصادم العقل، ولا ینازع الوجدان، بل یکون جديرًا للرقي والتقدّم، والسعادة والرفاهية متباينةً، لا تجتمع عليها الإنسانية. للإنسانية. ومن ثمّ فلا سبيل للبشريّة کي تنهض لا بدّ لأيّ بناء من مخطّطٍ يقام على وترقى إلى ذرى العلا وقمم المجد إلّا بمنهج ربانيّ. أساسه، فالبساتين المورقة، والحدائق المونقة، والبنايات الشّاهقة، والقصور المتألقة إنّما شيّدت على أسس متينة وأساليب رصينة، والحضارة الإسلاميّة العالميّة تقوم على منهج قويم يرسم خطاها وينير دروبها ويضيء معالمها، ولا بدّ لهذا المنهج أن يتميّز بمزايا عديدة منها الشمول، والثّبات، والصّلاحية لكلّ زمانٍ ومكانٍ، والتّوازن، والوفاء بحاجات البشر، والعمق، والواقعيّة، والقداسة، ولا يمكن للعقول البشريّة مع ما اتّسمت به من القدرة على التّفكير والإبداع، والملاحظة والاستنباط، والتّجديد والابتكار أن تتفتّق عن مثل هذا المنهج الذي تسلم له العقول، وتطمئن به القلوب، وترضى به النّفوس، ويلاءم الفطرة، ويناسب طبيعة الإنسان، ويراعي طاقاته وملكاته، ويحقق المصلحة للجميع. فالعقول قاصرة لها حدودها، التي لا تتعدّاها، كما أنّها متباينة تباين الثقافات والقرآن الكريم لا يحتوي على المنهج فحسب بل يربي عليه ويرسّخه في الوجدان ويغرسه في النّفوس التي تزكو لتنشط وتجدّ في حمل هذا المنهج، ويحبّبه إلى القلوب التي تتهيأ وترتقي للتمثّل بهذا المنهج، فالقرآن ليس دستورًا يحكم النّاس وينظّم حیاتھم وعلاقاتهم بل زادٌ روحيٍّ، وغذاءٌ ربّانيٌّ، وقبسٌ نورانيٌّ، ودواءٌ ناجحٌ لكلّ الأدواء تزكو به النّفوس، وتطمئن القلوب، وتسمو الأرواح، وتنشرح الصّدور، وتجلو الأفهام، وتتوقّد القرائح، یقدح زناد الفکر، ويوقظ الهمم، ويثير العقول، ويرقّق المشاعر، ويليّن القلوب. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبُ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ تُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الحاء وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمِّعِنَّ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوْ مِنْ قَبْلُ لَفِى صَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [ الجمعة: ٢]. فمن نعم الله على العباد أن أرسل فيهم رسولاً يبيّن لهم المنهج ويؤصّله، ويقيّمه، وينافح عنه، ويدعو إليه ويتمثّله، ويقيمه مسلكًا وأسلوبًا في الحياة، ويفنّد ما يثار حوله من غبار الشّبهات. فهذا المنهج يثمر التّزكية والتّعليم، التّزكية للنّفوس والأرواح: الطّهر، والنّقاء، والسّموّ، والارتقاء. والتّعليم للعقول: تنويرها، وتبصيرها، وشحذ طاقاتها، وصقل مواهبها، وتحريرها من قيود الجهل وأغلال التقليد الأعمى وأسر الأساطير والأوهام، وإطلاق سراحها من حبس الشّهوات والأهواء؛ لتنطلق في ميادين العلوم والمعارف وتقدّم للإنسانيّة خلاصة فكرها، ومبلغ علمها، وعصارة بحثها. أمّة أمّيّة لا تقرأ ولا تكتب، ولا تحفظ علمًا ولا معرفةً، يأتيهم النّبيّ الأمّي المرسل من عند الله عز وجل بكتابٍ فيه عزّهم ومجدهم، وفيه نجاتهم وعصمتهم، وفيه تهذيب سلوكهم وتقويم اعوجاجهم والارتقاء بهم، بعد أن كانوا في ظلامٍ دامسٍ وتخبّطِ حائرٍ وجاهليّةٍ جهلاء، وكانت حياتهم قاحلةً مجدبةً كتلك البيئات المقفرة الموحشة التي يكابدون العيش فيها، الغنيّ يأكل عرق الفقير، والقويّ يسطو على الضّعيف، فجاء القرآن ليحيي موات القلوب، ويصلح فسادها، ويجلّي صدأها، ویوقد سراجها، جاء بمنهج وطريقٍ وركائز لبناء أسمى الحضاراتَ وأنقاها، تلك الحضارة الإسلامية الرائدة التي لم تقم على أنقاض حضارةٍ أخرى، ولم تكن وريثةً أو ربيبة لحضارةٍ أخرى، بل قامت على رمال الصّحراء الشّاسعة وأوقدت شعلتها من بين رمادها، وأشرقت شمسها بعد ظلام ليلٍ طویلِ حالكِ، لتنثر ضياءها في ربوع الكون، حيث تبدأ البشريّة عهدًا جديدًا في ظلال الإسلام، الذي تولّى قيادة موكب الإنسانيّة قرونا عديدة. ٣٠٤ القرآن الكريم