Indexed OCR Text

Pages 41-50

التشاؤم
الذي هو سوء ظن بالله عز وجل بغير سبب، على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما
لا یعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى
والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالی
والتوكل عليه في كل أحواله.
علمها، وليس المراد أن يلقي الأمور على
عواهنها، ويترك السعي والعمل ويفوض
الأمر إلى الله تعالى)) (٣).
وحقيقة التوكل: ((هو صدق اعتماد
القلب على الله عز وجل في استجلاب
المصالح، ودفع المضار، من أمور الدنيا
والآخرة كلها، ووكلت الأمور كلها إليه،
وتحقيق الإيمان بأنه لا یعطي ولا یمنع، ولا
يضر ولا ينفع سواه))(١).
وعلى هذا فالتوكل مرتبط بحسن الظن
بالله تعالى، وكلاهما علاج لما یصیب
المسلم من دواعي الشؤم.
قال ابن القيم رحمه الله: فعلی قدر حسن
ظنك بربك ورجائك له یکون تو کلك علیه،
ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن
بالله، وأن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل
عليه، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك
به، ولا التوكل على من لا ترجوه (٢).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُّ ◌َإِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ
قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
أي: ((ومن یکل أمره إلى الله ویفوض إليه
الخلاص منه کفاه ما أهمه فی دنیاه ودینه،
والمراد بذلك: أن العبد یأخذ بالأسباب التي
جعلها الله من سننه في هذه الحياة، ويؤديها
(١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ٢/ ٤٩٧.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم، ٢/ ١٢١.
ثم ذكر السبب في وجوب التوكل عليه
فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ
لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
أي: إن الله تعالى منفذ أحكامه في
خلقه بما يشاء، وقد جعل لكل شيء مقدارًا
ووقتًا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء
مما كنت تؤمل وترجو، فالأمور مرهونة
بأوقاتها، ومقدرة بمقادير خاصة، كما قال
تعالى: ﴿وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:
٨](٤).
وعلى هذا: فإن التوكل على الله تعالى
هو حسن الظن بالله عز وجل، والبعد عن
التشاؤم الذي من أسبابه سوء الظن بالله
تعالى وبأقداره السارية على خلقه سواء
أکان خیرًا أم شرًا؛ لأن كل هذا ينافي إيمان
المسلم، ويخل بعقيدته وحسن عبادته لله
تعالی.
وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى
الله عليه وسلم: (إن حسن الظن بالله من
حسن العبادة)(٥).
(٣) تفسير المراغي، ١٤١/٢٨.
(٤) المصدر السابق، ٢٨/ ١٤٢.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٨٠٢٣،
www. modoee.com
١٨٣

حرف التاء
ودلالة الحديث واضحة في أن حسن [البقرة: ١٩٥].
الظن عبادة من العبادات الحسنة، كما أن
سوء الظن معصية من المعاصي.
ويؤكد هذا المعنى ما صح عن أبي هريرة الأسباب في علاجه، لذا على المسلم أن يثق
رضي الله عنه: أن رسول الله صلی الله علیه
وسلم قال: (قال الله: أنا عند ظن عبدي
بي)(١).
فحسن الظن بالله تعالى يذهب الشعور
بالشؤم؛ لأن الله تعالى هو الذي ينفع وحده
ولا يضر سواه، ثم إن شعور المسلم بالشؤم
لا يذهبه إلا التوكل على الله تعالى في كل
حال، لذلك بین النبي صلى الله عليه وسلم
ذلك من خلال تعليمه الصحابة الكرام كيفية
علاج التشاؤم، کما روي عن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (الطيرة من الشرك، وما منا
إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)(٢).
ولا مانع أن يتوكل العبد على الله تعالى
مع اجتناب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلَّقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَُّلْكَةِ﴾
٨/ ١٣٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في حسن الظن، رقم ٤٩٩٣، ٢٩٨/٤.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام
الله، رقم ٩،٧٥٠٥ / ١٤٥.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٣٦٨٩،
٥٤٦/٣، والترمذي في سننه، كتاب الطب،
باب ما جاء في الطيرة، رقم ١٦١٤، ٤ /١٦٠.
قال الترمذي: (( حديث حسن صحيح)).
إِذًا: حسن الظن بالله والتوكل علیه یزیل
من النفس دواعي التشاؤم، وهما من أقوى
بالله تعالی ویوقن أن قضاءه علیه ماض، ولا
راد لقضائه، ولا معقب لحكمه جل وعلا.
ثالثًا: العلم النافع:
كما أن الجهل والضلال سبب من
أسباب التشاؤم كما مر، فإن العلم النافع هو
علاج له، فما كان التشاؤم عادة من عادات
الجاهلية والأمم السالفة إلا بسبب جهلهم
وضلالتهم، لذلك عندما جاء الإسلام حث
على طلب العلم، ومدح الله سبحانه وتعالى
أهل العلم في آيات كثيرة، وكذلك السنة
الشريفة، إذهو من أفضل الأعمال الصالحة،
ومن أفضل العبادات وأجلها، فقد رفع الله
تعالى شأن أهل العلم بقوله تعالى: ﴿يَرْفَع
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ دَرَحَتِ﴾
[المجادلة: ١١].
ولم يساوهم أحد في منزلتهم ولا
رتبتهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
اٌلْعُلَمَؤُا﴾ [فاطر: ٢٨].
ودلالة الآيات واضحة في بيان منزلة
العلم النافع وأهله، فإنه يخرج الناس من
مَوَسُولَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
١٨٤

التشاؤم
الجهل والضلال إلى النور والمعرفة.
ولهذا لا نجد أحدًا أنعم الله تعالى عليه
ولأهمية العلم في حياة الناس أمر الله بالعلم النافع إلا كان متفائلًا، بعيدًا عن
تعالى رسوله أن يطلب المزيد منه في قوله التشاؤم، منشرح الصدر، ومطمئن النفس
والقلب، ومؤمنًا بأقدار الله تعالى وما
تعالی: ﴿وَقُل رَّبِّزِدْنِعِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
يحصل له في الحاضر والمستقبل، وهذا
قال قتادة رحمه الله: «لو كان أحد يكتفي
من العلم بشيء لا کتفی موسى عليه السلام،
ولكنه قال للخضر عليه السلام: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ
عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف:
٦٦](١) .
حال المؤمن؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْبِيَتَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
[النحل:
بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩٧].
والعلم النافع يدل على أمرين:
أحدهما: معرفة الله وما يستحقه من
الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال
الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه،
وخشيته ومهابته، ومحبته ورجاءه، والتوكل
عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه.
والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه،
وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات،
والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال(٢).
وإن العلم النافع طريق الجنة كما دل
على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا، سهل
الله له به طريقًا إلى الجنة)(٣).
(١) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر،
٤١٨/١.
(٢) فضل علم السلف على الخلف، ابن رجب،
ص ١٥٠ -١٥١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
قال ابن القيم رحمه الله: ((العلم هادٍ
والحال الصحيح مهتد به، وهو تركة
الأنبياء وتراثهم، وأهله عصبتھم ووراثھم،
وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء
الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح،
وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين،
وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال
والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك
واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال،
به یعرف الله ویعبد، ویذکر ویوحد، ویحمد
ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن
طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل
عليه القاصدون.
به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز
الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل
الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر،
رقم ٢٠٧٤/٤،٢٦٩٩.
www. modoee.com
١٨٥

حرف التاء
وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها
ومتابعتها یوصل إليه من قریب، وهو إمام،
والعمل مأموم، وهو قائد، والعمل تابع،
وهو الصاحب في الغربة، والمحدث في
الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف
عن الشبهة، والغنى الذي لا فقر على من
ظفر بكنزه، والكنف الذي لا ضيعة على من
آوى إلى حرزه، مذاكرته تسبيح، والبحث
عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة،
ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة
إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام)»(١).
ويتضح مما مضى: إن العلم النافع هو
نعمة من نعم الله تعالى على عباده، وعلاج
لكل ما يصيب الإنسان من الآفات النفسية
والقلبية، بما فيها الاعتقادات الخاطئة
كالتشاؤم بالبشر، والمصائب والبلايا والطير
والحيوان والأسماء، وغير ذلك، وكلها تعود
إلى سبب الجهل والضلال.
رابعًا: مصاحبة المتفائلين:
الصحبة الصالحة مكانة عظيمة في
الإسلام، لما لها من أثر واضح في حياة
الإنسان، سواء في معتقده وسلوكه وأفعاله
وتوجهاته، والإنسان ميال بفطرته إلى
مخالطة الآخرين ومصاحبتهم، ومجالستهم
والتأثر بهم.
(١) مدارج السالكين، ابن القيم، ٢/ ٤٤٠.
مُوسوبرُ التَفيِ العضوي
القرآن الكريم
ولعل المبتلى بالتشاؤم أولى من غيره
بمصاحبة المتقين الأخيار؛ لأن مصاحبتهم
وملازمتهم ستؤدي إلى اكتساب صفاتهم
من تقوی وإيمان، ومکارم أخلاق، وتفاؤل
وجد وإقدام، وحسن توكلٍ على الله تعالى
في السراء والضراء.
لذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين
بالتزام الصادقين في قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَحَ
السَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٩].
وحث على صحبة العابدين بقوله تعالى:
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
فَلْبَهُ، عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطَاً
(٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
ونهى الله تعالى عن صحبة الظالمين
لما فيها من حسرة وندامة، كما قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ بَلَيْتَنِ
أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٦) يَنْوَيِلَقَ لَيْتَفِ لَمْ أَتَّخِذْ
فُلَانَا خَلِيلًا ﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٨].
وجعل كل صحبة لا تبنى على محبة الله
تعالى وتقواه مصيرها العداوة، وذلك في
قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِمْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا
على الصحبة الصالحة بقوله عليه الصلاة
١٨٦

التشاؤم
والسلام: (مثل الجليس الصالح والجليس من لطائف منه وأسبغ عليهم من جزيل
السوء، کمثل صاحب المسك و کیر الحداد،
لا یعدمك من صاحب المسك إما تشتريه،
أو تجد ريحه، و کیر الحداد یحرق بدنك، أو
ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة)(١).
((وقوله: في تمثيل الجليس السوء
والجليس الصالح بحامل المسك أو نافخ
الكير: فيه تجنب خلطاء السوء ومجالسة
الأشرار وأهل البدع والمغتابين للناس؛
لأن جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم،
والحض على مجالسة أهل الخير وتلقي
العلم والأدب، وحسن الهدى والأخلاق
الحميدة)) (٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: (المرء على
دین خلیله، فلينظر أحدكم من يخالل)(٣).
«قال ابن العربي: أي عادة خلیله، فمن
كانت عادته في خلق الله ما عودهم الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب في العطار وبيع المسك، رقم ٢١٠١،
٦٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة
الصالحين ومجانبة قرناء السوء، رقم ٢٦٢٨،
٢٠٢٦/٤.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض
٠١٠٨/٨
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٨/ ١٣٠، رقم
٨٠١٤، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب من يؤمر أن يجالس، رقم ٤٨٣٣،
٢٥٩/٤، والترمذي في سننه، أبواب الزهد،
باب رقم ٤٥، رقم ٢٣٧٨، ١٦٧/٤.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
نعمه، وعطف بعضهم على بعض، فلم
يظهر في العالم غضبًا لا يشوبه رحمة،
ولا عداوة لا يتخللها مودة فذلك الذي
يستحق اسم الخلة؛ لقيامه بحقها، واستيفائه
لشروطها)) (٤).
وقال الرسول صلی الله علیه وسلم (لا
تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا
تقي)(٥).
وفي هذه الأحاديث المتقدمة حث على
صحبة الصالحين والمتقين وتجنب جلساء
السوء، وبما أن التشاؤم عادة سيئة فالأحرى
بالمتشائم أن يصاحب المؤمنين الصالحين
ليقتدي بإيمانهم وصلاحهم؛ فتنعكس
أخلاقهم وأفعالهم وعاداتهم على سلوكه؛
فيجد نفسه قد تخلص من عاداته السيئة،
ومنها التشاؤم.
خامسًا: الدعاء:
إن الدعاء هو الصلة القوية بين الخالق
والمخلوق، وهو وقوف العبد بين يدي الله
تعالى وسؤاله على وجه الافتقار والعجز
والانكسار.
(٤) فيض القدير، المناوي، ٢٦٦/٦.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
من يؤمر أن يجالس، رقم ٤٨٣٢، ٢٥٩/٤،
والترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب ما جاء
في صحبة المؤمن، رقم ٢٣٩٥، ٦٠٠/٤.
قال الترمذي: « هذا حديث حسن)).
www. modoee.com
١٨٧

حرف التاء
قال الخطابي في معنى الدعاء: ((استدعاء الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون
بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء
من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)(٣).
العبد ربه عز وجل العناية واستمداده إياه
المعونة»(١)، وإلی نفس هذا المعنى ذهب
الإمام الرازي (٢).
لذا فإن الإقبال على الله تعالی واللجوء
إليه، وكثرة الإلحاح عليه بالدعاء هو من
أفضل الأعمال، وعلاج لكل الآفات التي
تصيب المسلم، ومنها: شعوره بالتشاؤم،
فلا يمنعه ذلك من التضرع إلى الله تعالى
أن یشرح صدره، وییسر أمره، ویتجاوز ما
يصيبه من دوافع الشؤم بالإيمان وحسن
التوكل على الله تعالى في السراء والضراء،
ولا يكن كمن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ
أَرْ سَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذَّفَهُم بِالْبَأْسَلِ وَالضَّرَِّ
فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا
٤٢
لَعَلَّهُمْ بََّّعُونَ
تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطِنُ
[الأنعام: ٤٢-
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾
٤٣].
وعلى هذا: يجب على المسلم اللجوء
إلى الله تعالى بالدعاء في اليسر والشدة،
والاستعانة به في كل الأحوال، مع الاعتقاد
بإجابة الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمْ أَدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
ويؤكد هذا الأمر ما روي عن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
(١) انظر: شأن الدعاء، الخطابي، ص٤.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١ /٧٧٨.
وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته
دعاء الوقاية لمن وجد في نفسه ما یکره من
الأشياء وما يبعث في نفسه من شؤم، وذلك
بما روي عن عروة بن عامر قال: ذكرت
الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا
رأى أحدكم ما یکره فليقل: اللهم لا يأتي
بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا
أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)(٤).
وفي هذا الدعاء علاج لمن يجد في نفسه
كراهية حدوث بعض الأشياء، فالأولى به أن
لا ترده عن حاجته ويذهب متوكلا على الله
تعالی، فإن الله تعالی یکفيه ما وجد في نفسه
من ذلك.
سادسًا: الفأل الحسن:
حث الله تعالى عباده على التفاؤل
والبعد عن التشاؤم في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٦٦٥٥،
٢٣٥/١١، والترمذي في سننه، أبواب
الدعوات، باب رقم ٦٦، رقم ٣٤٧٩،
٥١٧/٥.
قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه)).
(٤) سبق تخريجه.
١٨٨
مُؤَنُوالَةُ الْتَّخِي
القرآن الكريم

التشاؤم
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ فُسْرَّ ٥ إِنَّ مَعَ
الْعُسْرِسْرًا﴾ [الشرح: ٥- ٦].
وجاء أيضًا في الحديث عن أنس رضي
الله عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل
الصالح: الكلمة الحسنة)(١).
والفأل هو: الكلمة الصالحة والطيبة
والحسنة؛ بدليل قوله صلی الله عليه وسلم
عندما سئل ما الفأل؟ فقال: (الكلمة الصالحة
يسمعها أحدكم)(٢).
قال القرطبي رحمه الله: الفأل هو:
الاستدلال بما یسمع من الكلام على ما یرید
من الأمر إذا كان حسنًا، فإن سمع مكروهًا
فهو تطير -تشاؤم-، وأمره الشرع بأن يفرح
بالفأل ويمضي على أمره مسرورًا، وإذا سمع
المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله(٣).
يقول الإمام الطيبي: ((معنى الترخص في
الفأل والمنع من التشاؤم: فهو أن الشخص
لو رأى شيئًا فظنه حسنًا محرضًا على طلب
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب،
باب الفأل، رقم ٥٧٥٦، ١٣٥/٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب،
باب الفأل، رقم ٥٧٥٥، ١٣٥/٧، ومسلم
في صحيحه، كتاب السلام، باب الطيرة
والفال وما يكون فيه من الشؤم، رقم ٢٢٢٣،
٤ /١٧٤٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
١٨١/١٦.
حاجته فليفعل ذلك، وإن رآه بضد ذلك فلا
يقبله بل يمضي لسبيله، فلو قبل وانتهى
عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن
تستعمل في الشؤم، والله أعلم)) (٤).
وقال ابن بطال رحمه الله: ((جعل الله
تعالى في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة
والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح
بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن كان لا
یملكه ولا یشربه)»(٥).
والفأل الحسن فيه تقوية للعزم، وباعث
على الجد، ومعونة على الظفر، فقد تفاءل
رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته
وحروبه، فينبغي لمن تفاءل أن يتأول الفأل
بأحسن تأويلاته ولا يجعل لسوء الظن على
نفسه سبيلاً(٦).
وعلى هذا: فالفأل الحسن هو حسن
الظن بالله تعالى وبقضائه وقدره، حیث
يجلب السعادة والطمأنينة إلى النفس
والقلب، ويبعث فيهما السرور والجد،
بخلاف التشاؤم الذي فيه سوء ظن بالله، فلا
يتحقق معه إيمان المسلم بقضاء الله تعالى
وقدره في كل الأحوال، لذا فالفرق بين الفأل
والتشاؤم: أن الفأل من طريق حسن الظن
بالله، والتشاؤم لا يكون إلا في السوء.
(٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر، ٢١٥/١٠.
(٥) انظر: المصدر السابق.
(٦) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص٣١٦،
٣١٧.
www. modoee.com
١٨٩

حرف التاء
ويضرب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اَلْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء: ٦٣].
المثل الأعلى في الفأل الحسن من خلال
قصصهم الواردة في القرآن الكريم، منها:
ما جاء في قصة موسى عليه السلام في قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِى رَبِّ سَيَهْدِينِ
إِنَّا لَمُدرگُونَ (@)
[الشعراء: ٦١- ٦٢].
أي: فلما تناظر الجمعان: جمع موسی
عليه السلام وهم بنو إسرائيل، وجمع
فرعون وهم القبط ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا
لَهُدْرَكُونَ﴾، أي: إنا لملحقون، الآن يلحقنا
فرعون وجنوده فيقتلوننا، وذكر أنهم قالوا
ذلك لموسى، تشاؤمًا بموسى عليه السلام،
ولما لحق فرعون بجمعه جمع موسى
وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدو
القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم،
وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء:
﴿إِنَّا لَمُدْرَّكُونَ﴾ فرد عليهم قولهم وزجرهم
وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية
والظفر، وقال ﴿كَلَّ﴾ لن تدركوا ﴿إِنَّ مَعِىَ
رَبِّ سَيَهْدِینٍ ﴾، أي سيهدين لطريق أنجو فيه
من فرعون وقومه(١).
ثم ذكر سبحانه كيف هداه ونجاه وأهلك
أعداءه فقال: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ
بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلََّوْدِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٥٥/١٩-
٣٥٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٠١٠٦/١٣
وكذلك ما حصل مع النبي صلى الله
عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله
عنه في الغار، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا
نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَبَهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
فِيِ الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ.
عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّعَلَى
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ٥﴾ [التوبة: ٤٠].
وجاء في الحديث الصحيح عن أنس بن
مالك رضي الله عنه، قال: حدثني أبو بكر
رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي صلى الله
عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين،
قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه
رآنا، قال: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)(٢).
و قوله عليه الصلاة والسلام: (يا أبا بكر ما
ظنك باثنين الله ثالثهما) أي: ((معناه ثالثهما
بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، رقم ٤٦٦٣، ٦٦/٦،
ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة
رضي الله عنهم، باب من فضائل أبي
بكر الصديق رضي الله عنه، رقم ٢٣٨١،
٤/ ١٨٥٤.
مُؤَسُولَةُ الْبَقِيَد
لِلْعَرَآن الكَرِيمِ
١٩٠

التشاؤم
داخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ
أُتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ
١٢٨].
[النحل:
وفيه: بيان عظيم توكل النبي صلى الله
عليه وسلم حتى في هذا المقام. وفيه:
فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه وهي من
أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها: هذا
اللفظ، ومنها: بذله نفسه ومفارقته أهله
وماله ورياسته في طاعة الله تعالى ورسوله،
وملازمة النبي صلی الله عليه وسلم ومعاداة
الناس فيه، ومنها: جعله نفسه وقاية عنه وغیر
ذلك))(١).
فأنزل الله طمأنينته وسکونه على رسوله
صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: على أبي
بکر رضي الله عنه، وقواه بجنودٍ من عنده
من الملائكة، لم تروها أنتم، وجعل كلمة
الذين كفروا وهي كلمة الشرك السفلى،
لأنها قهرت وأذلت، وأبطلها الله تعالى،
ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو
أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى
وكلمة الله هي العليا، أي: دين الله وتوحيده
وقول لا إله إلا الله، وهي كلمته العليا، على
الشرك وأهله(٢).
وقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم
في وقائع كثيرة ومن ذلك: تفاؤله بالنصر
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي ١٥/
١٥٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٦١/١٤.
في غزوة بدر، وإخباره بمصرع کبار صنادید
قريش، ويوم الحديبية فإنه لما جاء سهيل بن
عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد
سهل لكم من أمركم) (٣).
وغير ذلك كثير من هذه الوقائع والقصص
التي فيها الحث على التفاؤل وحسن الظن
بالله تعالى، والتوكل عليه في الضراء
والسراء، وأن التفاؤل من صفات المؤمنين
والصالحين، خاصة أنبياء الله تعالى ورسله
عليهم الصلاة والسلام، فالمؤمن يتوقع
حصول الخير دائمًا، على عكس المتشائم
فإنه يتوقع حدوث الشر ووقوعه في الحاضر
والمستقبل.
موضوعات ذات صلة:
الإيمان، الطير، القدر، اليأس
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط،
باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع
أهل الحرب وكتابة الشروط، رقم ٢٧٣١،
١٩٣/٣.
www. modoee.com
١٩١