Indexed OCR Text

Pages 41-48

الجهاد
معوقات الجهاد في سبيل الله
الجهاد شرف عظيم ومنزلة رفيعة،
يتنافس لنيلها المتنافسون، ويحرص للفوز
بها المؤمنون، لكن قد لا يستطيع الإنسان
أن يشارك في الجهاد؛ لأسباب وظروف
مختلفة تعوق دون نيل هذا الشرف، ومن
هذه المعوقات ما يكون ماديًّا، ومنها ما
یکون معنويًّا.
أولًا: المعوقات المادية أو الحسية:
ومن هذه المعوقات ما يتعلق بذات
الشخص نفسه، ومنها ما تخرج عن ذاته.
أما الأول: عدم المشاركة في القتال
بسبب عجز صحي، وهذه المعوقات أعاقت
أصحابها عن المشاركة في الجهاد، ورفع
الله عنهم الحرج في الخروج للجهاد بسبب
عجزهم.
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى
اُلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ يُدْيِظْهُ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِنْ تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُّ وَمَن
يَتَوَّلَّ يُعَذِّبَهُ عَذَابًا أَلِيمًا ( ٢)﴾ [الفتح: ١٧].
فهم ثلاثة أصناف، الأعمى الذي لا
يستطيع الوصول للعدو والانتقال أثناء
المعركة، والأعرج الذي لا يستطيع الكر
والفر، والمريض الذي يمنعه مرضه، إذ به
١٤٢١، قال الألباني: صحيح.
يضعف جسمه (١).
فقد قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فكل من عجز عن القتال؛ لضعف في
بدنه رفع الله عز وجل عنه الحرج.
قال جل جلاله: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ
وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[التوبة: ٩١].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه:
(أن رسول الله صلی الله عليه وسلم رجع
من غزوة تبوك فقال: (إن بالمدينة أقوامًا
ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا
معکم)، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟
قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) (٢).
وقد قسم الإمام الرازي أصحاب الأعذار
فقال: ((القسم الأول: الصحيح في بدنه،
الضعيف مثل الشيوخ، ومن خلق في أصل
الفطرة ضعيفًا نحيفًا، وهؤلاء هم المرادون
بالضعفاء، ... وأما المرضى: فيدخل فيهم
أصحاب العمى، والعرج، والزمانة، وكل
من کان موصوفًا بمرض یمنعه من التمكن
من المحاربة، والقسم الثالث: الذين لا
يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٧٨/٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب نزول النبي صلى الله عليه
وسلم الحجر، ١٦١٠/٤، حديث ٤١٦١.
www. modoee.com
٢٤١

حرف الجمر
لا يجدون ما ينفقون، لأن حضوره في ساقط عنهم، غير واجب عليهم))(٢).
الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على
نفسه، إما من مال نفسه، أو من مال إنسان
آخر يعينه عليه، فإن لم تحصل هذه القدرة،
صار كلًّا ووبالًا على المجاهدين، ويمنعهم
من الاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما
ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال: لا حرج على
هؤلاء))(١).
ومن المعوقات ما تخرج عن ذات إلا أنهم لم يجدوا المركوب))(٣).
الشخص فتتعلق بغيره، منها: الفقر وعدم
القدرة على النفقة في الغزو.
لَيْسَ عَلَى الضَّعَفَاءِ
قال جل جلاله:
وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ، مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَآ أَجِدُمَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَواْ
وَأَعْيُُّهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّيَجِدُوا
مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩١-٩٢].
قال الشوكاني: ((ثم ذكر العذر الراجع
إلى المال لا إلى البدن فقال: ﴿وَلَاَ عَلَىَ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ أي:
ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه
من التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء
الحرج وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار
((فإن قيل: في قوله ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا
مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ أليس هؤلاء داخلون
تحت قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُنفِقُونَ﴾ فما الفائدة في إعادته؟ قلنا:
الذين لا يجدون ما ينفقون، هم الفقراء الذين
لیس معهم دون النفقة، وهؤلاء المذكورون
في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة،
ومن المعوقات المادية: ضعف
الإمكانات والعدة والعتاد للقتال ومواجهة
الأعداء، العتاد من الأمور التي قد تعوق دون
المشاركة في الجهاد، وتؤثر على المسلمين
في جهادهم، وقد أمر الله عز وجل بإعداد
القوة لمواجهة أعداء الله.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قال الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما أوجب
على رسوله أن یشرد من صدر منه نقض
العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه
النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء
الكفار، قيل: إنه لما اتفق أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا
(١) مفاتيح الغيب، ١٦/ ١٢١.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيكِ العضوي
القرآن الكَرِيمِ
(٢) فتح القدير، ٤٤٦/٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٦/ ١٢٢.
٢٤٢

الجهاد
الكفار بلا آلة ولا عدة؛ أمرهم الله أن لا الظلال والثمار، وهم مع ذلك لا يشاركون
يعودوا لمثله، وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم في الحرب إلا قليلًا، وهم مع ذلك بخلاء
من آلة وعدة وقوة)»(١).
والمقصود بالقوة التي أمر الله عز
وجل بإعدادها کل ما يتقوى به في مواجهة
الأعداء، وقيل: جميع أنواع الأسلحة،
وقيل: هي الرمي کما فسرها النبي صلى الله
(٢)
عليه وسلم (٢).
ثانيًا: المعوقات المعنوية:
إن الحرب النفسية من أهم ما يؤثر على
نفسية المجاهد، فإذا ما تزعزعت هذه الروح
كان من السهل التفوق عليها، لذا كان النبي
صلى الله عليه وسلم يهتم بالروح المعنوية
لأصحابه، حتی یکونوا جاهزين للمشاركة
في أي غزوة للدفاع عن دينهم، وكان مما
يؤثر على المجاهد معنويًّا وجود فئة من
المثبطين المتخاذلين الذين قال الله عنهم:
قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَآيَلِنَ لإِخْوَنِهِمْ
هَلْمَّ إِلَيْنَاً وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّ قَليلًا
١٨
[الأحزاب: ١٨].
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين
لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين
لإخوانهم وأصحابهم وعشرائهم وخلطائهم
هلم إلينا أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في
(١) المصدر السابق ١٥/ ٤٩٩.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٩/١٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٥/٨.
بالمودة، والشفقة علیکم(٣).
وقد نزلت هذه الآية في ناس من
المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد
وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا
لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا
الرجل فإنه هالك (٤).
هذا هو حال المنافقين، فهم جبناء لا
يشاركون في الحرب، ومع ذلك يثبطون
همم المسلمين ويحبطوهم، ويخذلوهم.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٩٠/٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٢٣٠.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الجيمر
شبهات حول الجهاد في سبيل الله
كثرت شبهات الحاقدين على الإسلام،
ومنها أن الإسلام دين قتل وسفك للدماء
وإرهاب واستحلال لدماء ولأموال
الكافرين، وأنه إنما انتشر بحد السيف،
وسوف أتناول بعض هذه الشبهات مع الرد
عليها بإذن الله تعالى.
أولًا: الشبهة الأولى:
قال الكفار: إن النبي صلى الله عليه
وسلم عندما كان في مكة كان ضعيفًا لا
عدة عنده ولا عتاد؛ لذلك كان يأمر بالعفو
والصفح، ولكن عند خروجه منها وقيامه
بدولته انقلب واصبح دمويًّا، وللرد على هذه
الشبهة نقول: إن الإسلام يدعو إلى الرحمة
على يد نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلََّ رَحْمَةً
لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وكانت أول آية للإذن بالقتال قوله تعالى:
﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَّلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ
عَلَى نَصْرِ هِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: ٣٩].
قال البغوي في تفسيره: «وقال مجاهد:
نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا
مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا
يمنعون، فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين
يمنعونهم من الهجرة، بأنهم ظلموا، أي:
بسبب ما ظلموا، واعتدوا عليهم بالإيذاء،
وإن الله على نصرهم لقدير))(١).
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم
والصحابة والمؤمنين بالقتال لم يكن إلا ردًّا
على ظلم أو عدوان.
ثانيًا: الشبهة الثانية:
وهي مكونة من نظريتين، الأولى: أن
الإسلام إنما انتشر بالقهر والسيف، وسفك
الدماء، وأن المسلمين كانوا متوحشین
يبطشون بالناس ويكرهونهم على الدخول
فیه، والثانية: تهتف بعكس ذلك تمامًا، أي
أنه دین سلام ومحبة، لا يشرع الجهاد فيه إلا
لرد العدوان المداهم، ولا یحارب أهله إلا
إذا أرغموا على القتال، والهدف في النهاية
قتل روح الجهاد في نفوس المسلمين.
نقول: إن الإسلام لم ينتشر بالسيف بل
انتشر بالدعوة وحدها، ومثال على ذلك
انتشاره فى الهند والصين، فالمسلمون فيها
لم يكونوا غير عابري سبيل فيها، فالإسلام
دین خضوع وانقیاد عن رضا.
يقول عز وجل: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
(يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون
في كتابه حضارة العرب وهو يتحدث عن
سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه
وسلم وفى عصور الفتوحات من بعده: قد
(١) مختصر معالم التنزيل، البغوي، عبد الله
الزيد، ١ / ٦٢٢.
٢٤٤
بوي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهاد
أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، الحق ألا ينصر الله دينه بإسلام أقوياء قريش
أولًا، بل آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم
الضعفاء وخاض رحلة الدعوة الإيمانية مدة
ثلاثة عشر عامًا، دعوة للإيمان بالله، ثم
هاجر رسول الله إلى المدينة، إلى أن صار
كل المسلمين وحدة إيمانية قوية، وارتفع
السيف لا ليفرض العقيدة، ولكن ليحمي
حرية اختيار الناس للعقيدة الصحيحة ولو
أن الإسلام انتشر بالسیف فکیف نفسر وجود
أبناء لديانات أخرى في البلاد المسلمة؟ لقد
أتاح الإسلام فرصة اختيار العقيدة لكل
إنسان)»(٢).
ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر
بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته
الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك
والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند
التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل
ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون
نفس فیھا، ولم یکن الإسلام أقل انتشارًا
في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها
قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة
فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين
مليونًا في الوقت الحاضر)»(١).
قال الشعراوي في رده على من قال إن
الإسلام قد انتشر بالسيف: ((إن الله قد بدأ
الإسلام بضعف حتى يسقط هذا الاتهام، لقد
كان المسلمون الأوائل ضعفاء لا يستطيعون
الدفاع عن أنفسهم، فيتجه بعضهم إلى
الحبشة، ويهاجرون بحثًا عن الحماية،
فلو كان الإسلام قد انتشر بالسيف فلنا أن
نسأل: من الذي حمل أول سيف لیکره أول
مؤمن؟ إن المؤمنين رضوا الإسلام دينًا
وهم في غاية الضعف ومنتهاه. إن الإسلام
قد بدأ واستمر وما زال يحيا بقوة الإيمان،
إن رسول الله صلی الله عليه وسلم جاء
في أمة أمية، ومن قبيلة لها شوكتها، وشاء
(١) موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، على الشحوذ، ٦/ ٣٧٠.
فالإسلام دين الرحمة جاء هداية
للبشر وإسعادهم، والدليل على ذلك ما
سنه الإسلام دستورًا أخلاقيًّا للقتال قبل
أربعة عشر قرنًا من معرفة البشرية لمواثيق
أخلاقيات القتال، فقال عليه السلام: (اغزوا
باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله،
اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا
تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين،
فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما
أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم
إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم،
وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من
دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن
فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما
(٢) تفسير الشعراوي، ٣/ ١٤٩٧.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الجيمى
على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها،
فأخبرهم أنهم یکونون کأعراب المسلمین،
یجري علیهم حکم الله الذي يجري على
المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء
شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم
أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل
منهم، و کف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله
وقاتلهم ... )(١).
ثالثًا: الشبهة الثالثة:
زعمهم أن الجهاد والغزو كان بهدف
الحصول على الغنائم، فقسوة الحياة
المادية والاقتصادية دفعتهم إلى غزو بلاد
غير المسلمين، وأن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يعيش هو وأصحابه على السلب
والنهب، يقول مرجليوث: ((عاش محمد
صلى الله عليه وسلم هذه السنين الست
ما بعد الهجرة إلى المدينة على التلصص
والسلب والنهب))(٢).
إن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم،
وأخلاقه وظروف حياته ترد على هذه
الشبهة، فالمعروف من حياة النبي أنه كان
يعيش على الكفاف، وأنه كان يمر الشهر
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على
البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها،
١٣٥٧/٣، رقم ١٧٣١.
(٢) الاستشراق وموقفه من السنة النبوية، فالح
الصغير، ١/ ٤٧.
والشهران ولا یوقد في بيته نار، وأنه تعرض
في بداية دعوته لأکبر جائزة ومنال من قریش
فرفضها، حيث عرضت عليه المال والنساء
والجاه، فقال قولته المشهورة صلى الله
عليه وسلم: يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس
في يميني والقمر في يساري على أن أترك
هذا الأمر حتی یظهره الله أو أهلك فيه ما
تر کته(٣).
فمن يرفض هذا العرض المغري ويركن
إلى الزهد، ويحث أصحابه على خشونة
العيش، لا يكون هذا الخلق إلا من رجل
يعيش من أجل رسالة عظيمة، والتاريخ
يشهد لهذا النبي عليه الصلاة والسلام
بما كان عليه في حياته إلى أن توفّاه الله
تعالى، من صدق في الحديث، واستقامة
في السلوك وأمانة في التعامل، وإخلاص
في العمل، وغير ذلك من الخصال الحميدة
والأخلاق الفاضلة، التي تتنافى مع ما ذهب
إليه أمثال هؤلاء (٤).
والغنائم ثمرة مشروعة من ثمرات
الجهاد، وتمثل مظهرًا من مظاهر نصرة
الإسلام فتكون الثمرة مرغوبة بهذا الاعتبار،
بدون أن تتعلق بها النفس تعلقًا يشغلها عن
الدافع الحقيقي من وراء الجهاد، ويشهد
(٣) انظر: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين،
الخضري، ١/ ٣٧.
(٤) انظر: مصادر السيرة النبوية، ضيف الله
الزهراني، ٢٥/١.
جَوَسُورُ النَسِّيّة
القرآن الكريم
٢٤٦

الجهاد
لذلك: قول وفد المسلمين لرستم قبيل
القادسية: ((والله، لإسلامكم أحب إلينا من
غنائمکم»(١).
فالدافع نحو الجهاد هو نشر الدعوة
الإسلامية وتطبيق النظام الإسلامي،
والأغراض المشروعة التي يمكن أن
تستفاد من الجهاد كثيرة، منها: تحقيق منافع
اقتصادية، فينبغي التفريق بين الدافع للجهاد
وبين المصالح المستفادة من الجهاد.
موضوعات ذات صلة:
الإصلاح، التغيير، التمكين، الحرب،
الدعوة، القتال
(١) تاريخ الأمم والملوك، الطبري، ٥٢٨/٣.
www. modoee.com
٢٤٧