Indexed OCR Text

Pages 21-40

التقوى
وقال الألوسي عند قوله تعالى: ﴿وَقُواْ
لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]: ((﴿قَنْتِينَ﴾
أي: مطیعین کما هو أصل معنی القنوت عند
البعض، وهو المروي عن ابن عباس رضي
الله عنهما)»(١).
قال أبو حيان: ((واختلف المفسرون في
فأصل معنى القنوت: هو الطاعة مع البأساء والضراء، فأكثرهم على أن البأساء
الخضوع، وإذا فسر معناه بعبارات أخرى
فإنه ينطوي تحت هذا المعنى، وقد وصف
الله المتقين بالقنوت، وهذا يشمل الصلاة
وغيرها.
ثالثًا: صفات المتقين الخلقية
والسلوكية:
١. الصبر.
وصف الله تبارك وتعالى المتقين
ـخَيرٍ
قَلْ أَوْنِبْتُكَـ
بالصبر، فقال تعالى:
مِّنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ
تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ
مُطَفَرَةٌ وَرِضْوَتٌ مِّنَ اللّهِ وَاللهُ بَصِيرٌ؟
بَلْمِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآَ
ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
الصَّبِينَ وَالصََّدِّقِينَ وَالْقَِّنِينَ
١٦
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل
عمران: ١٥ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَالصَّبِرِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ أَلَّذِينَ صَدَقُواْ
(١) المصدر السابق ١٥٧/٢ .
وَأَوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
﴾ [البقرة: ١٧٧].
فقد وصف المتقين بالصبر، وأنهم
يصبرون في كل حال، وإليك بيانها.
* الصبر في البأساء.
هو الفقر)»(٢)، وقال الألوسي: (((البأساء):
البؤس والفقر))(٣)، وقال الراغب: ((البؤس
والبأساء في النكاية» (٤).
وأصل كلمة بؤس وبأس: الشدة
والمکروه، لکن ورد عن کثیر من المفسرين
أن المراد بها هنا: الفقر، ولا یمنع أن یراد بها
كل شدة أو مكروه، ومنها الفقر.
وقضية الفقر ابتلاء من الله تبارك وتعالى
لعباده، فمن صبر كان من المتقين الذين
وصفهم الله وامتدحهم بالصبر على الفقر،
لذلك كان الفقراء الصابرون أكرم عند الله
تعالى، وكان أكثر أهل الجنة من الفقراء.
روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء
بخمسمائة عام)(٥). وروى البخاري ومسلم
(٢) البحر المحيط، ٨/٢.
(٣) روح المعاني ٤٨/٢ .
(٤) المفردات ص٦٦.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٨٣/١٦، رقم
١٠٦٥٤، والترمذي في سننه، أبواب الزهد
باب ٣٨، ٥٧٨/٤، رقم ٢٣٥٤.
قال الترمذي: حسن صحيح .
www. modoee.com
٤٤١

حرف التاء
عن ابن عباس وعمران بن الحصين رضي
الله عنهما عن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أکثر أهلها
الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها
النساء)(١).
الصبر في الضراء.
الضراء من الضر، وهو عکس النفع، وهو
سوء الحال إما في النفس أو في البدن أو في
حالة ظاهرة من قلة مالٍ أو جاه أو نحوه.
وقد ورد عن المفسرين تفسير الضراء
بالمرض والأسقام.
قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط:
((واختلف المفسرون في البأساء والضراء،
فأكثرهم على أن البأساء هو الفقر، وأن
الضراء الزمانة في الجسد، وإن اختلفت
عباراتهم»(٢).
وقال الألوسي: ((الضراء: السقم
والوجع))(٣).
وقد يراد به كل ما يضر الإنسان من مرض
أو غيره.
فما يصيب الإنسان من ضر أصابه سواء
کان في بدنه أو في نفسه أو غير ذلك إنما هو
ابتلاء من الله تبارك وتعالى؛ ليعلم الصابر
من غير الصابر.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب صفة الجنة والنار، ٨/ ١١٣، رقم ٦٥٤٦.
(٢) البحر المحيط ٨/٢.
(٣) روح المعاني ٤٨/٢ .
ففي الابتلاء في المرض تكفير السيئات
وحط للذنوب حتى يلقى الله وما عليه
خطيئة من كثرة ما أصابه من البلاء.
ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء
بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى
يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) (٤).
الصبر حين البأس.
أي: في مواطن القتال عند لقاء الأعداء،
وعندها يكون الصبر فريضة لازمة ويكون
الفرار من الزحف من الموبقات التي حذر
منها النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا ما ذكر
القتال والحث عليه فإنه غالبًا يذكر الصبر،
وغلبة الأعداء مقترنة بالصبر بعد إعداد
العدة والتوكل على الله وإخلاص النية لله
تعالى، فلا غلبة بلا صبر.
ولهذا يأمر الله المؤمنين بالقتال والثبات
والصبر، فيقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَأَصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥
- ٤٦].
(٤) أخرجه أحمد فى مسنده، ٢٤٨/١٣، رقم
٧٨٥٩، والترمذي، أبواب الزهد، باب ما جاء
في الصبر على البلاء، ٦٠٢/٤، رقم ٢٣٩٩.
قال الترمذي: حسن صحيح .
٤٤٢
مُؤَسُوع
القرآن الكريم

التقوى
ويشتد الأمر بطلب الصبر عندما تتحكم يجدها الإنسان من فوران دم قلبه))(٢).
القوى والنفوس، وعندها يتبين الصابر من
غيره.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
يحث على الثبات عند لقاء العدو، فقد روى
البخاري ومسلم عن عبدالله بن أبي أوفى
رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها
العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم
فقال: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو،
واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا،
واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)» (١).
٢. كظم الغيظ.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِىِ السَّرَّآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْفَيْطَ ﴾ [آل عمران:
١٣٣ - ١٣٤].
في الطبع.
قال الراغب في بيان معنى الغيظ:
((الغيظ: أشد غضب، وهو الحرارة التي
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، ٤ / ٦٣، رقم
٣٠٢٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب كراهية تمني لقاء العدو، ١٣٦٢/٣، رقم
٠١٧٤٢
وقال الألوسي: ((والغيظ: هيجان في
الطبع عند رؤية ما ينكر))(٣).
والكظم معناه: الحبس.
قال أبو السعود: ((والكظم: الحبس يقال:
كظم غيظه، أي: حبسه، قال المبرد: تأويله
أنه كتمه على امتلائه منه، يقال: كظمت
السقاء إذا ملأته وشددت عليه)» (٤).
والمعنى المراد: ((والمتجرعين للغيظ،
الممسکین علیه عند امتلاء نفوسهم منه،
فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم، ولا
يبدون له ما يكره، بل يصبرون على ذلك
مع قدرتهم على الإنفاذ والانتقام، وهذا هو
الممدوح)» (٥).
روى الترمذي وأبو داود عن معاذ بن
أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (من كظم غيظًا وهو قادر على أن
ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رءوس
والغيظ يعني: حبس النفس عند الغضب، الخلائق يوم القيامة حتی یخیره من الحور ما
وهو: أشد أنواع الغضب، والغضب: هيجان يشاء)(٦).
(٢) المفردات ص٣٦٨.
(٣) روح المعاني ٤ / ٥٨ .
(٤) إرشاد العقل السليم، ٢ / ٨٥.
(٥) روح المعاني ٤ /٥٨ .
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب من كظم غيظًا، ٢٤٨/٤، رقم ٤٧٧٧،
والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، رقم
٢٤٩٨.
قال الترمذي: حسن غريب.
www. modoee.com
٤٤٣

حرف التاء
بها المتقين. ولهذا کان النبي صلی الله علیه
وسلم يرشد أصحابه أن لا يغضبوا، وبين
أن الشديد ليس الذي يصرع الناس، إنما
الشدید هو الذي يملك نفسه ويضبطها عند
الغضب. فقد روى البخاري عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله
عليه وسلم: أوصني، قال: (لا تغضب) فردد
مرارًا، قال: (لا تغضب)(١).
وروى البخاري أيضًا عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه
وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما
الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)(٢).
ورسول الهدى محمد صلى الله عليه
وسلم کما کان مثالا يحتذى في كل شيء
حسن كان مثالًا في عدم الغضب وفي
كظم الغيظ، فکان صلی الله علیه وسلم لا
یغضب إلا لأمر يستدعي الغضب، فإنه كان
لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات
الشريعة.
روى البخاري عن أبي مسعود عقبة بن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الحذر من الغضب، ٢٨/٨، رقم ٦١١٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الحذر من الغضب، ٢٨/٨، رقم ٦١١٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب فضل من يملك نفسه عند الغضب،
٢٠١٤/٤، رقم ٢٦٠٩.
فصفة حبس النفس عند الغضب وعدم عمرو البدري رضي الله عنه قال: ((جاء
الانتقام من صفات المتقين التي امتدح الله رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان
مما يطيل بنا! فما رأيت النبي صلى الله عليه
وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب
يومئذ، فقال: (إن منكم منفرين، فأيكم أم
الناس فلیوجز، فإن من ورائه الكبير والصغير
وذا الحاجة)»(٣).
٣. العفو.
بعد أن أخبر الله تعالى عن المتقين أنهم
(الكاظمين الغيظ) فلا يظهرون غيظهم إلا
أن تنتهك حرمة من حرمات الله تعالی، أخبر
الله عنهم - إتمامًا لتلك الصفة- أنهم يعفون
عن الناس.
﴿وَالْكَظِمِينَ
تعالى:
فقال
اَلْفَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
فكانت صفة العفو من صفات المتقين
الراسخة فيهم.
ومعنى العفو: ترك عقوبة المذنب أو
المخطئ.
قال الراغب: ((عفوت عنه: قصدت إزالة
(٣) أخرج البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب تخفيف الإمام في القيام، ١/ ١٤٢، رقم
٧٠٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة، ١/ ٣٤٠،
رقم ٤٦٦.
٤٤٤
القرآن الكريم

التقوى
ذنبه))(١).
ومعنى قوله تعالى في وصف المتقين:
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ اَلنَّاسِ﴾ أنهم يتركون عقوبة
من استحقها.
قال الألوسي: ((﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
أي: المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا
مؤاخذته، إذا لم يكن في ذلك إخلال
بالدین»(٢).
وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعفو، فقال:
﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمّْ
[النور: ٢٢].
وَاللَّهُ غَفُورٌ تَّحِيمٌ ﴾
وقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
﴾ [المائدة: ١٣].
الْمُحْسِنِينَ
كما وصف الله تعالى نفسه بالعفو، فقال يحكي نبيًا من الأنبياء - صلوات الله وسلامه
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾ [الحج:
٦٠].
وصفة العفو صفة حمیدة ((لا تصدر إلا
من نفس كبيرة راجحة العقل، صبرت على
اعتداء الغير وأذاه ... وإن مقابلة الإساءة
بالإحسان تنزع من المعتدي البغضاء،
وتترکه مندهشًا فیرتد غالبًا عن غیه وتنقلب
بغضاؤه إلى مودة))(٣).
وقد بين القرآن أن المعاملة الحسنة مع
الأعداء تجعلهم ينقلبون عن عداوتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا
(١) المفردات ص٣٣٩ .
(٢) روح المعاني ٤ /٥٨ .
(٣) روح الدين الإسلامي، عفيف طبارة ص٢١٦.
السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَاَالَّذِى بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىُّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: ٣٤].
١٠٠٧٠٠٠٠
ولهذا أمر الله تعالى بالعفو ووصف
به المتقين. وفي الآية: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وصف للمتقين بالجملة الاسمية التي
تفيد الثبات والاستمرار وأنها صفة راسخة
فیهم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
أكثر الناس تمثلًا بصفة العفو، فكان العفو
شیمته صلى الله عليه وسلم، روى البخاري
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كأني
أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
علیهم - ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم
عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم
لا يعلمون)» (٤).
٤. الصدق.
وصف الله المتقين بالصدق حيث قال:
﴿قُلْ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِنْدَ
رَبِّهِمْ جَنَّتُ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَاتٌ مِّنَ اللَّهِ
وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ { الَّذِينَ يَقُولُونَ
رَبَّنَآَ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَّنَا وَقِنَا عَذَابَ
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الغار، ٤ /١٧٥، رقم
٣٤٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب غزوة أحد، ١٤١٧/٣، رقم ١٧٩٢.
www. modoee.com
٤٤٥

حرف التاء
النَّارِ الصََّبِرِينَ وَالصَّدِّقِينَ وَاَلْقَانِتِينَ
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل
عمران: ١٥ - ١٧].
وفي آية البر بعد أن ذكر أوصاف الأبرار
قال عنهم: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ
اٌلْمُثَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِةٌ أُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [الزمر:
٣٣].
ففي الآية الأولى قال: ﴿الصَِّينَ
وَالصَدِقِينَ﴾ وهذه الصفة امتدح الله
بها المتقين، وهي منصوبة بتقدیر يدل على
الاختصاص، أي: أخص أو أعني الصادقين.
وفي الآية الثانية - آية البر- وصف
المستجمع لخصال البر بالصدق، حيث
قال تعالى: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّالْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اُلْآَخِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ وَءَاتَى
الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَالْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فقد وصف الله تعالى المستكمل لهذه
الخصال بالصدق كما وصفه بالتقوى، فبين
أن المتقين صادقون في جميع هذه الخصال
وهي:
* الصدق في الاعتقاد، وأشار إليه
بقوله: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاَللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ
وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبْنَ
الصدق في حسن المعاشرة، أي:
الصدق في حسن معاملة الناس
جميعًا، وخاصة الفقراء والمحتاجين،
وإليه أشار: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ»
ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ ﴾
الصدق مع نفسه، وذلك بتهذيبها
وتعويدها على الخصال الحميدة التي
تعود على نفسه بالخير، سواء كان
تعامل النفس مع الله أو تعاملها مع
الناس، وإليه أشار: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوةَ
وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا
عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ
الْيأْسِ﴾
كما تم الإخبار عنهم باسم الإشارة
﴿أُوْلَكَ﴾، وهذا الاسم يستخدم للإشارة
إلى البعيد؛ ليدل على أنهم متأصلون في هذه
الصفة.
وفي الآية الثالثة: ﴿ وَأَلَّذِى جَآءَ يِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهٌ أُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [الزمر:
٣٣].
قال ابن عاشور: «الذي جاء به هو : محمد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدق:
٤٤٦
جوبيـ
القرآن الكريم

التقوى
القرآن ... وجملة: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾﴾ صلة
موصول محذوف تقديره: والذي صدق به؛
لأن المصدق غیر الذي جاء بالصدق»(١).
وقال الشوكاني: «وقيل: إن ذلك عام في كل
من دعا إلى توحيد الله وأرشد إلى ما شرعه
لعباده. واختار هذا ابن جرير، وهو الذي
اختاره من هذه الأقوال))(٢).
وعليه يحتمل أن يكون المعنى أن الذي
جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأن الذي صدق به هم
المؤمنون، فقد ترجموا القرآن إلى سلوك
عملي، کما کان رسول صلی الله علیه وسلم
عندما أخبرت عنه عائشة: ((کان خلق رسول
صلى الله عليه وسلم القرآن)). فهؤلاء
المؤمنون الذين ترجموا القرآن إلى واقع هم
المتقون.
٥. الوفاء بالعهد.
قال تعالى في وصف المتقين:
﴿وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة:
١٧٧].
(١) التحرير والتنوير ٨/٢٤.
(٢) فتح القدير ٢٦٣/٤.
والمراد به: ما عاهد عليه المسلم الله من
الوفاء والتكاليف والالتزامات التي شرعها،
قال الراغب: «وعهد الله تارة يكون بما ركزه
في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالکتاب
وبالسنة ورسله، وتارة بما نلتزمه وليس
بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري
مجراها، وعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ
اُللَّهَ ﴾[التوبة: ٧٥]))(٣).
وقد جعل الأخير عهدًا مع الله؛ لأن
الإنسان يتعامل مع الله من خلال تعامله مع
الناس، فلا يجوز نقض العهد؛ لأن الله أمرنا
بذلك.
وأول عهد يطالب الإنسان بالوفاء به:
عهده مع الله عز وجل بالإقرار له بالربوبية،
وعلى نفسه بالعبودية.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ يَفِىّ
ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّفَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىْ شَهِدْنَُّ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف:
١٧٢].
ولا يفي الإنسان بهذا العهد حتى
ومعنى الوفاء بالعهد: إتمامه وافيًا بکامل
حقوقه وشروطه، وعدم نقضه. ومعنی وفى
عهد مع الله، وعهد مع الناس.
يعتقد علمًا وعملًا أن الله وحده له حق
وأوفى: أعطى الحق وافيًا. والعهود نوعان: الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، فعنه
يتلقى وله يطيع. ومتى أعطى المسلم حق
الطاعة المطلقة، أو حق التشريع والتحليل
العهد مع الله تعالی.
والتحريم لأحد غيره من هيئة أو جماعة أو
(٣) المفردات ص٣٥٠.
www. modoee.com
٤٤٧

حرف التاء
فرد أو مجلس فقد نکث بعهد الله وميثاقه.
ومن العهد مع الله الالتزام بالشريعة
الإسلامية وتوفية حقوق الله كاملة، فإن
من حق الله على عباده أن يطاع فلا يعصى.
والوفاء بالالتزام بالشريعة يعني أداء الحقوق
كاملة، فالصلاة تؤدى كاملة، وكما أمر
تبارك وتعالى من الشروط الظاهرة والباطنة
کالخشوع وغيره، وکذلك الزكاة، وكذلك
كل عمل يقوم به المرء يقصد التقرب
إلى الله تعالى، فإن الوفاء بالعهد يعني
توفيته كاملًا غير منقوص ومراعاة حقوقه
وشروطه. والوفاء بعهد الله في الجهاد يعني
أن يجاهد المرء ویثبت في ذلك حتی ینال
الموت في سبيل الله أو النصر على الأعداء،
وعلى هذا قوله تعالى في مدح رجال من
المؤمنين: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِرٌ وَمَا بَدَّلُواْ
تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣].
العهد مع الناس.
ويدخل فيه كل تعامل مع الناس. والواقع
أن هذا العهد يدخل في العهد الأول؛ لأن
التعامل مع الناس يعني التعامل مع الله،
ولهذا لا يجوز للمسلم نقض العهد مع أي
إنسان كان مسلمًا أو غير مسلم.
والوفاء بالعهد واجب سواء كان تعاملًا
مع المسلمین أم مع غير المسلمین.
أ- التعامل مع المسلمين: ويدخل فيه
كل عهد أو عقد يجعله الإنسان مع غيره
من أمور الدنيا وغيرها، كالوفاء بالالتزامات
التي يجريها الإنسان في معاملاته اليومية،
في زواجه وبيعه وشرائه وشركته ومزارعته
ما دامت عقوده جائزة شرعًا.
ويدخل فيه الوفاء ببيعة الخليفة، وهي أن
يطاع الخليفة أو الأمير الذي اختاره الخليفة
مكانه في غير معصية، لذلك حث الله
ورسله على طاعة أولي الأمر، فقال تعالى:
﴿َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ
الْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (على المرء
المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا
أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع
ولا طاعة)(١).
ب- التعامل مع غير المسلمین: ويدخل
فیه العهد مع المشرکین حینما كان جائزًا
في أول الإسلام، والذي انتھی بنزول سورة
التوبة التي تأمر بقتل المشركين أينما وجدوا.
کما یدخل فيه العهد مع أهل الكتاب، حیث
لا يجوز نقضه إلا إذا نقضوه أو ظهر منهم ما
يشير إلى الخيانة.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب، باب
السمع والطاع للإمام، ٤ /٤٩، رقم ٢٩٥٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب
وجوب طاعة الأمراء في غير معصية،
١٤٦٩/٣، رقم١٨٣٩.
مُوسُوبَة الَِّـ
القرآن الكريم
٤٤٨

التقوى
قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً
فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَآيِنِينَ﴾
[الأنفال: ٥٨].
ومعنى ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ أن يخبرهم إخبارًا
ظاهرًا مكشوفًا بالنقض، ولا يناجزهم
الحرب بغتة (١).
ولذلك وصف الله المتقين بالوفاء
بالعهد حيث قال سبحانه: ﴿وَاَلْمُوقُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والمراد بالعهد هنا: ما يشمل كل الحقوق
سواء كانت حقوقًا لله أو حقوقًا للناس.
(١) فتح القدير ٢/ ٣٢٠.
مكانة التقوى
للتقوى مكانة عظيمة في الدين؛ لأن
فيها سعادة الدنيا والآخرة، وقد ورد في
مکانتها الكثير، منها أنها خير زاد وأجمل
لباس، لذلك أوصى الله بها وصية للأولين
والآخرين، وأوصى بها جميع الرسل
أقوامهم. ويمكن بيانها من خلال ما يأتي:
أولًا: التقوى خير زاد:
قال تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
النَّقْوَىنَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة:
١٩٧].
وأصل الزاد من الزيادة، ومعناها: أن
ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء
آخر. والزيادة قد تكون زيادة فضل، وقد
تكون زيادة مذمومة، فإن كانت لا حاجة لها
أو تؤدي إلى ضرر فهي مذمومة، وإن كانت
زيادة فضل فهي محمودة. والزاد هو الشيء
المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت.
والتزود هو أخذ الزاد (٢).
والتقوى خير زاد یتزود به.
واستخدام القرآن الكريم لفظ الزاد
للتقوى للإشارة إلى استخدامها وقت
الحاجة، بمعنى أن يبذل الإنسان جهده في
فعل الخير وقت الرخاء؛ ليستخدمه وقت
الحاجة والشدة.
(٢) المفردات ص٢١٦.
www. modoee.com
٤٤٩

حرف التاء
والمرء بحاجة إلى الزاد في الدنيا سبحانه!(٢).
والآخرة؛ فأما في الآخرة فهو أمر ظاهر؛ لأن
الإنسان إذا مات انقطع عمله في الدنیا، ولن
يكون له من عمله إلا ما سعى، ويبقى عمله
مستمرًا في العلم الذي ينتفع به الآخرون
والصدقة الجارية والولد الصالح الذي يدعو
له.
وكذلك يحتاج المرء إلى التزود في
الحياة الدنيا، فيبذل جهده في فعل الخير
وقت الرخاء؛ لیکون عونًا له على ذلك وقت
الشدة.
وفي الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء
يعرفك في الشدة)(١).
ولا يعني مفهوم التزود بالتقوى ترك زاد
الدنيا، أو ترك الأخذ بأسباب الحياة، فإن
هذا المفهوم خاطئ، بل إن الأخذ بأسباب
الحياة من التوكل الحقيقي مطلوب. وما
ورد من روايات وأسباب النزول يوضح
المعنى الحقيقي لمفهوم التزود.
فكان بعض العرب يحجون ولا
يتزودون من الطعام، معتبرين أن ذلك هو
التوكل الحقيقي، وكانوا يقولون: كيف
نحج بيت ربنا ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون
بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٩/٥، رقم
٢٨٠٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢٩٦١.
بل إن بعضهم كانوا إذا أحرموا ومعهم
أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فكان
يتوكل بعضهم على بعض. فنزلت الآية تبين
لهم خطأ هذا المفهوم، وأن التزود بالطعام
لا يتنافى مع أعمال الحج، وأرشدهم للزاد
الحقيقي الذي هو التقوى.
وذكر البخاري أن هذا المفهوم كان عند
أهل اليمن، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما
قال: «كان أهل الیمن یحجون ولا يتزودون،
ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة
سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧])(٣).
ثانيًا: التقوى أجمل لباس يتزين به
العبد:
قال تعالى: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُرْ
◌ِيَاسًا يُؤَدِى سَوْءَ يَكُمْ وَرِشَآٌ وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ
خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ
[الأعراف: ٢٦].
واللباس اسم الشيء الذي يستر عورة
الإنسان، سواء كانت مادية أو معنوية.
والعورة: سوأة الإنسان، وهي كناية،
وأصلها من العار. والسوأة هي كل ما يسيء
(٢) فتح القدير ٢٦٩/١ .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ النَّقْوَى ﴾، ١٣٣/٢، رقم ١٥٢٣.
٤٥٠
جَوَسُو ◌َ النَّشيد
القرآن الكَرِيْمِ

التقوى
الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن
الأحوال النفسية والبدنية. وكني بالسوأة
عن الفرج (١)؛ لأن كشف السوأة أمر مناف
للفطرة.
فاللباس یستخدم لمعنى التغطية والستر،
فيسمى ما يستر عورة الإنسان لباسًا، وكذا
تغطية معايبه. وسمي الأزواج من الذكور
والإناث لباسًا، حیث یمنع کل واحد الآخر
ویکون عونًا له في ستر معاییه.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةٌ اُلْصِيَامِ
الَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ مُنَّ لِيَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌُّ
لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال أبو السعود: ((وجعل كل من الرجل
والمرأة لباسًا للآخر؛ لاعتناقهما واشتمال
كل منهما على الآخر بالليل ... أو لأن
الفجور»(٢).
٦. ستر العورة للصلاة.
وجعل الليل لباسًا؛ لكونه يستر الناس ٧. الدرع وآلات الحرب.
٨. العفاف.
بظلامه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ
لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
[الفرقان: ٤٧].
واستخدم القرآن الكريم كلمة اللباس
للجوع والخوف؛ لكونه غشیھم من كل
جانب.
(١) المفردات ص٢٥٣ .
(٢) إرشاد العقل السليم، ٢٠١/١.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً
كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا
رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَذَاقَهَا اُللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
لذلك كان لباس التقوى أجمل لباس
يلبسه المرء، كما قال تعالى: ﴿وَلِيَاسُ النَّقْوى
ذَالكَ -
﴾ [الأعراف: ٢٦].
وللمفسرين في معنى (لباس التقوى)
عشرة أقوال أوردها ابن الجوزي في زاد
المسير، وهي:
١. السمت الحسن.
٢. العمل الصالح.
٣. الإيمان.
خشية الله تعالى.
٤.
كلّا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من ٥. الحياء.
٩. ما يتقى به الحر والبرد.
١٠. ما يلبسه المتقون في الآخرة خير مما
يلبسه أهل الدنيا(٣).
ولا مانع من إرادة الجميع. ولباس
التقوى خير من الثياب؛ لأن الفاجر وإن كان
حسن الثوب فهو بادي العورة.
(٣) انظر: زاد المسير ص٤٨٩ .
www. modoee.com
٤٥١

حرف التاء
ثالثًا: وصية جميع الرسل لأقوامهم
بالتقوى:
التقوى شعار المؤمنين ووصية الله تعالى
للخلق أجمعين، وكانت هدفًا عامًا بعث من
أجله الرسل، كما كانت من أهم ما أوصى
به الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه
وأمته.
فقد أوصى الله تبارك وتعالى جميع
الخلق بتقواه، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ
وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ
أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ [النساء: ١٣١].
وكانت التقوى من أهم ما دعا إليه الأنبياء
أقوامهم. فهذا نبي الله نوح عليه السلام
إِذْ قَالَ
يدعو قومه لتقوى الله تعالى:
أَخُوهُمْ نُوعُ أَلَا نَتَّقُونَ (١٦) إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (
١٠٧
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥) وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ
إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَاتَّقُواْ اللَّهُ
وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٦ - ١١٠].
وإبراهيم عليه السلام يدعو للتقوى:
﴿وَإِزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[العنكبوت: ١٦].
وَإِذْ نَادَى
وكذلك موسى عليه السلام:
رَبُّكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قَوْمَ فِرْعَوْنَ
أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١].
وعيسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى
بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأَبَيْنَ لَكُمْ
بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
[الزخرف: ٦٣].
وهود: ﴿إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَُّ أَلَا تَتَّقُونَ (
١٢٤
إِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ (١٥) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[الشعراء: ١٢٤ - ١٢٦].
ولوط: ﴿إِذْ قَالَ لَمْ لَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَّا نَتَّقُونَ (
١٦١
إِ لَّكُمْ رَسُولُ أَمِينَ ﴿ فَنَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[الشعراء: ١٦١ - ١٦٣].
وإلياس: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
(١٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَتَّقُونَ﴾ [الصافات: ١٢٣
- ١٢٤].
﴿إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا
وصالح:
نَتَّقُونَ ﴿ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾ فَاتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ ﴾ [الشعراء: ١٤٢ - ١٤٤].
وشعيب: ﴿إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبٌ أَلَا نَتَّقُونَ
٣٧٧
إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٠) فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونَ﴾
[الشعراء: ١٧٧ - ١٧٩].
و کذلك وصف یحیی بن زکریا بالتقوى:
﴿وَيَحْى خُذِ اُلْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ
صَبِيًّا ﴿ وَحَنَاَنَا مِن لَُّنَا وَزَكَوَةٌ وَكَانَ تَقِيًّا﴾
[مريم: ١٢ - ١٣].
فهذه نبذة عما ورد على لسان الأنبياء من
التقوى تتبين فيها الأهمية البالغة للتقوى.
٤٥٢
مُؤَسُوعَدُ النَيرِ العضوي
القرآن الكريم

التقوى
فضائل التقوى
للتقوى فضائل بينها القرآن الكريم
للحث على التخلق بها، نبينها فيما يأتي:
أولًا: فضائل التقوى في العلاقة مع
الله:
١. معية الله تعالی.
ومعيته تعالى نوع من ولايته، فالمعية
تعني التأييد والنصر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أُتَّقَواْ
وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
قال الراغب: (((مع): يقتضي الاجتماع
إما في المكان، أو في الزمان، أو في
المعنى .. وإما في الشرف والرتبة نحو: هما
معًا في العلو، ويقتضي معنى النصرة، وأن
المضاف إليه لفظ (مع) هو المنصور، نحو
قوله: ﴿لَا تَّحْزَّنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة:
٤٠] .. أي: ناصرنا))(١).
فأصل هذا الحرف يقتضي الاجتماع كما
يقتضي معنى النصرة.
وذهب أبو السعود إلى أن المعية تعني:
((الولاية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها
شائبة شيء من الحزن))(٢).
فالمعية أبلغ من الولاية.
والمعية لم تذكر إلا مع أصناف من
(١) المفردات ص ٤٧٠ .
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /٦٦.
المسلمين بلغوا درجةً إيمانية عالية، فقد
ذكرت المعية مع المتقين والمحسنين: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ﴾
[النحل: ١٢٨].
وذكرت المعية مع الصابرين: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
أما الولاية فهي عامة لكل المؤمنين:
﴿اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وهذه المعية هي المعية الخاصة؛ لأن
المعية معيتان: خاصة وعامة، فالمعية العامة
لكل البشر، وهي معية ملاحظة ومراقبة، كما
في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُتُمْ﴾
[الحديد: ٤].
أما المعية الخاصة فهي تعني: العون
والتأييد والنصر والهداية.
قال ابن كثير: «﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أُثَّقَواْ
وَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه
وسعيه، وهذه معية خاصة، کقوله:
يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَشَيْتُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
وقوله لموسى وهارون: ﴿ قَالَ لَا تَخَافًا
إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق
- الذي ذكره القرآن وهما في الغار -: ﴿
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
www. modoee.com
٤٥٣

حرف التاء
وأما المعية العامة فبالسمع والبصر
والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
كُتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
وكقوله تعالى: ﴿أَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُّ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن نَّْوَى
ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَارِسُهُمْ
وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾
[المجادلة: ٧]))(١).
٢. ولاية الله تعالى.
من ثمرات التقوى أن الله تعالى يكون
وليًا للمؤمنين يتولاهم بعنايته وتأييده
ونصره.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾
[الجاثية: ١٩].
وتدل أصل كلمة الولاية على القرب،
قال الألوسي: ((والأولياء جمع ولي من
الولي، بمعنى: القرب والدنو، يقال: ولي،
أي: قرب»(٢).
وقال ابن عاشور: ((والولي: الموالي،
أي: المحالف والناصر. وكلها ترجع إلى
معنى الولي - بسكون اللام -، وهو القرب،
وهو في معنى الولي كلها قرب مجازي))(٣).
وقال الراغب: ((الولاء والتوالي أن
يحصل شيئان فصاعدًا، حصولًا ليس
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٧٣ .
(٢) روح المعاني ١٤٦/١١.
(٣) التحرير والتنوير ٢١٦/١١.
بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب
من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن
حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة،
والاعتقاد. والولاية -بكسر الواو -: النصرة،
والولاية- بفتح الواو- تولي الأمر ..
وحقيقته: تولي الأمر)) (٤).
فأصل كلمة الولاية تعني القرب.
والولاية تعني تولي الأمر بالرعاية والعناية
لأوليائه على أعدائه؛ لأنه يتولاهم بتأييده
ونصره.
وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه الولي
﴿أَرِ أَنَّخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ
فقال:
اٌلْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[الشورى: ٩].
أي: إن الله وحده هو الولي، فالولاية
الحقيقية له تبارك وتعالى.
والولاية ولايتان:
ولایة عامة لکل الناس جميعًا.
ولاية خاصة للمؤمنين.
فالله ولي المؤمنين والكافرين من حيث
التصرف في شئونهم وأرزاقهم ونصرهم أو
خذلانهم.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،وَلَا
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء:
١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنْكَفُواْ
(٤) المفردات ص٥٣٣ .
٤٥٤
مَوَسُولَةُ التَّنِيَّة
القرآن الكريم

التقوى
وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَاَ
يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨].
[النساء: ١٧٣].
أي: إن الذين اتخذوهم أولياء لا أولياء لبعضهم البعض: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
ينصرونهم في شيء فالولاية والنصرة بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
الحقيقية من الله تعالى.
كما بين أنه لا قيمة أبدًا لمن اتخذه
أما الولاية الخاصة فهي ولاية المؤمنين، الكافرون أولياء، وأنه لا يملك لغيره، بل
وذلك بتأييدهم ونصرهم على عدوهم، كما
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَإِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة:
٢٥٧].
ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين باتخاذ الله
وليهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥].
وبين أن النصر والغلبة والتأييد من عنده
تبارك وتعالى، وأن الذین یجعلون الله ولیھم
ورسوله والمؤمنين هم الغالبون الظافرون.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَلَذِينَ
ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اَللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
كما أنه تعالى يخرج أولياءه من الظلمات
إلى النور: ﴿اللّهُ وَإِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:
وأنه يكفي المؤمنين أن يكون الله وليهم:
﴿وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥].
أما الذين يتخذون من دون الله وليا
فإنهم خاسرون ولا يجدون وليًا أبدًا يرعاهم
ویؤیدهم وينصرهم، لهذا نهى الله المؤمنین
عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم.
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ
وبين أن صف الكافرين واحد، وأنهم
ولا لنفسه نفعاً ولا ضرًا: ﴿قُلْ أَفَّخَذْ تُمْ مِن
دُونِةٍ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَمْسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾
[الرعد: ١٦].
لهذا عبر عنهم أنهم ليس لهم ولي:
﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَمُ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
[الشورى: ٨].
كما بين أن الولاية الحقيقية لمن لا
يؤمنون هي ولاية للشيطان: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:
٢٧].
وقد نفى الإيمان عن الذين يوالون
الكافرين: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ
أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: ٨١].
وقد شبه الله الذين اتخذوا أولياء من
دون الله بالعنكبوت عندما تتخذ بيتًا:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ
أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْئاً
وَإِنَّ أَوْمَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِ لَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
www. modoee.com
٤٥٥

حرف التاء
وبهذا وصف المتقين بأنهم أولياؤه:
﴿أَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌّ عَلَيَّهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَثُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].
وقد فسر معنى الأولياء هنا بأنهم:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
قال ابن عاشور: «ودل قوله: ﴿وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ﴾ على أن التقوى ملازمة لهم، أخذًا
من صيغة ﴿وَكَانُواْ﴾، وأنها متجددة
منهم؛ أخذًا من صيغة المضارع في قوله:
﴿يَتَّقُونَ﴾))(١).
وقال أبو السعود: ((فملاك أمر الولاية هو
التقوى»(٢).
وقال ابن عاشور: ((وهذه الآية هي
أقوى ما يعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي
شرعًا))(٣).
وكذلك وصف الله تعالى نفسه أنه ولي
المتقين، فقال جل شأنه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية:
١٩].
فإنه إذا كان صف الظالمين واحدًا وأنهم
أولياء بعضهم فإن صف المتقين صف واحد،
والله وليهم جميعًا، فهو متولي أمرهم بتیسیر
أمورهم ونصرهم وعونهم وتأییدهم.
(١) التحرير والتنوير ٢١٧/١١.
(٢) إرشاد العقل السليم، ٤ /١٥٩ .
(٣) التحرير والتنوير ٢١٧/١١ .
٣. حب الله تعالى.
تدل أصل كلمة الحب على ميل القلب
إلى أمر يراه خيرًا ويستلذ به، قال الراغب:
((والمحبة: إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا، وهي
ثلاثة أوجه: محبة للذة؛ كمحبة الرجل
المرأة ... ومحبة للنفع؛ كمحبة شيء ينتفع
به ... ومحبة فضل؛ كمحبة أهل العلم
بعضهم لبعض؛ لأجل العلم. وربما فسرت
المحبة بالإرادة في نحو قوله تعالى: ﴿فیه
رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وليس كذلك، فإن المحبة أبلغ من
الإرادة، وقوله تعالى: ﴿فَوْقَ بَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ.
◌ُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
فمحبة الله تعالى للعبد إنعامه عليه،
ومحبة العبد له طلب الزلفى لديه)» (٤).
وقد تحدث الألوسي عن المحبة ومعناها
فقال: ((فالمحبة لغة: ميل المتصف بها إلى
أمر ملذ» ثم تكلم عن أنها يمكن توفرها في
العبد حقيقة ... أما محبة الله للعبد فهي من
المتشابهات، فقال: ((وأنت تعلم أن ذلك من
المتشابه، والمذاهب فيه مشهورة)»(٥).
وقال البيضاوي: ((ومحبة الله تعالى
للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا
وحسن الثواب في الآخرة))(٦).
(٤) المفردات ص١٠٥.
(٥) روح المعاني ٦/ ١٦٣.
(٦) أنوار التنزيل، ٢ /١٥٥.
٤٥٦
مَوسُو ◌َبُ النَّسيد
القرآن الكريم

التقوى
وذكر ابن القيم عن محبة الله لعبده فقال:
«محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة
زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه، فإن
ذلك أثر المحبة وموجبها. فإنه لما أحبهم
كان نصيبهم من رحمته وبره أتم نصیب» (١).
وعلى كل حال فإن المحبة كما قال ابن
القیم: «لا تحد بحد أوضح منها، فالحدود
لا تزیدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها.
ولا توصف المحبة بوصف أظهر من
المحبة. وإنما يتكلم الناس في أسبابها
وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها
وأحكامها)»(٢).
وقد رسم لنا القرآن الكريم الطريق العام
لنيل محبة الله تعالى، فقال جل شأنه: ﴿قُلّ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
فإن الطريق لنيل محبة الله اتباع الرسول
صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله.
وكذلك بين لنا الرسول صلى الله عليه
وسلم الطريق لنيل محبة الله تعالى، فقال
صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال:
من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما
تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما
افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي
بالنوافل حتى أحبه)(٣).
(١) مدارج السالكين ١٨/٣ .
(٢) المصدر السابق ٩/٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
وإذا أحب الله تعالى عبدًا من عباده
فإنه يوقع له المحبة من أهل السماء وأهل
الأرض. ففي الحديث الذي رواه مسلم عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (إن الله تعالى إذا أحب عبدًا
دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحببه،
فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول
في الأرض .. وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل،
فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه
جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله
يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء،
ثم توضع له البغضاء في الأرض)(٤).
وكذلك إذا أحب الله تعالى عبده فإنه
يؤيده وينصره، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى
لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي
عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه،
وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى
أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،
وبصره الذي يبصر به، ویده التي يبطش بها،
ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته،
باب التواضع، ٨/ ١٠٥، رقم ٦٥٠٢، عن أبي
هريرة .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب، باب
ذكر الملائكة، ١١١/٤، رقم ٣٢٠٩، ومسلم
في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب إذا
أحب الله عبدًا حبيه إلى عباده، ٢٠٣٠/٤،
رقم ٢٦٣٧.
www. modoee.com
٤٥٧

حرف التاء
ولئن استعاذني لأعيذنه)(١).
لذلك قال الله تعالى في ذكر بعض
ثمرات التقوى: ﴿بَ مَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِ، وَاتَّقَى
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
والتقوى صفة من جملة الصفات التي
إن تحلى بها المرء نال حب الله تعالى، فقد
ذكر القرآن أن الله يحب من اتصف بصفات
معينة، وهذه الصفات هي أمهات الفضائل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[آل عمران: ١٥٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
وقال تعالى:
الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣].
وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ
تَرْصُوصُ﴾ [الصف: ٤].
ویقول النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي رواه مسلم: (إن الله يحب
العبد التقي، الغني، الخفي) (٢).
فالتقوى صفة من الصفات التي يحب
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، رقم ٢٩٦٥، عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه.
الله من اتصف بها.
٤. رحمة الله تعالى.
ومن ثمرات التقوى نيل رحمة الله
تعالی.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ
اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾
[الحديد: ٢٨].
ومعنى رحمة الله تعالى لعباده هي:
العطف والإنعام والإحسان والرأفة.
والله رحيم بهذا الإنسان يرعاه ويعينه في
كل لحظة من لحظات حياته، ولولا رحمة
الله بهذا الإنسان لما استطاع العيش ولا
للحظة واحدة، إنه المخلوق الضعيف الذي
يحتاج إلى الرعاية والعناية.
ورحمة الله واسعة لا تشمل الإنسان
فحسب، بل تشمل كل مخلوق خلقه الله
تعالی.
قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
فالله تعالى هو المتصرف في شئون هذا
الكون، و کل ما في الكون ملك له، والإنسان
وغيره مخلوقات ضعيفة منقادون لله تعالى،
ومع هذا فإن الله تعالى كتب على نفسه
الرحمة؛ تفضلًا وتكرمًا، وهذه نعمة عظيمة
على المرء أن لا يغفل عنها.
٤٥٨
جَوَسُولَةُ اللَّهِ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التقوى
وإذا كانت رحمة الله تعالى تقتضي قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا يفيد الرجاء،
الإحسان والتخفيف والرأفة على هذا أي: رجاء أن ترحموا. وفي هذا التعبير دلالة
المخلوق الضعيف، وأنها تشمل المؤمن
والكافر، إلا أن هناك رحمات خاصة يخص
بها عباده المؤمنين الطائعين، وهذه الرحمة
تعني: زيادة العطف والعناية والرأفة بهؤلاء
المؤمنین، فاللہ یحیطھم برحمة خاصة، كما
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقد رسم لنا القرآن الطريق لنيل رحمة
الله التي خص بها عباده، فمن هذه الطرق:
١. تلاوة القرآن الكريم والاستماع مع
الإنصات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ
اَلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
٢. إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله
﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
والرسول:
الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ﴾
[النور: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل
عمران: ١٣٢].
٣. الاستغفار: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦].
٤. الإصلاح مع التقوى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
والملاحظ في هذه الآيات وغيرها أن
الله تعالی یعبر عن نیل رحمته بـ (لعل) کما
على أن الرحمة من الله يعطيها لمن يشاء،
فلتطلب الرحمة من طرقها مع رجاء الله في
نيل رحمته، أي: إن من أهم طرق الرحمة
هو: رجاء الله في نيلها، كما أخبر النبي
صلى الله عليه وسلم أنه لن يدخل هو الجنة
بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. فرجاء
رحمته تعالى هي أهم شيء في طلبها.
قال تعالى: ﴿يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن
يَشَآءُ ﴾ [العنكبوت: ٢١].
﴿وَاَللَّهُ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَنْ
يَشَآءُ ﴾ [البقرة: ١٠٥].
ولهذا نجد القرآن الكريم بحثنا كثيرًا
على طلب رحمة الله وعدم القنوط من
رحمته تبارك وتعالى التي وسعت كل شيء،
وسعت الإنسان مهما عمل من المعاصي إذا
تاب.
قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ
رَبِّهِ= إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦].
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ
وقال تعالى:
أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِى
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥].
والله تعالى يختص برحمته من يشاء،
وقد خص بها أصنافًا من المؤمنين، ومن
هؤلاء الأصناف: المتقون.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُوا اللَّهَ
www. modoee.com
٤٥٩

حرف التاء
وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل كما ورد في الحديث القدسي: (إن رحمتي
تغلب غضبي).
لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
تَّحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].
ففي هذه الآية نجد أن من يتقي الله فإن
الله يؤتيه کفلین من رحمته. وأصل الكفل:
الحظ الذي فيه الكفاية، أي: يؤتكم نصيبين
من رحمته.
قال ابن عاشور: ((والكفل - بكسر الكاف
وسكون الفاء -: النصيب، وأصله: الأجر
المضاعف، أي: يؤتكم أجرين عظيمين،
وكل أجر منهما هو ضعف الآخر مماثل له،
فلذلك ثني كفلین))(١).
وقال سيد قطب: ((أي: يعطكم نصيبين
من رحمته، وهو تعبير عجيب، فرحمة
الله لا تتجزأ، ومجرد مسها الإنسان يمنحه
حقيقتها، ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد
للرحمة وزيادة فيض» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ
شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِتَّايَبِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:
١٥٦].
والرحمة هنا ذكرت مقابل العذاب:
«قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي
وسعت كل شيء)) ففي مقابل العذاب جاء
ذكر الرحمة؛ لبيان أن الرحمة تسبق العذاب،
(١) التحرير والتنوير ٤٢٩/٢٧ .
(٢) في ظلال القرآن ٣٤٩٦/٦.
قال أبو السعود: ((وفي نسبة الإصابة إلى
العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى
الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة
مقتضى الذات. وأما العذاب فبمقتضى
معاصي العباد»(٣). وقد كانت الرحمة هنا
أولًا للذين يتقون.
٥. قبول العمل.
وقبول العمل يعني: أخذه مع إعطاء
الثواب عليه، أو الرضا به مع إثابة العامل.
وقد امتن الله على المؤمنين بأن أثابهم
على استقامتهم بقبول أفضل أعمالهم،
حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[الأحقاف: ١٣].
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ تَتَقَبَّلُ
ثم قال عنهم:
عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيّ
أَصْحَدٍ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾
[الأحقاف: ١٦].
وقبول العمل عطاء من الله تعالى، ولهذا
ورد الدعاء بقبول العمل. فهذا إبراهيم وولده
إسماعيل عليهما الصلاة والسلام يأمرهما
الله تعالى بناء الكعبة المشرفة، فيقومان
بعملهما؛ امتثالًا لأمره تبارك وتعالى، ثم
يدعوان الله أن يتقبل عملهما.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧٨/٣.
٤٦٠
مُوسُوبَةُ النَّفِي
القرآن الكريمِ