Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَفسِة الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الجنَّة عناصر الموضوع مفهوم الجنة ١٤٠ الجنة في الاستعمال القرآني ١٤٢ الألفاظ ذات الصلة ١٤٣ الجنة دار الله أعدها لعباده ١٤٤ آدم عليه السلام والجنة ١٤٦ أسماء الجنة ودرجاتها ١٤٩ صفة الجنة ونعيمها ١٥٩ صفة أهل الجنة وأخلاقهم ١٨٢ رؤية الله تعالى ١٨٤ الأسباب الموجبة لدخول الجنة ١٨٦ من حرم عليه الجنة ١٩٦ 3 المُجَلَّدَ الخَّادِىعَشِر حرف الجر مفهوم الجنة أولًا: المعنى اللغوي: الجنة في اللغة: من (جن) الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، جنّة مفرد وجمعها جنّات وجنان: وهي ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم اليوم، والجنة البستان؛ لأن الشجر بورقه يستر، والعرب تسمّي النخيل جنّةً، وتأتي من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنّه جنًّا إذا ستره، فكأنها سترة واحدة؛ لشدة التفافها وإظلالها، والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها، ويقال: لا تكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة (١). وعرفها الراغب الأصفهاني بأنها: ((كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض))(٢). وسميت البساتين والحدائق التي نراها في الأرض بالجنة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكِّنِهِمْءَايٌَ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾ [سبا: ١٥]. وعلى هذا فإن لفظ الجنة إذا جاء في القرآن الكريم مرتبطًا بالأرض أو مخصصًا بنخل أو فاكهة فيقصد به الحدائق والبساتين، وإن لم يوجد ما يخصصه فإنما يعني دار النعيم في الآخرة. ويتضح من المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الواسع كثير الأشجار والنخيل ملتف الأغصان ويستر من بداخله، وهو المسمى بالبستان، وسميت الجنة جنةً لاستتار من دخل فيها عمن لم يدخل فيها. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الجنة في الاصطلاح: ((الاسم العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين))(٣). (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٠٩٤/٥، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٤٢١، لسان العرب، ابن منظور، ١٠٠/١٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص١١٨٧. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ٢٠٤/١. (٣) حادي الأرواح، ابن القيم ١ / ٩٤. جَوَسُولَةُ التَّفي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٤٠ الجنة وقيل: هي دار الثواب، يدخلها المؤمنون ويخلدون فيها أبدًا ليس فيها حر ولا برد ولا مرض ولا حاجة ولا موت، أعلاها وأفضلها الفردوس، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة، فجنة المأوى، فجنة الخلد، فجنة النعيم، فجنة عدن، فدار السلام، فدار الجلال، وأبوابها الكبار ثمانية: باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله، ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهي سبع جنان متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس. ويتضح مما تقدم أن الجنة دار النعيم والثواب ادخره الله تعالى لعباده المؤمنين وأهل طاعته وهو مستور عنهم، جزاء لهم على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح، وسميت بأسماء متعددة في القرآن، منها: جنة المأوى، وجنة عدن، ودار الخلد، والفردوس، ولها أبواب ثمانية. www. modoee.com ١٤١ حرف الجمر الجنّة في الاستعمال القرآني وردت مادة (جنن) في القرآن (٢٠١) مرة، منها (١٤٧) مرة للجنّة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال المفرد ٧٠ وَقُلْنَا يَتَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] كِلْنَا الْجَنَّنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِّنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: المثنى ٨ ٣٣] الجمع ٦٩ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّحْيِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ﴾ [التوبة: ٧٢] وجاءت لفظة الجنّة في الاستعمال القرآني على وجهين (٢): الأول: البستان في الدنيا: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ لَْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧]، أي: أصحاب البستان. الثاني: دار الثواب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٧٩ - ١٨٢. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٥٣. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ١٤٢ الجنة الألفاظ ذات الصلة ١ النار: النار لغة: (النّون والواو والرّاء، أصلٌ صحيحٌ يدلّ على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلّة ثباتٍ، ومنه النّور والنّار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأنّ ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة))(١). النار اصطلاحًا: ((الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذّب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه»(٢). وقيل: ((هي دار العذاب والإهانة، أعدّها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله)»(٣). الصلة بين النار والجنة: الجنة دار النعيم المقيم، والنار دار العذاب الأليم. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٨/٥. (٢) الجنة والنار، عمر الأشقر ص١١. (٣) رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص٧٤. www. modoee.com ١٤٣ حرف الجيمى الجنة دار الله أعدها لعباده لا شك أن القرآن الكريم تحدث عن الجنة وأوصافها وأهلها وأسمائها وأبوابها ودرجاتها وعددها وقصورها وأنهارها وغرفها وخيامها ومساكنها وأشجارها وثمارها وعيونها، وكل ما يتعلق بها، فلا تكاد تخلو سورة من بيان للجنة وذلك لأن كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه فهي دار الخلود والبقاء، وأن الله تعالی قد أعدها ووعد بها عباده المؤمنين، وبشر بها من أطاعه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، وقد دل على ثبوتها الكتاب والسنة. ففي الكتاب وردت آيات كثيرة بشأنها تتحدث عنها تصريحا أو تلميحًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِهَا أَبَدَمْ﴾ [النساء: ٥٧]. ومن السنة ما جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٧])(١). ١٧ ودلالة الحديث واضحة في بيان ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين من النعيم الدائم في الجنة، مما تقصر عقول البشر عن إدراكه أو الإحاطة به. وهؤلاء العباد الذين يدخلون الجنة هم كل موحد، كما صح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عیسی عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)(٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى)، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، ٩/ ١٤٤، رقم ٧٤٩٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ٤/ ٢١٧٤، رقم ٢٨٢٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دینکم)، ١٦٥/٤، رقم ٣٤٣٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلی الله عليه وسلم، ٩٢/٩، رقم ٧٢٨٠. ١٤٤ القرآن الكريم الجنة وذكرت الآيات القرآنية فضلا عن وجود الجنة بقاءها وأبديتها ودوام نعيمها وخلود أهلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَّحْيِّهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا ﴾ [النساء: ٥٧]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ وقوله تعالى: الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠ خَلِينَ [الكهف: ١٠٧- فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَولًّا ()﴾ ١٠٨]. ودلالة هذه الآيات واضحة بأن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت، ولا يخرجون منها أبدًا. وفي السنة ما صح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتی یجعل بین الجنة والنار، ثم یذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ویا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم) (١). وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن وسلم: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) قالوا: النبي صلی الله عليه وسلم، قال: (من يدخل الجنة ینعم لا یبأس، لا تبلی ثیابه ولا یفنی شبابه)(٢). (١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ١١٣/٨، رقم ٦٥٤٨. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل وما صح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) فذلك قوله عز وجل: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ اٌلْجَنَّةُ أُوْ رِقْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣])(٣). ثم أننا نجد کثیرًا من الآيات حثت الناس على المسابقة إلى تلك الجنة ونعيمها والفوز بها؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِّ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: ٢١]. والتحقيق أن الجنة لا تنال بالعمل الصالح، وإنما السبب الحقيقي لدخولها هو رحمة الله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما الجنة، ٤ /١٢٨١، رقم ٢٨٣٦. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، رقم ٢١٨٢/٤،٢٨٣٧. www.modoee.com ١٤٥ حرف الجيمر محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب)(١). ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ١٢١/٧، رقم ٥٦٧٣. آدم عليه السلام والجنة تحدث القرآن الكريم عن الجنة في آيات كثيرة، وكل ما يتعلق بها من صفات وأسماء ودرجات وغير ذلك، وذكر الجنة بصيغ مختلفة، وخصها عن الجنات التي على الأرض وأن تشابهت الأسماء، إلا أن الجنات التي تكلم عنها القرآن الكريم تختلف عن جنات الأرض المتعارف عليها من حدائق وبساتين. وفي هذا المبحث سنلقي الضوء على ماهية الجنة التي کان فيها آدم وزوجه عليهما السلام من خلال قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اَلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنِْئُونِ بِأَسْمَآءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ٣١]. ٣١ قال ابن کثیر: «یقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم عليه السلام: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة یسکن منها حیث یشاء، ویأکل منها ما شاء رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا))(٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿آسْگُنْ﴾، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟ قال قتادة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ((إن الله تعالی ابتلی آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣٣/١. مَشَوالَةُ الْبَقِيَد القرآن الكريم ١٤٦ الجنة لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها آدم، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وهل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟ حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلایا حتى وقع فیما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسکن موضعًا يحصل فيه ما یکون مشتھی له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكالیف»(١). وقيل: ((إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أمرًا وتكليفًا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونًا في الانتفاع بجمیع نعم الجنة، وأما التکلیف فهو أن المنھي عنه كان حاضرًا وهو کان ممنوعًا عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملکًا له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة کالتقدمة على ذلك(٢). واختلف أيضًا في الجنة التي أسكنها (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/ ٤٥١. (٢) انظر: المصدر السابق. القول الأول: قال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: ﴿آھپِطُوا مِصْـ ـرًا﴾ [البقرة: ٦١]. واحتجا عليه بوجوه(٣): أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُدْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَ﴾ [طه: ١٢٠]. ولما صح قوله: ﴿مَا نَهَذْكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكِيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠]. وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَحِينَ [الحجر: ٤٨]. وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآبِرٌ وَظ [الرعد: ٣٥]. ولقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى (٣) انظر: المصدر السابق، ٣/ ٤٥٢. www. modoee.com ١٤٧ حرف الجيمى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا﴾ إلى أن قال: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ مَجْذُوفٍ﴾ [هود: ١٠٨] أي: غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. ولما خرج منها آدم عليه السلام، لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات. وخامسها: أنه لا يجوز في حکمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف؛ لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من لیس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغیب وترهيب ووعد ووعید. وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم یذکر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالی قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولی بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ جنة أخرى غير جنة الخلد(١). وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثابًا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل، ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها(٢). القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ مِنْهَا﴾ [البقرة: ٣٨]. ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض (٣). القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه: أن الألف واللام في لفظ الجنة لا یفیدان العموم؛ لأن سكنی جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها (٤). والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم(٥). وقيل: أن جنة المأوى هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة (٦). وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٢٦/١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٥٢/٣. (٤) المصدر السابق. (٥) المصدر السابق. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧ /٠٩٦ (١) المصدر السابق. مَوَسُولَة النقدية القرآن الكريم ١٤٨ الجنة الأمر ظنيًّا لا قطعيًّا ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم ؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء عليهما السلام، وإن فيها رغد العيش. أسماء الجنة ودرجاتها وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من رحمة الله تعالى وتوفيقه لعباده المؤمنين، وفضله من إنعامه وتفضله، لذا سنبين في هذا المبحث بعض أسماء الجنة ومعانيها ودرجاتها من خلال ما يأتي: أولًا: أسماء الجنة: ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها: ١. دار السلام. وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها (١). ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما: هُمْ دَارُ السَّلَّمِ الأول: قال تعالى: عِندَ رَبِهِمٌ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٧]. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ وهي: (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١١٤/١٢، مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣ /١٤٦. www. modoee.com ١٤٩ حرف الجيمى الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين. من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: ٢. جنة الخلد. والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه(١). الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيم ◌ُ [يونس: ٢٥]. ودار السلام في الآية الكريمة: (هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيمًا لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من کل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسلیم الملائكة عليهم ﴿إِلَّا قِلًا سَلَمَا سَلَمًا﴾))(٢). ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة رحمه الله تعالى: ((الله هو السلام، والدار الجنة))(٣). ويتضح مما تقدم أن الله تعالی قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٣٨/٣. (٢) مدارك التنزيل، النسفي، ٢/ ١٧. (٣) تفسير عبد الرزاق، ٢/ ١٧٣. وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنیا، وجعل مآکهم إليها (٤). قال تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّهُ اٌلْخُلْدِ أَلَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ١٥]. أي: ((قل لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم وتحسيرًا لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه فى الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا﴾ أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم فى الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه فى الآخرة))(٥). والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٩٨/٦، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ٤٩١/١٤. (٥) تفسير المراغي، ١٥٨/١٨. ١٥٠ مُوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريمِ الجنة وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما یشتهون، وهم فيها خالدون أبدًا بلا انقطاع ولا زوال. ٣. دار المقامة. هي دار الإقامة وهي الجنة. قال تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٥)﴾ [فاطر: ٣٥]. أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده(١). وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَافِيهَا نَصَبٌّ وَلَا يَمَسُّنَافِيهَا لُغُوبٌ ﴾، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب، وكأن المراد ينفي هذا وهذا عنهم: أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٤١/٢٦. التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة ;(٢) . مستمرة ويتضح مما تقدم أن دار المقامة هي الجنة التي وعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولم تذكر هذه التسمية للجنة في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في الآية المتقدمة. ٤. جنات عدن. العدن: ((الإقامة، یقال: عدن بالمكان، إذا أقام به))(٣)، وقيل: العدن: الاستقرار (٤). قال البيضاوي رحمه الله: ((والعدن: الإقامة، أي: جنات يقيمون فيها، وقيل: هو بطنان الجنة)) (٥) . وذكر الله تعالى جنات عدن في أحد عشر موضعًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿حَثَّثُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّنْ كُلِّ بَاب ٢٣) ﴾ [الرعد: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿ جَنَّتُ عَدٍّ يَدْ خُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [النحل: ٣١]. حيث يخبر الله تعالى في هذه الآيات وغيرها: أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٥٢/٦. (٣) التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ١٨٣/١. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣١/١٣. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٨٦/٣. www. modoee.com ١٥١ حرف الجمر رب العالمين يوم القيامة ﴿حَثَّتُ عَدْنِ﴾، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم، عز وجل(١). وذكر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، لاستحضار الحالة البهيجة، وذلك زيادة الإكرام بأن جعل أصولهم وفروعهم وأزواجهم المتأهلين لدخول الجنة لصلاحهم؛ في الدرجة التي هم فيها، فمن كانت مرتبته دون مراتبهم لحق بهم، ومن كانت مرتبته فوق مراتبهم لحقوا هم به، فلهم الفضل في الحالين (٢). ويذكر الإمام الماوردي رحمه الله في تفسيره خمسة آراء مختلفة للعلماء في جنات عدن: الأول: أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، وهذا مروي عن ابن عباس(٣). الثاني: أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا (٤). الثالث: أن عدن اسم لبطنان الجنة، أي: وسطها، قاله عبد الله بن مسعود. الرابع: أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٥١/٦. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣١/١٣. (٣) النكت والعيون، الماوردي، ٣٨١/٢. (٤) المصدر السابق. الخامس: أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إِمام عدل. وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين، رواه معاذ بن جبل مرفوعًا. وعلى الرغم من تعدد الأقوال في جنات عدن إلا أنها لا دليل عليها من الأدلة النقلية والعقلية، وأن جنات عدن اسم يدل على الجنة ذكر في القرآن الكريم وهي دار الإقامة والخلود أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولا يوجد دليل قطعي يؤكد أن جنات عدن هي قصر أو نهر في الجنة، وأما القول بأنها لفظ سرياني فهذا يخالف قوله تعالى: ﴿يِسَانِ عَرَبِ مُبِينٍ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]. ٥. دار الحیوان. هي الجنة دار الحياة؛ أي لا موت فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. أي: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر حي، وقياسه حییان، فقلبت الياء الثانية واوًا، وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها ها هنا، وبه سمي ما فيه حياة: حيوانًا(٥). (٥) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣ / ٤٦٣، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ /١٩٩. مَوْسُورًا الْقُرآن الكَرِيْمِ ١٥٢ الجنة قال الراغب الأصفهاني: ((وقد نبه يخفى ما في جعله علمًا من البعد وأيّا ما بقوله تعالى: ﴿لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ أن الحيوان کان فلا یبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من الحقيقي السرمدي الذي لا يفنى، لا ما تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا(٣). يبقى مدة ثم يفنى، وقال بعض أهل اللغة: الحيوان والحياة واحد، وقيل: الحيوان: وورد ذكر هذه الجنة في القرآن الكريم في موضعين: في قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ مَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى ما فيه الحياة، والموتان ما ليس فيه الحياة، والحيا: المطر، لأنه يحيي الأرض بعد ﴾ [السجدة: ١٩]. ١٩ نَزْلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ وقوله تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٥]. يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَاْ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيّ ﴾ [الأنبياء: ٣٠]))(١)، وقوله: ٣٠ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ( ووصف الجنة في آية أخرى بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: ٤١]. ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: ((لآثروا ما يبقى على ما يفنى))(٢). والمأوى: اسم مكان (٤) تدل على ويتضح مما تقدم أن دار الحيوان هي دار الاستقرار في مكان، سواء كان في الجنة أو غيرها. الجنة التي لا تفنی ولا تزول، ولا یقع فيها موت لأحد. ولم تذكر تسمية دار الحيوان إلا في هذه الآية المتقدمة. ٦. جنة المأوى. هي نوع من الجنان، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة. وقيل: المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل: جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا (١) المفردات ٢٦٩/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٢٩٤. قال الإمام السيوطي: ((هي اسم لجميع الجنان، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَلَهُمْ جَنَّتُ الْمَأْوَى نُزْلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٩]. والجنة اسم الجنس، فمرة يقال جنة، ومرة يقال جنات، فكذلك جنات عدن، وجنة عدن)» (٥). ٧. الفردوس. وردت كلمة الفردوس مرتين في القرآن (٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ١٠/٣، روح المعاني، الألوسي، ١١/ ١٣١. (٤) روح المعاني، الألوسي، ١٣١/١١. (٥) معترك الأقران، السيوطي، ٣٥١/٣. www. modoee.com ١٥٣ حرف الجيمى الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُوْلًا ()﴾ [الكهف: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: ١١]. يخبر تعالى في الآيتين الكريمتين عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فیما جاؤوا به بان لھم جنات الفردوس، أما أصل كلمة الفردوس فقد اختلف في لفظه على أربعة أقاويل: الأول: أنه عربي، وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب(١). الثاني: أنه بالرومية، قاله مجاهد(٢). الثالث: أنه بالنبطية، فرداسًا، قاله (٣) السدي الرابع: بالسریانیة، قاله أبو صالح(٤). وقيل في أصل كلمة الفردوس: أنه رومي أعرب، وهو البستان، والعرب تعرفه وتسمي الموضع الذي فيه کرم (فردوسًا)، قال الزجاج: وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، وقيل: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية (٥). (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣. (٢) انظر: المصدر السابق، زاد المسير في علم التفسير، ٣/ ١١٣. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣،. (٤) انظر: المصدر السابق. (٥) انظر: المعرب، الجواليقي، ص٢٨٨. ويرجح بعض الباحثين أن تكون كلمة الفردوس معربة عن الرومية، أي اليونانية، وعزا سبب ذلك إلى انتشارها على لسان أهل الشام أكثر من غيرهم (٦)، وللعلماء آراء في معنی کلمة الفردوس، منها: أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة (٧). الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه سمرة بن جندب مرفوعًا (٨). الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد(٩) . الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن (١٠). كل بستان، قاله الزجاج الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب، وليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، قاله كعب (١١). (٦) انظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، عودة خليل أبو عودة، ص٤٠٥. (٧) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٠٢/٢١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦٨/١١. (٨) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣. (٩) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣١/١٨، النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦٨/١١. (١٠) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٤٨/٣. انظر: جامع البيان، الطبري، (١١) ١٣١/١٨، زاد المسير في علم التفسير، ١١٣/٣، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/ ٥٠٢. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ١٥٤ الجنة والصواب من القول في ذلك ما بالإيمان والعمل الصالح الموصلين إلى تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الجنة. الله عليه وسلم في قوله: (فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلی الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة (١)). ويتضح مما تقدم أن للجنة أسماء متعددة ذكرها القرآن الكريم لتنوع صفاتها، وكلها تدل على النعيم، لذا یری ابن القيم رحمه الله أن هذه الأسماء متعددة باعتبار صفاتها ومسماها واحد باعتبار الذات، فهي مترادفة من هذا الوجه وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه(٢). ثانيًا: درجات الجنة: لا شك أن الجنة التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين لها درجات متفاوتة بحسب الإيمان والأعمال الصالحة، لذلك بيّن الله تعالى هذه الدرجات التي يرتقي فيها المؤمن ليصل إلى تلك المراتب الرفيعة في الجنة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَمُ الذَّرَحَتُ اَلْعُلَى [ طه: ٧٥]. ولا تنال تلك الدرجات العلى إلا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب (وكان عرشه على الماء)، ١٢٥/٩، رقم ٧٤٢٣. (٢) انظر: حادي الأرواح، ١/ ٩٤. والدرجات: مفرده الدرجة نحو المنزلة، يقال للمنزلة: درجة إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيطة، كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة: قال تعالى: ﴿وَ لِلرِّجَالِ عَلَيَِّنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. تنبيهًا لرفعة منزلة الرجال عليهن في العقل والسياسة، ونحو ذلك من المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أُلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. ﴿لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وقال: [الأنفال: ٤]. وقال: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]. أي: هم ذوو درجات عند الله، ودرجات النجوم تشبيهًا بما تقدم(٣). وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدرجات في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُّ عِندَاللّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٣ ﴾ [آل عمران: ١٦٣]. أي: «ليس من اتبع رضوان الله کمن باء بسخط منه، قيل: هم درجات متفاوتة، أي هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن ابتغى رضوانه الكرامة والثواب العظيم، ولمن (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١١. www. modoee.com ١٥٥ حرف الجمر باء بسخط منه المهانة والعذاب الأليم، ومعنى ﴿ هُمْدَرَجَتُ﴾، أي: ذوو درجات، أو على درجات، أو في درجات، أو لهم درجات، وأهل النار أيضًا ذوو درجات، فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدرجة، ثم المؤمنون يختلفون أيضًا، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار)) (١). وقال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ وَلَلَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٢١]. قال الإمام الرازي رحمه الله: ((إن تفاضل الخلق في درجات منافع الدنیا محسوس، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا کنسبة الآخرة إلی الدنیا، فإذا كان الإنسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنیا فبأن تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى))(٢). ودلالة الآيتين الكريمتين واضحة في بيان تفاوت وتفاضل الخلق في الدرجات من حيث الأجر والثواب بحسب أعمال الناس، لذلك بين الله تعالى أن أهل الدرجات العلى من المتقين الذين يخافون الله تعالى في نعیم أرقی من الذین دونهم فأعد الله تعالی لهم چنتين. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٦٣/٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١٩/٢٠. قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنََّانِ ﴾ [الرحمن: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ دُوِنِهِمَا جَنَّثَانِ [الرحمن: ٦٢]. ٦٢ وإن أعلى درجات الجنة هي الفردوس الأعلى، قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ } الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١)﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. وتؤكد السنة النبوية أيضًا أن للجنة درجات، وأن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم، وذلك بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)(٣). وفي الحديث دلالة على أن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض، وهذا لا يعني حصر درجات الجنة بمائة درجة، إذ المراد منه الإخبار بأن هذه الدرجات المائة هي للمجاهدين في سبيل الله تعالى، لا الإخبار بحصر درجات الجنة، ويؤيد ذلك أن منزلة النبى صلى الله عليه وسلم فوق هذا (٣) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٤ / ١٦، رقم ٢٧٩٠. ١٥٦ جَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكْرِيْمِ الجنة كله، فهو في درجة ليس فوقها درجة، أمّا هذه في حياتهم الدنيا، وأن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى الدرجات المائة فنالها آحاد أمته بالجهاد. إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم. وصح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلین)(١). قال القاضي عياض: ((يحتمل أنه على ظاهره، وأن الدرجة هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة كما جاء في أهل الغرف: ((يتراءون كالكوكب الدري)»، ويحتمل أن المراد الرفعة بالمعنى من كثرة النعم وعظيم الإحسان مما لا يخطر على قلب بشر، ولا بصفة واصف، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البر والكرامة يتفاضل تفاضلا کثیرًا، وينسي بعضه بعضًا، ومثل تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض، والأول أظهر)»(٢). ومعنى ذلك أن الجنة مائة درجة جعلها الله تعالى لعباده المؤمنين على قدر أعمالهم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ٤ /١١٩، رقم ٣٢٥٦. (٢) انظر: إكمال المعلم، القاضي عياض، ٣٠٤/٦. وبما أن للجنة درجات متفاوتة يختلف بعضها عن بعض فإن أعلى منزلة فيها الوسيلة، ليس فوقها درجة، لا ينالها غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال الزمخشري: ((أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي (٣) لا يلتبس)»(٣). ولا أحد أفضل ولا أکرم عند الله تعالى من صفوة الخلق، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو في الدرجة العالية الرفيعة في جنات النعيم، أعلى درجة في الجنة، (٣) الكشاف، الزمخشري، ١/ ٢٩٧. www. modoee.com ١٥٧ حرف الجيمر لیس فوقها درجة، اختص بها صلی الله علیه وسلم دون غيره من أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام. فقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي صلی الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلی الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أُکون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)(١). وسمّيت درجة النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلى العرش، وأصل الوسيلة القرب، من وسل إليه إذا تقرب إليه، ومعناها الوصلة، ولهذا كانت أفضل الجنة وأشرفها وأعظمها نورًا ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق عبودية لربه وأشدهم له خشیة کانت منزلته أقرب المنازل لعرشه (٢). لذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أمته وأمرها أن يسألوا الله تعالى له الوسيلة لينالوا بهذا الدعاء شفاعته صلى الله (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة، ٢٨٨/١، رقم ٣٨٤. (٢) انظر: فيض القدير، المناوي، ١٠٨/٤. عليه وسلم في الآخرة. وكما أن درجة الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهناك أيضًا أدنى أهل الجنة منزلة، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة، قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب، کیف، وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فیقال له: أترضی أن یکون لك مثل ملك من ملوك الدنيا، فيقول: رضیت رب، فیقول: لك ذلك، ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فیقول: رضیت رب، قال: رب، فأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت، غرست کرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه في كتاب الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ ◌َهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧])(٣). فهذه درجات الجنة ومنازلها العالية متفاوته بعضها فوق بعض، أعدها الله تعالی لعباده المؤمنين من أهل الجنة على قدر (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١٧٦/١، رقم ١٨٩. مَوَسُولَةُ النَّفِي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٥٨