Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
البَرَغِيب
عناصر الموضوع
مفهوم الترغيب
٣٤٤
3
الترغيب في الاستعمال القرآني
٣٤٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٦
أساليب عرض الترغيب
٣٤٨
مجالات الترغيب
٣٥٠
صور الترغيب في القرآن الكريم
٣٧١
أثر الترغيب في سلوك المرء
٣٨٠
٣٨١
فوائد الترغيب في التربية والدعوة
المُجَلََّ الثَّامِنْ

حرف التاء
مفهوم الترغيب
أولًا: المعنى اللغوي:
يرجع أصل كلمة الترغيب إلى الفعل الثلاثي (رغب)، ويأتي هذا الفعل على معنيين:
الأول: الإرادة، يقول الراغب الأصفهاني: ((والرّغبة والرّغب والرّغبى: السّعة في
الإرادة))(١)، يقال: رغب في الشيء رغبًا ورغبةً ورغبى، ورغبًا بالتحريك بمعنى أراده
وحرص عليه، وأرغبني في الشّيء ورغّبني ورغّبه أعطاه ما رغب، أي: ما أراد، والرغبة
إرادة الشيء والسعة في الإرادة، فإذا قيل: رغب فيه وإليه؛ اقتضى الحرص عليه إذا أراده،
والرغيبة العطاء الكثير لكونه مرغوبًا فيه.
الثاني: ويأتي بمعنى الترك، يقال: رغب عن الشيء تركه متعمدًا، وزهد فيه ولم يرده،
فإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرغبة عنه والزهد فيه (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّفه عبد الكريم زيدان: «كل ما يشوّق المدعو إلى الاستجابة وقبول الحق، والثبات
عليه)) (٣)
وقال عبد الرحمن النحلاوي: الترغيب: ((وعد يصحبه تحبيب وإغراء، بمصلحة أو لذة أو
متعة آجلة، مقابل القيام بعمل صالح أو الامتناع عن لذة ضارة أو عمل سيء؛ ابتغاء مرضات
الله، وذلك رحمة من الله لعباده» (٤).
والتعريف المختار هو: ((وعد من الله سبحانه وتعالى لعباده فيه تحبيب وإغراء بمصلحة،
أو لذة أو متعة عاجلة أو آجلة، يتبعه حرص وإرادة، مقابل القيام بعمل صالح أو ترك عمل
سيء؛ طاعة لله سبحانه وتعالى))(٥).
فلا يبعد المعنى الاصطلاحي للفظ عن معناه اللغوي الأول، إلا أن المعنى الاصطلاحي
فيه زيادة توضيح.
(١) المفردات، ص ٣٥٨.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ٢٦٧/١، لسان العرب، ابن منظور، ٤٢٢/١، المصباح المنير،
الفيومي، ١/ ٢٣١.
(٣) أصول الدعوة، ص ٤٣٧.
(٤) أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص ٢٥٧.
(٥) الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان ص ٣.
٣٤٤
مُوسُوبَةُ التَّقـ
القرآن الكريمِ

التےغيب
التّرغيب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رغب) في القرآن الكريم (٨) مرات، يخصّ موضوع البحث منها (٥)
مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
١
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الْوِلْدَانِ ﴾ [النساء: ١٢٧]
فعل الأمر
١
﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ ﴾ [الشرح: ٨]
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا
المصدر
١
رَغَبَاً وَرَهَبَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]
اسم الفاعل
٢
﴿َسَيُؤْتِيْنَا اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اَللَّهِ
رَعْبُونَ ﴾ [التوبة: ٥٩]
وجاء الترغيب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: طلب الشيء، والحرص
عليه، والطمع فيه (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الراء، ص٥٩١.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤١٥/٢، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٣٥٨، بصائر ذوي
التمییز، الفيروزآبادي ٨٩/٣.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الإرادة:
الإرادة لغة:
القصد، يقال: إرادتي بهذا لك، أي: قصدي(١).
الإرادة اصطلاحًا:
میل یعقب اعتقاد النفع(٢).
الصلة بين الإرادة والترغيب:
الإرادة تعني الميل لتحقيق نفع أو فائدة، والترغيب وعد يصحبه تحبيب وإغراء للحصول
على نفع أو فائدة، فكلاهما يحقق النفع والفائدة.
الوعد:
٢
الوعد لغةً:
(الوعد) يستعمل في الخير والشّرّ، يقال: (وعد) يعد بالكسر (وعدًا)، قال الفرّاء: يقال:
(وعدته) خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقطوا الخير والشّرّ قالوا في الخير(٣).
الوعد اصطلاحًا:
العهد في الخير (٤).
الصلة بين الوعد والترغيب:
الوعد أكثر ما يستعمل في الخير، والترغيب وعد يصحبه حرص وإرادة لحصول متعة أو
منفعة، وتكون في الخير.
(١) لسان العرب، ابن منظور، ٣/ ١٨٨.
(٢) التعريفات، الجرجاني، ص ١٦.
(٣) مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٤٢.
(٤) التوقيف، المناوي، ص ٣٣٩.
٣٤٦
مَوَس ◌َب النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التغيب
الحث:
٣
الحث لغةً:
السرعة والتّحرّز (١).
الحث اصطلاحًا:
((التحريض على الشيء، والحمل على فعله بتأكيد وإسراع))(٢).
الصلة بين الحث والترغيب:
الحث يعني: التأكيد على فعل أمر معين والإسراع فيه، والترغيب تحفيز وحث وإسراع
لتحقيق منفعة أو لذة في الدنيا أو الآخرة.
الترهيب:
٤
الترهيب لغةً:
رهب الشيء رهبًا ورهبًا ورهبةً خافه(٣).
الترهيب اصطلاحًا:
وعيد وتهديد من الله سبحانه وتعالى بعقوبة عاجلة أو آجلة؛ لتخويف العباد من اقتراف
الذنوب والمعاصي، أو التهاون في أداء الفرائض التي أمر الله بها (٤).
الصلة بين الترغيب والترهيب:
أنّ الترغيب من الألفاظ المقابلة للترهيب، فالترغيب وعد وتحبيب وإرادة ولذة ومتعة،
أما الترهيب فهو وعيد وتهديد وخوف وفزع.
(١) المفردات، الراغب، ص٢١٨.
(٢) التوقيف، المناوي، ص ١٣٥.
(٣) انظر: المفردات، ص ٣٦٧.
(٤) الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان، أحمد رزق، ص ٣.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف التاء
أساليب عرض الترغيب
إنّ المتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أنّ
أسلوب الترغيب جاء على ثلاثة أنواع:
أولًا: الجمع بين الترغيب والترهيب
في آية واحدة:
جاء هذا الأسلوب في آيات كثيرة من
كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ
خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَبْلُؤَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ
[الأنعام: ١٦٥].
وَ إِنَّهَ لَغْفُورَزْ
فهذه الآية الكريمة اشتملت على
الترغيب والترهيب معًا، فالترغيب تمثّل في
قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌرَّحِيمٌ﴾ والترهيب جاء في
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾، لأعدائه
بإهلاكهم في الدنيا، ثم رغّب من يستحق
الترغيب من المسلمين فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ
﴾ أي: كثير الغفران لأوليائه عظيم
١٤
الرحمة بجميع خلقه (١).
ثانيًا: الجمع بين الترغيب والترهيب
في آيتين منفصلتين متتابعتين:
قال تعالى: ﴿نَّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ
وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ
الرَّحِيمُ (٥)
الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
فقد جاء الترغيب في آية مستقلة بذاتها
﴿َبِىِّ عِبَادِىّ أَنْ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ
والترهيب في آية أخرى ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ
الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾، يقول السعدي: ((ولما
ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات
الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من
أي:
دنَبِئْ عِبَادِىّ
أوصافه تعالى، فقال:
أخبرهم خبرًا جازمًا مؤيدًا بالأدلة، ﴿أَنِّ
أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فإنهم إذا عرفوا كمال
رحمته ومغفرته سعوا في الأسباب الموصلة
لهم إلى رحمته، وأقلعوا عن الذنوب وتابوا
منها، لينالوا مغفرته))(٢).
ومثال آخر على هذا الأسلوب: قال
تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَالْغَفُورُ اَلْوَدُودُ﴾ [البروج:
١٤].
فقد اشتملت الآية الأولى على الترهيب
من انتقام الله وبشطه، وجاءت الثانية
للترغيب في رحمة الله ومغفرته.
ثالثًا: الجمع بين الترغيب والترهيب
في مقطع قرآني:
وهذا الأسلوب يأتي ضمن مجموعة من
الآيات تشتمل على الترغيب والترهيب،
فقد رھّب سبحانه وتعالى من حال الكافرين
وهم یساقون جماعات إلى جهنم، ورغّب
بحال المتقين، وهم يدخلون الغرفات
(١) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٤/ ٢٩٥.
مُؤَسُولَ اللَّسيد
جوبين
القرآن الكريم
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٤٣٢.
٣٤٨

التغیب
وبالثواب الذي أعده الله للفائزين بالجنة.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
جَهَنَّمَ زُمَرًا حَقَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنُهَا أَلَّ يَأْيِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمٍ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ
ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَذَأَ قَالُواْ بَلَ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى
الْكَفِرِينَ ) قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِِّينَ﴾ [الزمر:
٧١ - ٧٢].
یقول ابن عاشور في تفسيره: «ابتدئ في
الخبر بذكر مستحقّي العقاب؛ لأنّه الأهمّ
في هذا المقام؛ إذ هو مقام إعادة الموعظة
والتّرهيب للّذين لم يتّعظوا بما تكرّر في
القرآن من العظات مثل هذه، فأمّا أهل
القّواب فقد حصل المقصود منهم، فما یذکر
عنهم فإنّما هو تكرير بشارةٍ وثناءٍ))(١).
وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْا
رَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرَاً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ
طِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ ﴿ وَقَالُواْ الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَثْنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
[الزمر: ٧٣-٧٤].
ومن الأمثلة على هذا النوع أيضًا: قوله
تعالى واصفًا نعيم أهل الجنة: ﴿ وَأَعَْبُ
اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ) فِ سِدْرٍ تَخْشُودٍ
٢٨
(١) التحرير والتنوير، ٢٤/ ٦٩.
وَطَلْحِ مَّنْضُودٍ ، وَظِلّ ◌َمْدُورِ وَمَاءِ مَّسْكُوبٍ
وَفَكِهَذِ كَثِيرَةِ ﴿ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ
إِنَّ أَنشَأْتَهُنَّ إِنتًَّ
وَفَرُشِ مَّرْفُوعَةٍ ()
٣٣
◌َجَعَلْنَّهُنَّ أَبْكَارًّاً ، عُرْبًا أَتْزَابًا ) لِأَصْحَبِ
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ { وَثُلَّةٌ مِّنَ
٣٨
أَلْيَمِينِ
الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٤٠].
يقول أبو بكر الجزائري في تفسيره:
وهم
(﴿ وَأَْعَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ
الذين إذا وقفوا في عرصات القيامة أخذ
بهم ذات اليمين وهم أهل الإيمان والتقوى
في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿مَآ أَصْحَبُآلْيَمِينِ﴾
تفخيم لشأنهم وإعلان عن كرامتهم، ثم
بیّن ذلك بقوله: ﴿فی سِدْرٍغَنْسُود ) وَطَلْج
٣١
مَنْفُورٍ ، وَظِلٍ تَمَّدُورِ ) وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ
وَفَكِهَذْ كَثِيَرَةِ ، لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ
٣٣
وَقُرْشِ مَّرْفُعَةٍ﴾ إنهم في هذا النعيم الدائم
المقیم، إنهم يتفگّهون بالنبق الذي هو أحلى
من العسل، وأنعم من الزبد، شجره مخضود
الشوك لا شوك به، ويتفكّهون بالطلح، أي:
ثمره وهو الموز، والماء المصبوب الجاري،
والفاكهة الكثيرة التي لا تقطع بالفصول
الزمانية كما هي الحال في فاكهة الدنيا،
يوجد منها في الصيف ما لا يوجد في الشتاء
مثلًا، ولا ممنوعة بثمن غال ولا رخيص،
وفي فرش مرفوعة عالية على الدرجات التي
هي فيها، وقوله: ﴿ إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَآءُ ﴾ يعني:
www. modoee.com
٣٤٩

حرف التاء
الحور العين»(١).
وفي المقابل وصف القرآن صور
العذاب الذي أعدّه الله لأهل النار جزاء لهم
على كفرهم وعدم إيمانهم، فقال تعالى:
﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ) فِ سَمُومٍ
وَحَمِيمٍ (٢) وَظِلٍ مِّنْ يَحُْومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيدٍ
(٤) إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ [الواقعة:
٤١ - ٤٥] .
يصف الله سبحانه وتعالى حال أهل
النار وعذابهم، ﴿وَأَعْخَبُ الشِّمَالِ﴾ وهم
أهل النار، الذين يؤخذ بهم ذات الشمال من
موقف الحساب إلى النار ﴿مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ
ماذا لهم، وماذا أعدّ لهم،﴿ فِي سَمُومِ وَحَمِيمٍ
﴿ وَظٍمِّن يَشُومٍ ﴾ تھبّ علیھم ربح شديدة
الحرارة، ﴿ وَظِلّ مِّنْ يَحْتُومٍ﴾ وظل من دخان
شديد السواد (٢).
.
(١) أيسر التفاسير، ٢٤٤/٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣ / ١٢٨.
مجالات الترغيب
القرآن الكريم حافل بالآيات القرآنية
المتضمنة للترغيب ومجالاته المتعددة،
كالترغيب في الإيمان بالله والأعمال
الصالحة والأخلاق، وسوف نتحدث عن
كل مجال من هذه المجالات.
أولًا: الترغيب في الإيمان:
الإيمان بالله أول واجب على الإنسان،
وعليه يقوم الإيمان ببقية أركان الإيمان؛ إذ
لا يصح إيمان أحد بشيء من أركان الإيمان
إلا بعد إيمانه بالله؛ حيث إن الله عز و جل
هو الذي شرع الأرکان الأخرى، وأمر العباد
باعتقادها؛ لذا يذكر الإيمان بالله تعالى
متقدمًا على بقية الأرکان حین یذکر معها،
كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ،
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِالَّهِ
وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ
ضَلَ ضَلَلاَ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وقد رغّب القرآن الكريم بالإيمان في
کثیر من الآيات، ومن صور الترغيب ما
يأتي:
١. نيل رضا الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
٣٥٠
مَوَسُوع
القرآن الكريم

التغیب
خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ
عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ ﴾[التوبة: ٧٢].
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: ((وأما
قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فإن
معناه: ورضی الله عنهم أکبر من ذلك كله،
بذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله
علیه وسلم))(١).
وقال ابن كثير رحمه الله: «﴿وَيِضْوَانٌ
مِّنَ اللَّهِأَكْبَرُ ﴾ أي: أعظم مما أعطاهم
من النعيم المقيم)) (٢)، فهذا الرضوان لا
يكون إلا للمؤمنين كما قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ
هُمْ خَبُ اَلْبِيَّةِ ن جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ
تَجْرِ مِن ◌َِّهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة:
٧-٨].
٢. تحصيل الأجر العظيم.
قال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِيٍّ وَإِن
تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران:
١٧٩].
فإن الله أمر بالإيمان به سبحانه
وتعالى، ووعد على ذلك الأجر العظيم
في الآخرة(٣).
(١) جامع البيان، ١٤/ ٣٥٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ١٧٧.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٥٨.
وقد ذكر الله عز و جل ثواب الذين آمنوا
به سبحانه و تعالى بأن لهم أجورًا عنده قال
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٢].
وذكر الله أجورهم نكرة ليدل على أنها
أجورٌ عظيمة، كل حسب حاله؛ ليجتهد
المؤمن فيعمل صالحًا، ويتقرّب إليه
سبحانه وتعالى؛ كي يحصّل الأجر والثواب
الجزيل، وبذلك يستمر المؤمن على طاعة
ربه فيستقيم أمره في الدنيا والآخرة.
٣. الهداية والثبات في الدنيا
والآخرة.
قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهُ وَ مَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وَاللّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].
بيّن الله عز وجل أن من أصابته مصيبة
فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فآمن بالله عز
وجل وبما كتب له فصبر واحتسب؛ كانت
له الهداية القلبية، في جميع أحواله وأقواله
وأفعاله وفي علمه وعمله، ويهديه في
الآخرة لدخول الجنة، فیستقيم أمره كله(٤).
وقال عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّفُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٤ / ٣٧٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص ٨٦٧.
www. modoee.com
٣٥١

حرف التاء
لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ﴾
[البقرة: ٢٥٦].
فقد بيّن الله أن الذين آمنوا به سبحانه
وتعالى فقد استمسكوا بالعروة الوثقى وهي
الدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت
أركانه، فمن يؤمن بالله فقد اعتصم من طاعة
الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه،
کالمتمسك بالوثیق من عری الأشياء التي لا
پخشی انكسار عراها(١)، وشبه الله عز وجل
ثبات المؤمن على إيمانه بالعروة القوية التي
لا تنفصم؛ لإحكامها وشدة ربطها، فكان
المتمسك بذلك على ثقة من أمره فيثبت
على هذا الدين.
٤. الرفعة والعلو في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ
وَاَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾[المجادلة: ١١].
فإن الله يكرم المؤمن بالثواب في
الآخرة، والكرامة في الدنيا، فيرفع المؤمن
على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس
بعالم (٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٥١/١٧.
٥. التمكين في الأرض والأمن.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُرُ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَهُ مِنْ بَعْدِ
خَوفِهِمْ أَمْنَا ﴾ [النور: ٥٥].
إن الله وعد من آمن به سبحانه و تعالى
وعمل الأعمال الصالحات، بالاستخلاف
في الأرض -أي: يجعلهم خلفاء فيها،
ويثبت لهم دينهم ويظهره على جميع
الأديان، ويذهب عنهم أسباب الخوف
بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه وتعالى (٣).
٦. الحياة الطيبة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧].
إن الله وعد من آمن به سبحانه وتعالى
وعمل صالحًا، أن يحييه حياة طيبة في
الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمل في الدار
الآخرة، واختلف في تفسير الحياة الطيبة:
قيل: الرزق الطيب الحلال، وقيل: القناعة،
وقيل: السعادة، وقيل: توفيقه إلى الطاعات،
وقيل: الحياة في الجنة(٤)، فإنه وإن اختلف
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٧٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٧/ ٦٤١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٢٧٢.
٣٥٢
مَوَسُ بعَة
القرآن الكريم

التغیب
في تأويل معنى الحياة الطيبة، فكل المعاني
فيها ترغيب للمؤمن بالعمل الصالح؛ حتى
يفوز بهذا الوعد، والصحيح أن الحياة الطيبة
تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي
رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن
العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (قد أفلح من أسلم ورزق کفافًا وقتعه
الله بما آتاه)(١).
٧. ولاية الله للمؤمنين,
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ٦٨].
يقول الطبري في تفسيره: «والله ناصر
المؤمنين بمحمد، المصدّقين له في نبوّته
وفيما جاءهم به من عنده، على من خالفهم
من أهل الملل والأديان))(٢).
٨. دخول الجنة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن
تَمْتِهَا الْأَنْهَدِرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ
مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾
[الحج: ٢٣].
أكد الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين
آمنوا به، وصدّقوا بما جاء به، أن يدخلهم
جنات وليس جنة واحدة، وفي ذلك ترغيب
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
في الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠، رقم ٢٤٧٣.
(٢) جامع البيان، ٦/ ٤٩٧.
للمؤمن لتحصيلها، وذكر بعض ما فيها من
النعيم مثل الأنهار التي تجري من تحتها،
والأساور من الذهب والحرير، التي يلبسها
الرجال والنساء ويتنعمون بها (٣)، وأعظم
فوز للمؤمنين دخول الجنة، قال تعالى:
﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ
فَازَ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾[آل
عمران: ١٨٥].
ثانيًا: الترغيب في الأعمال الصالحة:
فى القرآن الكريم
الأعمال الصالحة
كثيرة، ومن أهم الأعمال الصالحة التي
لابد للمسلم أن يحرص عليها: العبادات،
كالصلاة والزكاة والحج والصيام؛ لذلك
نجد القرآن الكريم حافلًا بالآيات المرغبة
بهذه العبادات ومن أهم هذه العبادات:
١. الترغيب في الصلاة.
إن الله ميّز الصلاة عن غيرها من
العبادات بمميزات كثيرة، فهي صلة بين
العبد وربه، وأول ما يحاسب عليها العبد
يوم القيامة، وفرضت في السماء ليلة
المعراج؛ لذلك نجد أن الله سبحانه
وتعالى قد أمرنا بإقامتها في كثير من
الآيات؛ وذلك لأهميتها وعظم منزلتها،
وأمرنا بالاستعانة بها في كل الأمور،
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٥٣٦.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف التاء
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ١٥٣].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ إِلَّ عَلَى الْخَشِمِينَ﴾
[البقرة: ٤٥].
ولقد رغّب القرآن في الصلاة، ومن
صور ترغيبه ما يأتي:
أنها سبب للانتهاء عن المعاصي: قال
﴿إِنَ اُلْضَلَوَةَ تَنْهَى عَنِ
تعالی:
اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فالصلاة سياج للمؤمن من كل منكر،
فجمعت طرفي المقصد شرعًا، وهما العون
على الخير والحفاظ من الشر؛ ولذا فقد عني
بها النبي صلى الله عليه وسلم كل العناية،
كما هو معلوم إلى الحد الذي جعلها الفارق
والفيصل بين الإسلام والكفر، فعن بريدة
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلی
الله عليه وسلم يقول: (العهد الذي بيننا
وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١).
تجلب الرزق: حيث إن المحافظة
على الصلاة من أعظم الأسباب لتحصيل
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الصلاة،
باب ما جاء في ترك الصلاة، ٤ /٣٦٥، رقم
٢٦٢١.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح
غريب))، وصححه الألباني في صحيح
وضعيف سنن الترمذي ٦/ ١٢١.
﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
الرزق، قال تعالى:
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاْ لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا ثَّحْنُ نَزُقُّكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
یخاطب الله سبحانه وتعالى محمدًا طالبًا
منه أن يأمر قومه بالمداومة على الصلاة،
وأن يوجّه أهله بتأدية الصلاة في أوقاتها،
فإن أول واجبات المسلم أن يحوّل بیته إلى
بیتٍ مسلم، ونحن لا نکلّفك رزق أحد، بل
نطلب عملًا نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا(٢).
فهذا الارتباط في الآية بين الصلاة
والرزق لدليل على أن إقامة الصلاة، وأمر
الأهل بها، باب عظيم من أبواب الرزق.
وقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيْهَا زَكِنَّا الْمِْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرِيمُ
أَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَنْ
يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
فلولا صلاة مريم في المحراب
ومداومتها على الصلاة، لما نالت هذا
الرزق الذي دهش له نبي الله زكريا عليه
السلام (٣).
٣. تكفير السيئات ودخول الجنات.
قال تعالى: ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ
وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٥/ ٣٠٤.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٢٨.
٣٥٤
مُوسْو ◌َة النفسية
جوبي
القرآن الكريم

التغيب
◌َأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ والصلاة بما اشتملت عليه من أقوال وأفعال
تعوّد الإنسان أن يقرن العلم بالعمل، كما
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المائدة:
١٢].
یظهر ذلك في ركوعه وسجوده، کما أن فيها
تعويدًا على الإخلاص في العمل، وعلى
لما أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل،
أمرهم بإقامة الصلاة، فبيّن لهم ثواب تلك
العبادة، بأنها سبب لتكفير السيئات ودخول
الجنة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، قال: (الصلوات الخمس،
والجمعة إلى الجمعة کفارات لما بينهن ما
لم تغش الكبائر) (١).
النظام في الحياة بما فيها من ضبط للأوقات،
وتنسيق لأداء أركانها، كما أن فيها تعويدًا
على النظافة بما يشترط لها من طهارة، فعن
أبي هريرة رضي الله عنه أنّه سمع رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم
لو أنّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يومٍ
تحصيل الرحمة: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحُونَ﴾[النور: ٥٦].
خمس مرّاتٍ هل يبقى من درنه شيء؟)،
قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: ( فذلك
مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ
الخطايا)(٣)
يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة، وبطاعة رسوله صلى
الله عليه وسلم؛ كي يرحمهم وينجيهم من
عذابه يوم القيامة، فالصلاة سبب لتحصيل
٠
الرحمة من الله سبحانه وتعالى"
وللصلاة دور كبير في استقامة الإنسان
في الدنيا والآخرة، فهي ترشد إلي الخير،
وتساعد على ترك الرذيلة والفاحشة، كما
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة
كفارة لما بينهما، ١٤٤/١، رقم ٥٧٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢١٠/١٩.
وقد ذمّ الله المتخلفين عنها، وتوعّدهم
بالوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ
لِلْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَّتِهِمْ
سَاهُونَ ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
أي: مضيّعون لها، تاركون لوقتها،
مفوّتون لأركانها وهم المنافقون؛ وهذا لعدم
أنها سبب للظفر بثواب الله ودخول جنته، اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا الصلاة،
التي هي أهم الطاعات وأفضل القربات،
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب المشي إلى الصلاة تمحي به الخطايا،
١٣١/٢، رقم ١٥٥٤.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف التاء
والسهو عن الصلاة، هو الذي يستحق رغّب الله سبحانه وتعالى في أداء الزكاة،
فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَّوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَهُمُّ
وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٣
صاحبه الذم واللوم، وأما السهو في الصلاة،
فهذا يقع من کل أحد، حتى من النبي صلى
الله عليه وسلم، ولهذا وصف الله هؤلاء
بالرياء والقسوة وعدم الرحمة (١).
٢. الترغيب في الزكاة.
الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام،
وفريضة من فرائضه؛ لذلك نجد القرآن
الكريم حثّ على فعلها، وأدائها في كثير
من الآيات، وهي قرينة الصلاة في مواضع
كثيرة من كتاب الله، حيث قرنت الزكاة
بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وفي ذلك
دلالة على مكانتها عند الله سبحانه وتعالى،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَ اتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةَ ﴾ [البينة: ٥].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (بني
الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللـه
وأنّ محمّدًا رسول الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء
الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان)(٢)، وقد
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٩٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب دعاؤكم إيمانكم، ١/ ١١، رقم ٨.
(يقول سبحانه مخاطبًا رسوله صلى
الله عليه وسلم، ومن قام مقامه، آمرًا له
بما يطهّر المؤمنين، ويتمّم إيمانهم: ﴿خُذْ
مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةُ﴾ وهي الزكاة المفروضة،
﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ أي: تطهّرهم من
الذنوب والأخلاق الرذيلة» (٣).
فقد شرع الله الزكاة تطهيرًا لنفوس
البشرية من الشح والبخل والطمع، ومواساة
للفقراء والمساكين والمحتاجين، وتطهیرًا
للمال وتنميته، وإحلال البركة فيه، ووقايته
من الآفات والفساد، وإقامة المصالح العامة
التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها.
ولأهمية الزكاة ومكانتها عند الله سبحانه
وتعالى، فقد جعلها إحدى الصفات التي
يتميّز بها المؤمنون، عن المنافقين الذين
وصفهم الله بقوله: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ
بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٥٠.
مَوَسُولَةُ النَّسيد
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣٥٦

التغیب
اَلْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
يقول الطبري في تفسيره: ((ويمسكون
أيديهم عن النفقة في سبيل الله، ويكفّونها
عن الصدقة، فيمنعون الذين فرض الله لهم
في أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقهم)) (١).
فهؤلاء المنافقون يقبضون أيديهم حرصًا
على المال وشخًّا، فاستحقوا نسيان الله
لهم، أما أولئك المؤمنون فيبسطون أيديهم
بذلًا وإيمانًا، فاستحقوا أن يرحمهم الله،
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال
من يمتنع عن دفع الزكاة، ويرفض أدائها،
فعن ابن عمر رضي الله عنه أنّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل
النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنّ
محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا
الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم
وأموالهم إلّا بحقّ الإسلام، وحسابهم على
الله)(٢).
وقد وصی الرسول صلی الله عليه وسلم
معاذًا حينما بعثه إلى اليمن أن يأمر أهلها
بالزكاة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّك
تأتى قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى
شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وآني رسول الله، فإن
هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض
(١) جامع البيان، ١٤ / ٣٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الحياء من الإيمان، ١/ ١٤، رقم ٢٥.
عليهم خمس صلواتٍ فی کلّ يوم وليلةٍ، فإن
هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ اللّه افترض
عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردّ فى
فقرائهم)(٣).
وقد رغّب الله في الزكاة حيث إيتاء
الزكاة ثمرة من ثمرات التمكين، فقال تعالى:
الَّذِينَ إِن مَكَتَّنْهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ
اَلْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في سورة
الذاريات أن من صفات الأبرار الإحسان،
وأن مظهر إحسانهم يتجلى في القيام من
الليل، والاستغفار في السّحر، كما يتجلى
في إعطاء الفقير حقه؛ رحمةً وحنوًّا عليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُونٍ
◌َلِذِينَ مَآ ءَانَنْهُمْ رَبُّهُمَّ إَِهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ
١٥
مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الََّلِ مَا يَهْجَعُونَ
وَبَاْأَسَْارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ وَفِّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌ
لْلِسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩].
حيث بيّنت هذه الآيات صفات المتقين
الذين يستحقون دخول الجنة، بأنهم جعلوا
في أموالهم جزءًا معيّنًا خصّصوه للسّائل
المحتاج، الذي وضّحه الرسول صلى
الله عليه وسلم في وصف المسكين في
الحديث الذي رواه أبو هريرة، أنّ رسول الله
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الدعاء إلى الشهادتين، ٣٧/١، رقم
١٣٠.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف التاء
صلّی اللّه عليه وسلّم، قال: (ليس المسکین
بهذا الطّاف الّذي يطوف على النّاس، فتردّه
اللّقمة واللّقمتان، والّمرة والتّمرتان، قالوا:
فما المسكين؟ يا رسول الله، قال: الّذي لا
یجد غنی یغنیه، ولا یفطن له، فیتصدّق علیه،
ولا يسأل النّاس شيئًا)(١).
ويتمثل ترغيب القرآن في الزكاة بما
يأتي:
الزكاة تطهر صاحبها من الشّح وتحرّره
من عبوديّة المال، وهذان مرضان من أخطر
الأمراض النّفسية التي ينحطّ معها الإنسان
ويشقى؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُخَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:
٩].
يقول أبو السعود في تفسيره: ((﴿وَمَن
يُوقَ شُعَّ﴾ الشّح بالضمّ والكسر، وقد قرئ
به أيضًا: اللؤم، وإضافته إلى النفس لأنّه
غريزةٌ فيها، مقتضيةٌ للحرص على المنع
الذي هو البخل، أي: ومن يوق بتوفيق الله
تعالى شحّها حتى يخالفها فيما يغلب عليها
من حبّ المال وبغض الإنفاق ﴿فَأَوْلَئِكَ ﴾
إشارةٌ إلى ﴿وَمَن﴾ باعتبار معناها العامّ
المنتظم للمذكورين انتظامًا أوليًّا ﴿هُمُ
الفائزون بكل مطلوب
الناجون عن كل مكروهٍ))(٢).
اَلْمُفْلِحُونَ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
ما جاء في المسألة، ٣/ ٩٥، رقم ٢٣٥٧.
(٢) إرشاد العقل السليم ٢٢٩/٨.
١. الزّكاة تدريبٌ على الإنفاق في سبيل
الله، قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ فِ أَقَّوَهِمْ حَقٌّ
◌َّعْلُومٌ لِلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:
٢٤ - ٢٥].
٢. قد ذكر الله تعالى الإنفاق في سبيل
الله على أنّه صفةٌ ملازمة للمتقين
في سرّائهم وضّائهم، في سرّهم
وعلنهم، وجعلها من أهمّ صفاتهم
على الإطلاق، وقد قرنها بالإيمان
بالغيب والاستغفار بالأسحار، والصّبر
والصدق، والقنوت، ولا يستطيع
الإنسان الوصول إلى الإنفاق الواسع
في سبيل الله، إلا بعد أن يعتاد على
أداء الزكاة، وهي الحدّ الأدنى الواجب
إنفاقه.
٣. الزّكاة شكرٌ لنعمة الله، وعلاج للقلب
من حبّ الدنيا، وتزكية للنفس، قال
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
٤. كما أنّها تزكية للمال نفسه ونماءٌ له (٣)،
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ:
٣٩].
٥. الزكاة تقرّب الفوارق بين طبقات
الناس: حيث إنّ الإسلام يقر التفاوت
(٣) انظر: العبادة أحكام وأسرار، عبد الحليم
محمود، ١١/٢.
٣٥٨
جَوَسُورُ التفسير
القرآن الكريم

الترغيب
في الأرزاق؛ لأنّه نتيجة للتّفاوت في
المواهب والطّاقات، ولكنه يرفض
أن يصير الناس طبقتين، إحداهما:
تعيش في النعيم، والأخرى: في
الجحيم، ويحرص على أن يشارك
الفقراء الأغنياء في النعيم، کما یحرص
على أن يملّكهم ما يسدّ حاجاتهم،
والزّكاة إحدى الوسائل التي يستعملها
الإسلام لبلوغ هذه الغاية، لذلك
جعلها لأصناف معينة من الناس، كما
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ وَاَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ
قُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهُ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
٦. للزكاة دور كبير في القضاء على ظاهرة
التّسوّل، وفي التشجيع على إصلاح
ذات البين، ولو اضطر المصلحون إلى
تحمل أعباء مالية، یمکن أن تؤدی من
الزكاة.
٧. الزكاة تنجي العبد من الاتصاف
بخصال المنافقين، وهي سبب لسعة
الرزق، لا كما يعتقد أصحاب القلوب
المريضة، قال تعالى: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ
يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ
اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
﴾ [التوبة: ٦٧].
الْفَسِقُونَ
٨. الزكاة سبب لمعية الله عز وجل،
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ
وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
٣. الترغيب في الصيام.
الصيام عبادة من أعظم العبادات،
وفريضة من أوجب الفرائض، بل ركن من
أركان الإسلام، وقربة من أشرف القربات،
وطاعة مباركة، لها آثارها العظيمة والكثيرة
العاجلة والآجلة، فالنصوص في فضل
الصيام كثيرة، وكلها تحثّ علیه وترغب فيه،
وتبيّن ما للصائم من الثواب عند الله يوم
القيامة، فمن ثمرات الصيام ما يأتي:
* تحصيل التقوى.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٣].
يخبر تعالى بما منّ به على عباده؛ حيث
فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم
السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي
مصلحة للخلق، وفيه تنشيط لهذه الأمة،
بأن تنافس غيرها في تكميل الأعمال،
والمسارعة إلى فعل الخيرات(١).
جمال الفاصلة في قوله تعالى: ((﴿لَعَلَّكُمْ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٨٦.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف التاء
تَذَّقُونَ ﴾ جملة تعلیلة جيء بها لبيان حكمة
مشروعية الصيام، فكأنه سبحانه وتعالى
يقول لعباده المؤمنين: فرضنا عليكم الصيام
كما فرضناه على الذين من قبلكم، لعلكم
بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى
والخشية من الله، وبذلك تكونون ممن
رضي الله عنهم ورضوا عنه))(١).
فالتقوی تتألف من عنصرين:
الأول: عنصر إيجابي، وهو القيام بما أمر
الله سبحانه وتعالى به من فروض وواجبات،
في القول، كالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر الذي كان مع الإيمان مناط خيرية
الأمة، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران: ١١٠].
وكذلك بما أمر الله سبحانه وتعالى في
الفعل، كالصلاة والصيام والحج وغيرها من
العبادات.
والثاني: وهو الانتهاء عما نهى الله
سبحانه وتعالى، كالغيبة والنميمة والغش
ونحوهما. فإذا تحقق التقوى بالصوم،
فقد تحققت القيم الروحية التي أحبها الله
سبحانه وتعالى، وأراد أن يغرسها في قلب
المؤمن(٢).
٤ الصيام من أسباب استجابة الدعاء.
(١) الوسيط، محمد سيد طنطاوي، ١/ ٣٠٠.
(٢) انظر: العبادة أحكام وأسرار، عبد الحليم
محمود، ٢/ ٨٥.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِّى فَإِنّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
■ المغفرة والأجر والعظيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ
وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاَلْقَلِينَ وَالْقَلِئَاتِ
وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّيِنَ وَالصَّبِرَتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ
وَالصَّنَّبِمَتِ
وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالصََّّيِمِينَ
وَالْحَفِظَتِ
وَاَلْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ
اَللّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:
٣٥].
* الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة.
لما روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان
للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربّ؛
منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول
القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال:
فيشفعان)(٣).
* فرح الصائم بما يناله في العاجل
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٧٤/٢، رقم
٦٦٢٦، والحاكم في المستدرك، ٥٥٤/١،
والبيهقي في شعب الإيمان، رقم ١٩٩٤.
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ولم
يتعقبه الذهبي.
٣٦٠
مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الترغيب
والآجل.
کما في الصحیحین عن النبي صلی الله
علیه وسلم قال: (للصائم فرحتان يفرحهما:
إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح
بصومه) (١).
وهذا من الفرح المحمود؛ لأنه فرح
بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره لأن
الله منّ عليه بالهداية إلى الصيام، والإعانة
عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من
الطیبات، ویفرح عند لقاء ربه حین یلقی
الله راضیًا عنه، ویجد جزاءه عندہ کاملا
موفرًا(٢).
شرع الصوم ليحصل الإنسان على
التقوى، باعتبارها تركيزًا للإرادة في كلّ
كيانه وحفظًا للاستقامة بعيدًا عن خط
الانحراف، فالصوم يخلق ضميرًا داخليًّا،
يؤدي دور الرقيب الدائم والحسيب
المسيطر، وبهذه الرقابة الداخلية تتأكد صفة
الإنسان المسلم في كلّ الأحوال والأوقات،
فيكون مسلمًا حقيقيًّا، يسلم الناس من
لسانه ويده، ويجدون فيه ومنه كلّ ما يدلّ
على معاني الإسلام؛ المعاني التي تتحقق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب هل يقول: إني صائم إذا شتم، ٢٦/٣،
رقم ١٩٠٤، ومسلم في صحيحه، كتاب
الصوم، باب فضل الصوم، ١٥٨/٣، رقم
٢٧٦٣.
(٢) انظر: تذكرة الصوام بشيء من فضائل الصيام
والقيام، عبدالله القصیر، ص٧٠.
من عبادة الصوم، فبالصيام تحفظ النفس
البشرية من الوقوع في المعاصي، وفيه
تنقية لقلب المؤمن من الأحقاد والشرور،
وشهر الصيام يذكّرنا بالفقراء والمساكين،
بل ويعود المسلم على البذل والعطاء من
تقديم الصدقات للفقراء والمحتاجين، وهو
أيضًا حمية للبدن، وصحة الجسد، ويمثّل
صوم رمضان دورةً تدريبية للمسلم، تتولى
تهيئة الإنسان لأن يكون قادرًا على أداء
الصوم الكبير، حيث تتصلّب إرادته فيقوى
على ترك المحرمات في كل زمان ومكان،
وليس في نهار رمضان فقط، فيكون بذلك
إنسانًا مالكًا لكلّ إرادته في طاعة الله وترك
معاصيه، ومعايشًا لثمرة التقوى في حياته
کلها.
٤. الترغيب في الحج.
الحج هو الركن الخامس من أركان
الإسلام، تجتمع فيه كل شعائر العبادات،
ففيه يعلن الناس الشهادة بالوحدانية الله
سبحانه و تعالى.
وفيه تؤدى الصلاة طوعًا لله ورجاء.
وفيه ينفق الناس المال على حبه ابتغاء
مرضات الله.
وفيه يجاهد الناس بالمال والنفس،
وبكل نفيس في سبيل الفوز بالجنة التي وعد
الله بها عباده المؤمنين.
وقد رغّب القرآن الكريم في هذه العبادة؛
www. modoee.com
٣٦١

حرف التاء
لأنها تحقق أهدافًا وغايات عظيمة، ونذكر
منها على سبيل المثال ما يأتي:
* الحج تعويد النفس على الطاعة
والامتثال لأمر الله.
فرض الحج في العمر مرة علی کل
مسلم ومسلمة لمن استطاع ذلك، ومن ينكر هذا تعويد للنفس البشرية على طاعة الله
فرضية الحج فقد كفر، وأصل ذلك قول
الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَيِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِّهِ﴾
[البقرة: ١٩٦].
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
«يعني: أنه حق واجب لله في رقاب
الناس لا ينفكون عن أدائه، والخروج عن
عهدته لمن استطاع إلى ذلك سبيلا))(١).
ولقد بيّن لنا رسول الله صلی الله علیه
وسلم فرضية الحج، فعن أبي هريرة قال:
خطب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
النّاس فقال: (إنّ اللّه عز وجل قد فرض
عليكم الحجّ، فقال: رجلٌ في كلّ عامِ؟
فسکت عنه حتی أعاده ثلاثًا، فقال: لو قلت:
نعم، لوجبت، ولما قمتم بها، ذروني ما
تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة
سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا
أمرتکم بالقيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا
نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه)(٢).
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ٣ / ١٢.
(٢) أخرجه النسائي في سننه، کتاب المناسك،
باب وجوب الحج، ١١٦/٥، رقم ٢٦١٨.
فنجد أن الحجاج يؤدون المناسك مثل:
الطواف، والوقوف بعرفة، والسعي، والحلق
والتقصير، والهدى، وغير ذلك من النسك
دون نقاش أو جدل، بل طاعة وامتثالًا
واستسلامًا لأمر الله سبحانه وتعالى، وفي
والاتحاد على دعوته، ولقد وعد الله سبحانه
وتعالى أصحاب هذه النفوس المطيعة
والمستسلمة له بالمغفرة، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: سمعت النّبيّ صلى الله
عليه وسلم يقول: (من حجّ لله فلم يرفث،
ولم يفسق، رجع کیوم ولدته أمه)(٣).
* الحج تزويد للقلوب بالإيمان والتقوى.
من منافع الحج الروحية التزود بالتقوى،
ولقد بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله:
﴿لَنْ يَنَالَ اَللّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ
النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقوله جل شأنه: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ
خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىْ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَابِ ﴾
[البقرة: ١٩٧].
وقال أيضًا: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
ولقد ورد في تفسير هذه الآيات أن من
أهم مقاصد أداء مناسك الحج هو ((استشعار
وصححه الألباني في كتاب صحيح وضعيف
سنن النسائي ١/ ٥٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج، ٢/ ١٣٣، رقم ١٥٢١.
٣٦٢
مُؤَسُولَةُ النَّقية
جوبيبو
القرآن الكريم