Indexed OCR Text
Pages 21-40
الجزاء فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْأ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. والعقوبة المنصوص عليها في القرآن للزاني هي مائة جلدة: ﴿الَِّيَّةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُوا كُلّ ◌َحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَّةَ جَلْدَةِ﴾ [النور: ٢]. ولكن يجب أن نضيف إلى هذه العقوبة تبعًا للأحاديث: ((تغریب عام)). وعلى أية حال فإن عقوبة الموت يجب أن تستبعد من هذا المجال إذا ما التزمنا حرفية النص القرآني الذي ذكرناه آنفًا، والذي لا يفرق بين المحصن وغير المحصن، أي: بين البكر والمتزوج، ولكن المأثور عن النبي صلی الله عليه وسلم وصحابته قد أثبت هذا الفرق، وبمقتضاه يستحق الأشخاص المحصنون الذین تثبت علیھم جريمة الزنا عقوبة الموت كأشنع ما يكون. ولنذكر أن تعبير القرآن - مع ذلك- يبدو أنه يفتح الباب لهذا الإجراء على أنه غاية التطور التشريعي في هذا الموضوع، والواقع أن الجزاء المنصوص في القرآن بالنسبة إلى النسوة الزانيات كان في البداية الحبس: ﴿حَّ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ ◌َهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]. وبدلًا من أن يفرض هذه السبيل جاء النص النبوي اللاحق وهو قوله صلى الله عليه وسلم مبينًا لها: (خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة)(١). وأخيرًا: نجد أن القاذف يستحق تقريبًا نفس العقوبة ما دام قد افترى على الآخرين كذبًا، واستحل لحمهم، فله ثمانون جلدة بدلاً من مائة: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْ يَأْتُواْ ◌ِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤](٢). وقال تعالى عن عقوبة القتل الخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأْ وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلََّ أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْءٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَ أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل مؤمن، أي: متعمدًا، وفي هذا الإخبار بشدة تحريمه وأنه منافٍ للإيمان أشد منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر أو من فاسق قد نقص إيمانه (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حدّ الزّناء رقم ١٦٩٠. (٢) دستور الأخلاق في القرآن، محمد بن عبد الله دراز ص ٢٦٢ - ٢٦٥. www. modoee.com ٨٥ حرف الجيمى نقصًا عظيمًا، ويخشى عليه ما هو أكبر من ولكن هذا لفظ لا يشمل ما تشمله (من) وسواء كان المقتول ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ کفارة لذلك، تکون في ماله، ویشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء. ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة الإيمانية التي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي کفارًا یضرب بعضكم رقاب بعض)(١)، فعلم أن القتل من الكفر العملي وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله؛ ولما كان قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ لفظًا عامًا لجميع الأحوال، وأنه لا یصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، لا استثنى تعالى قتل الخطأ فقال: فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلًا شنيعًا وصورته کافية في قبحه، وإن لم يقصده؛ أمر تعالى بالكفارة والدية، فقال: ﴿وَمَن قََّلَ مُؤْمِنًا خَطًَا ﴾ سواء كان القاتل ذکرًا أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، صغيرًا أو کبیرًا، عاقلا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، كما يفيده لفظ (من) الدال على العموم، وهذا من أسرار الإتيان بـ(من) في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، رقم ١٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب لا ترجعوا بعّدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ، رقم ٦٥. ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ﴾ ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم یکن فیه منافع لم يتصور وجود التحرير، فتأمل ذلك فإنه واضح. وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد ﴿مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ﴾ جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك، الميت، فالدية داخلة فيما ترك وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب الفقه. وقوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَصَدَّقُواْ﴾ أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت ﴿فَإِن كَانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَوْمٍ مَوَسُوع الْعَرَآن الكَرِيمِ ٨٦ الجزاء ﴿وَإِن كَانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِثُ رَقَّبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والمیثاق. ﴿فَمَن لَمْ يچِدّ﴾ الرقبة ولا ثمنها بأن کان معسرًا بذلك، لیس عنده ما یفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما، وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. ﴿تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهُ﴾ أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أکبر، في أي وقت كان وأي محل كان. عَدُوٍ لَّكُمْ﴾ أي: من كفار حربيين ﴿وَهُوَ والشرائع شيء، بل كل ما خلقه وشرعه فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه مُؤْمِنٌ فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: وليس عليكم لأهله دية لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. وحكمته أن أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربًا إلى الله، ومدها تعالى بهذه المدة الكثيرة الشاقة في عددها ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في هذا الموضع لعدم المناسبة، بخلاف الظهار، ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك، ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم، ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات وطاقتهم، وخففت أيضًا بتأجيلها عليهم www. modoee.com ٨٧ حرف الجيمى ثلاث سنين، ومن حكمته وعلمه أن جبر المحقق شمس الدين ابن القيم رحمه الله في ((المدارج))(٢) فإنه قال -بعد ما ذكر أهل القتيل عن مصيبتهم بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل(١). تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال -: ((وقالت فرقة: هذه النصوص وأمثالها مما ذکر فيه المقتضي للعقوبة ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وأما عقوبة القتل العمد: فذكر تعالى وعيده وعيدًا ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَقِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِّدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ولم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإجماع، الوعيد بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن یجازی صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المھین، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار، فعياذاً بالله من كل سبب يبعد عن رحمته. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص والسيئات اعتبارًا بمقتضى العقاب ومانعه، وإعمالًا لأرجحها. الوعيد على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو کانوا موحدین. والصواب في تأويلها ما قاله الإمام (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٩٢. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتضيٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقًا وأمرًا، وقد جعل الله سبحانه لکل ضد ضدًّا یدافعه ویقاومه، (٢) مدارج السالكين ١/ ٣٩٦. مَوَسُوبَةُ النَفسِد القرآن الكريم ٨٨ الجزاء ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض، والعبد يكون فيه مقتضٍ للصحة ومقتض للعطب، وأحدهما یمنع کمال تأثیر الآخر ويقاومه، فإذا ترجح علیه وقهره کان التأثير له. ومن هنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه، ومن يدخل النار ثم يخرج منها، ویکون مکثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه، ومن له بصيرة منورة يرى بها کل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله، حتی کأنه يشاهده رأي عین، ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته، وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إلیه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السیئات کما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السیئات، وإن وقعت منه و کثرت، فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله)». وقال تعالى عن عقوبة الصيد في الحرم: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَفَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ اُلْكُمْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَلَ أَمْرِّهِ عَفَا اللَّهُ عَنَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنفِقَامٍ ﴾ [المائدة: ٩٥]. أي: ومن قتل شيئًا من الصّيد وهو محرمٌ قاصدٌ لقتله، فجزاؤه أو فعليه جزاءٌ من الأنعام مماثلٌ لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلّا ففي قيمته(١). وادعى بعض أهل العلم الإجماع على أنّ الحدود كفّاراتٌ لمن أقيمت عليه (٢)، وقال القاضي عياضٌ: «ذهب أكثر العلماء أنّ الحدود كفّاراتٌ))(٣)، وتوقف بعض العلماء في كون الحدود كفارات ولم يقضوا في ذلك بشيء(٤). ومن الآيات الصريحة في أن يوقع على الجاني مثل ما جنى -النّفس بالنّفس والجرح بالجرح - (القصاص): قوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَتْلِّ لْحُرُّ بِالْخُّ وَالْعَبْدُ ◌ِالْعَبْدِ وَالْأُنْقَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ (١) المنار، محمد رشيد رضا ٨٦/٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤٤. (٢) سبل السلام، الصنعاني ٢/ ٤٢٦. (٣) فتح الباري، ابن حجر ١/ ٦٦. (٤) مرعاة المفاتيح، المباركفوري ٧٩/١. www. modoee.com ٨٩ حرف الجيمى شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ ذَلِكَ تَغْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةُ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. يمتن تعالى على عباده المؤمنين بأنه فرض عليهم ﴿اَلْقِصَاصُ فِ اَلْقَتْلِ﴾ أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول إقامة العدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل، حتى القاتل بنفسه؛ إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين، ثم بيّن تفصيل ذلك (١). فالعدل في القصاص - أيّها المؤمنون- حرّكم بحرّكم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاکم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا، کما اعتدى من قبلكم وغيّروا حكم الله فيهم(٢). وليس الهدف من القصاص الانتقام ولا إرواء الأحقاد، إنما هو أجلّ من ذلك وأعلی إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة، ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٩/١. لتقوى الله. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنًا لحياة من يقتل جدیر به أن یتروی ویفکر ويتردد، کما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، شفائها من الحقد والرغبة في الثأر، الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عامًا، كما في حرب البسوس المعروفة عندهم، و کما نری نحن في واقع حياتنا اليوم، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل، ولا تكف عن المسيل. وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم، فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها، وكان في هذا الكف حياة، حياة مطلقة، لا حياة فرد، ولا حياة أسرة، ولا حياة جماعة. ثم -وهو الأهم والعامل المؤثر الأول في حفظ الحياة - استجاشة شعور التدبر ٩٠ مَوَسوبر التفسير القرآن الكريم الجزاء تَتَّقُونَ لحكمة الله، ولتقواه: فهذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء، الاعتداء بالقتل ابتداء، والاعتداء في الثأر أخيرًا(١). قال ابن كثير: ((قوله: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم -وهو قتل القاتل - حكمةٌ عظيمةٌ لكم، وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنّه إذا علم القاتل أنّه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النّفوس، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز (٢). حیاةً، فکم من رجلٍ یرید أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل)). و کذا روي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبير، وأبي مالكِ، والحسن، وقتادة، والرّبيع بن أنس، ومقاتل بن حیّان. ﴿يَأُوْلِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: يقول: يا أولي العقول والأفهام والنّهى، لعلّکم تنزجرون فتترکون محارم الله ومآئمه، والتّقوى: اسمٌّ جامعٌ لفعل الطّاعات، وترك المنكرات))(٣). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ١٦٥. (٢) انظر: البرهان، الزركشي ٢٢٢/٣، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ١٨٥/٣. (٣) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٩٢. وَالْخُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ مَعَ الْمُفَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ذكر تعالى هذه القاعدة حجّةً لوجوب مقاصّة المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل؛ ليكون شهرٌ بشهرٍ جزاءً وفاقًا. وفي جملة: ﴿وَالْحُمَتُ قِصَاصٌ﴾ من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه. ثمّ صرّح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة -وإن كان يفهم ممّا قبله- لمكان كراهتهم للقتال في الحرم قال أبو العالية: ((جعل اللّه القصاص والشّهر الحرام فقال تفريعًا على القاعدة وتأييدًا للحكم: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وإنّما يتحقّق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة، وسمّى الجزاء اعتداءً للمشاكلة، وقد استدلّ الإمام الشّافعيّ بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به بأن یذبح إذا ذبح، ویخنق إذا خنق، ویغرق إذا أغرق، وهكذا، وقال مثل ذلك في الغصب والإتلاف، والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حیفٍ ولا ظلم، وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام، وهو المماثلة في قتال الأعداء كقتل المجرمین بلا ضعفٍ ولا وقال تعالى: ﴿الشَّهُ الْرَمُ بِالشَّهْرِ اَلْخَرَامِ تقصير، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النّاريّة أو الغازية السّامّة يجب أن يقاتل بها، وإلّا فاتت الحكمة لشرعيّة القتال وهي منع الظّلم www. modoee.com ٩١ حرف الجيمى والعدوان، والفتنة والاضطهاد، وتقرير الحرّيّة والأمان، والعدل والإحسان، وهذه الشّروط والآداب لا توجد إلّا في الإسلام؛ ولذلك قال تعالى بعد شرح القصاص والمماثلة: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ فلا تعتدوا على أحدٍ، ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكّد الأمر بالتّقوى بما بيّن من مزيّتها وفائدتها فقال: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ بالمعونة والتّأييد، فإنّ المتّقي هو صاحب الحقّ وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كلّ ما ينازعه به الباطل؛ لأنّ من أصول التّقوى اتّقاء جميع أسباب الفشل والخذلان (١). وقال الشعراوي: ((قوله الحق: ﴿وَأْرُمَتُ قِصَاصٌ﴾ يقتضي منا أن نسأل: كيف يكون ذلك؟ وما هو الشيء الحرام؟ إن الشيء الحرام هو ما یحظر هتكه، والشيء الحلال هو المطلق والمأذون فيه، فهل يعني ذلك أن الذي يقوم بعمل حرام نقتص منه بعمل مماثل؟ هل إذا زنی رجل بامرأة نقول له: نقتص منك بالزنا فیك؟ لا. إن القصاص في الحرمات لا یکون إلا في المأذون به؛ و کذلك إذا سرق مني إنسان مالا وليس لدي بينة، لكني مقتنع بأنه هو الذي سرق هل أقتص منه بأن أسرق منه؟ لا، إن القصاص إنما يكون في الأمر المعروف (١) المنار، محمد رشيد رضا ١٧١/٢. الواضح، أما الأمر المختفي فلا يمكن أن نقتص منه بمثل ما فعل، لكن هب أن أحد الأقارب ممّن تجب نفقتهم عليك وامتنعت أنت عن النفقة على هذا الإنسان، وهذا أمر محرم عليك، وما دام الأمر علنيًّا فله أن يأخذ من مالك فيأكل، وتكون المسألة قصاصًا))(٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيِنِ صَبّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌّ لِلِصَِّينَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا ◌ِاَللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقِ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٨]. قال الرازي: ((اعلم أنّه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية ورتّب ذلك على أربع مراتب: المرتبة الأولى: قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِ﴾ يعني إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه، فإنّ استيفاء الزّيادة ظلمٌ والظّلم ممنوعٌ منه في عدل الله ورحمته، وفي قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ دليلٌ على أنّ الأولى له أن لا يفعل، كما أنّك إذا قلت للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التّفّاح، كان معناه أنّ (٢) تفسير الشعراوي ٨٢٩/٢. مَوَسُوبَةُ الْبشدة القرآن الكريم ٩٢ الجزاء الأولى بك أن لا تأكله، فذكر تعالى بطريق إلى التّصريح وهو قوله: ﴿وَلَيِنِ صَبِّرْتُمْ لَهُوَ الّمز والتعريض على أنّ الأولی ترکه. والمرتبة الثّانية: الانتقال من التّعريض إلى التّصريح وهو قوله: ﴿وَلَيْنِ صَبّْتُمْ لَهُوَ غَيْرٌ لِّلِصَّبِنَ﴾ وهذا تصريحٌ بأنّ الأولى ترك ذلك الانتقام؛ لأنّ الرّحمة أفضل من القسوة، والإنفاع أفضل من الإيلام. المرتبة الثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالتّرك وهو قوله: ﴿وَأَصْبِرْ﴾ لأنّه في المرتبة الثانية ذكر أنّ التّرك خيرٌ وأولى، وفي هذه المرتبة الثالثة صرّح بالأمر بالصّبر؛ ولمّا کان الصّبر في هذا المقام شاقًّا شدیدًا ذکر وَمَا صَبْرُكَ بعده ما يفيد سهولته فقال: إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بتوفيقه ومعونته، وهذا هو السّبب الكلّيّ الأصليّ المفيد في حصول الصّبر، وفي حصول جميع أنواع الطّاعات؛ ولمّا ذكر هذا السّبب الكلّيّ الأصليّ ذكر بعده ما هو السّبب الجزئيّ القريب، فقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ مِّمَّا یکون إلّا عند هيجان الغضب. المرتبة الرابعة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ وهذا يجري مجرى التهديد؛ لأنّ في المرتبة الأولى رغّب في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز خَيْرٌ لِلصَّبِينَ﴾ وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصّبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرّابعة كأنّه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال: ﴿إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ عن استيفاء الزّيادة: ﴿وَّالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ في ترك أصل الانتقام، فإن أردت أن أكون معك فکن من المتّقين ومن المحسنين، ومن وقف على هذا التّرتيب عرف أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يجب أن يكون على سبيل الرّفق واللّطف مرتبةً فمرتبةً، ولمّا قال اللّه لرسوله: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. ذكر هذه المراتب الأربعة تنبيهًا على أنّ الدّعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تکون واقعةً على هذا الوجه، وعند الوقوف على هذه اللّطائف يعلم العاقل أنّ هذا الكتاب الكريم بحرٌ لا ساحل له))(١). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلٍ يَمْكُرُونَ﴾ وذلك لأنّ إقدام الإنسان مَا عُوقِبَ بِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ على الانتقام، وعلى إنزال الضّرر بالغير لا إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَحَزَّقُاْ سَيِّئٍَّ سَيِّنَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَّجْرُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الثَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. هذه الآية أصلٌ كبيرٌ في علم الفقه (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٩/٢٠. وانظر: السراج المنير، الشربيني ٢٧٢/٢. www. modoee.com ٩٣ حرف الجيمى فإنّ مقتضاها أن تقابل کلّ جنايةٍ بمثلها؛ وذلك لأنّ الإهدار يوجب فتح باب الشّرّ والعدوان؛ لأنّ في طبع كلّ أحدٍ الظّلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأمّا الزيادة على قدر الذّنب فهو ظلمٌ والشّرع منزّةٌ عنه، فلم يبق إلّا أن پقابل بالمثل، ثمّ تأكّد هذا النّصّ بنصوصٍ أخر، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِجٌ وَلَيِنِ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ ﴾ [النحل: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠]. وقوله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَنْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. والقصاص عبارةٌ عن المساواة والمماثلة، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فهذه النّصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله، ثم ها هنا دقيقةٌ: وهي أنّه إذا لم يمكن استيفاء الحقّ إلّا باستيفاء الزّيادة فها هنا وقع التّعارض بين إلحاق زيادة الضّرر بالجاني، وبين منع المجنيّ عليه من استيفاء حقّه، فأيّهما أولى؟ فها هنا محلّ اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصّور، وتفرّع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهًا على الباقي (١). وَجَزَّوْا قال ابن كثير: ((قوله تعالى: سَيِّئَّةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ وكقوله: بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ وَلَيِن صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ. عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: ٤٠]. أي: لا يضيع ذلك عند اللّه، كما صحّ في الحديث: (وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلّا عزَّا)(٢). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اَلَّكِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. أي: المعتدين، وهو المبتدئ بالسّيّئة. وقال بعضهم: لمّا كانت الأقسام ثلاثةً: ظالمٌ لنفسه ومقتصدٌ وسابقٌ بالخيرات ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية، فذكر المقتصد وهو الذي یفیض بقدر حقّه لقوله: (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٠٥/٢٧. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب استحباب العفو والتّواضع، رقم ٢٥٨٨. ٩٤ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الجزاء ﴿وَحَزَّوْاْ سَيَِّّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ ثمّ ذكر السّابق بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى الَّهِ﴾ ثمّ ذكر الظّالم بقوله: ﴿إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الَّذِينَ﴾ فأمر بالعدل، وندب إلى الفضل، ونھی من الظّلم))(١). رابعًا: أهل الجزاء الحسن في الآخرة وصور منه: قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَاً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. أخبر تعالى بأنّ دار الآخرة خيرٌ، أي: من الحياة الدّنيا، والجزاء فيها أتمّ من الجزاء في الدّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيُلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اَلّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنّا ث وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦-١٧]. وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَلَّخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤](٢). وكرّر جلّ وعلا هذا المعنى في مواضع كثيرةٍ، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ (١) تفسير القرآن العظيم ٢١١/٧. (٢) المصدر السابق ٤ / ٥٦٨. وَاْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَعَابِ ١٤ قُلْ أَوْنِبُّكُم بِخَيْرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللَهُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥](٣). وذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ من أحسن عمله في هذه الدّار الّتي هي الدّنيا كان له عند اللّه الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح تعالى هذا المعنى في آياتٍ كثيرة: كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُوْلَكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِّدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]. والحسنى: الجنّة، والزّيادة: النّظر إلى وجه الله الكريم. ﴿وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ وقوله تعالى: بِالْمُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وقوله: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ, خَيرٌ ﴾ [القصص: ٨٤]. مِنْهَا﴾ أي: مجازاةٌ حسنٌ بالجنّة ونعيمها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣٧٠. (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ٩٥ حرف الجمر الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ وَمَصِيرًا ٥ لَّمْ فِيهَا مَا يَشَلَمُونَ خَلِينٌّ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّمُهَا إِلَّا الصَّبِرُونَ﴾ [القصص: كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]. ٨٠]. أي: جزاء اللّه لعباده المؤمنين الصّالحين في الدّار الآخرة خيرٌ ممّا ترون. كما في الحديث الصحيح: (يقول اللّه هذا الّذي وصفناه من حال أولئك الأشقياء تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّاً أُخْفِىَ لَهُم مِّنِ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧])(١). وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّهَا إِلَّ الضِّرُونَ﴾ قال السّدّيّ: ((وما يلقّى الجنّة إلّا الصّابرون))(٢). ومن صور الجزاء الحسن في الآخرة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ. جَزَآءُ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَايُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ, مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنََّ لَا يَمُوتُ فِيَا وَلَا يَحْنَى وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَتُ اٌلْعُلَى﴾ [طه: ٧٤ -٧٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّهُ اُلْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنّة وأنّها مخلوقة، رقم ٣٢٤٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٢٨٢٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٥٥. قال ابن كثير: ((يقول تعالى: يا محمّد الذین یحشرون علی وجوهھم إلی جھنّم، فتتلقاهم بوجهٍ عبوسٍ وبغيظٍ وزفیرٍ، ويلقون في أماكنها الضّيّقة مقرّنين، لا يستطيعون حراگا، ولا انتصارًا ولا فكاكًا ممّا هم فیه: أهذا خيرٌ أم جنّة الخلد الّتي وعدها اللّه المتّقين من عباده الّتي أعدّها لهم، وجعلها لهم جزاءً على ما أطاعوه في الدّنيا، وجعل مآلهم إليها. ﴿لَّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ أي: من الملاذٌ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، ممّا لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحدٍ، وهم في ذلك خالدون أبدًا دائمًا سرمدًا بلا انقطاع ولا زوال، ولا انقضاءِ، لا يبغون عنها حولًا، وهذا من وعد اللّه الّذي تفضّل به عليهم، وأحسن به إليهم، ولهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَيْكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ﴾ أي: لا بدّ أن یقع وأن یکون، کما حكاه أبو جعفر بن جرير، عن بعض علماء العربيّة أنّ معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ أي: وعدّا واجبًا))(٣). (٣) المصدر السابق ٦/ ٩٨. جَوَسُوبَةُ الْمَقِيم القرآن الكريم ٩٦ الجزاء وقوله تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَِّهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَيْهِمُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥](٢). الْحُسْنَى﴾ [الرعد: ١٨]. قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن مآل السّعداء والأشقياء فقال: ﴿لِلَّذِينَ اُسْتَجَابُوا لِرَبِهِمُ﴾ أي: أطاعوا اللّه ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدّقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿اَلْحُسْنَ﴾ وهو الجزاء الحسن، كما قال تعالى مخبرًا عن ذي القرنين أنّه قال: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّ بُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا تُكْرًا () وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا فَهُ جَزَآءَ الْحُسْنَىّ وَسَنَقُولُ لَهُ، مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًّ﴾ [الكهف: ٨٧-٨٨]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَمْسُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]))(١). خامسًا: أهل الجزاء السيئ في الآخرة وصور منه: لا تنتظر أن يوفّ أهل الجزاء السيئع جزاء عملهم السّئ كلّه في هذه الدّار، كما أنّ أجرك على عملك لا توفّاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن، وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من (١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٤٤٩. الجزاء السّئ في الدّنيا. واعلم أنّه لا يوفّى أحدٌ جزاءه في هذه الدّار لأنّ توفية الأجور إنّما تكون في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ ومن صور الجزاء السيئ في الآخرة: قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ أُكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِّ بَرِىٌّ مِّنكَ إِّ أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ * فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَّؤُالظَّالِمِينَ [الحشر: ١٦ - ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارٌ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّقُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. شرع تعالى في بيان مآل الأشقياء، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَايَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى﴾﴾ [طه: ٧٤]. وثبت في صحيح مسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (أمّا أهل النّار الّذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون)(٣). قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾ [الزخرف: (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٢٢١/٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، يدخل الله أهل الجنة الجنة يدخل من يشاء برحمته، رقم ١٨٥. www. modoee.com ٩٧ حرف الجر ٧٧]. فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحةً لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك، قال اللّه تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِ عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( لَا يُغَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]. وقال: ﴿كُلَّمَا خَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ٣٠]. أي: هذا جزاء كلّ من كفر بربّه وكذّب بالحقّ (١). وقوله تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَاَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٧]. أي: بشرّ أعمالهم وسيئ أفعالهم، وهو الكفر والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون؛ لكونهم يعملون المعاصي وغيرها، فالجزاء بالعقوبة، إنما هو على عمل الشرك ﴿وَلَا يَظْلُِّ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩](٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَا وَأُسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاءِ وَكَذَلِكَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٥٢. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٤/٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٤٨. تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَّاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ ◌َهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلِّدِ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بِكَايَِنَا يَحَْدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَّوَّ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم بَيِّنَةُ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَِنَا سُوْءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ ﴿فَذُوقُواْ فَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. الاستفهام هنا إنكاريٌّ، أي: وإذا كانت ثمّ قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ آيات الله مشتملةً على ما ذكر من البيّنة الكاملة والهداية الشّاملة والرحمة الخاصّة والعامّة؛ فلا أحد أظلم ممّن كذّب بها وأعرض عنها، ولم يكتف بصدوفه عنها وحرمان نفسه منها، بل صدف النّاس، أي صرفهم وردّهم أيضًا (٣). (٣) المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ١٨٢. ٩٨ مَوَسوبر البشير القرآن الكريم الجزاء قواعد فى الجزاء أولًا: الجزاء من جنس العمل: قال ابن القيم: ((قد فطر الله سبحانه عباده على أنّ حكم النّظير حكم نظيره، وحكم الشّيء حكم مثله، وعلى إنكار التّفريق بين المتماثلين، وعلى إنكار الجمع بين المختلفين، والعقل والميزان الّذي أنزله الله سبحانه شرعًا وقدرًا یابی ذلك؛ ولذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشّ ... ، فهذا شرع اللّه وقدره ووحيه وثوابه وعقابه كلّه قائمٌ بهذا الأصل، وهو إلحاق النّظير بالنّظير، واعتبار المثل بالمثل؛ ولهذا يذكر الشّارع العلل والأوصاف المؤثّرة والمعاني المعتبرة في الأحكام القدريّة والشّرعيّة والجزائيّة)»(١). ومن الآيات التي تحقق فيها معنى الجزاء من جنس العمل: قوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ تَرَبُّسُ أَزْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ m وَإِنْ عَزَبُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ -٢٢٧]. قال ابن القيم: ((حتم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء (١) إعلام الموقعين، ١/ ١٥٠. من جنس العمل، فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ فإن الطلاق لما كان لفظًا يسمع، ومعنى يقصد عقبه باسم ((السميع)) لما نطق به ((العليم)) بمضمونه»(٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلَّمِ كَذَلِكَ زَيَّنًا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِمُهُمْ فَيُكَبِّئُهُمِ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠) وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَتْمَنِهِمْ لَبِن جَاءَتْهُمْ مَةٌ لَّيُؤْ مِنُنَّ بِهَاَ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩ وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَوْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨ - ١١٠]. قال ابن القيم: ((هذا عطف على قوله: ﴿أَنَّهآ إذاجاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم تلك الآية فلا یؤمنون. واختلف في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ= أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ فقال كثير من المفسرين: المعنى نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة، قال ابن عباس: في رواية عطاء عنه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي، قال: وهذا كقوله: (٢) التفسير القيم، ابن القيم ص١٤٩. www. modoee.com ٩٩ حرف الجمر ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْيِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقلیب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنی حسن، فإن کاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧ وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ () فَاذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١- ١٥٢]. والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر))(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال ابن القيم: ((فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فقرب مطلوبكم منكم -وهو الرحمة- بحسب أدائكم لمطلوبه منکم، وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]. ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]. وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه، فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين، فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدًا ببعد وقربًا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه، والإحسان ها هنا هو (١) المصدر السابق ص ٢٤٢. مُوسُو ◌َة النفسية الوضوي القرآن الكَرِيْمِ ١٠٠ الجزاء أو إلى نفسه))(١). وقوله تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِم قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «﴿ فی قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ قال: هذا مرضٌ في الدّين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون، والمرض: الشّكّ الّذي دخلهم في الإسلام ﴿فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًّا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيَمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ -١٢٥]. قال: شرًّا إلى شرّهم، وضلالةً إلى أحدٌ، لمّا أخفوا أعمالهم أخفى اللّه لهم من ضلالتهم». قال ابن كثير: ((وهذا الّذي قاله عبد الرّحمن رحمه الله حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل؛ وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَائَنُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]))(٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. قال ابن كثير: ((أي: فلمّا أبى الفاعلون (١) التفسير القيم، ابن القيم ص٢٦٦. وانظر: المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٤١٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ١٧٩/١. فعل المأمور به، سواء كان إحسانًا إلى الناس المنكر قبول النّصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابِ يَصِيٍ﴾ فنصّ على نجاة النّاهين، وهلاك الظّالمين، وسكت عن السّاكتين؛ لأنّ الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقّون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذمّوا(٣). وقوله تعالى: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم [السجدة: مِّنْ قُرَّةٍ أَعْيُّنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ١٧]. قال ابن كثير: ((أي: فلا يعلم أحدٌ عظمة ما أخفى اللّه لهم في الجنّات من النّعيم المقيم، واللّذّات الّتي لم يطّلع على مثلها الثّواب، جزاءً وفاقًا؛ فإنّ الجزاء من جنس العمل)) (٤) ومن الآيات الصريحة في هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ ﴾ [التوبة: ٧٩](٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦](٦). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ نَنَسَهُمْ كَمَا (٣) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ٤٩٤. وانظر: محاسن التأويل القاسمي ٢١٣/٥. (٤) تفسير القرآن العظيم، ٣٦٥/٦. (٥) انظر: المصدر السابق ١٨٨/٤. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٤/٥، محاسن التأويل، القاسمي ١٦٤/٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١٦. www. modoee.com ١٠١ حرف الجيمى نَسُوُ اُلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١](١) . وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَنسَنَكُمْ كَا نَسِتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤](٢). وقوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ وَيُلَّبِتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧](٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢](٥). ثانيًا: الجزاء بمقدار العمل: العدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ، لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ بِاَلْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيدٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤](٦) . وقوله تعالى: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. فيه وجوب العدل في الجزاء، وعدم الاعتداء فيه. قال ابن أبي نجيح والحسن: ((لو قال (١) انظر المنار، محمد رشيد رضا ٣٩٢/٨. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٧٨. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٠/٧. (٤) انظر: المصدر السابق. (٥) انظر المنار، محمد رشيد رضا ١٢٦/١. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٧٦٤. أخزاه الله فیقول له أخزاه الله»(٧). وبين تعالى أن الجزاء بمقدار العمل فقال: ﴿كُلُّ أَمْرِي ◌ِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. أي: مرهون. قال الزمخشري: ((كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، کما یرهن الرجل عبده بدین علیه، فإن عمل صالحًا فكها وخلصها وإلا أوبقها))(٨). وقال تعالى: ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الواقعة: ٢٤]. أي: هذا الّذي أتحفناهم به مجازاً لهم على ما أحسنوا من العمل(٩). فكما حسنت منهم الأعمال أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم (١٠). وقال تعالى عن نعيم أهل الجنة: ﴿وَمَا ◌ُجْزَوْنَ إِلَّا مَاكُنُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٣٩]. وقد دلّ كتاب الله في جملته وتفصيله على أنّ مدار النّجاة والفلاح على الإيمان والعمل الصّالح ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّّمَا سَعَى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) ثُمَّيُجْزَنُهُ الْجَزَّآءَ الْأَوْنَى﴾ [النجم: ٣٩-٤١]. ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. (٧) الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي ص ٢٣٠. (٨) الكشاف ٤ / ٤١١. وانظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٦/ ١٩٤. (٩) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٤/٧. (١٠) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٣. ١٠٢ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الجزاء ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠](١). وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِ كُلُّ نَفْسِ ◌ُجَدِلُ عَنْ نَّفْسِهَا وَتُوَى كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١]. ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُّجَدِلُ عَنْ تَّفْسِهَا﴾ کلّ یقول: نفسي نفسي، لا يهمه سوی نفسه، ففي ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير. ﴿وَتُوَنَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ﴾ من خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فلا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم ﴿فَأَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤](٢). ﴿ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا ﴾ لا ينقص وَلَا من حسناتها ولا يزاد في سيئاتها تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر، فمن وجد خيرًا فليحمد الله على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه(٣). وقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ پِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ اْحِسَابٍ﴾ [غافر: ١٧]. قال ابن كثير: ((قوله: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتَّ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ (١) المنار، محمد رشيد رضا ٣١١/٦. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥٠. (٣) المصدر السابق ص ٦٩٧. سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنّه لا يظلم مثقال ذرّةٍ من خيرٍ ولا من شرِّ، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسّيّئة واحدةً؛ ولهذا قال: ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم (٤) عن أبي ذرِّ رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربّه عز وجل أنّه قال: (يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا) - إلى أن قال -: (يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثمّ أوفّيكم إيّاها، فمن وجد خیرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)(٥). ولا تعارض بين أن الجزاء بمقدار العمل (العدل في الجزاء) وبين مضاعفة الجزاء: فالأصل في العدل أن يكون الجزاء السّئ على قدر الإساءة وتأثيرها في تدسية نفوس المسيئين، والجزاء الحسن على قدر الإحسان وتأثيره في أرواح المحسنين، ولكنّه تعالى برحمته وفضله يضاعف جزاء الحسنة عشرة أضعافٍ، ویزید من يشاء ولا يضاعف السّيّئة، والآيات المفصّلة في هذا المعنى كثيرةٌ، وبها يفسّر المجمل(٦). (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ١٩٩٤/٤، رقم ٢٥٧٧. (٥) تفسير القرآن العظيم ١٣٦/٧. (٦) المنار، محمد رشيد رضا ٣/ ١١٧. www. modoee.com ١٠٣ حرف الجمر الْعَذَابُ ﴾ [هود: ٢٠]. لا يتناقض مع قوله الحق: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وزران: وزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم (١). وقوله تعالى: ﴿يُزَقُونَ فِيهَابِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. العمل فقط لكان بحسابه (٢) وقال تعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَا ◌ِلَّهُ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِّ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [يونس: ٢٦]. قال ابن كثير: ((يخبر تعالى أنّ لمن أحسن العمل في الدّنيا بالإيمان والعمل الصالح أبدله الحسنى في الدّار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعیف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، وزيادةٌ على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرّضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرّة أعينٍ، (١) تفسير الشعراوي ٦٤٠٩/١٠. (٢) تفسير ابن فورك ٢/ ٣٦٠. فقوله الحق سبحانه: ﴿يُضَنْعَفُ لَهُمُ وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، فإنّه زيادةٌ أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقّونها بعملهم، بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزّيادة بالنّظر إلى وجه اللّه الكريم عن أبي بكرِ الصّدّيق، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللّه بن عبّاسٍ، قال البغويّ: وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي لیلی، وعبد الرّحمن بن سابطٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، وعامر بن سعدٍ، وعطاءٌ، والضّحّاك، بزيادة تفضل؛ لأنه لو كان على مقدار والحسن، وقتادة، والسّدّيّ، ومحمّد بن . إسحاق، وغيرهم من السّلف والخلف، وقد وردت في ذلك أحادیث کثیرٌ عن رسول الله صلی الله علیه وسلم»(٣). وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَقْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَذُكُمُ بَّتِى تُقَرِّيَكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الْضِّْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْفِ اٌلْغُرُفَتِ ءَإِمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. قال ابن كثير: ((﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ پآلَتی تُقرئگرعندنازلفى﴾ أي: ليست هذهدليلاً على محبّتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم، وفي الحدیث أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (٤). (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٢/٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره و دمه، وعرضه، وماله، رقم ٢٥٦٤. ١٠٤ جَوَسُو ◌َرَ النَسية الوضوء القرآن الكريم