Indexed OCR Text

Pages 41-60

التقليد
ومن إيذاء اليهود لموسى عليه السلام ما
رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله علیه وسلم: (إن موسی کان رجلا حییًا
ستیرًا لا یری من جلده شيء؛ استحياء منه.
فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر
هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص
وإما أدرة (١) وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه
مما قالوا لموسى، فخلا یومًا وحده فوضع
ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل
إلی ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه،
فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل
يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتی انتھی
إلی ملأ من بني اسرائیل، فرأوه عریانًا أحسن
ما خلق الله وأبرأه مما يقولون ... فذلك قول
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
ءَذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ
وَحِيمًا﴾﴾(٢).
فجاء القرآن الكريم ناهيًا المؤمنين أن
يفعلوا فعل اليهود بإيذاء النبي صلى الله عليه
وسلم فقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ
(١) أي: نفخة في الخصية.
انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ /١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما
السلام، رقم ٣٤٠٠، ١٢٩/٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل
موسى صلى الله عليه وسلم، رقم ٦٢٩٦،
٧ / ٩٩.
﴾ [الأحزاب: ٦٩].
٦٩)
عِندَاللّهِ وَجِيهًا
فالله تعالى ينهى كل مؤمن أن يؤذي
النبي صلى الله عليه وسلم بقول یکرهه، أو
بفعل لا يحبه، ونهاهم أن يكونوا أشباه الذين
آذوا موسى عليه السلام.
وقد وقع الخلاف فيما أوذي به النبي
صلی الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية،
فبين النقاش: أن إيذاءهم للنبي صلى الله
علیه وسلم بقولهم: زید بن محمد. وقيل:
نزلت في شأن زيد بن حارثة وزينب بنت
جحش، وما سمع فيه من قالة بعض الناس،
أو إيذاءه في اتهام زوجته الطاهرة عائشة
رضي الله عنها بالفاحشة من قبل أصحاب
الإفك، وقول بعضهم وقد قسم مالًا: اعدل
فينا يا رسول الله. فقال له: ويحك إذا لم
أعدل أنا فمن یعدل؟ و کان یقول: یرحم الله
موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر (٣).
فالله تعالى ينادي مؤمني هذه الأمة ناهیًا
إياهم عن إيذاء نبيهم بأدنى أذى، ولا يكونوا
کبني إسرائيل الذين آذوا موسى في غير
موطن.
ومن الذين حاكى اليهود في إيذاء
الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون
إذ طعنوا في أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها، فاتهموها بالفاحشة.
حيث أنزل الله تعالى في رأس النفاق
(٣) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٢٩٨/٤.
www. modoee.com
٣٨١

حرف التاء
وَرَسُولَهُ، لَعَنَّهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ ◌َمْ
عَذَابًاً مُهِينًا )﴾ [الأحزاب: ٥٧](١).
عبد الله بن أبي بن سلول وأناس معه قذفوا يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشعره،
، قوله سبحانه: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وحاول يهود بني النضير إيذاءه بالقتل.
ويتوالى الإيذاء في العهد الأموي، حيث
وصف النصراني الحاقد يوحنا الدمشقي
الرسول صلى الله عليه وسلم باستغلاله
فنحن نرى أن سورة الأحزاب، تتحدث
عن إيذاء المنافقين للنبي صلى الله عليه
وسلم، وكذلك عن إيذاء اليهود لموسى
عليه السلام، ونهينا عن التأسي بالفريقين.
ومعلوم أن المنافقين إخوان اليهود في
* أَمْ تَرَ إِلَى
الدين لمصالحه الشخصية. ويتبع مرضى
العصر الحديث أسلافهم المرضى في إيذاء
الرسول صلی الله علیه وسلم، ویشابه هذا
الإيذاء، ما كان من صحيفة بلاند بوستن.
وكذلك ما كان من فيلم الإساءة للنبي صلى
الله عليه وسلم والذي عرض في أمريكا.
أخلاق السوء، بنص القرآن:
الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ
[الحشر: ١١].
وتتوالى الأنفس المريضة الكافرة في
إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، متبعًا
اللاحق منها السابق، سواء بالاعتداء على
شخصه أو أتباعه المؤمنين، أم بالافتراء
والكذب عليه بوضع الحدیث. ويتداول
خلق الإيذاء هذا أناس، منهم المشركون
ومنهم اليهود ومنهم المنافقون، حتى
العصر الحديث. ففي العهد المكي: كان
من أوائل من آذوه عمه أبو لهب وزوجته
حمالة الحطب. وألقى الشقي عقبة بن أبي
معیط سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه
وسلم. وفي العهد المدني آذاه اليهود بالقول
والفعل، فقد كان اليهودي كعب بن الأشرف
(١) لباب النقول، السيوطي، ص١٧١.
مُوسُو ◌َر البقية الوضوء
القرآن الكريم
إن الإيذاء للرسول صلی الله عليه وسلم
ولدينه، تتشابه فيه فئات من الناس على
اختلاف ألوان مللهم، وعلى توالي الزمان،
ونسمع من المسلمين- وللأسف- شتمه
للنبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من لا
یتأدب عند رواية أحاديثه، ولا عند مناقشتها،
ولا عند رؤية من يلتزم بسنته صلى الله عليه
وسلم، وهذا كله من الإيذاء.
ومن أخلاق السوء التي نهانا الله عن
امتثالها، وعن فعلها كما فعلها أهل الكتاب:
التفرق والاختلاف والتشرذم.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ
تَغَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ
◌َْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
أي: لا تكونوا يا معشر المؤمنين
كأهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا في
٣٨٢

التقليد
دين الله تعالى، وخالفوا أمره، من بعد ما عليه وسلم، أن يتبرأ من الذين تفرقوا في
جاءهم البينات. فلا تفعلوا فعلهم، وتستنوا دينهم، وأصبحوا شيعًا وأحزابًا. والتبرؤ
(١)
سنتهم (١).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
تفرق اليهود والنصارى وتفرق أمة الإسلام
في حدیث واحد، حیث قال: (تفرقت اليهود
على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة،
والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على
ثلاث وسبعين فرقة)(٢).
وفي هذا دلالة على وقوع التفرق
والاختلاف في الأمة كما وقع في أهل
الكتاب.
ويحذرنا الله عز وجل في آيات أخرى
من مشابهة أهل الكتاب في التفرق،
ـَنِيبِينَ إِلَيْهِ
فيقول سبحانه وتعالى:
وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ
وَكَانُواْ شِيَقًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[الروم: ٣١-٣٢].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٧/ ٩٢
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
شرح السنة، رقم ١٩٧/٤،٤٥٩٦، والترمذي
في سننه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في
افتراق الأمة، رقم ٢٦٤٠، ٢٥/٥، وابن ماجه
في سننه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، رقم
١٣٢١/٢،٣٩٩١.
يقتضي المخالفة، وترك المشابهة بأفعالهم
وتفرقهم. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ
شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
ومن كرامة هذه الأمة على الله تعالى،
أن يأمرهم بما أمر به أولي العزم من الرسل،
وينهاها عما نهاهم عنه، فقال الله سبحانه:
شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اَلْذِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا
وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِ إِبْرَهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ أَلْدِينَ وَلَّا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾
[الشورى: ١٣].
وهذا فیه حث لهذه الأمة أن تسلك سبيل
صفوة الصفوة من الخلق وهم أولوا العزم
وتلتزم بصفاتها، وألا يسلكوا سبيل من اتبع
غير سبيل المؤمنين.
والناظر لحال أمة الإسلام يرى التفرق
والتشرذم والتناحر والتباغض، سواء
وأوحى الله تعالى لنبيه صلى الله على مستوى الأفراد، أم الجماعات، أم
المؤسسات، أم الدويلات الإسلامية. كل
مستوى يخطئ الآخر، ويرى نفسه الحق،
وما عداه باطل، وسری هذا الداء إلى أنفس
العاملين للإسلام. وقليل من أبناء الأمة من
ينظر بعين الحاذق إلى حقيقة الاختلاف،
وأنه لا يجوز -ولا بأي حال- أن يؤدي إلى
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ووافقه الألباني في صحيح وضعيف سنن تناكر القلوب وتباغضها. وتعددت الأفكار
الترمذي، ٥٣/٣.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف التاء
والرؤى التي ينتمي إليها أبناء المسلمين، وأصحابه المنافقين(١). وصيغة ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾
صيغة استقبال في معنى الاستمرار (٢).
فأصبحنا شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم
فرحون. وانتشرت البغضاء فيما بين هذه
الأحزاب، حتى ضرب بعضها رقاب بعض،
ولا أدل على ذلك مما حصل في فلسطين،
حينما كانت الاستجابة لأوامر يهود.
٢. تقليد أخلاق المنافقين.
النفاق صفة ذميمة يلجأ إليها بعض البشر
حينما لا يستطيعون الوصول الى أهدافهم
بسهولة، فيلجأون إلى النفاق. وهذه الفئة
البشرية تتصف بصفات بذيئة، ويتخلقون
بأخلاق مسمومة ذميمة، حذرنا الله تعالى
منها، والتشبه بها، أو سلوك سبيلهم في
مثل هذه الأخلاق. ومن صفاتهم الذميمة
التي نهينا عن تقليدهم فيها: الظن السيء،
والإعراض عن الحق، والخوض في آيات
الله بالباطل.
لقد جاء القرآن الكريم ينهانا عن التأسي
بالمنافقين في صفتهم الظن السيء الذي
ينص على أن خروج المؤمنين غزاة طائعين
لله تعالى سبب في قتلهم وموتهم.
فقال الله سبحانه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَكُونُواْ كَذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا
فِ الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى أَوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُوَأَ
وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾
[آل عمران: ١٥٦].
وهذه في عبدالله بن أبي بن سلول
وهذا الظن السيء، يتكرر ويتجدد،
مشابهة للمنافقين السابقين. فترى ضعاف
الإيمان يثبطون عن الجهاد والاستشهاد،
قائلين لإخوانهم المجاهدين: لو كانوا
عندنا ما ماتوا وما قتلوا! ولو لم يجاهدوا ما
غيبوا في غياهب السجون! ولو لم يخالطوا
المجاهدين ما أبعدوا عن أوطانهم ولا
توقفت عطاياهم!
ولقد شابه المنافقين في الظن السيء،
ظن أهل الجاهلية، الذين ظنوا أن الله
تعالى لا ينصر رسوله والمؤمنين، فقال
الله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ
أَمَنَةً تُّغَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ
أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
اَْهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَهْءُ
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىَ أَنْفُسِهِم مَّا لَا
يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا
قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
يقول ابن القيم: ((وقد فسر هذا الظن
الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر
رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه
للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم یکن
بقضائه وقدره، ولا حکمة له فیه»(٣).
(١) انظر: جامع البيان. الطبري، ٣٣٠/٧.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٧/ ٣٣٠.
(٣) زاد المعاد، ابن القيم، ٢٢٨/٣.
مُوسُوبَةُ اللَّهِ
القرآن الكريم
٣٨٤

التقليد
وتتجدد واقعية الآية، وتتكرر أخلاق
النفاق في زماننا اليوم، إذ التثبيط عن يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله))(١).
الجهاد، والتخويف من شأنه وشأن
المجاهدين وسلاحهم، مقابل تهويل
المنافقين لإخوانهم الذين كفروا من أهل
الكتاب. ويظنون بالله ظن السوء، وأن الله
تعالى لن ينصر العاملين لدينه المستمسكين
بحبله المتين، فهم لا قبل لهم بأعدائهم،
فعدتهم أضعف من عدة عدوهم. كذلك
ينتظر هؤلاء المنافقون، عثرات المجاهدين
والإصابة منهم.
فصدق قول الله فيهم: ﴿إِن تُصِبْكَ
حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌّ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ
وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٥٠].
ومن أخلاق النفاق، التي كان الزجر
عن التشبه بها: خلق الإعراض عن الحق،
حيث يقول الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ
وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ
٢٠
تَسْمَعُونَ
سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٠-
٢١].
فصفة المنافقين أنھم یقولون بألسنتهم ما
ليس في قلوبهم، یقولون: نسمع كلام الله،
لكنهم لا ينتفعون بما سمعوا، ويتولوا وهم
معرضون.
يقول القرطبي: ((فدلت الآية على أن قول
المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم
واليوم ترى الذين في قلوبهم مرض
يتولون عن أمر الله تعالى، فهم يقولون:
سمعنا، وهم لا يسمعون. فكم من سامع
لآيات الله تتلی علیه سماع أذن لا عمل فیه.
فمثلًا تنهى عن التشبه بالكفار في التحاكم
إلى الطاغوت فلا استجابة، وتنهى عن
التشبه بالكفار في الزي والمظهر فلا سمع
ولا طاعة، وتؤمر الفتاة المقلدة لفاجرات
الكفر، بمواراة السوءة فلا تلبي، وتنهى عن
نصرة الظالم بالباطل - كما هي جاهلية مكة
الأولى- فلا تلبية ولا استجابة، وتنهى عن
أكل أموال الناس بالباطل فلا يستجيبون.
ومن صفات المنافقين التي ذكرها
القرآن الكريم: الخوض في آيات الله
بالباطل والاستهزاء بها، ومن شدة خطورة
هذه الصفة، لم ينهنا الله تعالى فقط عن
فعلها، بل وعن الجلوس مع الخائضين
﴿وَقَدْ
والمستهزئين بها، فقال الله سبحانه:
نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ
يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهَ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ
جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا
١٤٠
﴾ [النساء: ١٤٠].
وأمر الله المؤمنين بالإعراض عمن هذه
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٤٦/٧.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف التاء
صفته، نراه في قول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ
الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:
٦٨].
وهذه ((نزلت في قوم من المنافقين
کانوا یجلسون إلی أحبار اليهود، فیسخرون
من القرآن، ويكذبون به ويحرفونه، فنهى
المسلمين عن مجالستهم.
قال ابن عباس: ودخل في هذه الآية
كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم
القيامة))(١).
والأمر بالإعراض عن الخائضين من
المنافقين، وعن مجالستهم، أبلغ في الزجر
من النهي عن مشابهتهم في هذا الخلق
الذمیم.
يقول أبو السعود: ((المراد بالإعراض:
إظهار المخالفة بالقيام عن مجالستهم، لا
الإعراض بالقلب أو بالوجه فقط)) (٢).
ومن الجلوس مع المستهزئين بآيات الله،
الجلوس أمام شاشات بعض الفضائيات
التي تستهزىء بالعاملين لدين الله تعالى،
وتصورهم بصور تنفر العامة من الدین، کان
تصورهم بأنهم قاطعوا طريق، أو أصحاب
قوة يستخدمونها في سفك الدماء والاعتداء
على حقوق الناس، وأنهم إرهابیون. كل
(١) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢/ ١٦٥.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٤٥/٢.
المعتصمين بدين الله تعالى، وتنفير الناس
منهم.
وَلَين
فصدق قول الله فيهم:
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِسَيِكُمْ﴾
٦٥
[التوبة: ٦٥-٦٦].
٣. تقليد أخلاق المشركين.
المشرك له من الأخلاق الذميمة الكثير،
فهمه الأكبر نفسه، ينظر إليها على أنها غايته،
فیحقق لها ما یستطیع من متاع الدنيا، وكلما
ازداد في البحث عن شهواته ورغباته، ازداد
تأصل الأخلاق السيئة في نفسه. وذكر الله
أخلاقًا للمشركين لنكون- نحن المؤمنين-
أبعد الناس عنها تشبهًا وتقليدًا وفعلًا. ومن
أخلاق المشر کین التي نھینا عن التخلق بها،
خلق البطر والرياء، والعصبية القبلية النتنة،
والتبرج المذموم.
فعن خلق البطر والرياء، يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَدِهِمْ بَطَرًّا
وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[الأنفال: ٤٧].
لما رأى أبو سفيان أن عيره نجت،
أرسل إلى أبي جهل يخبره بذلك، طالبًا
ذلك وأمثاله من باب الطعن والنيل من منه العودة، إلا أن أبا جهل ركب رأسه
وقال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم
عليها ثلاثًا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام،
٣٨٦
مَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

التقليد
ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع
بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون
يهابوننا أبدًا(١).
فالكبر والبطر يملآن قلب أبي جهل.
فكان النهي الرباني للمؤمنين عن أن يزاولوا
مثل هذه الأخلاق، وزجرهم أن يكونوا
مثلهم في أفعالهم.
وهکذا یتکرر فعل أبي جهل، من قبل
أحفاده، نظروا إلى الدنيا، ظانين أن النصر
من خلال الخمر والسهر والقيان، فشربوا
الخمر حتى ثملوا، وعزفت لهم القيان،
فضاعت العباد والبلاد. ولو أنهم كانوا
ممن عرف الله، لأقاموا الليل بالقرآن،
بدل عزف القيان، ولسمعوا قول الله تعالى
وهو يناديهم: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
دِيَدِهِمْ بَطَرًّا وَرِينَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾﴾ [الأنفال: ٤٧].
صلاح الدین الذین كان وصفهم: رهبان
بالليل، فرسان بالنهار. فاستبدلوا الذي هو
أدنى بالذي هو خير، فكانت الذلة والمسكنة،
کما کان حال أبي جهل الذي شرب کأس
المنايا بدل كأس الخمر، وناحت عليه
النوائح بدل زغاريد القيان، وذكرتهم العرب
بالصغار بدل الفخار. وما زالت الأمة تتجرع
كأس الهوان من وراء أفعال أتباع أبي جهل
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ١٦٦/٣.
البطر الأشر.
ومن أخلاق المشركين التي نزل فيها
القرآن يحذر المسلمين من مزاولتها: دعوى
الجاهلية، فقد قال الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا
اَلْكِتَبَ يُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِينَ () وَكَيْفَ
تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَ عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠٠- ١٠١].
وسبب نزولها أن شاس بن قيس اليهودي
-وكان شديد الضغن على المسلمين- مر
على نفر من الأوس والخزرج في مجلس
جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ألفتهم
بالإسلام من بعد الذي كان بينهم في
الجاهلية من عداوة، فقال: والله مالنا معهم
إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابًا من اليهود
أن يعمد إليهم، ويذكرهم بعاًا(٢)، وما كان
فيه من قتل بينهم، ففعل، فتنازع الفريقان،
عليه في الجاهلية. فبلغ ذلك الرسول صلى
الله عليه وسلم فقال: يا معشر المسلمين،
أتدعون الجاهلية وأنا بین أظهركم، بعد أن
أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم.
عندها عرفوا أنها نزعة الشيطان، فتعانقوا،
سماع المجيب، ولكان قدوتهم جند مناديًا كلا منهما قبيلته فخرًا، كما كانوا
(٢) بعاث موضع بالمدينة، كانت فيه وقعة عظيمة
بين الأوس والخزرج، قتل فيها خلق من
أشرافهم وكبرائهم.
انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١١٧/٣.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف التاء
فأنزل الله الآيات السابقة (١).
ففي هذه الآية يحذر الله تعالى المؤمنين
من إثارة الجاهلية والنعرات العصبية، التي
أثارها اليهود بينهم، مبينًا أن طاعة اليهود
توصل إلى الكفر والردة بعد الإسلام
والإيمان.
ويعيد التاريخ نفسه، ويحسد الكفار
المسلمين على تجمعهم ووحدتهم
وتآلفهم، ويقف التآلف هذا عقبة في وجه
الاستعمار في العصر الحديث، ففكر
أحفاد شاس بن قيس، کما فکر في الإيقاع
بين المسلمين، ونشر دعوى الجاهلية؛
لتسهل السيطرة وليهون الاستيلاء. فقد
أقيمت الجامعة الإسلامية في أواخر الدولة
العثمانية على أساس إعادة الوحدة للأمة،
ونشر ثقافة المقاومة للمستعمر، فما كان
من دول الاستكبار يرأسهم يهود، إلا أن
أثاروا النعرات الإقليمية في أوساط الشعب
الإسلامي الواحد، وكان في الأمة أمثال أبي
رغال(٢) الذين يصنعون من أنفسهم جسرًا
لعبور الأجنبي الدخيل إلى حصن الأمة،
فنعقوا بما نعقت به السياسة البريطانية (فرق
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ٧٦-٧٧.
(٢) أبو رغال: رجل من نجد كان دليلاً لأبرهة
الحبشي على البيت الحرام لهدمه، فلما وصل
مع أبرهة إلى موضع يسمى المغمس مات أبو
رغال، فصارت العرب ترجم قبره.
انظر: تاريخ الأمم والرسل والملوك، الطبري،
٤٤١/١.
تسد)، وسبحوا بحمد النعرات القبلية،
التي أثارها المستعمر في البلاد الإسلامية.
فأثار في المصريين الفرعونية، وفي العراق
الآشورية، وفي فلسطين الكنعانية، وكان
هذا في البداية على مستوى الدولة الإسلامية
الأم، ثم لما كان ذلك للمستعمر من خلال
الأبواق الناعقة بلغته وفكره، مقلدة له
في هذه النعرات، راح ينشر فكر العصبية
والقبلية النتنة على مستوى الدويلة نفسها،
فأخذ ينشر ثقافة مدني وفلاح، وقروي
وحضري، وفي بلادنا ثقافة لاجئ وغير
لاجئ. وهكذا كان للقبيلة وتعظمها بالآباء
مكان في أنفس المقلدين الناعقين بما نعقت
به الصهيونية والصليبية.
وكذلك نشر الاستعمار، العصبية القبلية،
والعنصرية البغيضة، باسم القومية العربية،
وذلك من أجل فصل العرب عن جسمهم
الأم دولة الإسلام التي كانت متمثلة في
الدولة العثمانية. والقومية العربية فكرة
صليبية حاقدة، تهدف إلى ما هدف إليه
شاس بن قيس من تفتيت الأمة وضياعها
وتفرقها.
وهكذا نجد الثمار الخبيثة التي حذرت
منها آيات آل عمران السابقة من تفرق الأمة،
وضرب بعضهم رقاب بعض، والخلافات
الحدودية والسياسية وغيرها، موجودة
اليوم.
جَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
٣٨٨

التقليد
يَتَأيُّهَا
ومن بلاغة الآية وإعجازها:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ يُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِينَ ﴾ [آل
عمران: ١٠٠].
أنها حذرت من طاعة أهل الکتاب اليهود
والنصارى-جميعًا، ولم تذكر اليهود فقط
الذین کانوا سببًا في نزول الآية؛ وذلك لعلم
الله تعالى أن أمر الدس والتفريق سيتكرر،
لكن على يد النصارى هذه المرة، وإن كانت
اليد اليهودية الأثيمة لها شأن في ذلك.
ومن الأخلاق التي انتشرت في الجاهلية
ونهی القرآن عن التشبه بها أو مقارفتها، خلق
التبرج، حيث يقول المولى عز وجل: ﴿وَلَا
تَبَرَّحْنَ تَّبُّعَ الْجَهِلِيَّةِ اَلْأُولَى﴾ [الأحزاب:
٣٣].
وتبرج الجاهلية: كان بخروج المرأة
تمشي بین یدي الرجال، مع تکسر وتبختر
وتغنج، أو أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا
تشده، فیواري قلائدها وقرطها (١) وعنقها،
ويبدو ذلك کله منها، مما يستدعي به شهوة
الرجل (٢).
فجاء القرآن الكريم ناشرًا العفة والطهر
في المجتمع، بنهيه عن التشبه بالكافرات
الفاجرات، وألا یتبرجن مثل تبر جهن. ولئن
(١) القرط: نوع من حلي الأذن.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٧/ ٣٧٤.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ٥٤٦، أنوار
التنزيل، البيضاوي، ٣٧٣/٤.
كان النهي في الآية لأمهات المؤمنين رضي
الله عنھن، إلا أنه یعم المسلمات جمیعًا.
يقول الشوكاني: ((ولا تبرجن أيها
المسلمات بعد إسلامكن تبرجًا مثل تبرج
أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان
عليها من قبلكن، أي: لا تحدثن بأفعالكن
وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت
من قبل»(٣)، ولئن نهت الآية عن تبرج مثل
تبرج الجاهلية الأولى، إلا أن الجاهلية
تتکرر، ولا تختص بفترة زمنية معينة، بل هي
حالة اجتماعية معينة، لها تصورات معينة
للحياة، ويمكن أن توجد هذه الجاهلية في
أي مكان وفي أي زمان(٤).
لقد حرر الكفر اليوم المرأة على طريقته
الشیطانیة حینما تعرت علی عینه من لباس
الباطن لباس التقوى أولًا، ثم من لباس
الظاهر لباس الحشمة والوقار ثانيًا، فنشره
الغربي في شارعه ومتجره وجامعته، بل
وأنشأ دورًا خاصة للعري والبغاء، وعز
عليه حسدًا أن يرى المسلمات محتشمات
عفيفات فصنع على عينه من شراذم الأمة،
من يتطبع بطبعه، ويصنع رذيلته، وينقل
فكرته إلى ديار المسلمين، تقليدًا للكافرات
الفاجرات.
فانتشرت فكرة تبرج الجاهلية الأولى في
(٣) المصدر السابق، ٤ / ٢٧٨.
(٤) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية،
ص٧٦.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف التاء
ديارنا، حتى غدا في جامعاتنا، ومدارسنا،
وقرانا ومدننا، وفي السفر والحضر،
وفي الحل والترحال، وهذا مصاحب
بالزينة، والجلسات المشبوهة، خاصة في
الجامعات، فأصبح هذا الجانب من التبرج
لا تختلف فيه بشيء كثير عن جاهلية الغرب
الذي صدر لنا هذا التهتك والعري، فاستقبله
كثير من جاهلات الأمة ظنًا منهن أنه الرقي
والفخار. فكانت جاهلية اليوم أشد من
جاهلية الأمس في تبرجها هذا.
آثار التقليد والتبعية
لما كان لكل عمل نتيجة، ولما كانت
الأسباب مرتبطة بالمسببات، كان لما يصدر
عن الإنسان المكلف من أعمال، نتائج
وآثار، والمرء حينما يقوم بأعمال متشبهًا
فيها بغيره، فإنه ينجم عن ذلك نتائج وآثار،
إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وذلك حسب
المتبوع وأعماله المقلدة.
والإنسان المكلف يتحمل تبعة تقليده
للآخرين، والآثار الناتجة عن ذلك، سواءٌ
أكان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، ومن
هنا سيكون هذا المبحث ضامًا للمطلبين
الآتيين:
أولًا: آثار التقليد في الدنيا:
الصاحب مع صاحبه مؤثر أو متأثر،
وكذلك الجماعات والدول، ترى فيها
التابع والمتبوع. والأعمال المتبعة منها خير
ومنها شر، والخير ينتج عنه الخير، والشر لا
ينتج عنه إلا الشر. والتقليد لأعمال السوء
لا ينتج عنه إلا السوء. ففي الدنيا تنتشر
التفرقة، ويتخلى الله تعالى عن هذا الصنف
من الناس فيخذلهم ولا ينصرهم، وتكون
الموالاة السيئة لأعداء الله تعالى، حيث
الفساد والردة. ومن هنا يندرج تحت هذا
المطلب الأمور الآتية:
٣٩٠
القرآن الكريم

التقليد
١. التفرق والميل عن سبيل الله والمجوسية والعلمانية والإلحادية وغيرها
تعالى .
يقول المولى عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
جعل الله تعالى البشر فريقين: فريقًا
يدعو إلى الجنة، وفريقًا يدعو إلى السعير.
والذي يدعو إلى الجنة له طريق واحد لا
ثاني له يتلقاه من ربه عز وجل، فيلتزم به
ويدعو إليه، أما الذين يدعون إلى النار
فإنهم كثيرون، يتلقون الأوامر والنواهي
من جهات شتى، فيدعو كل منهم حسب
هواه إلى بدعته، ولهذا كانت لهم سبل شتى
يدعون إليها أتباعهم، فتكون نتيجتها التفرق
والاختلاف والشتات والزيغ والضلال.
وآية الأنعام السابقة كانت خاتمة للوصايا
العشر (١) التي وردت في آيتين سابقتين لهذه
الآية. والذي وصى به ربنا، في هاتين الآيتين
هو صراطه و دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو
طريق قويم لا اعوجاج فيه، أمرنا بالعمل
به، وأن نجعله لأنفسنا منهاجًا نسلكه، وألا
نسلك منهاج غيرنا، من اليهودية والنصرانية
(١) وهي: عدم الإشراك بالله شيئًا، والإحسان إلى
الوالدين، وتحريم قتل الأولاد خشية الفقر،
والابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن،
وتحريم قتل النفس إلا بالحق، والنهي عن
تناول مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، والوفاء
بالكيل والميزان، والعدل، والوفاء بالعهد،
واتباع الصراط المستقيم.
من سبل الكفر، ولئن سلكنا هذه السبل
فمصيرنا التشتت بنا عن طريقه ودينه الذي
ارتضاه وهو الإسلام وهذا ما هو حاصل
للأمة اليوم.
فسبیل الحق واحد لا تشعب فيه، وسبل
الباطل كثيرة كالبدع والخوض في الباطل،
والأهواء ومبادئ الضلال، وهذا كله تضاد
يسبب التفرق والتشرذم.
يقول ابن كثير: ((إنما وحد سبيله لأن
الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها
وتشعبها))(٢).
والذي يأتي بما يخالف شرع الله تعالى
فإنه مبتدع، والبدعة تتضمن تفريق الأمة
الإسلامية؛ إذ إن صاحب البدعة، يدعي
أنه على الحق وغيره ضال، وبهذا يتفرقون
ويصبحون شيعًا وأحزابًا.
وهذا حاصل اليوم، فعلى مستوى
الأفكار والرؤى، يوجد في الأمة من ابتدع
فكرة العلمانية متبعًا فيها الغرب العلماني،
وفي الأمة من اتبع بدعة الشيوعية الملحدة،
وكل منهم ينظر لنفسه أنه على الحق والقادر
على إعادة حقوق الأمة المسلوبة، وتحرير
مقدساتها، ويذم الآخرين؛ فتفرقوا.
والفرق بين الفريقين أن أهل الحق
وإن اختلفوا في أمر اجتهادي فسرعان ما
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ١٧٠.
www. modoee.com
٣٩١

حرف التاء
يحتكمون للكتاب والسنة فيلتزمون، وكل
يخضع للحق، فتبقى صفة الوحدة والألفة
شعارهم، بينما أهل الضلال كل واحد منهم
يركب رأسه، ويريد تعظيم نفسه، وتصغير
الآخرین، ولا یرید الحق، فتجدهم دائمًا
في اختلاف وصراع، لتشعب مناهجهم
وتنوعها، وكل حين يخرج منهم مذهب
جديد (١).
ومنهج الله تعالی واحد، و کتابه واحد،
والذين يتبعونه من الأمة یکونون موحدین،
أما غير منهج الله فإنها مناهج مفرقة مشتتة
وفيها الاختلاف الكثير، وما دام الأمر كذلك
فإن نتيجة متبعيها التفرق والتشتت والميل
عن سواء السبيل.
يقول الله عز وجل: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ
اَلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْفِيهِ اخْتِلَفًا
كَثِيرًا
﴾ [النساء: ٨٢].
(٨٢
وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)(٢).
ثم حذرت النبي صلى الله عليه وسلم
فاختلاف القلوب مسبب لتباغض من اتباع أهواء الذين لا يعلمون من كفار
القلوب وتناحرها وتفرقها.
(١) انظر: إعانة المستفيد، الفوزان ص٤١.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب من يستحب أنّ يلي الإمام في الصف
والكراهية التأخر، رقم ٦٧٥، ٢٥٣/٢.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
رقم ٦٧٩، ٣/ ٠٢
٢. الخذلان وفقدان النصير.
بين الله سبحانه للبشر طريق الخير
وأمرهم بها، وبين لهم طريق الشر وحذرهم
منها. ومن خالف ذلك متبعًا مخالفي أوامر
الله تعالی، کان خصمًا لله تعالی یخذله ولا
ینصره.
يقول المولى عز وجل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ
اُلُْهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَنَّعَ مِلَتْهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى
اللَّهِ هُوَ الْمُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى
جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ
١٢٠) ﴾ [البقرة: ١٢٠].
فالله تعالى بين للمؤمنين حقيقة اليهود
والنصارى، وأنهم لا يرضون منا إلا اتباع
ملتهم، فجاء التحذير الإلهي: بأن اتباع
ملتهم فيه فقدان ولاية الله ونصرته.
ولقد تحدثت سورة الجاثية عن بني
إسرائيل (٣) وأنهم اختلفوا من بعد ما جاءتهم
البينات.
مكة وغيرهم؛ فالظالمون بعضهم أولياء
بعض، والله ولي المتقين.
فقال المولى عز وجل: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يُقْنُواْ عَنكَ مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ
(٣) الجاثية: ١٦- ١٧.
فَضْو
مَوَسُولَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٩٢

التقليد
وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ ﴾ [الجاثية: ١٨-١٩].
والركون إلى الذين ظلموا يعني:
ولئن كان اتباعٌ من النبي صلى الله محبتهم والميل بالقلب إليهم، ومداهنتهم
والرضى بأعمالهم، والدنو منهم، وطاعتهم،
والاعتماد عليهم في قضاء المصالح(١).
عليه وسلم لأهل الأهواء من أهل الكتاب
والكفار، من بعد ما جاءه من الحق
-وحاشاه-؛ فليس له من نصير ينصره من
عذاب الله، وليس له منهم من أحد عنه
حاجزين.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبيَّاً
وَلَيْنِ أَتَبَّعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾ [الرعد:
٣٧].
والملاحظ أن الخطاب في آيات البقرة:
١٢٠، والرعد: ٣٧، والجاثية: ١٨ السابقة
موجه للرسول صلى الله عليه وسلم، بأنك
إن اتبعت أهواء الذين لا يعلمون، وأهواء
أهل الكتاب- وحاشاه أن يفعل ذلك- فإن
لك عذابًا، لا يدفعه عنك أحد. والخطاب
هذا خطاب لأمته. فإذا كان الأمر كذلك مع
سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فكيف
بمن دونه من الناس، وفى هذا تحذير شديد،
ووعيد كبير لمن اتبع غير سبيل الله بأنه
سيفقد الولي والنصير.
ورفع الله ولايته ونصرته عن الذين
يركنون إلى الذين ظلموا، فقال الله سبحانه:
﴿وَلَا تَزْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءُ ثُمَّ لَا
تُصَرُونَ {(٣)﴾ [هود: ١١٣].
والذي يركن إلى الذين ظلموا بشيء من
ذلك؛ فإنه يفقد الولاية والنصرة من دون الله
تعالى. والأمة اليوم فقدت نصرة الله تعالى،
وذلك لأنها رضيت أعمال الذين ظلموا،
بل شابهت أعمالهم وفعلت فعلهم، فكانت
جديرة بأن يتخلى ربها عنها ويتركها من
ولايته ونصرته.
وإذا كان الميل اليسير إلى الذين
ظلموا، يفقد النصرة والمعونة والولاية من
الله تعالى، فكيف بالميل كل الميل إلى
الظالمين! بل كيف بالظالمين أنفسهم!
وإذا كان بمجرد الميل القلبي ترتفع
النصرة ويكون الخذلان، فكيف -والحال
اليوم- المخالطة والمشاورة، والمشاركة
في مطاردة الإيمان وأهله ومحبة الظالمين
وتبجيلهم وتقديرهم، بل وتعظيمهم، ونقل
أسرار المسلمين إليهم! فهل يبقى بعد ذلك
لنا من ولي من الله أو نصیر!
ولقد ذكر الله تعالى في أكثر من آية أن
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٠٠/١٥،
النكت والعيون، الماوردي، ٥٠٨/٢،
الكشاف، الزمخشري، ٤٠٨/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي، ٩/ ٧٢.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف التاء
الظالمين ليس لهم نصير (١).
وركون الذين ظلموا أنفسهم إلى
الظالمين، وخضوعهم لجورهم، من أهم
أسباب تفشي الظلم في الأرض، وانتفاش
الظالمين، وزيادة بطشهم، فيكون الذين
ركنوا أدوات في أيدي الظلمة يحركونهم
لتوسيع نفوذهم، وتنفيذ أوامرهم في ضرب
الناس، ويبلغ العجز والهوان بالذين ظلموا
أنفسهم إلى التسابق من أجل إرضاء الظلمة،
فيتبعونهم في استجابة أمرهم، عندها تكون
العقوبات الثلاث: فقد ولاية الله تعالى،
وتخلف نصره، والنار.
٣. ضرر موالاة الكافرين.
المؤمن ولي للمؤمن، يحبه، ويأمره
بالخير، وينهاه عن الشر، ويعادي من عاداه،
ويوالي من والاه، وينصره، فالذين آمنوا
بعضهم أولياء بعض. وعندما يكون الأمر
كذلك؛ فإن الخير يعم، والصلاح ينتشر،
والفساد يضمحل. وهكذا أمرنا من الله
تعالى أن نكون، إلا أن ضعاف الإيمان
من المسلمين حينما يوالون أعداء الله،
وينصرونهم ويعينونهم، ويطلعونهم على
أسرار المسلمين؛ فإنك تجد ضرر ذلك
بالفساد والردة.
فالفساد الناتج عن موالاة الكافرين،
حذرنا الله منه، بعد أن أمرنا بموالاة
المؤمنين حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَةُ بَعْضَِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُرِّن
وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يَُّلِرُواْ وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوكُمْ
في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُم مِّيثَقُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ
[الأنفال: ٧٢ - ٧٣].
٧٣
فالآيتان فيهما المفاصلة بين المؤمنين
والكافرين، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض،
والكافرون بعضهم أولياء بعض. و((الولاية
هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام،
والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا))(٢).
والمؤمنون إذا لم يوال بعضهم بعضًا
نصرة ومحبة وولاءً، ویعادوا الكافرين بغضًا
وخذلانًا لهم وحربًا عليهم؛ تكن فتنة عظيمة
وهي الشرك وقوة الكفر، وفساد كبير بانتشار
المعاصي وضعف الإسلام وأهله، ويختلط
الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وتعدم
كثير من العبادات الهامة، كالجهاد والحكم
بما أنزل الله (٣).
(٢) الولاء والبراء في الإسلام، القحطاني،
ص٩٠.
(١) انظر: البقرة: ٢٧٠، وآل عمران: ١٩٢، (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٣٨٠/٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٢٧.
والحج: ٧١، والشورى: ٨.
٣٩٤
القرآن الكريم

التقليد
والمرء إذا أحب آخر، أحب عمله، وقلده محاكمة.
فیه واتبعه، وانتقل ذلك إلى إكرام محبوبه،
وتقديره واحترامه، فيخالطهم، وينتقل
معهم، وحينها يكثر سوادهم وأعمالهم.
فإذا كان مثل هذه الأعمال من مسلم لكافر،
فهذا يعني الفتنة وانتشار الفساد، فالمسلم
الموالي للكافر يقلده في أعماله وأقواله،
وينشر فكرته، ويسيء لدينه وأمته ووطنه،
بجلب فساد الکافرین إلى ديار المسلمين.
وهذا الفساد متنوع:
فعقيدة: كان التشكيك في المسلمات.
وسياسة: لسنا إلا ذيلًا للغرب الكافر.
وأخلاقًا: فسدت الشباب، وطغت
النساء، وحميت الرذيلة، وحوربت الفضيلة،
وأصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا،
وسفلة الأمة ورويبضتها تتكلم في أمر
العامة.
وبهذا نشر الإعلام الضال المضلل أنواع
الفساد هذه وأضعافها.
وكلمتا (فتنة وفساد) في الآية السابقة
نكرة، وذلك لتعم كل فتنة وكل فساد،
ووصف هذا الفساد بالكبير يظهر ضخامته.
ومن الفتنة تخويف العامة من المساجد
وطريقها وأهلها، وتحذيرهم بالسجن
والمساءلة وعدم الحصول على وظيفة، وفي
المقابل فتح الطريق أمام الجيل للذهاب إلى
السوء وأهله، فطريقه آمن، لا مساءلة فيه ولا
ومن ضرر موالاة الكافرين أيضًا: الردة؛
فمن والاهم فهو منهم، ويتبرأ الله منه. يقول
ـَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
المولى عز وجل
تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَىِّ أَوْلِيٌَّ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِّ
وَمَنْ يَتَوَلَُّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ
اُلَّلِمِينَ
﴾ [المائدة: ٥١].
وسبب نزولها: أن عبادة بن الصامت قال:
((لما حاربت بنو قينقاع تشبث بأمرهم عبد
الله بن أبي بن سلول وقام دونهم، ومشی
عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من
حلفهم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج
وله من حلفهم مثل الذي له من عبدالله بن
أبي، فحالفهم إلی رسول الله صلى الله عليه
وسلم وتبرأ من حلف الكفار وولايتهم.
قال: ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت القصة
في المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُّهُودَ
وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَّةَ ﴾ الآية (١).
والآية تعني: لا تعتمدوا على الاستنصار
باليهود والنصارى، ولا تتودوا لهم، ولا
تصافوهم مصافاة الأحباب، ومن يتولهم
من المؤمنين؛ فإنه من جملتهم، وحكمه
حكمهم، ويكون مثلهم(٢).
ولقد تبرأ الله تعالى من كل من يتخذ
(١) لباب النقول، السيوطي، ص ١٠٩.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٥/١٢، روح
المعاني، الآلوسي، ١٥٦/٦.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف التاء
الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فقال الله ما يرضيه عنهم من قتال الكافرين، فقال
سبحانه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن سبحانه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ
اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
(٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ
فِي شَىْءٍ ﴾ [آل عمران: ٢٨].
فمن اتخذ الكافرين أنصارًا يواليهم
ويظاهرهم على المسلمين؛ فقد برئت منه
ذمة الله، وارتد عن دينه. ونادی رب العزة
المؤمنین، محذرًا إياهم طاعة أهل الكتاب
وطاعة الكافرين، وفي السورة نفسها، لما
يؤدي ذلك إلى الردة بعد الإيمان (١).
ولقد زين الشيطان لأتباعه من أهل
الكتاب وإخوانهم المنافقين الردة بعد ما
تبين لهم الهدى، وكان ذلك نتيجة لطاعة
بعض أوامر الكارهين لما أنزل الله.
فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَىّ
أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ
سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ◌َ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ
لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللّهُ سَنُطِيعُكُمْ
فِي بَعْضِ أَلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُ: ﴾
[محمد: ٢٥-٢٦].
فاليهود والمنافقون قالوا للمشركين
-الكارهين ما أنزل الله- سرًا: سنطيعكم في
عداوة محمد والمظاهرة عليه، والقعود عن
الجهاد(٢).
والمنافقون اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا
(١) سورة آل عمران: ١٠٠، ١٤٩.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٧/ ٢٨٧، أنوار
التنزيل، البيضاوي، ١٢٣/٥.
فاتباع نواهي الله، وعدم امتثال أمره،
ينتج عن ذلك إحباط العمل وبطلانه.
وإحباط العمل كان ثمرة سيئة للعمل السيء
في موالاة المنافقين والكافرين، فقال الله
سبحانه في معرض الحديث عن الولاء:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ
◌ِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِمٌ إِنَهُمْ لَعَكُمْ حَيِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
﴾ [المائدة: ٥٣].
for
فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ
ولما كان الجزاء من جنس العمل،
كان العقاب مناسبًا لسببه، فاليهود اتبعوا
ما أسخط الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ
أَسْخَطَ اَللَّهَ﴾ [محمد: ٢٨].
فكانت النتيجة سخط الله عليهم:
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ
سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠].
ثانيًا: آثار التقليد في الآخرة:
الحياة لا تنتهي بالموت، ولو أنها كذلك
لاستراح الكثير من الكبراء وضعفائهم،
إذ يقول الله عن المتحسرين النادمين يوم
القيامة: ﴿یَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ ◌ِيَاتِ
٢٤
[الفجر: ٢٤].
٣٩٦
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم

التقليد
فهناك الحياة الآخرة، التي ليس بعدها
حياة، ولا دار، إلا الجنة أو النار. وفي هذه
الدار تبلى السرائر، وتتكشف الحقائق،
ويذهب الزيف والخداع، وإذا بالمقلد
المتبوع يظهر على حقيقته، فهالته التي
كانت في الدنيا زالت اليوم، وقوته التي
صارع بها الحق في الدنيا ضعفت، وأتباعه
المقلدون انكشف لهم العوار، وزال عنهم
القناع الزائف، والكذب الخادع، فأخذتهم
الحمية أمام هذا الموقف الرهيب، وانتفضوا
علی ذلتهم وصغارهم الذي کان في الدنيا،
فجابهوا أسیادهم وواجهوهم- حیث لا تنفع
المجابهة ولا المواجهة- بالشتائم والتلاعن
والتباغض والتلاوم والتبرؤ والدعاء عليهم
بمضاعفة العذاب.
وهذه الآثار السيئة نتيجة للتقلید الأعمى،
والاتباع المذموم، والتي يمتد أثرهما إلى
يوم القيامة. وسيتناول الباحث هذه الآثار
على النحو الآتي:
١. التلاعن بين الأتباع والمتبوعين.
فقد قال الله تعالى عن السبب الذي
أوصل التابع والمتبوع إلى التلاعن يوم
القيامة:
﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِىَ أُمَعِ قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ
أُكَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ
أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّوْنَا فَئَاتِهِمْ
عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨].
فالسبب إضلال المتبوع للتابع.
وكل أمة تلعن أختها في الدين والملة.
فیلعن اليهود اليهود، والنصارى النصارى،
والمشركون المشركين، والأتباع القادة،
قائلين لهم: أنتم ألقيتمونا هذا الملقى حين
أطعناكم، وحينما أضللتمونا في الدنيا
فاتبعناكم(١).
وبين الله تعالى التلاعن بين المتوادين
على عبادة الأصنام، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ
فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
فهم تحابوا على عبادة الأوثان، وتوادوا
على خدمتها في الدنيا، ولأجلها عادوا دين
الحق وهذا الأمر يحصل لهم مودة في دار
الدنيا فقط، ثم هي منقطعة عنهم يوم القيامة،
وإذا بهم يلعن كل غوي صاحبه الذي أغواه،
وتنقلب المودة بغضًا ولعنًا.
٢. التبرؤ والحسرة.
ومن الثمار الخبيثة للتقليد والتبعية
الهوجاء: التبرؤ، حيث يتبرأ المتبوعون من
الأتباع، والحسرة على ما فرطوا في جنب
الله تعالى. فعن تبرؤ المتبوعين من أتباعهم،
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ١٩٤، نظم
الدرر، البقاعي، ٣٢/٣، في ظلال القرآن،
سيد قطب، ١٢٨٩/٣-٠١٢٩٠
www. modoee.com
٣٩٧

حرف التاء
يقول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ
الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اَلْعَذَابِ ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ
٦٦
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ
حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
٢٦٧)
[البقرة: ١٦٥-١٦٧].
فهاهم -الأتباع والمتبوعون- وجهًا
لوجه أمام العذاب الشديد، وحينها لم يعد
نفع من التابعين لأسيادهم، وتنقطع أسباب
المودة التي كانت في الدنيا، فحينها يتبرأ
الكبراء من الضعفاء، علهم يخفف عنهم
من عذاب التبعية ووزرها، ويتمنى التابع
الكرة إلى الدنيا -ولكن هيهات- فالتابع
والمتبوع في النار، كلما رأوا أعمالهم السيئة
ومعاصيهم التي اتبعوا أسيادهم في فعلها،
كلما ازدادوا حسرة وندامة وتقليبًا للكفين
على ما أنفقوا من أعمارهم وأموالهم في
مرضاة المجرمين.
ويتجلى التبرؤ الأكبر، من قائد الغواية
والضلالة الأكبر: الشيطان، حينما يقف
خطيبًا على منبر من نار في أهلها.
إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لَلِّْ وَوَعَدَّكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيِّ عَلَيْكُمْ مِنِ سُلْطَانٍ إِلََّ
أَنْ دَعَوُّكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُواْ
أَنْفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِخِىٌّ إِنِ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ
مِن قَبْلٌ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )﴾
[إبراهيم: ٢٢].
فالشيطان يجحد أن يكون شريكًا لله
فيما أشركه أتباعه فيه من العبادة في الدنيا،
ولم يكن له من سلطان وقوة على إجبارهم
على الشرك، وما كان منه إلا أن دعاهم فقط
للغواية فاستجابوا وتابعوه. فهو يتبرأ من
جعل أتباعه له في الدنیا شریگًا لله، ومن
طاعتهم إياه. وهذه الخطبة تزيدهم حزنًا إلى
حزنهم وحسرة إلى حسرتهم.
والشيطان يزين للإنسان المعصية، حتى
إذا وقع فيها تركه وتبرأ منه، فبين الله تعالى
أن اتباع الشيطان في المعصية أثمر التبرؤ
والخلود في النار، فقال سبحانه: ﴿كَمَثَلٍ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ
إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِّ أَخَافُ اللّهَ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴾ [الحشر: ١٦].
فالشيطان يخذل الإنسان في كل حين،
فهل من معتبر !.
ولك أن تتصور شدة الحسرة والندم،
فأخبر الله سبحانه عن التبرؤ هذا حينما تعلم أن القرآن العظيم صور الحسرة
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُفِىَ الْأَمْرُ والندم بالعض على اليدين، فقال الله
فقال:
٣٩٨
مُؤَسْو ◌َدُ النَّفسيد
القرآن الكريمِ

التقليد
سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ
يَوَيْلَقَ
٢٧
يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
لَّقَدْ أَضَلَّتِىِ عَنِ
◌َيْتَِي لَوْ أَفَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (2)
الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَفِيُّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلْإِنسَنِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩].
یقول الطبري: «ویوم یعض الظالم نفسه،
المشرك بربه، علی یدیه ندمًا وأسفًا على ما
فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالكفر به في
طاعة خلیله الذي صده عن سبیل ربه، يقول:
يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً
يعني: طريقًا إلى النجاة من عذاب الله))(١).
ويظهر تبرؤ المتبوعين من أتباعهم
يوم القيامة، حينما يناديهم الله عز وجل
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ
كُتُمْ تَزْعُمُونَ )
رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَأَنَاً
(٦٣) [القصص:
إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (
٦٢- ٦٣].
فالآيات توضح إغواء المعبودين لمن
أشر کھم بالله وجعلهم له ندًا، في الدنيا كما
غووا هم، وعند مواجهة استحقاق العذاب،
اعترفوا بهذه الغواية، وتبرؤوا من عبادتهم،
لما رأوا العذاب وندموا أشد الندم، وتمنوا
أن لو کانوا مهتدین.
(١) جامع البيان، الطبري، ١٩/ ٢٦٢.
٣. العذاب المهين والاستقبال
المشين في جهنم.
عادة الحبيب أن يستقبل حبيبه بالترحاب
والابتسامة والكلمة الطيبة التي تدخل
السرور إلى القلب، إشعارًا بمدى محبته
عنده. إلا أن الأمر يختلف يوم القيامة عند
الذين رحب بعضهم ببعض على السوء في
الدنيا، وفرحوا بلقاء بعضهم بعضًا على
موائد المؤامرات، صادين عن سبيل الله،
ماکرین برسله ودعاته، ومكذبين بآياته، ففي
جهنم یکون حمیم وغساق.
واستقبال المتبوعين أتباعهم بعدم
الترحاب، وبالدعاء عليهم، والتذمر منهم،
جزاءً بما كانوا في الدنيا يكسبون، ولكبرائهم
يتبعون.
فيقول الله تعالى واصفًا حالتهم هذه:
﴿هَذَا وَإِنَّ ◌ِلَِّفِينَ لَشَرَّ مَتَابٍ (٥ جَهَّمَ
هَذَا فَلْيَذُ وقُوهُ حَمِيدٌ
يَصْلَوْنَهَا فَأْسَ اَلْمِهَادُ
وَغَسَّقٌ { وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ ل هَذَا
فَوْجٌ مُقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ
قَالُواْ بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا
٥٩
فَتْسَ الْقَرَارُ . قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ
عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ ﴾ [ص: ٥٥-٦١].
تقول خزنة جهنم لرؤساء الطغيان
والكفر: هذا فوج من أتباعكم الذين
أضللتموهم، اقتحموا معكم النار، كما
اقتحموا معكم الجهل والعصيان، فعندها
www. modoee.com
٣٩٩

حرف التاء
تقول رؤوس الكفر: لا مرحبًا بهم أي: لا مواطن من كتابه الكريم، منها: ﴿وَأَقْلَ بَعْضُهُمْ
عَلَ بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ ﴾ قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ
أَلْيَمِينِ ) قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٦) وَمَا
كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍّ بَلْ كُنُمْ قَوْمًا طَاغِينَ
٣٠
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِّنَّاً إِنَّا لَذَآَيِقُونَ ﴾ فَأَغْوَيْنَكُمْ
فَإِنَهُمْ يَوْمَیدٍ فِ الْعَذَابِ
٣٢
إِنَّا كُنَّا غَوِينَ
مُشْتِكُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
٣٤)
[الصافات: ٢٧-٣٤].
رحبت بکم الأرض ولا وسعت، وضاقت
عليكم أماكنكم. فترد الأتباع الدعاء عليهم
بأن لا مرحبًا بكم أنتم، معللين هذا الرد
بأنكم أيها الرؤساء قدمتم لنا هذا العذاب؛ إذ
بدأتم بالکفر قبلنا وشرعتموه لنا، ودعوتمونا
إلیه، وإلى العمل الذي يوجب لنا هذه النار.
والدعاء بالضيق وعدم الكرامة، تبعه دعاء
آخر، وهو من قدم لنا هذا العذاب أي: سنه
وشرعه فزده عذابًا ضعفًا في النار(١).
إنها صورة بائسة، معكوسة لما كان في
الدنيا، التي كان فيها الترحاب والقبلات،
والفرح الشديد عند الإساءة للرسل والدعاة
وإصابة الهدف بدقة للخطة الماكرة، مع
زيادة الرتبة والراتب من المتبوع للتابع
المنفذ. فأين اليوم التصفيق للخطابات!
وأين الحراسات! وأين اليوم الفداء بالأرواح
والمهج والأنفس!
٤. التخاصم والتلاوم.
أمام الموقف الرهيب، الذي يقترن
فيه كل مع شاكلته في المعاصي والآثام،
وترتفع الأصوات المتلاومة كل يلقي
بالتبعة والمسؤولية على غيره في السبب
الذي أوصلهم إلى هذا العذاب الأليم. هذا
التخاصم والتلاوم يذكره الله تعالى في
(١) زاد المسير، ابن الجوزي، ١٥٢/٧، اجتماع
الجيوش الإسلامية، ابن القيم، ص٢٩.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣١/٢١، تفسير
القرآن العظیم، ابن کثیر، ٧/٤.
٤٠٠
مَوَسُو ◌َرُ الْتَشَدِ
القرآن الكريمِ
أي: أقبل الأتباع على المتبوعين
يتساءلون لائمين إياهم بقولهم: كنتم
تزينون لنا الباطل، وتحولون بيننا وبين
الخیر؛ فأطعناکم في ذلك. فرد المتبوعون
عليهم بأنكم ما كنتم صالحين فأفسدناكم،
ولا مؤمنین فکفرناکم، بل کانت قلوبکم
منكرة للإيمان قابلة للعصيان. وكذلك لم
یکن لنا علیکم من حجج قویة ألزمناکم بها
بأن تتبعونا على الكفر، فحق العذاب علينا
جمیعًا بسبب أنا کنا غاوین، فدعوناکم إلى
الغواية دون قهر ولا سلطان فاستجبتم لها
فنحن في العذاب مشترکون، کما اشتركنا
في الصد عن سبيل الله في الدنيا، والكفر
والضلال (٢).
والتخاصم وتراجع الكلام بين
المستضعفين والمستكبرين، تذكره آيات
أخرى.