Indexed OCR Text
Pages 41-60
=NO كان حلالًا له قبل الإحرام))(١). وقال فى اللباب: ((واتفق المسلمون على تحریم الصيد على المحرم ... ، أما إذا صید للمحرم بغیر إعانته وإشارته حل له؛ لأن أبا قتادة اصطاد حمارًا وحشيًّا وهو حلال في أصحاب محرمین، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: (فیکم أحد أمر أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) قالوا: لا، قال: (فكلوا ما بقي من لحمها)(٢) وفي رواية: (هل بقي معكم منه شيء؟) قالوا: نعم، فناولته العضد فأكلها (٣). قال: وهذا يدل على تخصيص القرآن بخبر الواحد))(٤). غيره))(٥). وقال ابن عاشور: «والصيد عام في كل ما شأنه أن یصاد ویقتل، من الدواب والطير (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء الصّيد، باب لا يشير المحرم إلى الصّيد لكي يصطاده الحلال، رقم ١٨٢٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة، باب من استوهب من أصحابه شيئًا، رقم ٢٥٧٠. (٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٤٤/٦. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩١/٣. لأكله، أو الانتفاع ببعضه، ويلحق بالصيد الوحوش كلها، قال ابن الفرس: والوحوش تسمی صیدًا وإن لم تصد بعد، كما يقال: بئس الرمية الأرنب، وإن لم ترم بعد، وخص من عمومه ما هو مضر، وهي السباع المؤذية، وذوات السموم، والفأر وسباع الطير، ودليل التخصيص السنة))(٦). وقوله: ﴿وآنتُمْ حُمٌ﴾ حرم: جمع حرام، بمعنى محرم، والمحرم أصله: المتلبس بالإحرام بحج أو عمرة، ويطلق المحرم على الكائن في الحرم، قال الراعي: قتلوا ابن عفان الخلیفة محرمًا أي: كائنًا في حرم المدينة، فأما الإحرام بالحج والعمرة فهو معلوم، وأما الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة، وزاد الشافعي: الطائف وفي قوله: ﴿الصَّيْدَ﴾: قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: ((هذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطیہ فیه، وهذا إنما يتناول من حیث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن في حرمة صيده، لا في وجوب الجزاء على صائده، فأما حرم مكة فيحرم صيده بالاتفاق، وفي صيده الجزاء، وأما حرم المدينة فيحرم صيده، ولا جزاء فيه، ومثله الطائف عند الشافعي (٧). والمعنيان مرادان بالآية، فلا يجوز قتل الصيد للمحرم، ولا في الحرم، فقد نزلت هذه الآية في أبي اليسر حين شدّ على حمار وحش فقتله، وهو محرم(٨) ثم صار (٦) التحرير والتنوير ٤٣/٧. (٧) المصدر السابق. (٨) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٦٦، لباب www. modoee.com ٣٤١ حرف الحاء التعرض له ما دام محرمًا، ولا في الحرم. قال الماوردي: ((اسم المحرم يتناول الأمرين معًا على وجه الحقيقة دون المجاز، من أحرم بحج أو عمرة، أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على السواء بظاهر الآية))(١). والحكمة من تحریم الصید في الحرم أن الله تعالى عظّم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام ، وأمره بأن يتخذ لها حرمًا كما كان الملوك يتخذون الحمى، فكانت بيت الله وحماه، وهو حرم البيت محترمًا بأقصى ما يعدّ حرمة وتعظيمًا؛ فلذلك شرع الله حرمًا للبيت واسعًا، وجعل الله البيت أمنًا للناس، ووسّع ذلك الأمن حتى شمل الحیوان العائش في حرمه، بحیث لا یری الناس للبيت إلا أمنًا للعائذ به وبحرمه، قال النابغة: والمؤمن العائذات الطیر يمسحها ركبان مكة بين الغيل فالسند(٢). والتحريم لصيد حيوان البر ولم يحرّم صيد البحر؛ إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر، ثم حرّم الصيد على المحرم بحج أو عمرة؛ لأن الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمنة، وقد كان التأويل، الخازن، ٢/ ٧٨. (١) النكت والعيون ٣٧٩/١. (٢) التحرير والتنوير ٤٢/٧. هذا الحكم عامًّا، فلا يجوز قتل الصيد ولا الإحرام يمنع المحرمين القتال، ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم؛ لأنها زمن الحج والعمرة، فألحق مثل الحيوان في الحرمة بقتل الإنسان، أو لأن الغالب أن المحرم لا ينوي الإحرام إلا عند الوصول إلى الحرم، فالغالب أنه لا يصيد إلا حيوان الحرم(٣). ويؤخذ من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ونظيره: ﴿مَادُمْتُمْ حُمًا﴾ بيان أن مدة التحريم مدة كونهم حرمًا، أي: محرمين، أو مارين بحرم مكة، وهذا إيماء لتقليل مدة التحريم استئناسًا للمكلفين بتخفيف، وإيماء إلى نعمة اقتصار تحریمه على تلك المدة، ولو شاء الله لحرّمه أبدًا. وفي الموطأ: ((أن عائشة قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي إنما هي عشر ليال -أي مدة الإحرام- فإن تخلج في نفسك شيء فدعه، تعني: أكل لحم الصيد»(٤). وأيضًا من الحكم في تحريم الصيد على المحرم: الاختبار والابتلاء، وليعلم الله من يخافه بالغيب، كما قال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَبْلُوَلَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُ أَيَدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُّهُ بِأَلْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]. يقول الشيخ العثيمين: ((وفي صدر هذه لا الأمة حرّم الله على المحرمين الصيد: (٣) المصدر السابق. (٤) أخرجه مالك في الموطأ، رواية يحيى الليثي، رقم ٧٨٧. مَوَسوبر التفسير القرآن الكريم ٣٤٢ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُمٌ﴾ فبعث الله الصيدعليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني: أن الذي يمشي على الأرض يمسكونه باليد، مثل: الأرنب والغزال يمسكه الواحد باليد، والطائر الذي كان لا ينال إلا بالسهم لأنه بعيد، صار يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه فتنة، فهنا يسّر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة -رضي الله عنهم-، وهم خير الناس لم يأخذ أحد منهم صيدة واحدة، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخادعوا الله، أما سلف هذه الأمة -وفقنا الله لموافقتهم في الدنيا في أعمالهم، وفي الآخرة في مساكنهم - فإنهم لم يأخذوا))(١). وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن الجزاء لا يجب إلا إذا قتل الصید، فأما لو جرحه، أو قطع منه عضوًا ولم يقتله، فليس فيه جزاء، ويدل على أن الحکم سواء أکل القاتل الصید أو لم یأکله؛ لأن مناط الحكم هو القتل (٢). وقوله: ﴿مُتَعَيِّدًا﴾ يحتمل أمرين: أحدهما: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، والثاني: متعمدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه(٣). و﴿مُتَعَيْدًا﴾ قيد أخرج المخطئ، أي: في صیده، ولم تبين له الآية حكمًا، لكنها تدل على أن حكمه لا يكون أشد من (١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ١٢/ ١٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٤٤. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٣٧٩/١. المتعمد، فیحتمل أن يكون فيه جزاء آخر أخف، ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه، وقد بيّتته السنة، قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الناسي والمخطئ أنهما يكفّران، ولعله أراد بالسنة العمل من عهد النبوة والخلفاء، ومضى عليه عمل الصحابة، وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أن جمهور فقهاء الأمصار قالوا: إن العمد والخطأ في ذلك سواء (٤). واختلف الجمهور القائلون بأن المتعمد والمخطئ في ذلك سواء في حكمة ذكر المتعمد في الآية، قال البيضاوي: ((والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء، فإن إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان، بل لقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِّمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ولأن الآية نزلت فيمن تعمد»(٥). وقد جمع صاحب التفسير الوسيط الكلام في هذه المسألة أحسن جمع، حیث قال: ((وذکر سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطئ ولا الناسى، والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطئ هو الذي يقصد شيئًا فيصيب صيدًا، والناسي هو الذي يتعمد الصيد، ولا يذكر إحرامه، واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: (٤) التحرير والتنوير ٧ / ٤٤. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٣٦٥. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الحاء الأول: ما أسنده الدارقطني عن ابن عباس قال: إنما التكفير في العمد، وإنما غلظوا في الخطأ؛ لئلا يعودوا. الثاني: أن قوله: ﴿مُتَعَيِّدًا﴾ خرج على الغالب، فألحق به النادر کأصول الشريعة. الثالث: أنه لا شيء على المخطئ والناسي. والنسيان. الخامس: أن يقتله متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْئَقِمُ اللهُمِنْهُ﴾ قال: ولو کان ذاكرًا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة من أول مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمدًا لقتله، ناسیًا لإحرامه. قال: ويبدو لنا أن القول الرابع الذي قال به الأئمة، أقرب إلى الصواب؛ لأن تخصیص العمد بالذكر في الآية؛ لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود؛ لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ؛ ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات؛ إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدًا أو خطأ في غير الحرم فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام في جميع المتلفات، وما دام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتًا على المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدًا أم خطأ))(١). (١) الوسيط، سيد طنطاوي ٣/ ١٣٧٦. والراجح -والله أعلم -: أن قيد: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ قید معتبر، وإلا لما ذكره الله. قال ابن عاشور: ((وقصد القتل تبع لتذکر الصائد أنه في حال إحرام، وهذا مورد الآية، فلو نسي أنه محرم فهو غير متعمد، ولو لم يقصد قتله فأصابه فهو غير متعمد، ولا وجه ولا دليل لمن تأول التعمد في الآية بأنه تعمد الرابع: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ القتل مع نسيان أنه محرم))(٢). وقال أبو حيان في البحر: ((الظاهر تقييد القتل بالعمد، فمن لم يتعمد فقتل خطأ بأن كان ناسيًا لإحرامه، أو رماه ظانًّا أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو عدل سهمه الذي رماه لغير صيد فأصاب صيدًا، فلا جزاء عليه))(٣). قوله: ﴿فَجَزَآءُ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي: فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد (٤). والجزاء: العوض عن عمل، فسمى الله ذلك جزاء؛ لأنه تأديب وعقوبة، إلا أنه شرع على صفة الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار، وليس القصد منه الغرم؛ إذ ليس الصید بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرم قاتله ليجبر ما أفاته عليه، وإنما الصيد ملك الله تعالی أباحه في الحل، ولم یبحه للناس في حال الإحرام، فمن تعدى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدي جزاء، (٢) التحرير والتنوير ٧ /٤٤. (٣) البحر المحيط ١٤/٥. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦/٧. ٣٤٤ صَوَسُ بُ النفسية الوضوء القرآن الكريم وجعله جزاء ینتفع به ضعاف عبيده. وقد دلنا على أن مقصد التشريع في ذلك لَيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ﴾ هو العقوبة قوله عقبه: وإنما سمي جزاء ولم يسمّ بكفارة لأنه روعي فيه المماثلة، فهو مقدّر بمثل العمل، فسمي جزاء، والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة، قال تعالى: ﴿جَزَّاءُ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦](١). واختلفوا في هذه المماثلة أهي بالخلقة أم بالقيمة؟ والذي علیه جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أن المماثلة في الخلقة معتبرة -في الصورة والخلقة والصغر والعظم-؛ لأن ظاهر الآية يدل على ذلك، وما لا مثل له فالقيمة (٢). وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ النعم لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت هذه الأصناف، فإن انفرد كل صنف لم يقل: نعم إلا للإبل وحدها(٣). وقد أخبر أن الجزاء مثل ما قتل الصائد، وذلك المثل من النعم، وذلك أن الصيد إما من الدواب، وإما من الطير، وأكثر صيد العرب من الدواب، وهي الحمر الوحشية، ويقر الوحش والأروى والظباء، ومن ذوات الجناح النعام والإوز، وأما الطير الذي يطير في الجو فنادر صيده؛ لأنه لا يصاد (١) انظر: المصدر السابق ٧/ ٤٤. (٢) لباب التأويل، الخازن ٣٣٤/٢. (٣) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤٨٨/١. إلا بالمعراض، وقلما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها، فمماثلة الدواب للأنعام هيئة، وأما مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة، وليست مماثلة؛ فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة، والإوز يقارب السخلة وهكذا (٤). وقوله: ﴿يَحْكُم بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: يحكم بالجزاء أي بتعيينه، والمقصد من ذلك أنه لا يبلغ كل أحد معرفة صفة المماثلة بین الصید والنعم، فو کل الله أمر ذلك إلى الحكمين، وعلى الصائد أن يبحث عمن تحققت فيه صفة العدالة والمعرفة، فيرفع الأمر إليهما، ويتعين عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما، وهما يعينان المثل ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام، ويقدران له ما هو قدر الطعام إن اختاره (٥). قال ابن جزى: ((وهذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم، إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه؛ لعموم الآية، وقال الشافعي: یکتفی في ذلك بما حكمت به الصحابة»(٦). (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٤٥. (٥) المصدر السابق. (٦) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٣٠/١. www. modoee.com ٣٤٥ حرف الحاء ووصف ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ بقوله: ﴿مِّنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم، فلعلهم يدعون معرفة خاصة بالجزاء(١). والمعنى: يعني: يحكم بالجزاء في قتل الصيد رجلان صالحان عدلان، من أهل ملتکم ودینکم، وينبغي أن یکونا فقیهین، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فیحکمان به. قال ميمون بن مهران: ((جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: إني أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك! فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَحْكُم بِهِ، ذَوَاعَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به))(٢). وقوله: ﴿مَدْيًا﴾ حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية، أي: يهدیه هديًا، والهدي: اسم لما يذبح في الحج لإهدائه إلى فقراء مكة. قال ابن جزى: ((ويقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصید یجب أن یکون مما يجوز أن یھدی، وهو الجذع من الضأن، والثني مما سواها، وقال الشافعي: «يخرج المثل في اللحم، ولا (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦/٧. (٢) لباب التأويل، الخازن ٣٣٥/٢. يشترط السن))(٣). قال ابن عاشور: ((والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة، والمنحر: منى والمروة؟ ولما سماه الله تعالى: ﴿مدیا ﴾ فله سائر أحكام الهدي المعروفة)) (٤). وقوله: ﴿بَلِغَ الكعبةِ﴾: قال ابن عاشور: «ومعنی: ﴿بلغ الكعبةِ ﴾ أنہ یذبح أو ینحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنه ینحر أو يذبح حول الكعبة)»(٥). وإنما أريد الكعبة كل الحرم؛ لأن الذبح لا يقع في الكعبة وعندها ملاقيًا لها، إنما يقع في الحرم، وهو المراد بالبلوغ، فیذبح الهدي بمكة، ويتصدق به على مساكين الحرم، هذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حیث شاء، إذا وصل الهدي إلى الكعبة (٦). وقوله: ﴿أَوْكَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَكِينَ﴾ يعدّد الله تعالى هنا ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولًا الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام، ومذهب الجمهور: أنها على التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بـ(أو) وقيل: إنها على الترتيب. قال ابن عاشور: ((و(أو) في قوله: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ مَسَكِينَ﴾ وقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة، (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٣٠/١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦/٧. (٥) التحرير والتنوير ٧ / ٤٦. (٦) لباب التأويل، الخازن ٣٣٥/٢. ٣٤٦ القرآن الكريم وكذلك كل أمر وقع بـ(أو) في القرآن فهو وأما بالكسر فما عادله من جنسه، وقيل: من الواجب المخير، والقول بالتخيير هو هما سيان، ومعناهما: المثل مطلقًا (٥). قول الجمهور، ثم قيل: الخيار للمحكوم علیه لا للحکمین، وهو قول الجمهور من القائلین بالتخيير، وقيل: الخیار للحکمین، وقال به الثوري وابن أبي ليلى والحسن. وتحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن؛ لأنه أقرب، أو إلى الصيد، واختلف في تعديل الصيام بالطعام، فقيل: یکون مکان کل مدٌّ يومًا، وقيل: مكان كل مدّين يوم، وقيل: مكان كل صاع يومًا، ومن العلماء من قال: إنه لا ينتقل من الجزاء إلى كفارة الطعام إلا عند العجز عن عند العجز عن الإطعام، فهي عندهم على الترتيب، ونسب لابن عباس))(١). ولا يحب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام الجزاء، ولا ينتقل عن الكفارة إلى الصوم إلا إلا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ قََّلَهُ﴾ وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء (٦). فعلى قول الجمهور: فالمحرم إذا قتل صيدًا كان مخيرًا: إن شاء جزاه بمثله من النعم، وإن شاء قوّم المثل دراهم، ثم الدراهم طعامًا، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن کل مدّ يومًا (٢). قال في الوسيط: ((ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة علی کل رتبة، فالأصل بلا ريب شراء هدي وذبحه في الحرام، فإن تعذر ذلك كان الطعام، فإن تعذر كان الصيام(٣). قال: وعندي أن » (٤) الترتيب حسب القدرة أوضح)) قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ العدل -بالفتح- ما عادل الشيء من غير جنسه، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٧/٧. (٢) الوجيز، الواحدي ص٣٣٥. (٣) الوسيط، سيد طنطاوي ١ / ١٣٧٧. (٤) المصدر السابق. قوله: ﴿لَيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهٍ﴾ أي: جزاء ما صنع، فهو تعليل لإيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد. والذوق هنا مستعار؛ لأن حقيقته بحاسة اللسان، والوبال: سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التكفير (٧). ٣. الأخذ من الشعر. فيحرم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّ بَتْعَ الْهَدْىُ عِلَّةً. فَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهو خطاب لجميع الأمة من غير فرق (٥) المصدر السابق. (٦) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٣١/١. (٧) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٤٧ حرف الحاء بين محصر وغير محصر، وإليه ذهب جمع فدية (٢). من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة: أي: لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله. وقوله: ﴿حَّ بَُّغَ الْهَدْىُّ ◌َحِلَّهُ﴾ أي: مكانه الذي يجب أن يذبح فيه، واختلفوا في تعيينه: فقيل: هو موضع الحصر؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث أحصر في عام الحديبية، وأجيب عن نحره صلى الله عليه وسلم في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، وردّ بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. وقيل: هو الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَعِلَّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت(١). قوله: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ= أَنَّى مِّن رَأْسِهِ﴾ ... الآية، معناه: ولا تحلقوا رءوسکم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو أذى. والمراد بالمرض هنا: ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، والمراد بالأذى من الرأس: ما فيه من قمل أو جراح ونحو ذلك، ومعنى الآية: إن من كان مريضًا، أو به أذى من رأسه، فحلق، فعليه (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني٢٩٩/١. موسوعة القرآن الكريم ومما يؤخذ من الآية: أن النهي عام لكل الرأس ولبعضه؛ إذ لو حلق بعضه وقع في الإثم؛ لأن النهي يتناول جميع أجزاء المنهي عنه؛ فإذا قيل: ((لا تأكل هذه الخبزة)) وأكلت منها فإنك لم تمتثل (٣). ومما يؤخذ من الآية: أن المحرّم ما يسمى حلقًا، فأما أخذ شعرة أو شعرتين أو ثلاث شعرات من رأسه فلا يقال: إنه حلق، وهذه المسألة مما تنازع فيها أهل العلم، فقال بعضهم: إذا أخذ شعرة واحدة من رأسه فقد حلق؛ فعليه فدية إطعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فإطعام مسكينين، وإذا أخذ ثلاث شعرات قدم، أو إطعام ستة مساكين: لكل مسکین نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام. وقال بعض العلماء: إن الحكم يتعلق بربع الرأس، فإن حلق دون الربع فلا شيء علیه، وهذا لا شك أنه تحگّمٌ لا دلیل علیه؛ فلا يكون صحيحًا، بل هو ضعيف. وقال آخرون: تتعلق الفدية بما يماط به الأذى، ومعنى يماط: یزال، أي بما يحصل به إزالة الأذى، وهذا لا يكون إلا بجزء كبير من الرأس. قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُم فَرِيضًا أَوْ بِدِ= أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ﴾ فدل هذا (٢) المصدر السابق. (٣) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٢٧/٤. ٣٤٨ #NO على أن المحرّم الذي تتعلق به الفدية هو الحجامة، ولم ينقل أن الرسول صلى الله عليه وسلم افتدى، فدل ذلك على أن ما تتعلق به الفدية هو ما يماط به الأذى، دون الشيء اليسير))(٢). ما یماط به الأذى، وهذا مذهب مالك، وهو صحيح من حيث أن الفدية لا تجب إلا بما یماط به الأذى فقط، لكنه غير صحيح من ومما يؤخذ من الآية: التيسير على العباد؛ وذلك بوقوع الفدية على التخيير. كون التحریم يتعلق بما يماط به الأذى فقط، فالتحريم يتعلق بما يسمّى حلقًا، والفدية تتعلق بما يماط به الأذى (١). قال الشيخ ابن عثيمين: ((فإن قال قائل: ما هو دليلكم على هذا التقسيم، فالعلماء لم يقولوا هذا الكلام؟ فالجواب: أن نقول: دليلنا على هذا التقسيم الآية الكريمة، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُوا ◌ْرُءُوسَهُو حَّ بَُّغالهُدىُ مَجِلَّهُ﴾ هذا عام لكل حلق، فكل ما يسمى حلقًا فإنه منهي عنه لهذه الآية. ثم قال تعالی: ﴿فَنكَانَ مِنكُمْ فَيیضًا أَوْ پِهِ» أَذَّى مِن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ﴾ فأوجب الفدية فيما إذا حلق حلقًا يزول به الأذى؛ لقوله تعالى: ﴿أو په=أَذَى﴾ فلو قدّرنا محرمًا رأسه تؤذيه الهوام، فحلق منه شيئًا يسيرًا لا يزول به الأذى فلا فدية عليه؛ لأن الله تعالى إنما أو جب الفدية بحلق ما یزول به الأذى. ويدل لذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد احتجم وهو محرم في يافوخه في أعلى رأسه، ومعلوم أن الحجامة تحتاج إلى حلق الشعر الذي يكون في موضع ومنها: أن محل الإطعام والنسك في مكان فعل المحظور؛ لأن الفورية تقتضي ذلك، أما الصيام فالظاهر ما قاله العلماء رحمهم الله من کونه يصح في کل مکان، لكن الفورية فيه أفضل. ومنها: أن كفّارات المعاصي فدِى للإنسان من العقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُكٍ﴾. ومنها: أن محظورات الإحرام لا تفسده؛ لأن الله لم يوجب في حلق الرأس مع أنه من محظورات الإحرام إلا الفدية، ومقتضى ذلك أن النسك صحيح. وهذا مما يخالف الحجّ والعمرة فيه غيرهما من العبادات؛ فإن المحظورات في العبادات تبطلها. وألحق العلماء بفدية حلق الرأس فدية جميع محظورات الإحرام، ما عدا شيئين، وهما: الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وجزاء الصيد. فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدنة، وجزاء الصيد يجب فيه مثله، (١) المصدر السابق. (٢) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٤٩ حرف الحاء أو إطعام مساکین، أو عدل ذلك صيامًا، وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس عند الفقهاء، أو كثير منهم (١). آداب الحج آداب الحج تنقسم إلى قسمين: آداب واجبة. آداب مستحبة. فأما الآداب الواجبة: فهي أن يقوم الإنسان بواجبات الحج وأركانه، وأن يتجنب محظورات الإحرام الخاصة، والمحظورات العامة، الممنوعة في الإحرام وفي غير الإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتْ فَمَن فَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد سبق بيان الآداب الواجبة في الحج. وأما الآداب المستحبة في سفر الحج: فأن يقوم الإنسان بكل ما ينبغي له أن يقوم به، من الكرم بالنفس والمال والجاه، وخدمة إخوانه، وتحمّل أذاهم، والكف عن مساوئهم، والإحسان إليهم، سواء كان ذلك بعد تلبّسه بالإحرام، أو قبل تلبّسه بالإحرام؛ لأن هذه آداب عالية فاضلة تطلب من کل مؤمن في كل زمان ومكان، وكذلك الآداب المستحبة في نفس فعل العبادة، كأن يأتي الإنسان بالحج على الوجه الأكمل، فيحرص على تكميله بفعل مستحباته القولية والفعلية. لأنه لا ينال فضل الحج ولا تنال منفعته (١) المصدر السابق. حضوري ٣٥٠ القرآن الكريم الروحية والقلبية إلا من خلال التمسك بهذه الآداب، فهي الخلال الكفيلة بجعل الحج حجًّا بالقلب إلى الله، قبل أن يكون حجًّا بالجسد إلى البيت والأماكن المقدسة. والآيات التي تناولت الحج، وما يتعلق به تشتمل على كثير من الآداب التي دلت عليها الآيات أحيانًا بمنطوقها، وأحيانًا أخری بمفهومها، وأحيانًا أخرى بالإشارة والإيماء. الحج يجد أنهما قد سبحتا سبحًا طويلًا في حديثهما عن البيت الحرام، وعن آداب الحج، ومناسكه، وأحكامه، ومن هذه الآداب التي ذكرت في هاتين السورتين: ١. إخلاص النية لله في الحج والعمرة. تامّين، ويدل على تلك الأهمية أيضًا صيغة الطلب التي وردت في آل عمران بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. فلقد وردت هنا صيغة الطلب والإلزام مغايرة لما عهد من صيغ الطلب المعروفة الواردة في غير الحج، وفي مجيء الطلب بهذه الصيغة عدة إشارات، منها: تقديم القصد من الحج على الإلزام به، فقبل أن والمتأمل في سورة البقرة وسورة يوجبه بيّن أنه لابد من كونه لله، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ وهذا يشير إلى أن القصد من الحج مقدم على الفعل له، وأنه لابد من تقديم النية على الامتثال. ٢. الحرص على الإتيان بالحج والعمرة تامين. وهذا ما يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنِمُواْ والآية التي تشير إلى هذا هي قوله تعالى: اٌلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فهنا نلحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأمر عباده بفعل الحج والعمرة ﴿وَأَيِّقُواْ الْحَجّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولا بالقیام بهما فحسب، وإنما ورد الأمر فإن الآية تحث على أن يكون الحج والعمرة تامین لله، وهذا يعني أنه لابد من أن یکون القصد بالحج وجه الله تعالی ، وأن تكون الغاية رضاه، وأن لا يقصد بذلك مراءاة الناس، أو الكسب الدنيوي، أو أي غرض غير طلب مرضاة الله ورجاء عفوه، ولا شك أن هذا الأدب من الأهمية بمكان، يدل على ذلك كونه أول أمر تعرضت له بفعلهما تامّتین، وهذا یشیر إلی أن من آداب الحج أن يسعى الحاج جاهدًا إلى أن يأتي بأفعال الحج والعمرة على الوجه الكامل، لا أن يأتي بالأفعال ناقصة، وكون الإتمام بحد ذاته مطلوبًا، والنص على إتمام الحج يشعر بأهميته، ويشير إلى مشقته التي قد تدفع البعض للإتيان به ناقصًا، أو على أي وجه الآيات بعد طلب الإتيان بالحج والعمرة كان، فكان لابد من التأكيد على فعله تامًّا. www. modoee.com ٣٥١ حرف الحاء ٣. ترك الرفث والفسوق والجدال. وقد سبق الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. النهي فيها عن الرفث والفسوق والجدال بأسلوب عجيب، حيث لم تأت العبارة بصيغة النھي، فلم يقل الله: فلا يرفث ولا ﴿فَلاَ رَفَثَ يفسق ولا يجادل، وإنما قال: وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾، فجاء النهي عن هذه الخصال الثلاثة بالنفي باللام النافية للجنس، وهذا أبلغ أشكال النهي، وأقواها، فهو ليس نهيًا فحسب، إنما هو بيان بأن هذه الخصال الثلاثة مما ينبغي أن لا تكون موجودة أصلا، بل ينبغي أن تنعدم، وأن لا تقوم لها قائمة، وهذا أمر معلوم، فحین یآتي النهي بصيغة النفي يكون أبلغ في النهي عنه، فإذا كان النفي بلام الجنس كان أشد وأقوى؛ لأنه نھي یطالب فيه بأن لا یکون لهذه الأمور وجود. والنهي عن هذه الأمور يقتضي الأمر بأضدادها، فالنهي عن الرفث هو أمر بحفظ اللسان، والنهي عن الفسوق هو أمر بحفظ الأفعال، والنهي عن الجدال هو أمر بحفظ العقل أو القلب، فاللسان ينبغي أن ينشغل بذكر الله، وأن يحفظ عما يشغله عن مبدعه وخالقه. ٤. الإكثار من فعل الخير في الحج. وَمَا وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فقد جاء الحث على فعل الخير وسط ومما يلفت النظر في هذه الآية مجيء الحديث عن آداب الحج؛ إشارة إلى أن هذا الأمر من آداب الحج، فالحاج ينبغي أن ينشغل بفعل الخير؛ لأنه الفعل الذي يتناسب مع ما هو فيه من أماكن مقدسة وساعات تجلِّ إلهي؛ ولأن فعل الخير مفتاح لتلك التجليات والمعاني العظيمة حتى تنفذ إلى قلبه. ونلحظ أن الحث على فعل الخير في الحج جاء بأسلوب الشرط، وذلك أبلغ في الحث؛ لأن الشرط يفيد الإلهاب والتهييج بما فيه من ربط الجزاء بالشرط، ولقد ربط الشرط هنا بجزاء عظيم، فلقد ربطه بعلم الله، وكون الله يعلم أن الإنسان يفعل الخير أمر مسلم فيه؛ ولذا فالمراد هنا أنه لا یمکن أن يعلم الله عبده يفعل الخير إلا وسيكافئه عليه أوفى المكافأة، ونلحظ أيضًا أن الشرط جاء بـ(ما) التي تفيد العموم؛ ليشير بذلك إلى أن المطلوب كل أعمال الخير، أو عموم أفعال الخیر، أو کل ما يصدق عليه أنه عمل صالح. ٥. إعداد الحاج الزاد من مال يكفيه في حجه. مَوَسُوع القرآن الكريم ٣٥٢ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ولعل بعضنا يتساءل ما علاقة إعداد الزاد الكافي بآداب الحج؟ وهل يجني الحاج بذلك نفعًا أخرويًّا أو روحيًا؟ نقول: أجل، فإن إعداد الزاد الكافي أمر ذو صلة بالنفع الروحي والقلبي؛ وذلك لأن الحاج حين يجد ما یکفيه من زاد في حجه لا ينشغل قلبه عن الله في البحث عن الزاد، أو القوت أو المال، فالمحتاج قد تشغله حاجته عن الله، وعن الخشوع وعن الإقبال على الله، أو قد تدفعه إلى سؤال الناس، وهذا مما يشوّش عليه صفاءه ونقاء قلبه، كيف لا والإسلام نهى عن سؤال الناس، فسؤال الناس أمر لا يرضاه الله ولا رسوله، وهو من ثمّ یبعد السائل عن أن يكون في رحمة الله، فكيف ينال رحمة الله وتجلياته من تلبّس فيما لا يرضاه؟! ٦. التقوى والتوبة قبل الحج. وفي قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ آلْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: ١٩٧]. يقول الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الحاج أن يتزود منها قبل خروجه إلى الحج، وإنما استنبطنا تلك الإشارة من كون الآية هنا جعلت التقوی زادًا، وجعلته خير زاد، والزاد في العادة يعدّ قبل الخروج لا بعده، إذن فالحاج مطالب قبل خروجه إلى الحج أن يتسلح بالتقوى، فیترك ما نهى الله عنه، ويمتثل ما أمر الله به، حتى يصل إلى تلك الأماكن طاهر القلب نقيًّا، فالتسلح بالتقوى يجعل القلب متهيئًا لعطايا الله وهباته في تلك الأماكن المقدسة، ولا شك أن الأمر بالتقوى قبل الحج يستلزم توبة العبد عما كان عليه؛ حتى تتحقق فيه صفة التقوى. ٧. انشغال الحاج بالذكر والاستغفار. نجد أن الله تعالى أمر الحاج بالانشغال في الذكر في عدة مواطن، ففي سورة الحج يبين أن الغاية من إقبال الناس على الحج من كل فج عميق أمران، هما: شهود المنافع، وذكر الله في أيام معلومات. يقول سبحانه: ﴿لِشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وفي سورة البقرة حين الحديث عن آداب الحج تكرر طلب ذكر الله من قضية مهمة، وهي أن التقوى صفة ينبغي على الحاج أن يلجها قبل مغادرته؛ وذلك لأن الله جعلها خير زاد، فهو یشیر هنا الحاج في عدة مواطن، فعند الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام يأمرهم بالذكر، إلى أن التقوى هي الصفة التي ينبغي على فيقول: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ www. modoee.com ٣٥٣ حرف الحاء فَأَذْكُرُوا اللهَ عِندَ اَلْمَشْعَرِ الْعَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنْكُمْ وَإِن كُنتُممِّن قَبْلِهِ ، لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ونلحظ أنه سبحانه يلهب مشاعر المؤمنين بالإقبال على الذكر عند المشعر الحرام بصيغة الأمر، وبتذکیرهم أنه من قبيل شكرهم لله على هدايته لهم؛ حثًّا لهم على الإقبال على ذكر الله تعالى. ثم يأمرهم بالاستغفار عند الإفاضة، فيقول: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وكذلك يأمرهم بالذكر عند انقضاء المناسك، فيقول: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَذِّْكُ ءَبَآءَ كُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. أشد من ذکر آبائهم الذي كانوا يفعلونه عند انقضاء النسك، وهذا يعني أن الحاج مطالب بالإكثار من الذكر عند انقضاء المناسك، وإنما استنبطنا أنه مطالب بكثرة الذكر؛ لأنه جرت عادة الناس بعد الفراغ من النسك أن تتحرك أشواقهم إلى أهليهم وآبائهم؛ لقرب العودة وعدم وجود ما يشغلهم من النسك، وعندئذ یکثر ذکراهم لأهلهم، ذکر الآباء والأهل الذي هو کثیر في تلك الآونة، والغرض من طلب الذكر بعد انقضاء المناسك هو أن يحافظ العبد على نورانية الحج، وأن لا يضيعها بأحاديث تذهب ببهاء حجته. ثم نجده أيضًا يأمر بالذكر في أيام منى، فيقول: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: ونلحظ أنه قد تكرر طلب الذكر في آيات الحج، وهذا يعني التأكيد على طلب الذكر من الحاج، ویشیر بنفس الوقت إلى أهمية الذكر في الحج؛ لأن التكرار وسيلة من وسائل التوكيد، ويشير بنفس الآونة إلى الاهتمام بالأمر المكرر. ٨. التواضع في الحج. فالحاج مأمور بالتواضع في الحج في ونلحظ هنا أنه أمرهم بذكر الله ذكرًا أخلاقه وفي لباسه وفي مأكله وفي مشربه، وذلك حتی یکون محط نظر الله ورحمته؟ لأن الله يمقت الكبر وأهله، فالكبر يخرج الحاج من دائرة رحمة الله، ونجد الإشارة إلى طلب التواضع في قوله تعالى: ﴿ثُرَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. فالحاج مأمور بأن يكون كسائر إخوانه من الحجيج؛ حتى لا يكسر قلب الفقير فالله يأمرهم أن يكون ذكرهم لله أكثر من منهم، فكسر قلب الفقير أمر خطير يبعد ٣٥٤ القرآن الكريم =NO فاعله عن أن يكون في نظر الله، ومن هنا له نصيب من الآخرة، وأما الصنف الثاني فيطلب الدنيا والآخرة، فيعطى خيري الدنيا فالحاج مأمور بعدم التکېر أو التفاخر سواء في المركب أم في الملبس أم في المقام، فعن أنس رضي الله عنه قال: حج رسول الله علی رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم، أو لا تساوي، ثم قال: (اللهم حجّا لا رياء فيه ولا سمعة)(١). والآخرة، ولا شك أن ذكر هذين الصنفين فيه إشارة أن العاقل هو من يطلب الاثنين معًا؛ لأن طالب الأولى يعطاها فقط دون الأخرى، أما طالب الاثنتين فيعطاهما معًا، فالصنف الأول محروم من الأخرى. وقد يقال: لا دلیل في الآية على التواضع، إنما هي تتعلق بأقوام كانوا لا يفيضون من حيث أفاض الناس كما هو معروف في سبب نزول هذه الآية، والجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ٩. إكثار الحاج من الدعاء وأن یطلب لدنياه وآخرته معًا. وإنما كان من أدب الحج إكثاره من الدعاء لأن تلك الأماكن مظنة لإجابة الدعاء فيها، فلله تجليات في الأمكنة وفي الأزمنة وفي الأشخاص، ولقد حثنا القرآن على الإكثار من الدعاء في تلك الأماكن. وبيّن أن الناس على صنفين: صنف يطلب لنفسه أمور الدنيا فقط. وصنف يطلب الدنيا والآخرة. أما الصنف الأول فيعطى الدنيا وليس (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب المناسك: ، باب الحج على الراحلة، ٩٦٥/٢، رقم ٢٨٩٠. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ٢٦١٧. أما الصنف الثاني فيغنم الأولى والأخرى. يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَيَّنَآ ءَائِنَا فِىِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى اْأَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَاْ ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، أَوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. فقد بيّنت الآية أن بعض الناس يطلب الدنيا فيعطاها، لكن لا خلاق له ولا نصيب في الآخرة، وأن بعضهم يطلب في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ويستجير بالله من عذاب النار، وهؤلاء هم الذين يعطون نصيبهم من كل أمر سألوه، والحق أن بيان هذه الآية للصنفین، وبيان ما يلقاه كل صنف وما يحصده من دعوته، هو عبارة عن وضع نماذج للناس؛ تشويقًا لهم إلى اختيار ما هو الأعظم ترتيبًا في الجزاء، وهم الصنف الثاني، فالآية تحث على انتهاج سلوكهم www. modoee.com ٣٥٥ حرف الحاء من خلال ما ذكره من ثمرات دعواتهم، ومن خلال الإشارة إليهم بإشارة البعد إيذانًا بعلو مرتبتھم، وحثًّا للسامعين على سلوك طريقهم، ومن خلال ما بيّنه من نيلهم نصيبًا من کل أمر کسبوه، فهنا إذن نيل للنصيب وكسب، يقابله في الفئة الأولى نفي للخلاق والنصيب، وفي هذا حث للناس على سلوك منهج الفئة الثانية؛ لأن العاقل دائمًا يفضّل ما له فیه مغنم، لا ما فيه نقص ومغرم. ١٠ . الأكل من الهدي. أمر الله تعالى بالأكل من الهدي، فقال: ﴿ لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِ أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَّقَّهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٢٧]. والأمر هنا مجمل، يحتمل الوجوب، ويحتمل الإباحة، ويحتمل الندب، وقرينة عدم الوجوب ظاهرة؛ لأن المكلّف لا یفرض عليه ما الداعي إلى فعله من طبعه، وإنما أراد الله إبطال ما كان عند أهل الجاهلية من تحريم أكل المهدي من لحوم هدیه، فبقي النظر في أنه مباح بحت، أو هو مندوب (١). فمذهب الجمهور أن الأكل مستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يؤخذ من كل جزور بضعة، فطبخت، وأكل (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٤/١٧. لحمها، وحسي من مرقها (٢). قال الشنقيطي: ((فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة عن الوجوب في صيغة الأمر هي ما زعموا من أن المشرکین کانوا لا یأکلون هدایاهم، فرخّص للمسلمين في ذلك)» (٣). وقال ابن كثير في تفسيره: ((استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب»(٤). وقال القرطبي: ((﴿فَكُلُواْمِنْهَا﴾ أمر معناه الندب عند الجمهور، ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل، وشذت طائفة، فأوجبت الأكل والإطعام، بظاهر الآية، ولقوله عليه السلام: (فكلوا وادخروا وتصدّقوا))(٥)(٦). قال إلكيا: ((قوله تعالى: ـَا كَلَو وَأَطْعِمُوا﴾ يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٧/ ٣٧١٤. (٣) أضواء البيان، ٥/ ١٩٣. (٤) تفسير القرآن العظيم، ٤١٦/٥. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحيّ، باب بيان ما كان النهي عن أكل لحوم الأضاحي، ٣/ ١٥٦١، رقم ١٩٧١. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٤٤. ٣٥٦ مَوَسُو ◌َرُ النفسية الوضوء القرآن الكريم ولا التصدق بجميعه))(١). واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: ﴿ وَالْبُّدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُ مِن شَعَكِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]. قالوا: فجعلها لنا، وما هو للإنسان فهو مخیر بین تر که وأکله، ولا يخفي ما في هذا الاستدلال. إلا أن الشنقيطي رجّح وجوب الأكل، حیث قال: «أقوی القولین دليلاً: وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ في موضعین، ومما يؤید أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأکل وتأكيده: أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مائة من الإبل، فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها، وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة من تلك الإبل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو شرب من مرقها، وهذا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿فَكُلُواْمِنْهَا﴾ ليس لمجرد الاستحباب والتخيير؛ إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإطعام، فالأظهر فيه الوجوب»(٢). والأظهر أنه: لا تحديد للقدر الذي یأکله، والقدر الذي يتصدق به، فیأکل ما (١) أحكام القرآن، إلكيا الهراسي ٤ / ١٠. (٢) أضواء البيان ١٩٤/٥. شاء، ويتصدق بما شاء. قال الرازي: «ثم قال العلماء: من أهدى أو ضحّی فحسن أن يأكل النصف، ويتصدق أُمِنْهَا وَأَطْعِمُـ بالنصف؛ لقوله تعالى: الْبَايِسَ الْفَقِيَرَ﴾ ومنهم من قال: يأكل الثلث، ويدّخر الثلث، ويتصدق بالثلث، ومذهب الشافعي: أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزه، هذا فيما كان تطوعًا، فأما الواجبات كالنذور، والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق، فلا یؤکل منها)»(٣). ١١. إطعام الفقراء من الهدي. أمر الله تعالى بالإطعام من الهدي، فقال: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآِسَ الْفَقِيَرَ﴾ ونطيره: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فقوله: ﴿وَأَطْعِمُواْ﴾ هذا الأمر قيل: هو للندب کالأول، وقيل: هو للوجوب. قال القرطبي: ((واختلف في الأكل والإطعام، فقيل: واجبان، وقيل: مستحبان، وقيل: بالفرق بين الأكل والإطعام، فالأكل مستحب، والإطعام واجب، وهو قول الشافعي»(٤). وقال الرازي في قوله: ((﴿وَأَطْعِمُواْ﴾: (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ١١٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٩/١٢. www. modoee.com ٣٥٧ حرف الحاء فلا شبهة في أنه أمر إيجاب، والبائس: الذي أصابه بؤس أي شدة، والفقير: الذي أضعفه الإعسار، وهو مأخوذ من فقار الظهر))(١). حكمة تشريع الحج وثمراته الحج طاعة مطلقة، وانقیاد تام لله تعالى، ومع أنه كذلك فليس معنى ذلك: أن العقل لیس له مدخل في شعائره ومناسكه، یتذوقها ويقف على الحكم المستفادة منها، فكثير من الناس يظن أن أفعال الحج ومناسكه كلها مبهمة وغامضة، والصواب: كما أن الله -جل شأنه- اختبر الناس بما يعقلون فسمعوا وأطاعوا، اختبرهم كذلك بما لا يعقلون حتى يتبين له كيف يسمعون وكيف یطیعون، وهكذا في شعيرة الحج ففيها حكم معقولة، وفيها حكم غير معقولة، فمثلًا من مناسك الحج الطواف بالبيت، وله حكم عديدة، توضح معقوليته، والحكمة منه، ومنها: أن هذا البيت هو أول بيت وضع للناس، وزاده الله تشريفًا، فمن حق أول بيت أقيم ليكون قلعة التوحيد، ومثابة للموحدين، وملتقى للمؤمنين المخلصين، من حقه أن تکون له مكانة خاصة؛ ولهذا يجیئه الرواد من کل أفق، والحجاج من كل فج، يطيرون إليه كما تطير الحمائم إلى أوكارها، في أفئدتهم حنين، وفي قلوبهم مشاعر ملتاعة، وقس على ذلك باقي المناسك. فالحج إذن عبادة رقيقة محبوبة، ظاهرة الحكمة، أساسها الوقوف بعرفة، والطواف (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ١١٥. مَوَسُو بحر النفسية لعضوية القرآن الكريم ٣٥٨ حول البیت، وبعض شعائر أخری یمکن استيعابها بيسر، دون قلق أو حرج، وعند هذه الحكم والمنافع للحج. التأمل في أصل المنسك، وما يتركه في القلب من مشاعر، وما يستودعه العقل من دلالات، يقف المرء على الحكم المتعددة، التي تستفاد من کل منسك. ومن حكم الحج الظاهرة (المنافع المتنوعة) التي يحصل عليها المسلم في الحج، كما قال تعالى: ﴿لِّشْهَدُواْ مَنَفِعَ [الحج: ٢٨]. لَهُـ ومما ينبغي التنبه إليه أن المنافع المذكورة في الآية ليست محصورة في المنافع الدنيوية، وكيف تحصر فيها وقد وردت مجموعة منكرة؟! فجمعها يفيد تعددها، وتنکیرها يفيد عمومها، فبناء على الجمع تكون المنافع متعددة، وبناء على التنكير تكون المنافع عامة، فجمع (منافع) وتنكيرها دلا على أنها منافع متعددة وعامة، وهذا يعني أنها أكثر من أن تكون منافع دنيوية، فهي أيضًا منافع إيمانية روحية؛ لأن الحج أعمال تقرّب العبد من ربه، وهذا غذاء الروح، وهي أيضًا منافع أخروية؛ لأن الحج امتثال لأمر الله فيما تعبدنا به، وهي أيضًا منافع نفسية؛ لأن الحج ترويض للنفس على أعمال تشق عليها، وهي أيضًا منافع جسدية؛ لأن الحج رياضة للبدن، ودربة له على النشاط والحركة. وفيما يلي سیتم الكلام -باختصار- على أولًا: الثمرات الدنيوية: ١. المنافع التجارية. سبق الإشارة إلى أن الله تعالى وعد عباده المستجيبين لندائه شهود منافع مطلقة -مادية ومعنوية-، لا حصر لها، ولا حدّ، فقال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]. ومعنى الآية: لينالوا بوصولهم لبيت الله في الأنساك منافع متنوعة دينية، ومنافع دنیویة، کالتکسب وحصول الأرباح، وهذا أمر مشاهد يعرفه كل أحد، فجميع العلوم والعبادات الدينية التي تفعل في تلك البقاع الفاضلة، وما جعل الله لها من التضعيف داخل في هذه المنافع، وجميع المنافع الدنيوية التي لا تعدّ ولا تحصى داخلة في ذلك، فصدق الله وعده، وأنجز ما قاله، و کان ذلك آیة وبرهانا علی توحیده، وصدق رسله(١). ليس عَلَيْكُمْ ونظيره: قوله تعالى: جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. أي: يأتوك ﴿لِيَشْهَدُواْ﴾ فقوله: (١) تيسير اللطيف المنان، السعدي ص١٩١. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الحاء ليحضروا. واللام في قوله: ﴿ِشْهَدُواْ﴾ هي لام التعليل: وهي متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّن﴾ أي: إن تؤذن فيهم يأتوك مشاة وركبانًا؛ لأجل أن يشهدوا: أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم (١). قال ابن عادل: ((ويجوز في هذه اللام وجهان: أحدهما: أن تتعلق بـ(أذّن) أي: أذّن ليشهدوا. والثانی: متعلقة بـ(يأتوك) وهو أنها الأظهر))(٢). وقوله: ﴿مَنَفِعَ﴾ جمع منفعة، واختلف في تلك المنافع، فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجروا في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا، وهو كما قال الرازي أولی(٣). قال الشنقيطي: ((ولم يبين هنا هذه المنافع ماهي؟ وقد جاء بیان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة -بيع وشراء وعرض سلع وأنواع صناعات-، فإذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له (١) أضواء البيان ٥/ ١١٠. (٢) اللباب في علوم الكتاب ٤١١/١١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ١١٤. الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي))(٤). ومن المنافع كذلك ما يحصل من الأجر بالكراء في الحج. قال ابن عثيمين: ((من فوائد الآية: جواز الاتجار أثناء الحج بالبيع والشراء والتأجير، كالذي يؤجر سيارته التي يحج عليها في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]))(٥) . وهذه المنافع تشمل المنافع الدينيّة: كمغفرة ذنوبهم، واستجابة دعائهم، والفوز برضا ربهم، وتعلم دينهم من علمائهم. ومن أهم المنافع أيضًا ما وعدهم الله على لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب، فكنى بشهود المنافع عن نيلها ... ، وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد؛ ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانهم. وتنكير (منافع) للتعظيم، والمراد منه الكثرة، وهي المصالح الدينية والدنيوية؛ لأن في مجمع الحج فوائد جمة للناس: لأفرادهم من الثواب، والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم؛ لأن في الاجتماع صلاحًا في الدنيا بالتعارف والتعامل. قال الطبري بعد أن ذكر عدة أقوال في المراد بالمنافع: ((وأولى الأقوال بالصواب (٤) أضواء البيان ٥/ ١١١. (٥) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٣٤٠/٤. ٣٦٠ مُوسُو ◌َةُ النَّيَّ القرآن الكريم