Indexed OCR Text
Pages 21-34
الحق الشرعية، وأنها حق من عند الله سبحانه إعطاء أصحاب الحقوق من الصدقات حقوقهم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَءَاتِ وتعالى. ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ ثانيًا: الحق في الأموال: [الإسراء: ٢٦]. اقترن لفظ الحق بالآيات التي تتناول الحديث عن مصارف المال من زكاة وصدقات، وأكدت الآيات على وجوب إخراج هذا الحق، وتوزيعه على مستحقيه، ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ لِلسَّآيَلِ وَالْحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. يقول أبو الطيب القنوجي: ((أي: يجعلون في أموالهم، ويوجبون على أنفسهم حقًّا للسائل والمحروم؛ تقرّبًا إلى الله عز وجل بمقتضى الكرم، يصلون بها الأرحام والفقراء والمساکین، وقال محمد بن سیرین وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة، والأول أولى، فتحمل على صدقة النفل، وصلة الرحم، وقري الضيف؛ لأن السورة مكية، والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة)»(١). ومن أمثلة ذلك قولهعز وجل: وَالَّذِينَ فِّ أَوَهِمْ حَقٌ مَعْلُومُ ل لِلِسَآَيِلِ وَالْمَعْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. قال ابن كثير: ((أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات))(٢). وقد حث القرآن الكريم على وجوب (١) فتح البیان ١٩٥/١٣. (٢) تفسير القرآن العظيم ٢٤١/٨. توصي الآية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، وأن يؤتوا حقهم، وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد، وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرًا أن ينفق عليهم عند أبي حنيفة، والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب، وإن كانوا مياسير، أو لم يكونوا محارم، كأبناء العم، فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة، وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء، والمعاضدة ونحو ذلك، ﴿وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ يعني: وآت هؤلاء حقهم من الزكاة، وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القرابة من الحق، هو تعهدهم بالمال(٣). كما قرن القرآن الكريم لفظ الحق بالوصية لمن لا يرث، وذلك عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ أَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قال الطبري: «﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ فرض عليكم أيها المؤمنون ﴿اَلْوَصِيَّةُ ﴾ إذا (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٦١. www. modoee.com ٤٣١ حرف الحاء حضر أحدكم الموت ﴿إِن تَّرَكَ خَيْرًا﴾ بالحق إلا من منطلق كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلی الله عليه وسلم، قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]. والخير: المال، ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ الذين لا يرثونه ﴿پالمعروفِ﴾ وهو ما أذن الله فیه، وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد الموصي ظلم ورثته ﴿حَقًّا عَلَى المُنَّقِينَ﴾ يعني بذلك: فرض علیکم هذا وأوجبه، وجعله حقًّا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به))(١). كما بينت الآيات القرآنية أن زكاة الزروع حق يجب إخراجه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. أي: وآتوا الحق المعلوم فيما ذكر من الزرع وغيره، لمستحقيه من ذوي القربى والیتامی والمساکین، زمن حصاده جملة، ويدخل في الحصاد جني العنب، وصرم النخل (٢). يتضح مما سبق أن القرآن الكريم اهتم بوجوب إخراج الزكاة بكافة أنواعها للمستحقين لها واعتبرها حقًّا يجب إيفاؤه. ثالثًا: الحق في الحكم والقضاء بين الناس: لا بد وأن يكون الحكم والقضاء بين الناس مقرونًا بالحق، الذي يتمثل بتنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى، ولا يكون القضاء (١) جامع البيان ٣/ ٣٨٤. (٢) انظر: تفسير المراغي ٥٢/٨. يقول الزمخشري: ((يعني: والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي إلا بالحق والعدل؛ لاستغنائه عن الظلم»(٣). وقد حث القرآن الكريم على وجوب أن يكون القضاء والحكم بين الناس بالحق، ومن الأمثلة على ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. جاء هذا القول من رب العالمين لرسوله الكريم، دستورًا في القضاء بين الناس، والفصل في المنازعات التي تحدث بينهم، وهذا أمر يلتزم به ولي الأمر، القائم على القضاء بين المتخاصمين، فعليه أن يخلي نفسه من كل ما يندس إليها من مشاعر البغضة والعداوة للمذنب، الذي ينتظر جزاء ذنبه، وأنه إذا كان لولي الأمر أن ينكر المنکر، وأن یأخذ أهله بالقصاص، فإنه ليس له أن يكون خصمًا للمجرم المذنب وهو قاضیه والحاکم علیه؛ إذ لا يتفق أن يكون الإنسان خصمًا وحكمًا في وقت معًا (٤). (٣) الكشاف ١٥٩/٤. (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨٨٩/٣. ٤٣٢ مُؤَسُوبَةُ النَِّيـ القرآن الكريم الحق ومن الآيات التي أكدت على وجوب اقتران الحكم بين الناس بالحق قوله عز يعني: بالعدل والإنصاف(١). ومن الأدلة أيضًا قوله عز وجل: ﴿فَلَحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]. أي احكم بما یطابق أمر الله، ولا تبعد عن الحق أو تجاوزه، ﴿وَأَهْدِنَآ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَطِ﴾، أي: بحيث لا تميل عن الحق أصلًا(٢). ونخلص مما سبق إلى وجوب الحكم والقضاء بما شرع الله سبحانه وتعالى، وعدم الميل عن الحق والصواب لأي سبب من الأسباب؛ لأن في ذلك وقوعًا في الخطأ الذي يؤدي إلى عدم إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم. رابعًا: ما أوجبه الله للناس من حق: حافظ القرآن الكريم على حقوق العباد، فأوجب الله سبحانه وتعالى لهم حقوقًا كثيرة، أهمها حق الحياة، فالحياة منحة ربانية للإنسان وهي الحق الأول له، وبه تبدأ سائر الحقوق، وعند انتهائه تنعدم الحقوق، ويعتبر حق الحياة مكفولًا في الشريعة الإسلامية لكل إنسان، ويجب على سائر الأفراد أولًا، والمجتمع ثانيًا، حماية هذا الحق من كل اعتداء، قال سبحانه وتعالى: (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٧٧. (٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٤٧/٨. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ. مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. فالاعتداء على حياة فرد من أفراد الأمة الإسلامية اعتداء على الأمة كلها؛ لذا وجب القصاص على الجاني ليكون عبرة للآخرين، ولحماية المجتمع المسلم من العدوان والطغيان بغير حق. وقد اقترن لفظ الحق في وجوب عدم الاعتداء على الآخرين بالقتل ظلمًا وعدوانًا، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْئُّلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. قال الطبري: «یعني بالنفس التي حرم الله قتلها، نفس مؤمن أو معاهد، وقوله: ﴿إلَّا يَلْحَقِّ﴾، يعني بما أباح قتلها به: من أن تقتل نفسًا فتُقتَل قَودًا بها، أو تزني وهي محصنة فتُرجم، أو ترتدُّ عن دينها الحق فتُقْتَل، فذلك الحق الذي أباح الله جل ثناؤه قتل النفس التي حرم على المؤمنين قتلها به))(٣). ومن الآيات الدالة على اقتران لفظ الحق بوجوب عدم الاعتداء على النفس بغير حق قوله عز وجل: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَِّ حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّّ بِآلْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ (٣) جامع البيان ١٢/ ٢٢١. www. modoee.com ٤٣٣ حرف الحاء جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ [الإسراء: ٣٣]. والمعنى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، وهي نفس الإنسان إلا بسبب الحق، فحرم قتلها إلا بالحق، وحقها ألا تقتل إلا بكفر بعد إسلام، أو زنی بعد إحصان، أو (١) ٠ قودًا بنفس " ومن الآيات الدالة على اقتران لفظ الحق بعدم الاعتداء على النفس المؤمنة، قوله عز وجل: ﴿وَلَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]. يقول سيد قطب: ((والتحرج من قتل النفس إلا بالحق، مفترق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة، التي تحترم فيها الحياة الإنسانية، ويقام لها وزن، وحياة الغابات والكهوف التي لا يأمن فيها على نفسه أحد، ولا يطمئن إلى عمل أو بناء))(٢). يتبين لنا أن لفظ الحق اقترن بالآيات الدالة على وجوب الحفاظ على حياة المسلمين وعدم الاعتداء عليها بغير وجه حق، وهذا يدلل على مدى اهتمام القرآن الكريم بحياة هذا الإنسان؛ ليحيا سعيدًا في ظل ما كفل له الله سبحانه وتعالى من حقوق. (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمى ٤٥٩/٦. (٢) في ظلال القرآن ٢٥٧٩/٥. الحق في المثل القرآني أثبت القرآن الكريم أن الأمثال القرآنية حق من عند الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: ﴿وَلَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّّ ◌ِتْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. بَيَّن سبحانه وتعالى أن الأمثال من حجته البالغة على عباده، وأنه لم يعذب أمة بتكذيبها إلا بعد أن بيَّن لها الأمثال. قال عز وجل: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّجِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ نَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُمِّن زَوَالٍ ﴿ وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٥]. وبيَّن سبحانه وتعالى أن الأمثال المضروبة في القرآن من أسباب الهداية، وأنه سبحانه وتعالى يهدي بها كثيرًا ممن تدبرها وانتفع بها، ويضل كثيرًا ممن أعرض عنها، فهي حق من عند الله سبحانه وتعالى. وقد أثبت القرآن الكريم أن الأمثال القرآنية تتسم بأنها حق من عند الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّّ ◌ِتْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. ٤٣٤ مَوَسُوبَةُ الَّة القرآن الكريم الحق وفي تفسير الآية قال الزمخشري: ((إلا الآية: ((المراد بالمثل: أقوالهم التي يلتمسون بها معارضة القرآن، والقدح في نبوته صلی أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه، ویما هو أحسن معنی ومؤدی من سؤالهم، ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام، وضع موضع معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام: كيت وكيت، كما قيل: معناہ کذا و کذا، أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو: أن يقرن بك ملك ینذر معك، الله عليه وسلم، ومن جملة هذه الأقوال ما حكى عنهم من اقتراحات خارجة عن حد المعقول، جارية لغرابتها مجرى الأمثال كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعَ ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن شَخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُشْفِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا ٩١ أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل كِسَفَا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْعَلَبِكَةِ قَبِيلًا ( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِىِ السَّمَآءِ وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. عليك القرآن جملة، إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن يعطاه، وما هو أحسن تكشيفًا لما بعثت عليه ودلالة على صحته. يعني: أن تنزيله مفرقًا، وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق، كلما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز، وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة، ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحة مع بعد ما بین طرفیه، قیل لهم: إن حاملکم علی هذه التساؤلات، أنكم تضلون سبيله، وتحتقرون مكانه، ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف، وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مکانکم شر من مكانه، وسبیلکم أضل من سبیلہ»(١). وورد في التفسير الوسيط عند تفسير والمعنى: لا يأتونك بكلام عجيب هو مثل هذا البطلان ﴿إِلََّّ جِتْنَكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالجواب الثابت الذي لا محيد عنه، في مقابلة ما يصدر عنهم؛ محوًا لأباطيلهم، وقضاءً على أكاذيبهم التي أرادوا بها الطعن في رسالتك، وحسمًا لمادة القيل والقال التي دارت على ألسنتهم»(٢). واقترن لفظ الحق بالأمثال القرآنية مصرحة كانت أو كامنة؛ ومن الأمثال المصرحة التي اقترن بها لفظ الحق قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَعَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيَاً (٢) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٥١٢. (١) الكشاف ٢٧٩/٣. www. modoee.com ٤٣٥ حرف الحاء وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ابْتِغَاءَ حِيَّةٍ أَوْ مَتَحِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزَّيَدُّ فَيَذْهَبُ جُفَاءُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِىِ اَلْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧]. قال القرطبي: ((ضرب مثلاً للحق والباطل، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء فإنه يضمحل، ويعلق بجنبات الأودية، وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل))(١). ومن الأمثال القرآنية التي اقترنت بلفظ الحق مَثَل لم يشتمل على تشبيه ولا استعارة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَيِعُواْ لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لََّ يَسْتَنْقِدُوهُ مِنْهٌ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ إِنَّاللَّهَ لَقَوِىُّ ٧٢ [الحج: ٧٤،٧٣]. قال الشوكاني: ((يعني أن الكفار جعلوا لله مثلًا بعبادتهم غيره، فكأنه قال: جعلوا لي شبهًا في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه، وقال القتبي: إن المعنى: يا أيها الناس مثل من عبد آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابًا، وإن سلبها شيئًا لم تستطع أن تستنقذه منه. قال النحاس: المعنى: ضرب الله عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلًا، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه، أي: بيّن الله لكم شبهًا ولمعبودكم، وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول، مسيرة في الناس، مستغربة عندهم، وجعلوا مضربها مثلًا لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة، أو الحالة أو الصفة المستغربة؛ لكونها مماثلة لها في الغرابة، كهذه القصة المذكورة في هذه الآية، والمراد بما يدعونه من دون الله: الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها، وقيل: المراد بهم: السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله؛ لكونهم أهل الحل والعقد فيهم، وقيل: الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام، وأظهر في التمثيل، ثم بيَّن سبحانه وتعالى كمال عجزهم، وضعف قدرتهم فقال: ﴿وَإِنْ يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، أي: إذا أخذ منهم الذباب شيئًا من الأشياء لا يقدرون على تخليصه منه؛ لكمال عجزهم وفرط ضعفهم. والاستنقاذ والإنقاذ: التخليص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه عليهم، فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرمًا، وأشد منه قوة، أعجز وأضعف، ثم عجب سبحانه وتعالى من ضعف الأصنام والذباب، فقال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾، فالصنم کالطالب، من حيث أنه يطلب خلق الذباب، أو يطلب استنقاذ (١) الجامع لأحكام القرآن ٣١٣/٩. مُوسُو ◌َرُ النَّفيد القرآن الكريم ٤٣٦ الحق ما سلبه منه، والمطلوب: الذباب، وقيل: الطالب: عابد الصنم، والمطلوب: الصنم، وقيل: الطالب: الذباب، والمطلوب: الآلهة، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز، ما عرفوا الله حق قدره، فقال: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته، حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له، مع كون حالها هذه الحال)»(١). أما الأمثال الكامنة التي اقترن لفظ الحق بها، قوله سبحانه وتعالى: ﴿اَلْعَنَ حَصْحَصَ اُلْحَقُّ [يوسف: ٥١]. ومعناه: الآن تبيّن الحق ووضح، أي: انقطع عن الباطل بظهوره وبیانه(٢). يتبين مما سبق أن القرآن الكريم أورد العديد من الأمثال القرآنية التي اقترنت بلفظ الحق، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الأمثال القرآنية أدت الغرض الذي جاءت من أجله، بصورة رائعة موجزة، لها وقعها في النفس الإنسانية، بطريقة تؤكد على أن هذا القرآن العظيم هو كلام الله سبحانه وتعالى المعجز بآياته، الذي لا يستطيعه بشر. (١) فتح القدير ٤٦٩/٣. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٧/٣. موقف الناس من الحق انقسم الناس منذ بدء الخليقة إلى قسمین: قسم اتبع الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى، وتمسك به، وجاهد في سبيله، وابتلي لأجل ذلك في ماله وبدنه وأهله، وما حاد عن هذا الطريق، وهؤلاء هم الأنبياء والرسل عليهم السلام ومن تبعهم ورضي بالمنهج الذي جاءوا به من عند الله سبحانه وتعالى. وقسم آخر أبى إلا أن يكون مع الساقطين المتخاذلين المعادين لله ولرسله ولدينه وللمؤمنين، وهؤلاء هم أتباع الشيطان من الكفرة والمنافقين، وغيرهم، الذين يقفون في طريق الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، فيحاربونهم بشتى السبل والوسائل التي يستطيعونها؛ لأنهم يعلمون أن في ارتقاء دعوة الحق هلاگًا وخذلانًا لهم. ولنا في سيرة الأنبياء والمرسلين وسيرة الرسول صلی الله علیه وسلم أکبر دلیل على ذلك، وكذلك ما يكيده أتباع الشيطان من المشركين واليهود والنصارى ومن والاهم من المنافقين لأصحاب الحق في هذا الزمان في شتى بقاع الأرض، دون رادع يردعهم؛ وما كان ذلك إلا لأن هذه الطائفة المؤمنة تمسكت بدعوة الحق ورفضت www. modoee.com ٤٣٧ حرف الحاء الخنوع والاستسلام للشر وأهله، وقد أثبت ما نهى عنه(٢). القرآن الکریم في ست آیات من ست سور مكية ومدنية أن الحق هو المنهج الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى لعباده، وفي ذلك دلالة على أن الحق واحد لا يتعدد ولا يتبدل، قال عز وجل: ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]. قال الطبري: «یقول تعالی ذکره: اعلم يا محمد أن الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما تقول لك اليهود والنصارى، وهذا خبر من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام عن أن القبلة التي وجهه نحوها هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن، ومن بعده من أنبياء الله عز وجل، يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحق الذي أتاك من ربك یا محمد، ولا تكونن من الممترين)»(١). وأكد القرآن الكريم في سورة العصر أن كل إنسان صرف نفسه في أعمال الدنيا حتی یموت، أما الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح فإنهم في ربح وفوز؛ لأنهم عملوا للآخرة، ولم تشغلهم أعمال الدنيا عنها، ووصى بعضهم بعضًا بالحق الذي يحق القيام به، وهو الإيمان بالله، والتوحيد والقيام بما شرعه الله، واجتناب (١) جامع البيان ١٩٠/٣. جَوُورُ القرآن الكريم كما أكد القرآن الكريم أن الكفار لا يستجيبون للحق، بل يحاربونه بكل ما أوتوا من قوة، وهذا ما بينه القرآن في حق فرعون وقومه، الذين اعتبروا دعوة موسى عليه السلام سحرًا. سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ كُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِّحُ السَّحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٦ - ٧٧]. والمعنى: لما جاءهم موسى بالحجج والبينات الدالة على الربوبية والألوهية، قالوا من فرط عتوهم وعنادهم: إنّ هذا لسحر واضح لمن رآه وعاينه، فقال لهم موسى عليه السلام على وجه الإنكار والتوبيخ: أتقولون للحق الواضح الظاهر -وهو أبعد الأشياء عن السحر الذي هو باطل- حین جاءكم دون أن تتروّوا وتتدبروا فیه: إنه سحر، وما ترونه بأعينكم من آيات دون الآخرة لفي نقص وضلال عن الحق الله، وترجف له قلوبكم من عظمته، لا يمكن أن يكون سحرًا من جنس ما تعرفونه وتصنعونه بأیدیکم(٣). وأكد القرآن أيضًا أن كفار قريش هم كمن سبقهم من الكفار، مكذبون بالحق، ﴿وَكَذْبَ بِدِ، قومك وهو قال سبحانه وتعالى: (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٠١/٥. (٣) انظر: تفسير المراغي ١٤١/١١. ٤٣٨ الحق اُلْحَقُّقُل لَّسْتُ عَلَيَّكُم بِوَكِيلِ﴾ [الأنعام: ٦٦]. قال النسفي: ((﴿وگذَّبَیِهِ ﴾: بالقرآن، أو بالعذاب، ﴿قَوْمُكَ﴾: قريش، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: بالصدق))(١). وبيَّن سبحانه وتعالى أن المنافقين يحاربون الله ورسوله في آيات كثيرة، اٌلْمُنَفِقُونَ منها قوله سبحانه وتعالى: وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ﴾ [التوبة: ٦٧]. قال سيد قطب رحمه الله: ((المنافقون والمنافقات من طينة واحدة وطبيعة واحدة، فالمنافقون في كل زمان وفي كل مكان تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة، أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس، وهم حین يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دسًّا وهمسًا، وغمزًا ولمزّا؛ لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون. إنهم ﴿نَسُواْ اللَّهَ﴾ فلا يحسبون إلا حساب الناس، وحساب المصلحة، (١) مدارك التنزيل ١/ ٥١٢. ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس، ويذلون لهم، ويدارونهم، ﴿فَنَسِيهُمْ﴾ الله، فلا وزن لهم ولا اعتبار، وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله))(٢). وقد أمر سبحانه وتعالى بقتال كل من يقف في وجه الحق وأهله، إذا تحققت شروط القتال، قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ )﴾ [التوبة: ٢٩]. قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلی الله عليه وسلم: ﴿ قَئِلُوا﴾ أيها المؤمنون، القوم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، يقول: ولا يصدقون بجنة ولا نار، ﴿وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حََّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ بِينَ آَلْحَقِّ﴾، يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحق، يعني: أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام، ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾، وهم اليهود والنصارى)) (٣). يتبين مما سبق أن أهل الحق هم أتباع الأنبياء والرسل الذين يجب عليهم أن يقوموا (٢) في ظلال القرآن ١٦٧٣/٣. (٣) جامع البيان ١٩٨/١٤. www. modoee.com ٤٣٩ حرف الحاء بواجبهم، فيجاهدوا أهل الكفر والنفاق والصد عن دين الله سبحانه وتعالى، وهذا ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وبدون ذلك يتفشى الكفر وينتشر، ويضيق على الحق وأهله. قال عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَدِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوَّلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم يَعٍْ لَِّّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِزُ﴾ [الحج: ٣٩ -٤٠]. انتصار الحق وظهوره إن الحق لا بد وأن يكون ظاهرًا؛ لأنه الأقوى دائمًا، کیف لا وأصحابه مؤيدون من الخالق جل جلاله! ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حين هاجر من مكة إلى المدينة، ولحقه المشركون حتى وصلوا إلى باب الغار الذي يختبئ به هو وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه، فقال له أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمیه لرآنا، فقال صلی الله عليه وسلم: (يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما)(١). ومما يؤكد انتصار الحق ما ذكره القرآن عن موسى عليه السلام حين لحقه فرعون وجنوده، قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْ رَّكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]. وجاءه النصر من عند الله سبحانه وتعالى، فشق له البحر، وأنقذه من فرعون وجنوده. أولًا: سنة الله قيام أمة من الناس بالحق: أكدت الآيات القرآنية على أن وظيفة الرسل وأتباعهم هي الدعوة إلى الحق والقيام به على مر الزمان إلى قيام الساعة، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر، رقم ١٨٥٤/٤،٢٣٨١. ٤٤٠ جويـ القرآن الكريم الحق ومن الآيات التي أكدت ذلك، قوله سبحانه ويعطون))، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة فيها قال: بلغنا أن النبي وتعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمٍ مُوسَىَّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها: ((وهذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾))(٢). وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب، قال: ((لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، يقول الله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أَمَّةٌ يَهْدُونَ ◌ِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة)» (٣). قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿وَمِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ يعني: من بني إسرائيل، ﴿أُمَّةٌ﴾، يقول: جماعة، ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾، أي: يستقيمون عليه ويعملون، ﴿وَرِهِ، يَعْدِلُونَ﴾، أي: وبالحق يعطون ويأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا یجورون»(١). ومن الآيات الدالة أيضًا على قيام أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالحق، قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ ◌ِاَلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]. قال المراغي: ((أي: وبعض ممن خلقنا جماعة كبيرة مؤلفة من شعوب وقبائل كثيرة، يهدون بالحق، ويدلون الناس على الاستقامة، وبالحق يحكمون في الحكومات التي تجري بینهم، ولا یجورون، فسبیلھم واحدة؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وهؤلاء هم أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذه أمتي، بالحق یحکمون ویقضون، ويأخذون (١) جامع البيان ١٣/ ١٧٢. يتبين مما سبق أن الله سبحانه وتعالى أوجد أمة من الناس على مر الزمان مهمتها القيام بالحق، والدفاع عنه، وهذه الفئة هي الأنبياء والرسل وأتباعهم. الأسباب التي تعين على القيام بالحق: إن القيام بالحق مكرمة من الله سبحانه وتعالى، يكرم بها الذين ارتضى لخدمة دينه، فهيأ جوارحهم للطاعة، ومنعهم من المعصية، وهيأهم لأن يكونوا عباده القادرين على القيام بالحق الذي ارتضاه. ومن الأسباب التي تعين على القيام بالحق ما يأتي: ١. الاستقامة على الدين القويم والصراط المستقيم، فالمؤمن لا بد وأن يستقيم (٢) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٢٨٦. (٣) تفسير المراغي ١٢٢/٩. www. modoee.com ٤٤١ حرف الحاء علی دین الله سبحانه وتعالى، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]. ٢. اللجوء إلى الباري عز وجل، والافتقار إليه، فهو سبحانه وتعالى العاصم من كل الفتن، والعبد ليس له غنى عن ربه عز وجل مهما بلغت مكانته وعلت منزلته، قال جل جلاله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّنْنَكَ لَقَدْ كِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. ٣. بعد الإنسان عن محارم الله سبحانه وتعالى، وخوفه وخشيته من الله عز وجل، وعدم الانجرار وراء شهواته وأهوائه؛ حتى يستطيع القيام بالحق المكلف به. ٤. ملازمة أهل الحق؛ لأنهم يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَنَّهُم بِالْغَدَوْمِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ, عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ. فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. ٥. أن يعلم أن الموت حق، فلا يجبن ولا یخاف، ویکون ذلك دافعًا له على القيام بالحق، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. ٦. الثبات وعدم التراجع عن الحق، وهذا ما حصل مع سحرة فرعون عندما عرفوا الحق ورأوا نورہ الساطع، لم يهتموا بوعيد فرعون، ولم يلقوا لتهديده بالًا لما قال لهم: ﴿فَلَأُقَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَتَّكُمْ فِ جُذُوع النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّأَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١]، فكان ردهم عليه منبعث من قوة يقينهم وصلابة إيمانهم، قال تعالى: قَالُوْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْيَّيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنًا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ اَلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. ٧. أن يكون على معرفة بسيرة الأنبياء والصالحين من عباد الله، الذين بذلوا الغالي والرخيص في سبيل نصرة الحق والقيام به، وأخذ العبرة والعظة منها، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَثْبَآءِ الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَآءََ فِى هَذِهِالْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]. ثانيًا: سنة الله نصر الحق وأهله: إن سنة الله سبحانه وتعالى في هذا الكون أن يكون النصر لأهل الحق في نهاية الصراع، فبعد أن يتراوح المؤمنون في هذا ٤٤٢ الْقُرآن الكَرِيْمِ الحق الصراع بين النصر والهزيمة، ويطول البلاء يقذف به الله، فمن ذا يقف للحق الذي يقذف على المؤمنين، ويشتد الكرب، يتمخّض عن به الله؟! إنه تعبير مصور مجسم متحرك، وكأنما الحق قذيفة تصدع، وتخرق، وتنفذ، ولا يقف لها أحد في طريق، يقذف بها هذا كله انتصار واضح وساحق للحق وأهله على الباطل بكل أشكاله وألوانه، فينصر الله سبحانه وتعالى الضعفاء من المؤمنين، الله ﴿عَلَّمُ اَلْغُيُوبِ﴾، فهو يقذف بها عن علم، ويوجهها على علم، ولا يخفى عليه ويمكن لهم في الأرض، ويعلي كلمته، ويرفع رايته، ويهزم أعداءه، ويجعل الدائرة علیهم. هدف، ولا تغيب عنه غاية، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض، ولا سدّ يعوق، فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور، وقد بينت كثير من الآيات القرآنية هذه الحقيقة، قال عز وجل: ﴿ وَقُلْ جَآءَ اُلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوْقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه: ﴿قُلّ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، جاء هذا الحق في صورة من صوره، في الرسالة، وفي قرآنها، وفي منهجها المستقيم. قل: قال المراغي: ((أي: وقل للمشركين مهددًا لهم: إنه قد جاءكم الحق الذي لا مرية فیه، ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان، والعلم النافع، واضمحل باطلھم وهلك؛ إذ لا ثبات له مع الحق، کما قال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ. فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]))(١). جاء الحق، أعلن هذا الإعلان، وقرر هذا الحدث، واصدع بهذا النبأ: جاء الحق، جاء بقوته، جاء بدفعته، جاء باستعلائه وسيطرته، ﴿وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ فقد انتهى أمره وما عادت له حياة، وما عاد له مجال، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال. إنه الإيقاع المزلزل الذي يشعر من يسمعه أن ومن الأدلة التي ذكرها القرآن والتي تبين أن الحق منتصر في النهاية، قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبٍِ يَقْذِفُ ◌ِلْمِّ عَلَّمُ الْغُوبِ ٤٨ ◌ْ قُلْ جَآءَ اَلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٨ - ٤٩]. القضاء المبرم قد مضى، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال، وإنه لكذلك، فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح، ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام قال سيد قطب رحمه الله: ((وهذا الذي جئتكم به هو الحق، الحق القوي الذي الحق الواضح الحاسم الجازم، ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق، (١) تفسير المراغي ٨٥/١٥. www. modoee.com ٤٤٣ حرف الحاء إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق، غلبة حتى لا يعود له أثر ولا وجود. الناس لا المبادئ، وهذه موقوتة ثم تزول، أما الحق فواضح بيّن صريح))(١). وقد جعل الله سبحانه وتعالى انتصار الحق على الباطل من محض إرادته سبحانه وتعالى، ولا راد لحکمه وقضائه، كما في قوله عز وجل: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٧-٨]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِةَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢]. وقوله أيضًا: ﴿وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَىّ بِكَلِمَتِهِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤]. وهذا كله موقوت بأمر الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِاَلَْقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨]. جميع الآيات السابقة تقرر بوضوح إرادة الله سبحانه وتعالى في انتصار الحق على الباطل، وأن الحق أصيل وغالب، وأن الباطل ضعيف طارئ لا أصل له ولا أساس، وأن الله سبحانه وتعالى مع أهل الحق ينصرهم، ويؤيدهم، ويعينهم، ولا ینسی عباده ولا يتخلى عنهم، بل يقف إلى جانبهم، فيحق الحق ويبطل الباطل ويمحوه قال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِقُواْ نُورَ اللَّهِ يَأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُنتُمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِةَالْكَفِرُونَ ٨ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ اَلْتِّ ◌ِيُظهِرَةُ، عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨-٩]. موضوعات ذات صلة: الباطل، الجهاد، الحقوق، الدعوة (١) في ظلال القرآن ٢٩١٦/٥. موضوع القرآن الكريم ٤٤٤