Indexed OCR Text

Pages 21-24

الثواب
لبيد(١):
فأبصرت لمحة من رأس عكرشة
في كافر ما به أمت ولا عوج
والكافر في البیتین: قیل الليل، وقيل
المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع،
والانحدار في الأرض.
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية
الكريمة: فإن قلت: قد فرّقوا بين العوج،
والعوج فقالوا، العوج بالكسر في المعاني،
والعوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين
فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلت:
اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في
وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي
الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون؛ وذلك
أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها،
وبالغت في التسوية على عينك وعيون
البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم
يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي
المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها
على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج
(١) انظر: ديوان لبيد بن ربيعة ص ٤٥.
(٢) البيت مذكور في: تهذيب اللغة، الأزهري
١٠/ ١١٢، لسان العرب، ابن منظور ١٤٧/٥
دون تسمية قائله.
ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر،
ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عز وجل
ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك،
فاجرمزت ثم سارت وهي لاهية
اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب
في کافر ما به أمت ولا شرف
التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما
وقول الآخر(٢):
لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق
بالمعاني فقيل فيه: عوج بالكسر، والأمت:
النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه
أمت. انتھی منه.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَتَبِعُونَ الدَّاعِىَ لَا
عِوَجَ لَهٌ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
قوله: ﴿يَوْمَِّدٍ﴾ أي: يوم إذ نسفت
الجبال ﴿يَتَِّّعُونَ الَّاعِىَ﴾ والداعي:
هو الملك الذي يدعوهم إلى الحضور
للحساب، قال بعض أهل العلم: يناديهم
أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة،
واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب
والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه،
ومعنى ﴿لَاعِوَجَلَهُ﴾ أي: لا یحیدون عنه
ولا يميلون يمينًا ولا شمالًا، وقيل: لا عوج
لدعاء الملك عن أحد، أي: لا يعدل بدعائه
عن أحد، بل یدعوهم جميعًا، وما ذكره جل
وعلا في هذه الآية الكريمة من اتباعهم
للداعي للحساب، وعدم عدولهم عنه بينه
في غير هذا الموضع، وزاد أنهم يسرعون
إليه كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الثاء
الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ آ خُشَّعًا أَبْصَرُهْ
يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَدْ مُنْتَشْرٌ
مُهْطِينَ إِلَى الَّاعِ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَيْرٌ﴾
[القمر: ٦ - ٨].
والإهطاع: الإسراع، وقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنِ مَّكَانٍ قَرٍِ
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ!
[ق: ٤١ - ٤٢].
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
وقوله تعالى:
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢].
إلى غير ذلك من الآيات (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُِّفَتْ﴾
[المرسلات: ١٠].
قال القرطبي: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُشِفَتْ﴾ أي:
ذهب بها كلها بسرعة، يقال: نسفت الشيء
وأنسفته: إذا أخذته كله بسرعة، وكان ابن
عباس والكلبي يقول: سويت بالأرض،
والعرب تقول: فرس نسوف إذا كان يؤخر
الحزام بمرفقيه، قال بشر (٢):
نسوف للحزام بمرفقیھا
ونسفت الناقة الكلأ: إذا رعته، وقال
المبرد: نسفت قلعت من موضعها، يقول
الرجل للرجل يقتلع رجليه من الأرض
(١) أضواء البيان ٤/ ٩٦ - ١٠٠.
(٢) انظر: دیوان بشر ص ٧٤.
وتمام البيت:
نسوفٌ للحزام بمرفقيها
أنسفت رجلاه، وقيل: النسف تفريق الأجزاء
حتى تذروها للرياح، ومنه نسف الطعام؛
لأنه يحرّك حتى يذهب الريح بعض ما فيه
من التبن(٣).
رابعًا: تسيير الجبال:
ثمّ بيّن أنّه يسيّرها في الهواء بين السّماء
والأرض؛ وذلك في قوله: ﴿ وَیَوْمَ یُنفَخُ فِ
الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا
مَنْ شَآءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَمُُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ
أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:
٨٧ - ٨٨].
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ اَلْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ
وقوله:
بَارِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:
٤٧]. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:
٣]. وقوله تعالى: ﴿وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ
سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ
السَّمَلَهُ مَوْرًا ل وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:
٩ - ١٠].
ثمّ بيّن أنّه يفتّتها ويدقّها كقوله: ﴿ وَہُتَّتِ
الْجِبَالُ بَسًا﴾ [الواقعة: ٥].
أي: فتّتت حتّى صارت كالبسيسة، وهي
دقيقٌ ملتوتٌ بسمنٍ أو نحوه على القول
بذلك، وقوله: ﴿وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَالْجَالُ فَدُ كَّنَا دَنَّةً
وَحِدَةَ﴾ [الحاقة: ١٤].
يسدّ خواء طبيبها الغبار (٣) الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ١٥٧.
مَوَسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٣٥٨

الثواب
ثم بيّن أنه يصيّرها كالرمل المتهايل
وكالعهن المنفوش؛ وذلك في قوله: ﴿يوم
تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجَالُ كِيبًا مَّهِيلًا﴾،
[المزمل: ١٤].
٨
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَلْهْلِ (
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ -٩].
في المعارج والقارعة، والعهن: الصوف
المصبوغ، ومنه قول زهير بن أبي سلمی في
معلقته(١):
كأن فتات العهن في كل منزل
نزلن به حب الفنا لم يحطم
ثم بيّن أنها تصير كالهباء المنبث في
قوله: ﴿رَبَُّتِ الْجِبَالُ بَسَّا ل فَكَانَتْ هَبَآءُ
◌ُثْبَثًا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦].
ثم بيّن أنها تصير سرابًا؛ وذلك في قوله:
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠].
وقد بيّن في موضع آخر: أن السراب لا
شيء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا جَآءَهُ، لَمْ
يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا ﴾
[طه: ١٠٥] (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
اْأَرْضَ بَارِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾
[الكهف: ٤٧].
(١) انظر: ديوان زهير بن أبي سلمى ص٦٦.
(٢) انظر: أضواء البيان ٤ / ٩٦ - ١٠٠.
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ
تُسَيِرُ الْجِبَالَ﴾ عن الأرض فنبسّها بسًّا،
ونجعلها هباء منبئًا ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾
ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من
غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو
بروزها، وبنحو ذلك قال جماعة من أهل
التأويل)»(٣).
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى لَلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً
وَهِىَ تَهُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ
إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].
وترى
قال ابن كثير: «وقوله تعالى:
اِجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ﴾ [النمل: ٨٨].
أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت
عليه ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ أي: تزول عن
﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ
أماكنها، كما قال تعالى:
مَوْرًا ( ١) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩ -
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ
١٠]. قال تعالى:
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا
١٠٥
يَنْسِفُهَا رَبِِّ نَسْفًا {
﴿﴿ لَّا تَرَىْ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ -
وبيّن أنه ينسفها نسفًا في قوله هنا: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧])) (٤).
وقال تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرً
[الطور: ٩ - ١٠].
قال القنوجي: ((﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾
أي: تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها
(٣) جامع البيان ١٥/ ٢٨١.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢١٧.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف التاء
كسير السحاب، وتطير في الهواء، ثم تقع فكانت سرابًا وهباءً منبثًا))(٤).
على الأرض مفّتة كالرمل، ثم تصير كالعهن
أي الصوف المندوف، ثم تطيّرها الرياح
فتكون هباء منبثًا، کما دل عليه كلامه في
سورة النمل، قيل: ووجه تأكيد الفعلين
بالمصدر الدلالة على غرابتهما وخروجهما
عن المعهود، والحكمة في مور السماء،
وسير الجبال الإعلام والإنذار بأن لا
رجوع ولا عود إلى الدنيا لخرابها وعمارة
الآخرة، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة
الكهف»(١).
وقال القاسمي: ((﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾
[الطور: ٩ - ١٠] أي: تسير عن وجه الأرض
فتصير هباء منثورًا»(٢).
وقال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ
سَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٠].
قال الطبري: ((قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ
فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ يقول: ونسفت الجبال فاجتثت
من أصولها، فصيّرت هباء منبثًا، لعين
الناظر، كالسراب الذي يظنّ من يراه من بعد
ماء، وهو في الحقيقة هباء))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِرَتْ﴾
[التكوير: ٣].
قال الطبري: ((قوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ
سُيِرَتْ﴾ يقول: وإذا الجبال سيّرها اللّه،
(١) فتح البيان ١٣/ ٢٢٠.
(٢) محاسن التأويل ٩/ ٥٠.
(٣) جامع البيان ٢٤/ ٢٠.
وقال القاسمي: ((﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِرَتْ﴾
أي: رفعت عن وجه الأرض ونسفت، من
أثر الرجفة والزلزال الذي قطّع أوصالها)»(٥).
خامسًا: الجبال هباء منبث:
قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ اَلْجِبَالُ بَسًا
فَكَانَتْ هَبَآءَ مُثْبَثًا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦].
قال الطبري: ((وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ
بَسًا﴾ يقول تعالى ذكره: فتّتت الجبال فتًّا،
فصارت کالدقيق المبسوس، وهو المبلول،
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَكَانَتِ الْجَالُ كَتِبًا مَّهِيلًا﴾
[المزمل: ١٤].
والبسيسة عند العرب: الدقيق والسويق
تلتّ وتتخذ زادًا))(٦).
وقال القاسمي: ((قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ
◌ُثْبَثًا﴾ أي: متفرقًا، قال قتادة: الهباء ما
تذروه الريح من حطام الشجر، وقال غيره:
هو ما يرى من الكوة كهيئة الغبار))(٧).
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، الأرض، السماء، البحر،
الماء
(٤) المصدر السابق ٢٤ / ١٣٣.
(٥) محاسن التأويل ٩/ ٤١٢.
(٦) جامع البيان ٢٢/ ٢٨٢.
(٧) محاسن التأويل ٩/ ١١٩.
٣٦٠
ضو
جَوَسُو ◌َرُ النَّتِيَّة
القرآن الكريم