Indexed OCR Text
Pages 21-40
الجدال بالحقيقة الکاملة؛ وهي آنّهم قد كذّبوا بالله عز وجل في الدنيا، ويريدون أن يعيدوا الكرة يوم القيامة، لكنّ الله عز وجل عالم (١) بخفايا القلوب والنفوس . ٤. إظهار الخضوع والتذلل لله عز وجل متمنين من الله عز وجل أن يكرمهم بفرصة أخرى؛ ليؤمنوا ويتبعوا منهج الإيمان والتوحيد. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِذْ وُ قِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ ◌ََّنَا نُرَهُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَلَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣) بَ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْرُدُ والَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] إنّ المشركين عند رؤيتهم لھیب النار، يتمنون العودة إلى الحياة الدنيا زاعمین آنّهم يريدون الهداية والاستجابة لأمر الله عز وجل، لكنّ الحقيقة هي الخوف من لهيب النار بعدما ظهر ما كانوا يخفونه من الذنوب والمعاصي في الحياة الدنيا، وتأكدوا من صدق ما أنکروه في الدنيا، ولو ردّهم الله عز وجل إلى الدنيا لعادوا إلى التكذيب بآيات الله عز وجل، ولحاربوا أولياءه؛ لأنّ التكذيب والجحود والعناد والافتراء طبعٌ متجذرٌ فيهم(٢). ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا (١) انظر: تفسير الشعراوي ٦/ ٣٥٦١. (٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٥/ ٦٢. أَمْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَغَخْرَى ﴾ [طه: ١٣٤]. ثالثًا: الجدال في الدعوة إلى الله تعالى: إنّ الدعوة إلى الله عز وجل وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ومن تبعهم بإحسان، سلكوا في سبيلها كل الوسائل والأساليب المشروعة؛ لإيصال دعوة التوحيد للناس في كل بقاع الأرض، وبما أنّ الجدال ظاهرة بشرية فطرية ملازمة للإنسان؛ لنقل الأفكار والآراء، وبناء المواقف والاتجاهات، كان لزامًا على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وأتباعهم سلوك هذا الطريق نصرةً للحق، ونشرًا للدين الحنيف والذّب عنه (٣). إنّ سلوك طريق الجدال في الدعوة مقيد بضوابط وأحكام أشارت إليها الآية الكريمة. قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَّدِينَ ﴾ [النحل: ١٢٥]. وهناك ضوابط للمجادلة بالتي هي أحسن، وهي: ١. إخلاص النية لله عز وجل. فالداعية إلى الله عز وجل لا يبتغي من (٣) انظر: منهجية الحوار الجدلي في القرآن الكريم والسنة النبوية، أحمد الطعان، ص٢. www. modoee.com ٢٧ حرف الجيمر وراء الجدال المفروض عليه إلا مرضاة الله عز وجل، والوصول إلى الحق المبين، بعيدًا عن المباهاة والرياء (١)، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ ١٧ عبَادِ أَحْسَنَةٌ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنَهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ؟ ١٨﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. ٢. الاحتجاج على المخالف بالأدلة التي يعتقدها؛ فإنّ ذلك أقرب لفهمه، وأدعی إلى حصول المراد من المجادلة(٢). يظهر هذا المعنى في نقاش النبي صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي جاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: إنّ فَتَّى شابًّا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه ائذن لي بالزّنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه، فقال: (ادنه فدنا منه قریبًا، قال: فجلس قال: (أتحبّه لأمّك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا النّاس يحبّونه لأمّهاتهم)، ... الحديث(٣). ٣. أن تكون الأدلة والبراهين واضحة، تعطي مدلولًا محددًا؛ بحيث لا (١) انظر: آداب المناظرة، عمرو سليم، ص ١٠. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٥٢. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٥٤٥/٣٦، رقم ٢٢٢١١. رقم ٣٧٠. يترك الداعية إلى الله عز وجل سبيلًا للمخالف يتفلت من خلاله، أو حجة یتمسك بها، أو شبهة يستأنس بها على باطله. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إَِّهِمَ فِي رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَنِّىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِئْمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ()﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ٤. أن تكون المجادلة في إطار الأدب والخلق، وألّا تؤدي إلى الخصام والملاسنة؛ وتبتعد عن تحقيق المقصود. فالمجادلة بالحسنى هدفها هداية الخلق، وقصد الحق، وليس إفحامهم والغلبة (٤) عليهم (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدّوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ أَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا (لـ [الإسراء: ٥٣]. ٥. أن تكون المجادلة مبنية على الرفق وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٧١٢/١، (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٥٢. جَوَسُوع القرآن الكريم ٢٨ الجدال واللين وحسن الإقناع وسعة الصدر. فإنّ ذلك أدعى إلى تهدئة نفوس المخالفين، والتقليل من تعصبهم وعنادهم(١)، وتكون مدعاة لتفلتهم من الحق، وانصرافهم عن مجلس الدعوة(٢). فقد أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون رمز الكبر والجحود بلين الجانب مع الرفق وغاية التلطف(٣) فقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلاً لَيْنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤]. ٦. أن تكون المجادلة مبنية على العلم والمعرفة. فلا يصح من الداعية الدخول والمدافعة عن أمر أو حكم وهو غير عالم به، محيطٌ بجميع أبعاده؛ لئلا يتيح للمخالفين الفرصة في الطعن في أفكاره ومعتقداته؛ فتصبح المفسدة المترتبة على هذا الجدال تفوق بكثير المصلحة المقصودة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَنَّ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨]. ٧. إشعار المخالف أنّ المقصود من مجادلته هو الوصول إلى الحق والصواب، بعيدًا عن المراء، أو (١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٨ / ٢٦٢. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٣/ ٨٢٨٦. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦١٣. المساس بشخص المخالف أو مکانته(٤). فقد ذمّ الله عز وجل المكذبين بحقيقة عيسى عليه السلام؛ حيث رفضوا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأخذوا يجادلون فيه، ویشککون في الحق بعد ظهوره(٥). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمُ قَوْلَ اُلْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ( ﴾ [مريم: ٣٤]. ٨. إنصاف المخالف، وإنزاله منزلته، والثناء عليه عند الصواب، ونصحه إذا أساء. قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءُهُمْ [الشعراء: ٤١١٨٣ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ١٨٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَّكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. ٩. الإشفاق على المخالفين، والرحمة بهم، والتودد إليهم، وإظهار الحرص على استنقاذهم من باطلهم، وحمايتهم من أنفسهم (٦). يظهر هذا المعني في جدال مؤمن آل فرعون لقومه. (٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٨/ ٢٦٢. (٥) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٩٠٧٩. (٦) انظر: آداب المناظرة، لعمرو سليم، ص٣١. www. modoee.com ٢٩ حرف الجيمى قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَّوْمِ إِنِّّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿ مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ وَيَقَوْمِ إِنّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٣١ النَّنَادِ ﴾ [غافر: ٣٠-٣٢]. رابعًا: الجدال في الخصومة: إنّ من طبيعة الإنسان المجادلة عن حقه إذا وقع في الخصومة والنزاع؛ طلبًا لحقه من وجهة نظره وفهمه، ودفعًا لأيّ سوء يقع عليه. ونتناول في هذا المقام موقفين للمجادلة في الخصومة والاختلاف، وهما: الموقف الأول: خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها تجادل النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها. لقد جادلت خولة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها الذي حرّمها على نفسه بعد أن طالت صحبتها معه، كبر سنّها، ثمّ يقول لها (أنت عليّ كظهر أمي)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لها: قد حرمت عليه، وهي ما تزال تراجع النبي صلی الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللَّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ [المجادلة: ١] والآيات $ ١ الله سميع بصِيرٌ التي بعدها (١). عن عائشة رضي الله عنها قالت: الحمد لله الّذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم تكلّمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل اللّه عز وجل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾ [المجادلة: ١](٢). الموقف الثاني: جدال ابني آدم عليه السلام في أمر قبول القربان. لقد قصّ علينا القرآن الكريم خصومة ابني آدم عليه السلام، حتى وصلت بأحدهما إلى قتل أخيه. قال تعالى: ﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ ◌ِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَيْنْ بَسَطْتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِئْسِى وَإِنَّكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوَأْ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَبْلَ أَخِيهِ (٢٩ الظّلمِينَ فَقَتَلَهُ. فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٢٧-٣٠]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٢١٩. (٢) أخرجه أحمد فى مسنده، ٢٢٨/٤٠، رقم ٢٤١٩٥. وصححه الألباني في إرواء الغليل ١٧٥/٧. ٣٠ بوب القرآن الكريم الجدال إنّ الخصومة وقعت بين ابني آدم عليه السلام، أحدهما قد ملأ الإيمان قلبه؛ فاستقام على طاعة الله عز وجل، ممتثلا أمره ومجتنبا نهيه، والآخر استحوذ الشيطان علی قلبه، وزيّن له معصية ربه؛ فلم يراعي لله عز وجل حرمة، ولم يحفظ لأخيه قرابة، حيث قربا قربانًا إلى الله عز وجل ابتغاء رضوانه ومغفرته ورحمته، ودليلاً على صحة المعتقد وسلامة المنهج، لكنّ النتيجة كانت القبول من أحدهما وعدم القبول من الآخر؛ فتحركت الغيرة في قلبه، فدبّت الخصومة بينهما، ووصلت بأحدهما إلى حد العدوان والانتقام، بحيث تمتد يده على أخيه ليقتله، لكننا نجد في المقابل خلق المؤمن الحق الحريص على سلامة أخيه، فيجيبه بأدب وهدوء، وتوجيه صادق إلى تقوى الله عز وجل والالتزام بأمره ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ * لَيْنَ بَسَطَتَ إِلَىّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِ مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ إِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ )﴾، ويحذره من مواصلة السير في هذا الطريق؛ لأنّه يجلب له الهلاك والعذاب ﴿إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوَأْ الظَّالِمِينَ ﴾، لكنّ الخصومة حجبت الحق عن الأخ العاصي فقتل أخاه، وأسال دمه على الأرض(١). (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الجدال المذموم في القرآن الكريم إنّ الله عز وجل قد أباح للحاجة والضرورة الجدال المحمود الذي يهدف إلى الوصول إلى الصواب والحق، في جو من الإيجابية والتعاون، أو تمييز الحق من الباطل، ومدافعة أهل الباطل بطريقة مؤدبة وراقية، أمّا إن تحوّل الجدال إلى اللدد والخصومة، والشحناء وسوء الأدب، وأدّى إلى الفرقة والشقاق، والهجر والقطيعة، أو قصد إلى محاربة الفضيلة وإشاعة الرذيلة، والترويج الأفكار المنحرفة الضالة (٢)، فهو حرام شرعًا، ذمّه القرآن الكريم في العديد من الآيات، وحاربه وأمر بتركه وعدم الخوض فيه، وسنتناول في هذا المبحث الجدال المذموم في القرآن الكريم، مبينين مفهومه، وأهم صوره الواردة في القرآن الكريم. والجدال المذموم: هو الجدل الذي يقصد به مدافعة الحق، ومعارضة أمر الله عز وجل وأمر النبي صلی الله عليه وسلم، وإظهار الباطل وتأييده، أو يفضي إلى الباطل، ويسعى للترويج للمذاهب الكاسدة والعقائد الباطلة، وإفحام الخصم والتعالي الخطيب ٣/ ١٠٧٣- ١٠٧٦. (٢) انظر: أنواع الجدل المذموم، أبو حزم فيصل بن المبارك مقال، موقع الشبكة الفقهية الملتقى الفقهي. www. modoee.com ٣١ حرف الجيمى عليه، وإظهار مزية النفس (١). وله صور عدة، يمكن تقسيمها إلى الأنواع الآتية: أولًا: الجدال في الإيمان: لقد جادل أهل الكفر والضلال في الإيمان والتوحيد؛ فنجدهم ينكرون وجوب التعبد لله عز وجل، أو يعبدون آلهة من دون الله عز وجل بلا سلطان ولا دليل، ويطلبون منها الظفر والنصر، أو يتخذونها واسطة للتقرب إلى الله عز وجل. ونتناول في هذا المقام صورًا من الجدال في الإيمان، وهي كما يأتي: الصورة الأولى: الجدال في الله عز وجل. يظهر أناس في كل زمان ومكان لا يعترفون بوجود إله خالق رازق مدبّر لهذا الكون، أو ینکرون وحدانيته سبحانه وتعالى ویعبدون معه آلهةً أخرى، أو يجادلون في أمور غیبیة أخبر بها اللهعز وجل أنبياءه عليهم السلام؛ ينكرون بعضها ويأوّلون بعضها الآخر، أو يرفضون أحكامه وتشريعاته؛ کل ذلك جدال في الله عز وجل(٢). (١) انظر: أنواع الجدل وأهمية التمسك بالسنة ونبذ التعصب للرجال، موقع إسلام ويب، مركز الفتوى، رقم الفتوى ١١٣٤٦٤، أنواع الجدل المذموم، أبو حزم فيصل بن المبارك، موقع الشبكة الفقهية الملتقى الفقهي. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٦ / ٩٦٩٤، التفسير والمتتبع لآيات القرآن الكريم يتبيّن له أسباب جدال أعداء الإسلام في الله عز وجل، والتي توضح لنا مدى سخافة عقول هؤلاء الناس وقصور فهمهم وإدراكهم، ويمكن إجمالها في الأسباب الآتية: ١. الجهل بالدليل والبرهان، وقصور النظر والبصيرة، وفقدان السند من الوحي الصحيح. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]. ٢. متابعة أقوال أئمة الكفر والفساد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِی اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ مَّرِيدٍ ﴾ [الحج: ٣]. إنّ المتأمل للآيتين السابقتين يظهر له حقيقة مهمة وهي: أنّ الآية الأولى ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِنَبٍ مُنِيٍ ﴾. متعلقة بالرؤساء والزعماء الداعين إلى الضلال والفساد، الحاملين للواء الصد عن سبيل الله عز وجل، المتبوعين بالكفر والضلال؛ بدليل قوله تعالى بعد هذه الآية: ثَانِىَ عِطْفِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ، فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٩]. الوسيط، طنطاوي ٩ / ٢٧٥. ٣٢ القرآن الكريمِ الجدال وأنّ الآية الثانية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِ اللَّهِ بِغْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ﴾﴾ متعلقة بالأتباع الجهلة الذين يخاصمون بغير علم اتباعًا لأقوال زعمائهم من أهل الفساد والجحود؛ سواء أكانوا من شياطين الإنس أو الجن؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣](١). وبدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَاَ كِنَبِ مُنِيرِ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [لقمان: ٢٠ - ٢١]. إنّ الناظر في حال الأمة الإسلامية اليوم ليجد هذين الصنفين الأتباع والمتبوعين وبكل سهولة، فنجد الأتباع الذين يصفقون لكل ناعق، دون نظر أو فكر، أو تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، يوادّون ويبغضون بأمر زعمائهم، سواء وافق أحكام الشرع أم خالفها، حيث جعلوهم في مقام الشرع، وكأنّ حالهم کما تصوره الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ, وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]. ٣. الملك والسلطان. (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٢٨٠. تضفي على صاحبها حالة من الانبهار بالنفس وتعظيم الذات، والتي تقود صاحبها إلى منازعة الله عز وجل في سلطانه وحكمه، فيدّعون صفات ليست لهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِتَهِمَ فِ رَبِّهِ» أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِنَّهِمُ رَنَِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ إِنْرَهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ ◌ِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ()﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ٤. اتباع الهوى. إنّ من أهم الأسباب المؤدية بصاحبها إلى المجادلة في الله عز وجل اتباع الهوى؛ والناس في ذلك صنفان: من يتبع هواه على علم، قال تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اللّهُ عَلَى عِ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٣]. ومنهم من يتبع هواه بغير علم، قال تعالى: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلٍّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾ [الروم: ٢٩]. وتتعدد المظاهر التي ذكرها القرآن الكريم لجدال أهل الكفر والإلحاد في الله إنّ الشعور بعظمة الملك والسلطان عز وجل: ١. وصف الله عز وجل بما لا يليق من www. modoee.com ٣٣ حرف الجيمى صفات النقص. لقد تجرأ أهل الكفر على الله عز وجل فوصفوه بأوصاف النقص، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا، ذكر القرآن الكريم بعضًا من هذه الأوصاف، ومنها: البخل وعدم الإحسان. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِ يهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلّ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ [المائدة: ٦٤]. الفقر والحاجة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: ١٨١]. الافتراء على الله عز وجل بأنّ له صاحبةً وولدًا. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحَْنُ وَلَدًا [مريم: ٨٨- لَّقَدْ جِئْتٌ شَيْئًا إِذَا ﴾ (٨٨ ٨٩]. صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدَانٍ﴾ [الجن: ٣]. # الافتراء بأنّ عیسی علیه السلام، وعزیرًا علیه السلام ابنا الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَبِرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَىِ الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِفُونَ ٣٠ ﴾ [التوبة: ٣٠]. أَ يُؤْنَكُونَ # الافتراء بأنّ الملائكة بنات الله عز وجل. قال تعالى: ﴿أَفَأَ صْفَتَكُوْ رَبُّكُمْ ◌ِلْبَنِينَ وَأَّخَذَ مِنَ الْمَلَتِكَةِ إِنَشَأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ﴾ [الإسراء: ٤٠]. الافتراء بأنّ عیسی علیه السلام هو الله عز وجل. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. ٢. الكذب على الله عز وجل. وقد تعددت مقالات الكذب في أحوال مختلفة، منها: تبریر کفرهم بأنّ الله عز وجل قد ٠ أعطاهم عهدًا ألّا يؤمنوا لرسول ما لم یأتیھم بقربان تأكله النار. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا مَا أَّخَذَ تَأْكُلُهُ النَّارُّ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِىِ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّاللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرَْانٍ بِاَلْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلَّمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن (١٨٣)﴾ [آل عمران: ١٨٣]. كُنْتُمْ صَدِقِينَ * الادعاء أنّهم أبناء الله عز وجل وأحباؤه. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَيْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَّ يَغْفِّرُ لِمَن مُوسُوبَةُ الْنَفْسِيَة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٤ الجدال يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ [المائدة: ١٨]. * الافتراء بأنّ اليهود والنصارى هم أهل الجنة فقط. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَّ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ [البقرة: ١١١]. الصورة الثانية: الجدال في الأصنام والآلهة التي يعبدها المشر كون من دون الله عز وجل. لقد اتخذ أهل الكفر والضلال أصنامًا أو آلهة من صنع أفكارهم وعقولهم الفاسدة، يتقربون إليها، ويعبدونها، ويقدمون لها القرابين؛ رجاء حصول النفع، ودفع الضرر، وتحقيق الحماية والأمن، سواء كانت هذه الآلهة إنسًا أو جنًّا أو حجرًا. قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌ أَتُجَدِلُونَنِ فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٧١]. إنّ كل من يخالف أمر الله عز وجل، ويعبد من دونه آلهة أخرى، فإنّ عذاب الله عز وجل واقعٌ به، لا مفر ولا نجاة له منه، وأنّ انتقامه سبحانه وتعالى بهم لا يمكن دفعه والوقوف في سبيله؛ لأنّه واجب من الله سبحانه وتعالى لهم؛ بسبب كفرهم وعنادهم، ومجادلتهم في أوثان سمّوها آلهة، أو أطلقوا عليها أسماء ليس لها مسميات في الحقيقة، لا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، وليس عندهم دليل يؤيد زعمهم في ألوهيتها وقدرتها على النفع والضر، وهذا دليل على انعدام مداركهم وسخف عقولهم، ولأجل ذلك فإنّ عاقبتهم ستكون وخيمة (١). والمتأمل في أسباب مجادلة الكفار في اتخاذهم آلهة من دون الله عز وجل يرجعها للأمور التالية: ١. ابتغاء النصر منها. قال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ) وَهُمْ لَمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ (٥)﴾ [يس: ٧٤ -٧٥]. ٢. رجاء حصول الشفاعة لهم عند الله عز وجل بعبادتهم تلك الأصنام. قال تعالى: ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصَُّ وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: ٣]. ٣. استبعادهم وحدة الآلهة، وأن يكون الرسول بشرًا. قال تعالى: ﴿وَعِبُوْ أَنْ جَآءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّ كَذَّابُ ل أَجَعَلَ (١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٣٠٧/٥. www. modoee.com ٣٥ حرف الجمر الْأَلِمَةُ إِلَهًا وَاحِدًاً إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ ﴾ [ص: الجدال بشبهات سقيمة))(٣). ٤ - ٥]. ٤. متابعة الآباء والأجداد. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَِّهِم مُقْتَدُونَ )) [الزخرف: ٢٣]. ثانيًا: الجدال في الحق: إنّ الإيمان الحقيقي بالله عز وجل يدفع المؤمن إلى التصديق بالحق الذي جاء عن الله عز وجل، ويستجيب له، يمتثله بكل رضى وطواعية، لا يسأل عن علته، ولا يبحث في تفاصیله؛ لأنّه صادر عن الله عز وجل(١). ولا ينبغي للمؤمن الّ الإسراع في مرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجعل من أهواء نفسه وشهواتها حائلا بينه وبين الالتزام بالحق والانقياد له، وعدم المجادلة فيه، أو التلكؤ في السير بناءً على دلالته وتوجيهاته(٢)، حتى يحفظ للأمة كيانها ومكانتها؛ فإنّ ((الذي يفت في عضد المسلمين هو من يجادل في الحق بعدما تبیّن، ویصر على عدم الانقياد له، ويثير ونتناول في هذا المقام ثلاثة قضايا وقع فيها الجدال في الحق؛ سواء برفضه وجحوده، أو إظهار بعض مظاهر عدم القبول به؛ خوفًا من العواقب المترتبة عليه، أو المماطلة والتسويف في إنفاذه والالتزام به، وبيانها على النحو الآتي: القضية الأولى: الجدال في آيات الله عز وجل. إِنّ صاحب كل فطرة سليمة يؤمن إيمانًا راسخًا بآيات الله عز وجل الدالة على قدرته ووحدانيته سبحانه وتعالى، مسلّم بها؛ لأنّ فطرة الوجود متعلقة بهذه الحقائق، متصلة بها، ولا يجادل في هذه الآيات بالطعن والتكذيب إلّا الجاحدون لاستحقاقه سبحانه وتعالى العبادة وحده، الشاذّون عن الفطرة السليمة، المعرضون عن الحق الظاهر الواضح، المنكرون للحجج والبراهين الساطعة (٤). إنّ المتدبّر للآيات المتعلقة بمجادلة أهل الباطل في آيات الله عز وجل، يظهر له الأسباب المؤدية بهم إلى الإنكار والجحود، ويمكن تلخيصها في الأسباب التالية: ١. الكفر بالله عز وجل، وجحود حججه (١) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٣٨٩. (٣) بدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب، محمد إسماعيل المقدم، ص٥٩. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٦٩/٥، ص٦٦٥. أيسر التفاسير، أسعد حومد، ص١١٥٨. ٣٦ مُؤَ الَرُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الجدال وبراهينه. قال تعالى: ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ◌َايَتِ اَللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُُّمْ فِ اَلْبِلَدِ ﴾ [غافر: ٤]. ولقد بيّن القرآن الكريم أنّ عاقبة هؤلاء الجاحدين الهلاك في الدنيا، والخسران المبين في الآخرة، فلا ينخدع النبي صلى الله علیه وسلم وأمته من بعده بأحوال أهل الكفر والجحود، وما يحققونه في الدنيا من تجارة وكسب، وصحة وسلامة؛ فإنّه نعیم زائل ولو بعد حين؛ یمتعون به قليلًا، ويعذبون به طويلًا(١). قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌّ ١٩٦ فِي الْبِلَدِ ( ١٩٧) ﴾ [آل عمران: ١٩٦-١٩٧]. وَبِئْسَ المِهَادُ ٢. الكبر والتعالي على الحق. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِ لُونَ فِيّ ءَايَكَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلَّطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن فِ صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيهِ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: ٥٦]. ٥٦ إنّ الكبر من أعظم الآفات والرذائل التي تمنع صاحبها من اتباع الحق؛ حيث يعتقد المتكبرون أن اتباعهم للحق والانقياد إلیه، ينقص من مكانتهم، ويدني من رفعتهم، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٦٢، تيسير التفسير، إبراهيم القطان ٣/ ١٨١. ويضعف من جاههم وسلطانهم، لكنّ الحقيقة أنّ الله عز وجل مقابل كبرهم وتعاليهم سيذلهم ويخزيهم، وأنّ ما يسعون لتحقيقه من المكانة والرفعة لن يبلغوه بالكبر والتكذيب(٢). ٣. الجبروت والعتو وظلم الخلق بالتسلط والقهر. قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمٌّ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: ٣٥]. ٤. التكذيب بالقرآن الكريم، وبرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. إنّ التكذيب بالحق، وإنكار البرهان الواضح؛ یؤدي بالناس إلى الانسياق وراء أوهامهم وأباطيلهم، التي تدفعهم إلى إنكار الآيات البيّنة الدالة على وحدانية الله عز وجل وقدرته، دون علم أو حجة أو دليل؛ لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان علیھم(٣). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ مُجَدِلُونَ فِيّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاً فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: ٦٩ - ٧٠]. وقبل الانتقال إلى القضية التالية لابد من (٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٠ / ٦٤٤٩-٦٤٥٠. (٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ٣١١. www. modoee.com ٣٧ حرف الجيمى التأكيد على الأمور التالية: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيَّ مَايَئِنَا قال تعالى: الأول: إنّ الجدال في آيات الله عز مُعَجِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اٌلَْحِيمِ [الحج: ٥١]. وجل لبيانها، ودعوة الناس للإيمان بها أمر مشروع. يقول الزمخشري: ((أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحلّ مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله عز وجل))(١). الثاني: إنّ جدال أهل الكفر والزيغ والجحود في آيات الله عز وجل أمرٌ متوقع لا عجب فيه ولا غرابة؛ لأنّهم أتوا بأعظم من ذلك، وهو الشرك بالله عز وجل (٢). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاً فَسَوْفَ [غافر: ٦٩ - ٧٠]. يَعْلَمُونَ () الثالث: إنّ المجادلین في آيات الله عز وجل مهما بلغوا من القوة والقهر والتسلط فإنّهم لن يسلموا من عقاب الله عز وجل، فإنّهم إذا صاروا إلى ربهم يوم القيامة بعد خروجهم من قبورهم، فليس لهم من ملجأ من عذاب الله عز وجل(٣). قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِى ءَايَئِنَا مَا لَهُم مِّن شَخِيصٍ ﴾ [الشورى: ٣٥]. (١) الكشاف، الزمخشري ٤ / ١٥٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٨٢. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٪ ٣٦٩. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١٩٧. القضية الثانية: مجادلة الصحابة رضوان الله عليهم في شأن الخروج للقتال یوم بدر. لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى عير أبي سفيان رضي الله عنه وذلك قبل إسلامه، ونجا أبو سفيان رضي الله عنه بالعیر، ولزم القتال، ولم یکن مع المسلمین ما يستعدون به للقتال، أخذوا يجادلون النبي عز وجل في أمر القتال، وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا أهبتنا من السلاح والعتاد (٤). قال تعالى: ﴿يُحَدِلُونَكَ فِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا ◌َيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٦]. وقد ضرب الله عز وجل لهم هذا المثل من الواقع الذي بين أيديهم، فقد تنازع الصحابة رضوان الله عليهم الغنائم بعد انتهاء المعركة، فأراد الله عز وجل أن يذكّرهم بحالهم قبل المعركة، وما أرادوه وجادلوا النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيقه، وما أراده الله عز وجل لهم من ٣٨ القرآن الكَرِيْمِ الجدال النصر والظفر (١) . قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى اُلّطَّيِفَتَّيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ ﴾ [الأنفال: ٧-٨]. فالظاهر من الآيات أنّ المؤمنين جادلوا في أمرين: ١. الخروج للمعركة وقتال المشركين. ٢. المجادلة في قسمة الغنائم بعد انتهاء المعركة، وخاصة ممن قاتل من الشباب. لكنّ الواجب على المؤمنين امتثال أمر الله عز وجل، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره، في العسر وفي اليسر؛ فإنّ فيه سعادة الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا مُبِينًا (٣)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. كما بيّن لنا القرآن الكريم أنّ المؤمن يجب عليه أن یکل أموره إلى الله عز وجل، وألّا يسعى إلى جلب المنفعة بجهده؛ لأنّه لا يدري أین یکمن الخير، والأمر كله بيد الله (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٤٧٩- ١٤٨٠. عز وجل. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّ كُرْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواْشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١)﴾ [البقرة: ٢١٦]. القضية الثالثة: تلكؤ بني إسرائيل في تنفيذ أمر ذبح البقرة. إنّ بني إسرائيل اختلفوا في أمر قتيل منهم، حتى وصلوا إلى الحرب والتقاتل، فتوجهوا إلى نبي الله موسى عليه السلام؛ ليفصل بينهم، فأمرهم أن يذبحوا بقرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ» إِنَّ اللّهَ يَأْمُّكُمْ أَنْ تَذْ بَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَلَتَّخِذُنَا هُوَّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ٦٧ [البقرة: ٦٧]. قصة الآية: عن عبيدة السلماني قال: ((كان في بني إسرائيل رجل عقيم أو عاقر، قال: فقتله وليه، ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه، قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح، قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفیکم رسول الله؟ قال: فأتوانبي الله، فقال: اذبحوا بقرة، فقالوا: أتتخذنا هزوا، قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ، قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ، يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾، قال: فضرب، فأخبرهم بقاتله، www. modoee.com ٣٩ حرف الجيمى قال: ولم تؤخذ البقرة إلّا بوزنها ذهبًا، قال: الذي أخذه الله عز وجل عليهم، بالطاعة للأنبياء الذین یبعثهم الله عز وجل، فیذکرهم بماضيهم المليء بالنقض والإخلاف (٤). ولو أنّهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، فلم یورث قاتل بعد ذلك)»(١). إنّ العبرة من أمر الله عز وجل بذبح البقرة؛ لأنّها من جنس العجل الذي عبدوه؛ تهوينًا لشأن العجل الذي عظموه وعبدوه، فمثل هذه الحيوانات لا تصلح للعبادة، وإنّما للعمل والذّبح(٢). إنّ المتأمل في هذه القصة ليرى حجم مماطلة بني إسرائيل في تنفيذ أمر الله عز وجل، وجدالهم لنبي الله موسى عليه السلام، ويظهر ذلك من وجوه: ١. سفههم وظنهم بنبيهم السوء عند سماعهم أمر ذبح البقرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَلَتَّخِذُنَا هُزُوًّا [البقرة: ٦٧]. وكان الواجب عليهم مقابلة الأمر بالانقياد والامتثال، ثمّ انتظار النتائج المترتبة على تنفيذ الأمر(٣). وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ توبيخ للمخاطبين من بني إسرائيل؛ لأنّ أوائلهم نقضوا العهد والميثاق (١) جامع البيان، الطبري ٢/ ١٨٣ - ١٨٤. وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٤/١. (٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ١٦٤. (٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ١٦٤. ٢. عدم الاستجابة والتنفيذ بعد إرشاد موسی علیه السلام لهم. وبيان أنّ هذا الأمر ليس للعب أو الاستهزاء، قال تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. بل ذهبوا للسؤال عن وصف هذه البقرة؟ زيادة في التشدید علی أنفسهم، وجعل الأمر أكثر صعوبة ومشقة (٥). قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِِّ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمِّرُونَ ﴾ [البقرة: ٦٨]. ٣. الاستمرار في حال المجادلة، وعدم الامتثال لأمر الله عز وجل، والبحث عن مماطلة جديدة وعدم الاكتفاء بالوصف المبیّن. فأخذوا في تغيير صيغة السؤال، وهو السؤال عن اللون بعد معرفة العمر، قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ ﴾ [البقرة: ٦٩]. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ١٨٢. (٥) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٣٩٤-٣٩٥. مَوسُوْ بَةُ النَّسَيَّة القرآن الكريم ٤٠ الجدال ٤. إصرار بني إسرائيل على المجادلة، ثالثًا: الجدال في التشريع: والتباطؤ في الامتثال. فلم يكتفوا بالوصفين السابقين، فراحوا يستوضحون الصفات؛ لأنّ البقر كثير وقد تشابه عليهم. قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ أَنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا ذَأُولٌ لَمُهْتَدُونَ (٥) تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْرَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا يَشِيَةَ فِيهَأَ قَالُوا الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقَّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ ﴾ [البقرة: ٧٠ -٧١]. يَفْعَلُونَ ٥. التنفیذ بتثاقل وفتور. وذلك بعد استقصائهم في السؤال الذي كاد ألّا ينتهي، وتطويلهم المفرط في الاستكشاف والتعمق(١). ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ قال تعالى: يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١ / ١٨٠. إنّ المشركين وأعداء الدّين لا يتركون طريقًا لمعارضة التشريع الإسلامي إلّا سلکوه؛ معاندةً لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومجادلة بغير دليل ولا برهان، سوى اتباع آرائهم الفاسدة وأفكارهم الضالة، وشهواتهم الباطلة، مقدمين عقولهم على شرع الله عز وجل وأحكامه(٢). والمجادلة في التشريع على صورتين: الصورة الأولى: العمل على مخالفة أحكام التشريع والطعن عليها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إَِ أَوْ لِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمَّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُتْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: ١٢١]. إنّ الآية السابقة أشارت إلى مجادلة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم أكل الميتة، وإيرادهم الحجج الباطلة المؤيدة لهم، مستفیدین من وسوسة أوليائهم من مردة الإنس والجن، وتحريضهم لهم على الكفر والعصيان؛ ليدفعوا المؤمنين إلى تحليل ما حرم الله عز وجل وتحريم ما أحلّه سبحانه وتعالى(٣). (٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٥ / ١٦٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٧١. (٣) انظر: تفسير الشعراوي ١٣/ ٨٢٨٦، تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، ص ٢٢٧. www. modoee.com ٤١ حرف الجيمى الطبري رحمه الله تعالى وهو جواز الجمع وقد حذرنا الله عز وجل من التجاوب معهم أو طاعتهم؛ لأنّها تفضي بنا إلى الكفر بين القول الأول والثاني؛ فيكون المحرض بعد الإيمان. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقد تباينت أقوال المفسرين في المحرّض على المجادلة والمزيّن لها على ثلاثة أقوال: الأول: مردة الإنس من مجوس فارس الموالين لقريش في حربهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: إبليس وجنوده؛ إمّا بالإلهام والوسوسة، أو على ألسنة الكهان. الثالث: اليهود(١)؛ فعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: ((خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتأكل مما قتلنا، ولا تأكل مما قتل الله عز وجل؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يَذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾))(٢). والراجح في المسألة ما ذهب إليه الإمام (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١، مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٣٩. (٢) أخرجه الضياء المقدسي في المختارة، ٢٥٦/١٠، رقم ٢٦٩. قال المحقق عن الحديث: ((رجاله موثوقون لكنّه معلول، فيه عمران بن عيينة ... صدوق له أوهام، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، وعمران بن عيينة لم يذكره الأئمة فيمن روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط)). على المجادلة شياطين الإنس أو شياطين الجن أو كلاهما معًا، بل هو الأغلب في التأويل (٣). فقد أخبر الله عز وجل عنهما بقوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا تعالی: شَبَطِینَ آلْإِنِسِ وَآلْجِنِّ يُوحِی بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. أمّا القول الثالث وهو أنّ المقصود اليهود، فمنقوض من ثلاثة وجوه: أنّ اليهود لا يقولون بإباحة أكل الميتة حتى يجادلوا في حلّ أكلها. أنّ الآية مکیة، ولم يتم التطرق إلى أهل الكتاب إلّا في القرآن المدني. أنّ الحدیث بهذه الطريق حدیث معلول لا يقوى على الاحتجاج (٤). الصورة الثانية: افتراء التشريعات على الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَقَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَّرُونَ ﴾ وَقَالُواْ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٨٢-٨٣. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٣٢٨. ٤٢ مُوسَو ◌َرُ النفسية للو جوسى القرآن الكريم الجدال هَذِهِهِ أَنْعَهُ وَحَرْتُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن الناس، في ثلاثة أصناف: شياطين الإنس والجن، وأئمة الكفر والفساد. نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْهٌَ لَّا قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُوُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءُ عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ آلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ورجال الدّين من الرهبان والأحبار ومن سلك طريقهم من أدعياء العلم من المسلمين. وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُن ◌َّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلٍْ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ [الأنعام: ١٣٧ - ١٤٠]. مُهْتَدِينَ إنّ الآيات السابقة أشارت إلى تشريعات جاهلية قد ضيقّت على الناس حياتهم في مجالات ثلاثة: ١. التضييق على الناس في أولادهم، وحملهم على قتلهم خشية العار أو الفقر. ٢. التضييق على الناس في التصرف ببعض أموالهم؛ وجعله في مصارف دون أخرى. ٣. التضييق على أنفسهم في تقسيم المطعومات بين الرجال والنساء(١). إنّ المتأمل في الصورتين السابقتين يستطيع أن يحصر المحرضين على مخالفة الشريعة، والساعين لتشويهها في قلوب (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٥/٨- ١١٠. قال تعالى: ﴿أَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. رابعًا: الجدال بالباطل: يسعى أهل الباطل على اختلاف ألوانهم ومعتقداتهم وأفكارهم في كل زمان ومكان، إلى مدافعة الحق وردّه وتعطيله؛ فنجدهم يتحزبون ضد أهل الحق ويتوحدون لحربهم، مستخدمين كل الحيل والأساليب الخبيثة (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِِّينَ وَمُنذِرِينَ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَخَذُوَاْ ءَايَتِى وَمَّا أُنذِرُ واْهُزُوًا ﴾ [الكهف: ٥٦]. إنّ مهمة الرسل عليهم السلام البشارة لأهل الإيمان بالجنة والغفران، والنذارة لأهل الكفر بالجحيم والنيران، لكنّ أهل (٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٩٤٢، التفسير الواضح، محمد حجازي ٣/ ٢٩١. www. modoee.com ٤٣ حرف الجيمر الباطل يسعون لصرفهم عن هذه المهمة؛ بأن يجادلوهم بالباطل؛ ليبطلوا الحقّ الذي جاءوا به، ویزیلوه(١). الكريم فعل المضارعة ﴿وَجَدِلُ﴾ للدلالة على تجذّر طبع المجادلة في أهل الكفر والضلال، وتكرار وقوعها منهم، لا يبتغون الاقتناع أو الحق، أو الاسترشاد والهداية، بل يبغون السخرية والاستهزاء بالحق وأهله(٢)، ولن يحققوا غايتهم الخبيثة. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُحَكْجُونَ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُ، مُجَّنُّهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [الشورى: ١٦]. وإنّ المتأمل لآيات القرآن الكريم يستنبط أسباب الجدال بالباطل، والتي منها: ١. الإعراض عن الحق، وعدم التدبر فيه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكْرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]. وقد توعّد الله عز وجل المعرضين بالمعيشة الضنك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٠. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٪ ٣٥٣، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٧٥- ٢٢٧٦، أيسر التفاسير، أسعد حومد، ص٧١٥. (١٢) [طه: ١٢٤]. ٢. الاستهزاء بالحق. قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ والمتأمل للآية يرى استخدم القرآن إِنَّمَا كُنَّا غَخُوُضُ وَفَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ. وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [التوبة: ٦٥]. ٣. عدم التفكر في عواقب أفعالهم وأقوالهم المخالفة لشرع الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧]. لكنّ الله عز وجل يحصي كل شيء علیهم. ، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا قال تعالى: فَيُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى ﴾ [المجادلة: ٦]. كُلِّ شَىْءٍشَهِيدٌ ٤. استحواذ الشيطان عليهم استحواذًا تامًّا. قال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللّهِ أُوْلَكَ حِزَّبُ الشَّيْطِنِّ ◌َلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَسِرُونَ(١﴾ [المجادلة: ١٩]. ويمكن تلخيص مظاهر الجدال بالباطل في المثالين الآتيين: الأول: الجدال في عيسى عليه السلام. إنّ أعداء الإسلام لا يزالون يتربصون بأهل الحق الدوائر؛ فنجدهم يحرصون على تصيد أيّ موقف أو كلمة؛ ليتخذوا منها سبيلًا للطعن في الإسلام وأحكامه وشرائعه، وإظهار اختلافه وتناقضه. جَوَبُو بَرُ النَّقِبـ القرآن الكريم ٤٤ الجدال فنجد مشركي مكة لما نزل قول الله وربّ هذه البنيّة (يعني الكعبة) ألست تزعم تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِندُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. عارضوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كان المعبود وعابده في النار، فإنّ عيسى عليه السلام، وعزيرًا عليه السلام، والملائكة سيكونون في النار مثالًا لأصنامهم (١). وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ قال تعالى: مَثَلَّ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴿ وَقَالُوا ءَلِهَتُنَّا خَيْرٌ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلْا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴾ [الزخرف: ٥٧-٥٨]. ففي الحديث عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه قال: ((لمّا نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ کھاوڕِدُون(۵﴾﴾ شقّ علی قریش، فقالوا: أيشتم آلهتنا؟ فجاء ابن الزّبعرى فقال: ما لكم؟ قالوا يشتم آلهتنا، قال: فما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾، قال: ادعوه لي، فلمّا دعي النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: يا محمّد، هذا شيءٌ لآلهتنا خاصّةً، أو لكلّ من عبد من دون اللّه عز وجل؟ قال: (لا، بل لكلّ من عبد من دون اللّه عز وجل)، فقال ابن الزّبعرى: خصمت (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٪ ٣١٩٦-٣١٩٧. أنّ الملائكة عبادٌ صالحون وأنّ عيسى عليه السلام عبدٌ صالحٌ وأنّ عزيرًا عليه السلام عبدٌ صالحٌ؟ قال: (بلى)، قال: فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النّصارى يعبدون عيسى عليه السلام، وهذه اليهود يعبدون عزيرًا عليه السلام، قال: فصاح أهل مكّة، فأنزل اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْوَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الملائكة وعيسى وعزيرٌ عليهم السلام ﴿أُوْلَكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]))(٢). فالحديث السابق يشير إلى منهج أهل الكفر والضلال والفساد القائم على المشاغبة والتشكيك؛ لعلهم يحققوا شيئًا مما يبتغون، لكنّ الأمر أبعد مما يتصورون؛ لأنّ الله عز وجل كاشف زيفهم، ومظهر خبثهم وفسادهم. الثاني: الجدال في متشابه القرآن الكريم لإثارة الفتنة، والتشكيك في القرآن الكريم. إنّ أهل الزيغ والضلال والجدال بالباطل يتعلقون بالآيات المتشابه في القرآن الكريم، ويعكفون على الخوض فيها؛ لتشكيك المؤمنين في كتابهم، ومعتقداتهم، وإثارة (٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، رقم ٠١٦/٣،٨٩٦ قال المحقق: ((إسناده حسن)). وانظر: أسباب النزول، الواحدي، ص ٣٠٥. www. modoee.com ٤٥ حرف الجمر الفتنة بين المسلمين (١)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ مَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأَخَرُ مُتَشَيِهَتٌ فَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ ذَنٌْ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَةُ: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِ اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِندِ رَبِناً وَمَا يَذَّكَوْ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ٧]. وقد ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطائفة من الناس، ففي الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشِهَتٌ ... ) الآية، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله عز وجل، فاحذروهم)(٢). ويهدف أهل الزيغ والضلال من الجدال بالباطل بتتبع المتشابه من القرآن الكريم إلى تحقيق أمرين: ١. فتنة المؤمنين في دينهم، وتشكيكهم في عقيدتهم، وإثارة الريب في قلوبهم. (١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٣٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن الكريم، تفسير سورة آل عمران، باب (منه آيات محكماتٌ) رقم ٤٥٤٧، ٣٣/٦، ومسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن الكريم والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن الكريم رقم ١٠٥٠/٣،٢٦٦٥. ٢. تأويل آيات القرآن الکریم تأويلا باطلًا، يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وغايتهم الخبيثة (٣). خامسًا: الجدال عن الخائنين: لقد نهى الإسلام عن المدافعة عن المنافقين ومرتكبي المعاصي المصرين عليها؛ سواء بدفع ما ثبت بحقه من الخيانة، أو بدفع ما يترتب على أفعالهم من العقوبات الشرعية (٤). قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠٧]. لقد وجّهت الآيات المؤمنين ألّا يقفوا من الخائنين وأصحاب التهم والجرائم موقف الدفاع؛ القائم على المجادلة عنهم والتماس المعاذير لهم؛ ابتغاء نفي العقوبة، أو التخفيف منها؛ لأن ذلك اعتداء على حق الله عز وجل، وتعطيلًا لحدوده(٥). ((فمن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ؛ لأنّه مادام قد انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب» (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلْكِتَبَ (٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٣٠. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٠٠. (٥) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣: ٨٩١. (٦) تفسير الشعراوي، ٥/ ٢٦٠٧. ٤٦ القرآن الكريم