Indexed OCR Text
Pages 41-60
التفكر النموذج المعرفي الكلي للإنسان)»(١). والتفكر في آياته باعث على الخشية الإلهية لما فيه من أوامر ومواعظ وزواجر، كما أن هذه الخشية تجعل الإنسان يتلذذ بمعانيه وتكسبه الإحساس بالأمان والطمأنينة القلبية، والسكون النفسي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)(٢). وفي هذا تنبيه للإنسان الغافل المعرض عنه؛ كي يتفطن لقسوة قلبه وغلظة طبعه، کما أن فيه إشارة إلى ثبات النبي صلى الله عليه وسلم، وقوته التي امتن الله بها علیه، وجلده في تحمل تبعات التنزيل والبيان. قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلَا تَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. فهو مدح للنبي؛ لتحمله ما لا تطيقه ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُبِّرَتْ الجبال الرواسي جَمِيعاً أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِمَ بِهِ الْمَوْنَى بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًاْ أَفَلَمْ يَأَيْمَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن (١) الجمع بين القراءتين قراءة الوحي وقراءة الكون، طه جابر العلواني ص٣٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، ٤/ ٢٠٧٤، رقم ٢٦٩٩. لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاُ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةُ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًامِن دَارِهِمْ حَتَّى بَأْتِىَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّاللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]. والتلاوة لها معنيان: الأول: قراءة آياته بتحقيق حروفه وصفاتها والتمكن من أحكام تجويده. والثاني: اتباع آياته بالاستجابة لأوامره، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والعمل به في الحياة. وذلك معنى أداء التلاوة بحقها، كما كان عمل الصحابة، وليس مجرد تحريك اللسان بالكلمات والقلب لاهٍ والعقل ساهٍ. فقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: ((فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا». لذا ينبه ابن تيمية قارئ القرآن على أن يظل ((دائم التفكر والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن، فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا رده))(٣) (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/ ٥٠. www. modoee.com ٣١٩ حرف التاء لأن قراءة القرآن بالتفكر أصل صلاح وتكرار الفكر والتأمل هو الكفيل بإخراج شيء من كنوزه المخبوءة)»(٢). القلب، ففيه حياة القلوب والأبدان، ((فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضاء والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ... ، فإذا قرأه بتفكر ومر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفکر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم»(١). ويعد القرآن قائدًا للعقل، ودليلًا له في معترك الحياة، يأخذ بناصيته إلى النور المبين، والطريق المستقيم، فالعقل ذو رؤية محدودة لا تجاوز الواقع المرئي أمامه، والقرآن هو التفسير السليم الوحيد لحقائق الكون والكاشف للسنن الإلهیة فیه، يخاطب العقل على حسب مستواه، ويوقظ الفطرة بأسلوبه السلس، فيحفز النفس على النهوض بتكاليف الأمانة الربانية. ((ولا يخرج كنوزه إلا المتفكرون الذين یکررون الفكرة فيه، ویعیدون النظر مرة بعد أخرى، ويتعاملون معه بالتدبر الطويل ... ؛ إذ إن المتفكر بما يتضمنه من عمق النظر (١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١٨٧/١. (٢) مفهوم التفكر في القرآن الكريم، زيلعي هندي ص ٧٧. ٣٢٠ جَوَسُولَة التَّ القرآن الكريم التفكر نتائج التفكر وثمراته للتفكر ثمرات يجنيها العبد المتفكر منها: أولًا: الاهتداء إلى وجود الخالق و وحدانیته: لقد كانت دعوة القرآن الكريم للتفكر والتدبر في آفاق الكون ذات أهمية بالغة، کونها تهدف إلى ترسيخ معنی حقيقة خلق هذا الوجود ومعرفة خالقه، وإدراك عظمة جلاله، وبديع قدرته، والتمعن في عجيب خلقه، ولطيف حكمته؛ لذا فقد عني القرآن ببلورة العقيدة الإيمانية وزرعها في النفس بحيث تكون القاعدة التي ينطلق منها الإنسان في رحلته إلى الكون والحياة؛ قاعدة تحكم أهدافه وتصوراته وقراراته، وهي أول مبادئه في الحياة، فإذا حسنت علاقته بخالقه استطاع أن يحسن علاقاته بكل ما في الكون، وكلما عظم اكتشافه لما في الكون عظمت معرفته بخالق الكون؛ لذا يقول ابن رشد في حسن معرفة الكائنات: ((وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم))(١). هذا ما جعل منهج بناء العقيدة في القرآن يقوم على أساسين متينين: (١) فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ابن رشد ص٢، ص٢٥. أولهما: إبطال عبادة غير الله، ونقض الأوهام والخرافات التي تدعو إلى اتباع معتقدات الآباء، وترفع هالة التقديس عن الأفكار والمعتقدات المتوارثة، ببيان الآيات الدالة على ضعف تلك الآلهة. وثانيها: إثبات وحدانية الله عن طريق الدعوة إلى التفكر، والنظر الدقيق في آفاق الكون وعجائب النفس، والانطلاق من بديع صنعه، ودقة نظامه للوصول إلى وحدانية خالقه وفاطره. وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا الكون والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة الإنسان، فقد كان القرآن يستعمل السموات والأرض كدليل وبرهان؛ ذلك أنها أجل وأعظم من دليل النفس. كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. لذا يقول الكندي: ((إن في نظم هذا العالم وترتيبه وفعل بعضه في بعض، وانقياد بعضه لبعض، وتسخير بعضه لبعض، وإتقان هیئته على الوجه الأصلح في کون کل کائن، وفساد وثبات کل ثابت، وزوال کل زائل؛ لأعظم دلالة على أتقن تدبير، ومع کل تدبیر مدبر، وعلى أحكم حكمة، ومع كل حكمة حکیم)»(٢). (٢) رسائل الكندي الفلسفية، الكندي ص٢١٥. www. modoee.com ٣٢١ حرف التاء والقرآن لا ينفك يوجه الأنظار والعقول إلى النظر في الذات فقد حاولت أمرًا إمرًا، وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلما وجورا، فقد انبهرت العقول دون مبادئ إشراقه، وانتكصت على أعقابها اضطرارًا وقهرًا))(٢). والقلوب إلى كتاب الدنيا المفتوح، ويأمره بتفعيل وسائل إدراكه؛ لتتبدى له آفاق الجمال والجلال، وتريه الكون محرابًا کبیرًا للعبادة، ویتیقن بأن الدليل على وجود الله هو نفسه الدليل على وحدانيته سبحانه وتعالى ؛ ذلك أن حقيقة وجود الرب الخالق المدبر لهذا الكون كامنة في نفوس البشر، ومرتكزة في أذهانهم، وتعود في أساسها إلى الميثاق الذي أخذه الله على البشر عند خلقه لهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِإِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. لكن الدعوة إلى التفكر في الكون والوحي ارتبطت بضابط مهم هو تجنب التفكر في ذات الله، هذا الضابط الذي جاء التحذير منه في السنة النبوية بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في اللهعز وجل)(١). وفي هذا يقول أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء: ((فإن جاوزت النظر في الأفعال (١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٦/ ٢٥٠، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨٤٢، والبيهقي في شعب الإيمان ١٣٦/١. والحديث حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٤ /٣٩٥، رقم ١٧٨٨. ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن أناسًا سيتفكرون في الخلق حتى يؤدي بهم إلى الوقوع في ظلمات الكفر، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله)(٣). وهنا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيفية معالجة الشكوك والوساوس عندما تعرض لنا، ويأمرنا بوجوب التوقف عن التفكر، وتشهير الإيمان خوف تتبع زلات العقل، والوصول إلى الضلال، فهذا الحديث وسابقه يبين لنا الحد المسموح به من التفكر، بسبب نقص الإدراك وقصور تحقيق المعرفة وسوء التقدير. فكيف تختار العقول مبدأ التعطيل، (٢) التفكر في خلق الله الإنسان، الأرض، السموات، الغزالي ص ٢٢ - ٢٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، ١١٩/١. مُوسُو ◌َر التفسير الموضع القرآن الكريم ٣٢٢ التفكر وتستحل الفهوم مبدأ التشبيه للخالق، ومن يخرجها كل صباح تطوف في الحقول والبساتين، وتنتقل من زهرة لأخرى؛ لتعلم زميلاتها بوجود الرحيق، فتجمعه وتحفظه ثم تعود إلى خليتها من نفس طريق الذهاب ولو کان علی بعد أمیال، ثم تصنع منه شرابًا والنظر العميق في الآيات التي تدعو إلى التفكر ترسم لنا صورة التوحيد الحقيقي، فسورة الرعد بآياتها الكونية تزرع في النفوس بذور التوحيد من خلال عرضها البراهين الإيمان، بالنظر في الأرض، وما عليها من آيات، ثم خروج النبات والثمار وتنوعها واختلافها، وتأصيل الأشياء إلى زوجين اثنين، ثم الانتقال إلى ما به بقاء الحياة على هذه الأرض من تعاقب الليل والنهار، وختمها بالحث على التفكر. كما جاءت الإشارة إلى عالم الحيوان، وما فيه من أدلة بسيطة تنبئ بوحدانيته تعالى، وإليه تمت الإشارة في القرآن بمملكة النحل، تلك المملكة التي تحويها خلية صغيرة، لكن فيها نظام يعجز البشر عن وضعه وعن اتباعه، نظام قائم على معرفة كل فرد لدوره في هذه الحياة، فيسارع للقيام به بجد وتفانٍ، نظام أساسه التعاون والعمل والإتقان، فمن علم النحل هذه القوانين ومن يسر لها طعامها وهى أضعف خلق الله، واختلاف الکائنات وتنوعها سر إبداعه، فقدرته الغير محدودة، وعلمه لیس لهما نظير فهو الخالق العليم القدير، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية الولوج من هذا الباب لكن تاهت وخابت، ولم تبصر النور؛ متنوعًا، شهد له القرآن بالشفائية، فهذا لاحتجابه عن العقل. دليل على عناية الله بمخلوقاته وحسن تدبيره ودعوة للتمعن والتفكر فيها وفي عالم الحشرات أيضًا؛ ليزيد إيماننا بأن خالق النحلة، ومدبر شئونها هو نفسه خالق السموات والأرض وما بينهما. ومن العوالم التي طالب الله سبحانه وتعالى الإنسان بالتفكر فيها هو النفس البشرية، فالتعمق في أسرارها يجعل الإنسان يؤمن إيمانًا جازمًا بالله؛ لعلمه أنه غير قادر على الإحاطة بكيفية عمل أجهزته الحيوية، ولا التحكم فيها أو تسيير عمليات الحياة فيها وفق هواه، بل هو عاجز حتى على شفاء نفسه في حال المرض، أو إمساك نفسه عن الموت، فیتأكد أنه کما لنفسه أجل محدد فلهذا الكون أجل آخر تنتهي به الحياة على هذه الأرض، ويجازى على أفعاله فيها، ما يقوده للإيمان بالبعث والجزاء، وبحسب هذه المعرفة الإلهية تعظم درجة المتفكر في الآخرة. ومقدرة الإنسان على تطويع الطبيعة، والاستفادة من ثرواتها، والسيطرة على www. modoee.com ٣٢٣ حرف التاء قوتها بقانون التسخير الإلهي، تؤكد استحالة بذلك آثارًا مشاهدة تدل على صفات الله سبحانه وتعالى. أن تكون هي مسيرة نفسها، وما اهتداء الإنسان إلى هذا القانون إلا بما أكسبه الله له من وسائل تعينه على ذلك بما فيها العقل وملكاته، وضعف الإنسان أمام قوة المخلوقات الأخرى، ثم سيطرته عليها بفضل الله تعالى لدليل أكيد على صفاته العلية - جلا وعلا-، كما أن قانون الزوجية الذي یحکم هذا الکون یبین التفرد الإلهي، فكل شيء في هذا الكون أصله من ذكر وأنثى إلا خالق الكون، والتفكر في هذا القانون، والبحث عنه في أرجاء هذا العالم يجعل القلب يصدق بوحدانيته تعالی. كما أن التفكر يعزز في النفس الإيمان بالأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن الكريم، أو وصفه بها نبيه عليه الصلاة والسلام، فتجزم العقول حينما ترى المخلوقات أن لها موجدًا، وأنها لم يخلقها العدم، كما تدرك العقول السليمة صفة الحكمة عندما ترى أثر الإحكام في المخلوقات، وصفة الخبرة عندما ترى الإتقان، وصفه الرزق عندما ترى عمليات تدبير الأرزاق، وصفة الرحمة عندما تری آثار رحمة الله في مخلوقاته، وصفة الوحدانية عندما ترى التكامل في بناء الكون والثبات الذي لا يهدده الفساد، فتكون المخلوقات التي تملأ الأرض والسموات وبهذه النظرة الإجمالية للآيات، وبهذه الدعوة للتفكر نتبين أنها كلها مجالات تدل علی أن خالقها ومدبرها واحد، إلا لمن عاند واستكبر وأبى، فإذا كان الكون بما فيه من «آفاق السماء وفجاج الأرض، تسبح بحمد ربها، فلماذا نشذ نحن ولا نصطبغ بما اصطبخ به الكون كله)»(١). ويمكن الاستفادة من التفكر في هذا العصر لمواجهة موجة الضلال المنتشرة في العالم اليوم، فبالرغم من كل التطور العلمي والتكنولوجي الحاصل، إلا أن الإنسان اليوم بات أكثر بعدًا عن الفطرة السليمة، وعن اكتشاف العلاقة بينه وبين خالقه وبین الکون، وقد یکون أقرب الناس إلى التوحيد هم العلماء، كونهم أكثر الناس إعمالًا للعقل، أو اكتشافًا للحقائق؛ لذا نسمع بين الفينة والأخرى عن دخول عالم من الغرب إلى الإسلام نتيجة ما أوصلته إليه بحوثه التي تلخص له مفهوم الخالق الواحد القادر المبدع. وفي هذا يقول أحد العلماء: ((إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه، ويدل على قدرته وعظمته، وعندما (١) المحاور الخمسة للقرآن الكريم، محمد الغزالي ص٢٩. ٣٢٤ القرآن الكَرِيْمِ التفكر الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته؛ ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكن نرى آياته في أنفسنا، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته))(١). كما يقول (لورد كيافي) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم هذه العبارة القيمة: ((إذا فكرت تفكيرًا عميقًا فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله)»(٢). بهذا يتبين أنه لا يوجد طريق يسير وآمن ومقنع مثل التفكر، للاهتداء إلى خالق الكون، والإيمان بوحدانيته، والعمل بمقتضى أوامره. ثانيًا: تزكية النفس واستقامتها على هدى الوحي: إن من أهداف التفكر السامية بعد وجوب الإيمان بالله خالقًا وربًا لهذا الكون هو ضرورة تعزيز القوة الإيمانية في القلب، وتحصينها من كل ما يمكن أن (١) الله يتجلى في عصر العلم، نخبة من العلماء الأمريكيين بمناسبة السنة الدولية لطبيعيات الأرض، حرره: جون كلوفر مونسيما، ترجمة: عبد المجید سرحان الدمر داش ص٢١. (٢) المصدر السابق ص ٢٢. وأثناء هذه العملية يدرك المؤمن وظيفته الدنيوية في إقامة شرع الله على هذه الأرض، عن طريق التفاعل الإيجابي مع مخلوقات الله، فيعمد إلى استغلالها، واستخراج منافعها، ومعرفة الحكمة منها ومن خلقها، ودلالتها على صانعها وخالقها، ومدى تحقق صفات الجمال فيها مما يعكس حكمة التقدير ودقة الإبداع، ويبرز كمال الصفات الإلهية، فالتفكر في خلق الله «هو العمود الفقري للإيمان الذي ينبثق عنه كل عمل خير)) (٣). وتتجلى لنا الصياغة القرآنية للروح الإنسانية عبر مداخل التفكر في تكوين الصفات والأخلاق والرقائق التي تحيا بها الأرواح، واستثارتها إذا أسدل عليها غطاء الغفلة، فالإحساس الذي يشعر به المتفكر وهو يجول في ملكوت الله سبحانه وتعالى، (٣) التفكر من الشهود إلى المشاهدة، مالك البدري ص٣١. www. modoee.com ٣٢٥ نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا يؤثر فيها، بفضل التفكر فيما تحويه آيات الكون والوحي في طياتها، ترشد الضال إلى الإيمان بالله، وتزيد من قوة هذا الإيمان في القلب، فكما نعلم أن الإيمان أسس وأركان، دعامته الدليل والبرهان، فتفكر المؤمن في آلاء الله یوثق رابطته بالله تعالى، ویزید من عزيمته وهمته لنشر هذا النور والطمأنينة وتعميمه علی کل البشر. حرف التاء مستحضرًا المعية الربانية، والتسبيح الكوني لمخلوقات الله، يجعله يعيش حالة من الصفاء الذهني والإشراق القلبي، تفيض عليه من المعارف والمواهب الربانية ما كتبه الله له، وتكون محصلة هذه الرحلة اكتسابًا لمفاهيم جديدة، ومعارف غير مسبوقة، تهيمن على روحه، وتصبغها بصبغة الإيمان، وتثمر أعمالًا صالحة، تملأ الأرض عدلاً وصلاحًا. وأول ما يناله المؤمن من التفكر هو ذلك الجلال الذي يملك على القلب ويهيمن على الروح، فيلهج اللسان بالشكر والذكر لما يشاهده ويحسه من آثار قدرة الله في الكون وفي حياته؛ ليمتلئ القلب حياءً من الله سبحانه وتعالى. فكلما تمعن المتفكر في نعم الله عليه وأحس بفضل الله عليه، وتقصيره بجانب ما منحه الله، وتعاظمت ذنوبه أمامه، أحس بمدی غفلته، هو إحساس يعرفه الجنيد رحمه الله بقوله: ((الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء))(١). ويقول السعدي رحمه الله: ((ویقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء لا محالة))(٢). (١) المنهاج شرح صحيح مسلم ٥/٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٥٣. كما أن من الصفات التي تنتج عن التفكر الخشية والخوف من الله تعالى، فإدراك الإنسان لعظمة الملك، وبديع الصنع وجلال القدرة تجعل القلب يهتز خوفًا وخشية لله تعالى، فهي ثمرة الإيمان وعلامة على لين القلب ونقاء السريرة، وغالبًا ما تكون هذه المعرفة متعلقة بجلال الله تعالی. لهذا يقول تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِيَهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَحِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ( أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيَّرَتِ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. وفي هذه الآيات يربط الله تعالى بين الخشية وبين الإيمان بالآيات سواء الكونية أو القرآنية التي تجعل المؤمنين موحدين، يبيعون الدنيا في مقابل الآخرة والفوز في يوم المعاد، فتنقلب حیاتھم سباقًا في ميدان الأعمال الصالحة، وهي الهبة التي منحها الله لقارئ القرآن وسامعه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ أَّرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. يقول الألوسي: ((وفي هذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه ٣٢٦ مُؤْمنُوابَر النفسي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التفكر من المواعظ والزواجر، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن، وتدبر ما فيه من القوارع، وهو الذي لو أنزل على جبل وقد رکب فيه العقل لخشع وتصدع)»(١). وكل هذا يشع في النفس يقينًا بالله، واطمئنانًا بسلامة الطريق، وإحساسًا عاليًا بالمعية الإلهية، ما يبعث في المؤمن زهدًا لملذات الدنيا، ويستنبت في قلبه بذور الذل والتواضع والرحمة والانكسار بين يدي مولاه، ويحس حقارة نفسه بجانب خضوع مخلوقات الله له، فيعظم حب الله تعالى في القلب، وينطلق اللسان بالشكر والثناء، فتکثر الطاعات؛ تقربًا إلیه، حتى لا يكون شيء أحب إليه في الوجود منه تعالى. ((فالأثر النوراني لهذا التفكر يعرقل عمل الشهوات في القلب، ويدفع أهواءها على حسب قوة الوارد من أنوار التفكر؛ فتسلب الشهوة من عاجل لذتها، فما يتبقى منها سوء عاقبتها))(٢). (١) روح المعاني، الألوسي ٦٨/٢٨. (٢) التفكر عبادة ربانية وضرورة دعوية، محمد عادل، مقال من مجلة البيان على الانترنيت، لذا قال بشر الحافي: «لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه)) (٣). هذا التغير السلوكي والأخلاقي للنفس البشرية بتأثير التفكر يؤكده علماء النفس في العصر الحديث، فالتفكير التأملي والخشية لا تنبع إلا إذا أدرك الإنسان لدى الأفراد ((يساهم في تنمية: الإحساس مكانة هذا القرآن وعظمة الخالق، حينها يمتلئ القلب بالتقوى، فتراه یحرص على حسن السلوك. بالمسؤولية، العقل المتفتح، والإخلاص، والفرد المتأمل أكثر قدرة على توجیه حیاته، العمل بطاعة الله، ما يجعله مستقيم الفكر، وأقل انسياقًا للآخرين، واستخدام التفكير التأملي لا يعني أن يكون لدينا فکر واضح، ولكن أيضًا امتلاك السلوك الذكي» (٤). وهذا ما جعل الدكتور البدري يعتبر التفكر («العمود الفقري لتصور المسلم عن نفسه، واستعداده بعد ذلك لتغيير سلوكه وعاداته، فبدون التغيير لا يمكن تعديل السلوك والعادات))(٥). وهذا يؤكد أن هناك رابطًا عجيبًا بین أفكار الإنسان وأخلاقه، وهو ما سبقه إليه الإمام ابن القيم حين بين أثر التفكر؛ ((فالتفكر يوقع ١٤٣٠ هـ. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٥. (٤) فعالية استخدام بعض استراتيجيات ما وراء المعرفة في تحصيل الفيزياء وتنمية التفكير التأملي والاتجاه نحو استخدامها لدى طلاب الصف الثاني الثانوي الأزهري، فاطمة عبدالوهاب، مجلة التربية العلمية القاهرة مصر ديسمبر ٢٠٠٥ م، المجلد الثامن، عدد ٤، ص١٧٧. (٥) التفكر من الشهود إلى المشاهدة، مالك البدري ص٣١. www. modoee.com ٣٢٧ حرف التاء صاحبه من الإيمان على مالا يوقعه عليه فلا معنى لإنسان يقضي ساعات يومه ينظر في ملكوت السموات والأرض، ويقلب بصره بين عوالم الخلق، دون أن يجعله هذا الأمر يشمر على ساعد الجد والاجتهاد للتقرب إلى الله بالطاعات، وبالقيام بمسئوليته تجاه هذا الكون قيادة وتسييرًا على منهج الرسل الكرام بما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة. العمل المجرد، فإن التفكر يوجب له من انکشاف حقائق الأمور وظهورها له، وتميز مراتبها في الخير والشر، ومعرفة مفضولها من فاضلها ... ، فإذا ورد علیه وارد الذنب والشهوة، فتجاوز فکرہ لذته، وفرح النفس به إلى سوء عاقبته، وما يترتب عليه من الألم والحزن الذي لا يقاوم تلك اللذة والفرحة، ومن فكر في ذلك فإنه لا یکاد یقدم عليه)»(١). ويزيدنا بيانًا الإمام الغزالي حین يوضح لنا بالمثال كيفية تغير أحوال القلوب والنفوس بمفاهيم الفكر: ((فإن الفکر یعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار، فإذا رسخت هذه المعرفة يقينًا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا، وهذا ما عنيناه بالحال؛ إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة والميل إليها، والنفرة . عن الآخرة، وقلة الرغبة فيها))(٢) هذه الصفات النبيلة وغيرها تثمر في القلب حكمة تزين المتفکر، فلا تجده ذو فکر سقيم، أو رأي عدیم، بل له من نفاذة البصر، وسداد الرأي ما يوجه به حياته إلى بر الأمان، کونه یتعمق في أسرار الأمور، ويدرك بدايتها وغايتها، ويميز بين النافع والضار، كما أن التفكر يعتبر سبيلاً للعمل، (١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ١٨٠. (٢) التفكر في خلق الله، أبو حامد الغزالي ص٤٢. جَوَسُواعَرّ القرآن الكريم فالتفكر عمومًا فيه تهذيب للأخلاق، وتليين لقسوة القلب، وترويح عن النفس، وزاد للعقل، وحفظ للجوارح عن الحرام، وفي الخلوة يستشعر الإنسان مراقبة الله، ويتذكر ذنوبه فيها، فتحلو المناجاة، وتعظم محاسبة النفس ومعاتبتها، فتنفلت من ربقة الحياة الدنيا، وبهذا يتمكن المتفكر من تقوية إيمانه، وتحصين نفسه، وسمو أخلاقه، فتشرق أنوار المعرفة الإلهية في قلبه ویسیر في مدارج السالكين إلى الله تعالى، ويصبح قادرًا على الانسجام في توليفة التسبيح الكونية التي تتجلى في أسمى معانيها في اليقين القلبي برسالته، وإلمامه بزمام العلم والمعرفة، وحسن تسخيره وتسييره لهذا الكون. ٣٢٨ التفكر ثالثًا: التعرف على سنن الله في الآفاق والأنفس: من الأهداف الأساسية التي وضعها القرآن الكريم لموضوع التفكر هو معرفة السنن الإلهية الكونية والإنسانية التي تقوم عليها المنظومة الكونية بشقيها الخاص بمجال الآفاق، أو ما يخص النفس البشرية ((ذلك أن حوادث الكون خاضعة لسنن وقوانين سنها الله تعالى وفق أقدار قدرها ... ؛ ليبحث الإنسان عن سنن الله في الأمم السابقة، مما يجعل تفكيره سليمًا مبنيًا على قانون ثابت))(١). وقد جاء في القرآن آيات كثيرة تبحث في السنن، وتدعو الإنسان للوقوف عندها، والتأمل فيها ودراستها لاستبيانها أكثر، وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، ووحدتها من حيث المنشأ والمصير، واكتشاف العلائق الحاكمة لها منذ خلق البشرية؛ ((كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه وحياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعًا، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعًا، ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعًا))(٢). قال تعالى: ﴿سَؤُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى (١) التربية بالآيات، النحلاوي ص٥٣. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٦٠/٥. اْلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. ومعرفة هذه السنن يجعل الإنسان يفهم سر هذه الحياة، ويمسك بزمام الأمور فيها، ويفقه قوانينها، ويساعده على فهم ظواهرها، وتسخيرها لتلبية حاجاته، وتیسیر حیاته، كما يعرفه على نتاج أعماله إن خالف هذه السنن، وعمل على الاستبداد والظلم وإثارة الفساد، فستسري عليه سنة الله بالهلاك والعقاب في الدنيا والآخرة، وإن أحسن وعمل على الإصلاح والتعمير، كانت سنة النصر والتوفيق للتقدم مصيره، وكتب له النجاح في امتحاني الدنيا والآخرة. وقد بين الله سبيل التعرف على هذه السنن بالاعتماد على التفكر العميق في عواقب الأمور، والتدبر في الآثار وما بقي من دلائل وآثار الأقوام السابقة، وهذا لا يتأتى إلا بالسير المعتمد على النظر العقلي. قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]. والاستقراء العلمي والتاريخي لأسبابها وحقائقها، وربطها بالعقيدة؛ لتقريبه من خالقه، وبيان أهميتها في دنياه وأخراه؛ لأن النظر في الكون دليل لمعرفة سنن الله في الكون، والتي هي في حد ذاتها دليل على www. modoee.com ٣٢٩ حرف التاء معرفة الله الواحد، وفي هذا إقرار بوجود مثل هذه السنن، وحث على معرفتها والاعتبار بها وتوظيفها في البناء الحضاري. والمؤمن مطالب بالتنقيب عن هذه السنن واكتشافها؛ ليتبين له النظام الدقيق الذي یحکم هذا الكون، ويستخلص الحكم والعبر من الوقائع والأحداث؛ لأن سنن الله مترابطة ومتماسكة برباط محكم تبرز فيه الحكمة والإبداع، كما أنها تتميز بالنظام والثبات، فهي المقوم لانحراف الإنسان في سيره إلى الدار الآخرة، وسنن الله في خلقه كثيرة، ربط الله منها عدة سنن بموضوع التفکر، وجعله أساسًا للوصول إلى معرفتها، وبيان حقيقتها، من هذه السنن ما يأتي: ١. السنن الطبيعية في الكون. يعرض الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من القرآن الظواهر الكونية، وكيفية عملها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءِ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حٍَّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَقَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. ففي هذه الآية يشبه الله الحياة الدنيا بالنبات؛ وذلك في دورة حياته وسنة الله في حياته، وفي سورة الرعد ذكر الله سبحانه وتعالى دلائل إنعامه على الإنسان فقد خلق له الأرض ممدودة مبسوطة؛ ليسهل عليه السير فيها والزراعة فيها، فالمد والبسط سنة الله في الأرض، وإن كان هذا لا ينفي كرويتها في الشكل العام، هذه الكروية في حد ذاتها هي سبب في دورانها حول نفسها ما يحدث تعاقب الليل والنهار، وسبب في دورانها حول الشمس ما يحدث اختلاف الفصول، وفي كل هذا منافع للناس، ثم ثبتها بالجبال الرواسي، وجعلها كالأوتاد لها، وشق خلالها الأنهار، ومن الأرض والأنهار یکون النبات والثمار. وهي سنة جارية في الكون ذكرت وتكررت في القرآن كثيرًا؛ للتنبيه عليها، ومعرفة التعامل معها والاستفادة منها في طلب الرزق، وجعل سبحانه وتعالى النباتات ثابتة في الأرض؛ لأن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنها فهي غذاء أساسي، ولو جعلها متحركة كالحيوان لشق عليه الحصول إليها، لكن جعل غذاءه جزءان أحدهما نبات ثابت سهل المنال، وجزء متحرك يتمثل في الحيوان، وسخر له الوسائل المساعدة للتمكن منه. وفي آية النحل بين الله هدايته لعالم الحيوان وسنته فيه، وكيف تسعى هذه الحشرات الصغيرة في الأرض بهداية الله ٣٣٠ الْعُرآن الكَرِيْمِ التفكر وتحصل على رزقها فتستفيد وتفيد معها البشر، وهي سنة الله في الأرض فكل مخلوق مقدر له في هذه الأرض أن يأخذ منها ويعيد لها، في دورة لحياة الكائنات سنها الله تعالى، وهي قوانین دقيقة تحکم النظام الكوني لا يمكن أن تنفصم أو أن تختلف حتى لو مرت عليها ملايين السنين. ٢. سنة الزوجية. يبين الله سبحانه وتعالى هذه السنة في كثير من الآيات. يقول جل جلاله: ﴿وَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. فالتناسل والتوالد والنمو بين الكائنات لا یکون إلا بزوجین متکاملین، وعادة ما يكونان من نفس الجنس؛ ليحدث التآلف والانسجام بينهما، وتستقر الحياة، وهي سنة تحكم الكون بكل ما فيه من جمادات وكائنات. ففي عالم النبات يقول تعالى: ﴿وَهُوّ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّارُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. يقول الرازي: ((المراد بزوجين اثنين: صنفين اثنين، والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض، أو الطبيعة كالحار والبارد، أو اللون كالأبيض والأسود))(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥/١٩. والعلم الحديث اكتشف أن النباتات هي أيضًا تتزاوج، ففي كل نبتة أوجد الله سبحانه وتعالى أعضاء التكاثر الذكرية والأنثوية، وبفعل قوة الريح أو انتقال الحشرات على النبتة أو على النباتات التي تحمل بذور الطلع يحدث هذا التزاوج. وفي عالم الحيوان يقول تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ اْأَنْعَمِ أَزْوَجَا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ويختار ابن عاشور أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًّا وَ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [الرعد: ٣]. يتوقف فيها عند الثمرات، وتستأنف معنى آخر يشير إلى سنة الزوجية في الحيوان حيث يقول: ((والظاهر أن جملة ﴿جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ﴾ مستأنفة؛ للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات، وهو جنس الحيوان المخلوق صنفين ذكرًا وأنثى أحدهما زوج مع الآخر))(٢). وهو معلوم وظاهر في حياة هذه الكائنات. وفي عالم البشر يجعلها الله سبحانه وتعالى من أعظم الآيات، بحيث ربطها بآية الخلق والوجود. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/ ٨٣. www. modoee.com ٣٣١ حرف التاء مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ وَمِنْ ءَايَنِّهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا. لِتَسْكُنُوْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَنْتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢٠ - ٢١]. وفي هذا امتنان من الله على الإنسان بهذه النعمة، فهذه الزوجية تمنح الإنسان سواء الذكر أو الأنثى السكن والمودة والرحمة، وهي عناصر الاستقرار والاستمرار على الأرض. كما أن هذه السنة هي أساس عالم الجماد، فالذرة أصغر ما في هذا الكون، وتتكون من زوجین بروتون ونیترون، حتی الكهرباء الغير مرئية تتكون من شحنتين موجبة وأخرى سالبة، ومن بديع حكمة المولى أنه جعل أزواج الأشياء من نفس جنسها، ومتقاربة الخصائص، ورکب ذلك في المخلوقات، فتری کل نوع یمیل ویسکن إلى بني جنسه ومثله. ٣. سنة الحياة والموت. وهي سنة تأسر النفس البشرية، وتجعلها تحاط بإطار زمني مغلق، يبدأ في لحظة معينة، وينتهي إلى أجل مسمى، تنحصر فيه أعمال الإنسان وأقواله وتصرفاته، وهي دلیل على حكمة التدبير، وحسن التنظيم والقدرة العظيمة لخالقه، لا ترتبط بالحياة البشرية، فقط بل يخضع لها الكون بأسره بكل ما فيه، فكل يسير إلى أجله المقدر له، وارتبط التفكر بهذه السنة في آية يونس (٢٤) ليعبر عن حقيقة الوجود الإنساني على هذه الأرض بأبلغ تشبيه، وأوجز عبارة، فمدة الحياة على هذه الأرض مذ بدء الخليقة لا تتجاوز في حقيقتها مدة نمو النبات وحصاده، فما بالك بحياة الفرد الواحد عليها، وهو مثل يحفل بالتوجيه والتنبيه؛ لعدم الركون إلى هذه الدنيا، ويحذر من الانحدار إلى شهواتها حتى تأتي لحظة النهاية ولا ينفع حينها الندم. فالتفكر في هذه المثل يقودنا إلى الإيمان بحقيقة فناء الكون، من خلال تحقق سنة الحياة والموت في مستويين يقودان إلى مستوى ثالث ((فالمستوى الأول يتمثل في إحياء الأرض بعد موتها، أو موتها بعد حياتها، فتكون الأرض مخضرة في الربيع، ثم يأتي الخريف فتكون حصيدًا، والمستوى الثاني تحقق في أهل القرى، فكم من قرية كانت عامرة بأهلها، تزدهر فيها الحياة بكل مظاهر الزينة من أنهار وزروع وثمار ... ثم أصبحت بعد ذلك خرابًا بما كسبت أيديهم ... فالمستوى الأول يشير إلى نهاية الحياة الدنيا، والمستوى الثاني يشير إلى نهاية الأمم والمجتمعات، ويكون المستوى الثالث هلاك كل شيء، فعلم أن لا خلود في هذه الحياة، وهذا مدعاة إلى التفكير الجدي ٣٣٢ مَوَسُو ◌َرُ الَّشيد القرآن الكريم التفكر بمصير الإنسان، ومصير الحياة))(١). مذللة لهذا المخلوق الضعيف، قصد تسهيل كما جاء الحث على التفكر في سنة خلافته على الأرض، رحمة وفضلاً من عند الخالق. الموت في سورة الزمر، حين ربطت بالموازاة مع ظاهرة النوم في قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْـ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِ قَضَى عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَ أَجَلِ مُسَمَّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]؛ ليتمكن المتفكر أن يوازن بين هاتين الظاهرتين من حيث كونهما دليلًا على توقف الحياة والانتقال إلى عالم آخر غير هذه الحياة، فالنوم يشبه الموت في انقطاع الإدراك والإحساس والتصرف، وإن كان حالة مؤقتة، لكنها تنبئ عن حالة النوم الأبدي هي الموت. إذن سنة الحياة والموت هي سنة كتبت على كل من في الأرض فما من شيء حي إلا وله نهاية. قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَاَلْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. ٤. سنة التسخير. وهي من السنن التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، يعلم بها البشر طرق التعامل مع الكون والاستفادة منه، فكل هذه العوالم التي هي أكبر من الإنسان حجمًا هي وهذه السنة تحكم النظام الكوني بطريقة منظمة وثابتة لا انفلات فيها، ما يسمح بالتفاعل الإيجابي للإنسان مع الكون، وهذا التسخير لا يكون إلا بالتعرف على خواص الأشياء وحقائقها باستعمال وسائل الإدراك والحس، والاستعانة بهدي القرآن الذي ((يضبط صيغ التعامل بين الطرفين بقيم ومبادئ وأعراف، تحقق أقصى درجات التكشف والإبداع ... ، وتنشئ أكثر الصيغ الحضارية ملائمة لطموح الإنسان وأخلاقيته ومكانته في الكون»(٢)؛ لأن التسخير هو قهر للمخلوقات وإرغامها على القوانين الكونية التي ركبها فيها الله؛ لذا حث القرآن على البحث في دقائق المخلوقات وخصائصها، واستكشاف مكامن الخير والنفع فيها؛ وذلك بالتعمق الدقيق في تفاصيلها وحقائقها التي لا تتبدی إلا بعد التفکر فیھا. كما حاول القرآن أن يضع الإنسان على هذه الطريق من خلال فتح بصره على بعض طرق الانتفاع بهذه الكائنات، فهو یضرب لنا مثلًا للتفكر في كائن صغير لا يكاد الإنسان پولي له شأنًا، لکن فائدته کبیرة بالنسبة له، (١) منهج القرآن في صياغة تفكير الإنسان، زياد (٢) الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، عبد الحميد أبو سليمان ص٢١. الدغامین ص٢٠٦. www. modoee.com ٣٣٣ حرف التاء وهو آية النحل، فقد خصها الله بسورة كاملة في محكم تنزيله، مبينًا لنا طريقة عيشها وعملها وفائدتها. وفي هذا يقول الإمام السعدي: ((في خلق هذه النحلة الصغيرة التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه))(١). فسنة التسخیر قانون إلهي وضعه في ید الإنسان؛ ليسهل به مهمته على الأرض، فيجب على الإنسان أن يعرف كيف يستغله ویصل به إلى إرضاء مولاه. ٥. سنة الهداية والضلال. هي سنة جارية على الإنسان منذ أن خلقه الله وقدر عليه الحياة والعمل، فأهل الجنة هم أهل الهداية العاملون المجدون المخلصون، وأهل النار هم أهل الضلال والغواية والكفر، والهداية سنة بيد الله تعالى، يقول -جل في علاه -: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَقْشَعِرٌ مِنْهُ (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٤. جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يُّهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضَّلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقد ارتبطت سنة الهداية والضلال بموضوع التفكر في آية الأعراف التي جاءت في معرض الذم للذين كفروا وكذبوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بالرغم من الحجج الدامغة والدلائل الباهرة التي جاءهم بها، وضرب لهم مثل العارف بآيات الله الذي آتاه الله علمًا واسعًا كان سبيل النجاة لو أراد ذلك العارف، لكن نفسه أبت إلا الركون إلى دار الفناء، وكان عمله مخالفًا تمامًا لعلمه، فسلبه الله ذلك العلم، و کتب عليه الضلال في الدنيا والآخرة. يقول الألوسي: ((وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى، ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله تعالی؛ إذ فیه من تعلیم العباد حسن الأدب ما فيه))(٢). وفي هذه الآيات ترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، وفيه ترهيب من إلقاء الآيات وراء الظهر، ما یدعوہ لاتباع الهوى، والإخلاد إلى الشهوات، ونزولًا إلى أسفل سافلین. (٢) روح المعاني، الألوسي ٩/ ١١٤. مُوسوبر النقد القرآن الكريم ٣٣٤ التفکی ٦. سنة الابتلاء. ومن سنن الله على البشر سنة الابتلاء، وهي سنة كتبها الله؛ ليتميز بها الصالح عن الطالح، ويتباين منهج الحق عن مناهج الباطل، فتكون الدنيا هي دار الابتلاء، بما تحمله من مغريات وشهوات وملذات تغري بها الطامعين؛ لتكون حجة لمن انحط وغفل عن الغاية الكبرى وتقوم الحجة على من اتبع النهج السوي، وأمسك نفسه عن الهوى. والتفكر في سنة الابتلاء وارد في قصة المثل الذي ضربه الله تعالى للمنفق المرائي الذي ابتلاه الله في جنته التي كانت عامرة وذات زينة وبهجة، وله ذرية ضعيفة يعولھا، لكنه اغتر واستكبر، ونسي حق الله، فما كان إلا أن جرت عليه سنة الله بالابتلاء؛ لينتبه من نوم الغفلة، ويعود إلى الصراط المستقيم. كما أنه سنة الله على رسله عند تبليغ دعوتهم، فمن ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم وصمه بالجنون والكذب. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ مَاپِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعر ١٨٤]. وفي هذا تسلية للدعاة على طريق دعوتهم وحث لهم على الصبر والاحتساب، فالابتلاء في الدنيا هو محبة من الله لعباده قصد تنبيههم إلى غفلتهم وتقصيرهم، و کثرة أخطائهم، وزيادة في حسناتهم، ورفعًا إلى بدر: والله لو بصق علي لقتلني. لدرجاتهم في الجنة. وهذه بعض من السنن التي تحكم الحياة والكون، وهناك نواميس أخرى، حري بالعقل أن يبحث عنها ويفهمها ويوظفها؛ لتسهيل الحياة وخدمة الرسالة الربانية، وأن يتفكر فيها وفي معانيها قصد إدراك حقيقة وجوده على الأرض. ٧. سنة الله في الظالمين. ویکون معنى ﴿وَفِ أَنفُسِهِمْ﴾ أنهم يرون آيات صدقه في أحوال تصيب أنفسهم، أي: ذواتهم مثل الجوع الذي دعا عليهم به النبيء صلی الله عليه وسلم، ونزل فيه قوله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ يِدُخَانِ تُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. ومثل ما شاهدوه من مصارع كبرائهم يوم بدر وقد توعدهم به القرآن بقوله: ويوم نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦ ]. وأية عبرة أعظم من مقتل أبي جهل يوم بدر، رماه غلامان من الأنصار وتولى عبد الله بن مسعود ذبحه وثلاثتهم من ضعفاء المسلمین وهو ذلك الجبار العنید. وقد قال عند موته: لو غیر أکار قتلني، ومن مقتل أبي بن خلف يومئذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان قال له بمكة: (أنا أقتلك) وقد أيقن بذلك فقال لزوجه ليلة خروجه www. modoee.com ٣٣٥ حرف التاء رابعًا: إدراك مقاصد الحياة والوحي: إن من أهداف التفكر العامة والتي جاءت في رحاب آياته بيان مقاصد الحياة لكثير من الناس الذين يجهلونها؛ وذلك عن طريق إنزال الوحي وهداية البشر، ودعوة القرآن لاستكشاف هذه المقاصد بغرض تسهيل فهم الحياة لهم وإدراك سر خلقهم ووجودهم، وبيان مهمتهم والطريق المستقيم الذي يجب أن يسيروا عليه. وبما أن التفكر من العمليات الراقية في العقل البشري، كان لابد أن تتصل مواضيعه بإدراك حكمة الحياة، وكشف مقاصد الشرع؛ لذا جاءت آياته واضحة في هذا المعنى مؤيدة له، عن طريق عرض مشاهد الكون والاستدلال بها عن عدم عبثية الخلق، ومن ثم هي تنبيه للإنسان إلى أنه الراعي المستخلف لشئون الكون بهدف القيام بأمور الرسالة الموكلة إليه. فبعد تحقق الأهداف السابقة لموضوع التفكر من معرفة الإنسان لخالق الكون والإيمان به، ثم طاعة أوامره واجتناب نواهيه، مرورًا بتزكية نفسه وتهذيبها، ثم إحاطته بالسنن والنواميس الكونية، يبدأ عمله على هذه الأرض من خلال القيام بالمهمة التي من أجلها أرسل إلى الأرض، وهي تحقيق العبودية لله تعالى عن طريق حسن الاستخلاف في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِى اَلْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ اُلْدِمَآءَ وَثَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. هذه الأمانة الاستخلافية التي قبلها الإنسان بالرغم من الضعف الكائن فيه، بعد إباء من هو أعظم منه في ميزان الوجود من سموات وأرض وجبال على حملها، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةُ عَلَى السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وللقيام بأعباء هذه الأمانة كرمه الله تعالى بأن جعل حواسه المختلفة نوافذه على عالمه الخارجي، وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات، وجعل لعقله سلطانًا على قوى نفسه، وركب فيه المشاعر؛ ليطل بها على نفسه الداخلية، وهداه بنور الوحي الرباني، وبعث إليه الرسل، كل هذه الوسائل؛ لينهض بهذه المسئولية الثقيلة، ويقوم بها على أكمل وجه، فيتحقق معنى العبودية التامة لله تعالى، وإن كان جل وعلا غنيًا عن هذه العبادة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِّ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]. مُوسُوبَةُ الَِّّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٣٦ التفكر هي رسالة ألم بها أرباب العقول ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. فسمت أرواحهم بعبير الذكر، وتغذت عقولهم برحيق الفكر، فأدركوا حكمة الخلق ورسالة الوجود، واعترفوا بالحق، وفهموا أن هذه الحياة ما هي إلا دار اختبار لطاقة الإنسان على حمل الأمانة والقيام بتبعاتها، وأن كل ما في الكون شاهد على هذه الحقيقة، ثم يكون اللقاء يوم القيامة؛ ليحاسبوا على أداء الرسالة، ويجازوا إما إلى الجنة أو إلى النار. ومن إدراك هذه الحقيقة ينطلق المسلم بهذه المعرفة اليقينية، ويقابل عوالم الكون ويتعامل معها مراعيًا مبادئ وسنن النظام الكوني؛ لتحقيق مصالحه العليا على الصعيد الإنساني والحضاري وفق سياسة التوافق والانسجام. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِّ مَادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وهي علاقة تکریم تتجسد فيها سيادة الإنسان ومحوريته، وتظهر مسئوليته الواعية تجاه نفسه وتجاه ما يحيط به عن طريق التفاعل الإيجابي معه، هذه المكانة ناتجة عن امتلاكه مفاتیح معرفة الكون، والوسائل والأدوات التي تجعله يحسن التحكم به. هذه النظرة للكون والحياة هي جوهر التصور الإسلامي المخالف للنظريات الغربية التي تدفع بالإنسان للدخول في صراع مع الطبيعة للسيطرة على قواها، ومن ثم تسخيرها لخدمة أهدافه وتحقيق مصالحه، أما قمة العلاقة في الإسلام فتنشأ عن طريق الرحمة بالمخلوقات، والإحساس بدورها ومكانتها في المنظومة الكونية، والاستثمار الإيجابي لها، ما يكسب الإنسان فيها وحدة مع هذا الوجود وتناغما مع تسبيحاته؛ لأنهما خلقا من أجل هدف واحد هو تحقيق العبودية الكاملة للخالق الواحد. ومن فهم هذه الرسالة استطاع أن يجمع بين مرتكزات الحضارة الإنسانية التي تقوم على الإيمان بالله، والعلم النافع، والعمل الصالح، وهي منظومة لا يمكن الفصل بين ركائزها وإلا حدث اختلال في التوازن الحضاري، وانتشر الضلال والفساد وكثر الشر، حينها لا بد أن يحدث الركود الحضاري، وتتوقف عجلة الرقي والتطور، ما ينبئ عن سقوط الحضارة، ولنا في حضارات الأمم السابقة عبرة، أين تزعزعت ركيزة الإيمان بالله، ما عجل بسقوط أمم كانت قد عمرت الأرض وآثارها شاهدة www. modoee.com ٣٣٧ حرف التاء أن الحضارة الإسلامية لم تسقط ذلك السقوط المريع لباقي الحضارات، كونها ما تزال تحمل بذور قيامها في جنباتها، وإن فصلنا أكثر نجد أن القاعدة الصلبة التي تقوم عليها الحضارة الإسلامية هي الإيمان بالله، وهي قاعدة ما زالت صلبة عند المسلمين إلى يومنا هذا، لكن تخاذلهم عن اكتساب العلم النافع، وتضييع أسباب العمل الصالح هو ما أدی إلی أفول نجمهم، وتأخر ر کبهم. ولأن حل الأزمة وزمام الأمر في إيقاظ العقل ودعوته للتفكر، لم يهمل القرآن دور الفكر في هذه التربية، فقد اعتنى بمواءمة فکر الإنسان مع دوره المنوط به، من خلال فتح باب التفكر والتأمل على الكون على مصرعیه، فكانت آياته دعوة لاستثمار طاقة العقل فيما يفيد بني البشر بضوابط محددة، تغاير في أهدافها ووسائلها السياحة العقلية التي يدعو اليها الفكر الغربي اليوم، أو ما يسمى التأمل الارتقائي الذي لا تجاوز نتائجه حدود النفس البشرية - هذا إذا تحقق ذلك- دون أن ينعكس على الواقع والمجتمع. وما الوضع المتردي الذي تمر بها الأمة الإسلامية في هذا العصر إلا وجه من وجوه التأزم الفكري وعدم وجود منهجية لتقويم مفاهيم الحضارة وتصحيح النظر إلى دور عليها إلى يومنا هذا، لكننا نجد في المقابل الإنسان في هذه الحياة، كل هذا ناتج عن عدم فقه التكامل الوحيي الفكري لرسالة الإسلام، ما أدى إلى اختلال الموازنة بين جانب الروح وجانب الفكر؛ لذا تبدو حاجة الإنسان الملحة إلى توفر تربية شمولية منظومية ((تربط بين الإيمان والأخلاق الفاضلة، والعلم الصحيح والعمل الصالح وإن هذه العناصر الأربعة للتربية ينبغي أن تصبح متلازمة متماسكة إذا شئنا سعادة البشر أفرادًا وجماعات، ونجاة الإنسانية مما يحيط بها من شرور وأخطار))(١). وهي التربية التي غرسها القرآن في نفوس الجيل الأول فأثمرت. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١- ٣]. وستثمر في أي وقت متى وجدت تربة النفوس مهيأة؛ لتنهل من معينه. وركز القرآن على الارتباط الوثيق بين العقل والوحي وتكاملهما في البناء الحضاري، فأمر العقل بالبحث في أرجاء الكون مسترشداً بهدي الوحي، كاشفًا عن سر الخلق والخالق، فالوحي يتبدى في كتاب الله وسنة رسوله، وهما باب النجاة، ومفتاح هذا الباب نور الفکر الصحیح، هذه (١) نحو تربية مؤمنة، محمد الحمالي ص٥. مَوَسُو ◌َةُ النَّهـ القرآن الكريم ٣٣٨