Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
البَرّق
عناصر الموضوع
مفهوم الترف
٣٨٦
الترف في الاستعمال القرآني
٣٨٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٨٨
٣٩٠
أسباب الترف ومظاهره
٤٠٤
أخلاق المترفين وعاقبتهم
المُجَلََّ الثَّامِنْ
حرف التاء
مفهوم الترف
أولًا: المعنى اللغوي:
تطلق كلمة (ترف) ومشتقاتها في اللغة العربية على عدة معانٍ، تدور كلها حول التنعم،
والتّرفّه، والرفاهية، فالّرف والإتراف: النّعمة. والتّعّم، والتّرفة: الطّعام الطّب(١)، وقيل:
التوسّع في النّعمة(٢).
والمترف كـ(مكرم): المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع منه (٣)، يقال: رجلٌ مترفٌ منعمٌ،
وترّفه أهله إذا نعّموه بالطّعام الطّيّب والشّيء يخصّ به (٤)، وصبيٌّ مترفٌّ، كـ(مكرم): إذا كان
منعّم البدن مدلّلاً، ورجلٌ مترّفٌ، كـ(معظّمِ): موسّعٌ عليه (٥).
والمترف: الّذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش. وأترفته النّعمة، أي: أطغته (٦)، وإنّما
سمّي المتنعّم المتوسّع في ملاذّ الدّنيا وشهواتها مترفًا؛ لأنّه مطلقٌ له، لا يمنع من تنعمه،
وأترف فلانٌ: أصرّ على البغي (٧).
فمعاني الترف تدور حول: النعمة، والمتعة، والدعة، والشهوة، والسلطة، وما تستعذبه
النفس، وتستريح إليه من ملاذ الحياة وشهواتها(٨) .
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الترف هو: مجاوزة حدّ الاعتدال في التنعّم وإشباع رغبات النفس (٩). فالمترفون إذن
حريصون على الزيادة في أحوالهم وعوائدهم، وساعون إلى بلوغ الغاية في حاجات النفس
الحسية من المآكل، والمشارب، والمساكن، والمراكب.
(١) انظر: المحكم، ابن سيده، ٩/ ٤٧٦.
(٢) انظر: الدر المصون، الحلبي، ٤٢٥/٦.
(٣) انظر: الدر المصون، الحلبي، ٤٢٥/٦.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٤٥/١.
(٥) انظر: تاج العروس، الزّبيدي، ٥٤/٢٣.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٧/٩.
(٧) انظر: تاج العروس، الزّبيدي، ٢٣/ ٥٤.
(٨) انظر: الترف في المجتمع الإسلامي الأندلسي، نادر فرج زيادة، ص٩.
(٩) عرّف الترف بعدة تعريفات، كلها متقاربة.
انظر: الترف وأثره في المجتمع، ناصر العمار ص ٩، الترف في المجتمع الإسلامي الأندلسي، نادر
فرج زيادة ص ٤٥.
٣٨٦
القرآن الكريم
الترف
الترف في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (ت رف) في القرآن الكريم (٨) مرات(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
﴿وَأَتْرَفْنَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٣]
اسم المفعول
٥
* [الواقعة: ٤٥]
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ
وجاء الترف في القرآن بمعناه في اللغة: التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٥٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١٦٦.
www. modoee.com
٣٨٧
حرف التاء
الألفاظ ذات الصلة
١
الإسراف:
الإسراف لغةً:
السين والراء والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على تعدّي الحدّ والإغفال أيضًا للشيء. تقول: في
الأمر سرفٌ، أي: مجاوزة القدر(١).
الإسراف اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي))(٢).
وقال الطاهر ابن عاشور: ((والإسراف: الإفراط والإكثار في شيءٍ غير محمودٍ)) (٣).
الصلة بين الإسراف والترف:
العلاقة بين الترف والإسراف علاقة وثيقة مترابطة، فالسّرف هو أوّل ظواهر الترف وأولى
لبناته، والإسراف يجرّ حتمًا إلى الترف، وهو من الأخلاق التي تنهار معها أخلاق الفرد
وأخلاق المجتمع.
التبذير:
٢
التبذير لغةً:
بذّره تبذيرًا: خرّبه وفرّقه إسرافًا. وتبذير المال: تفريقه إسرافًا، وإفساده (٤).
التبذير اصطلاحًا:
هو ((صرف الشيء فيما لا ينبغي)) (٥).
وقيل: هو إنفاق المال في المعاصي أو في غیر حق.
الصلة بين التبذير والترف:
إذا تفاقم الترف في تجاوزه للحدّ فإنه يصل إلى حدّ التبذير، وإضاعة الأموال في أمور
ضارّة، أُو لا حاجة لها.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١١٩/٣.
(٢) التعريفات، ص٢٤.
(٣) التحرير والتنوير، ١١٢/١١.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٦/ ٦٧.
(٥) التعريفات، الجرجاني، ص٢٤.
٣٨٨
مُوسُو ◌َرُ النَّفِيَّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الترف
التقتير:
٣
التقتير لغة:
من قتر، وفلان قتر ضاق عيشه، وضيق على عياله في النّفقة (١).
التقتير اصطلاحًا:
عرفه المناوي بقوله: هو ((تقليل النفقة، ويقابله الإسراف، وهما مذمومان))(٢).
الصلة بين التقتير والترف:
كما هو واضح، فإن العلاقة بينهما علاقة تضادّ، فالتقتير تضييق في النفقة، والترف مجاوزة
الحدّ في الإنفاق.
الشح:
٤
الشح اللغة:
((البخل مع حرص))(٣). وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ((الشح أشد البخل)) (٤).
والشح اصطلاحًا:
هو: ((حرص النفس على ما ملكت وبخلها به، وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه
كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{
﴾ [الحشر: ٩].
وقوله: ﴿وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشَّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]))(٥).
قال الراغب رحمه الله تعالى: ((الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة))(٦).
وقال الجرجاني رحمه الله تعالى: «بخل الرجل من مال غيره))(٧).
الصلة بين الشح والترف:
العلاقة بينهما أيضًا علاقة تضادّ، فالشّحّ فيه منع الإنفاق، والترف مجاوزة الحدّ فيه.
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٧١٤/٢.
(٢) التوقيف، ١٠٥/١.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٧٨.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٢ / ٤٩٥.
(٥) المصدر السابق ٢ / ٤٩٦.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٤٦.
(٧) التعريفات ص ٤٢.
www. modoee.com
٣٨٩
حرف التاء
أسباب الترف ومظاهره
للترف أسباب ومظاهر بيّنها القرآن
الكريم سوف نتناولها فيما يأتي:
أولًا: أسباب الترف:
الترف ظاهرة اجتماعية، وآفة إنسانية
خطيرة، تنشأ وتظهر لأسباب ودواعٍ كثيرة،
منها:
١. بسط الدنيا ووفرة النعم.
انفتاح الدنيا على الناس، ووفرة النعم
يكون غالبًا من أكبر دواعي الترف وأسبابه؛
وذلك لأنه يدعو إلى الركون والمتعة
والراحة، ويدفع إلى البذخ والإنفاق في غير
حاجة، وواقع المجتمعات يشهد بذلك، فإنه
كلما بسطت الدنيا على الناس اقتربوا من
الترف والبطر.
وقد أوضح الله تعالى في كتابه هذه
الحقيقة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِي الْأَرْضِ
وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[الشورى: ٢٧].
وقوله سبحانه: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفَقَ
أَنْ رَّدَاءُ أُسْتَغْىٌ﴾ [العلق: ٦ - ٧].
ومن أجلى صور الطغيان وأوضحها
البطر بالنعمة والإنفاق في غير حاجة ترفًا
ومباهاة وحبًّا للظهور.
وهذا ما خشيه النبي صلى الله عليه
وسلم علينا، فقال محذرًا لنا: (فو الله ما
الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم
أن تبسط عليكم الدّنيا، كما بسطت على
من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها،
وتلهيكم كما ألهتهم)(١).
وقد بيّن الله تعالى أن التوسعة في النّعم
على العباد في الدنيا إنما هو امتحان وابتلاء،
ولیس رضًا علیھم ولا محبة لهم بخلاف ما
يعتقدونه؛ فإنهم يعتقدون أو يظنون بأن النّعم
التي تأتیهم علامة على رضا اللهعنهم، ولیس
هذا في الحقيقة، فمن عاش في حياة الترف
وألهاه التنعّم بالانغماس فيه والاستكثار منه
عن التعبد لله تعالی وأشغلته هذه الأمور عن
طاعة الله تعالى فهذا مسكين.
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُ هُم بِدِهِمِن
قَالٍ وَبَنِيِنَ ا تُسَارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
قال قتادة: ((مكرٌ والله بالقوم في أموالهم
وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس
بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان
والعمل الصالح)) (٢). إن هؤلاء: ((يحسبون
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما يحذر من زهرة الدنيا، ١٧٢/٧ -
١٧٣، رقم ٦٤٢٥، ومسلم في صحيحه،
كتاب الزهد والرقائق، ٢٢٧٤/٤، رقم
٢٩٦٢، من حديث عمرو بن عوف.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤١٧.
٣٩٠
مَوَ سَ واء
القرآن الكريم
الترف
أن الإملاء لهم بعض الوقت، وإمدادهم الخلافة في الأرض، ولكنها تكمن في تقديم
حبّ تلك الأشياء على محبوبات الله تعالى
بالأموال والبنين في فترة الاختبار، مقصود
به المسارعة لهم في الخيرات وإيثارهم
بالنعمة والعطاء: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ
مِن مَّالٍ وَبَئِنَ ) تَُارِعُ لَمْ فِ لَلَيْرَتِ ﴾ وإنما
هي الفتنة، وإنما هو الابتلاء ﴿بَل لََّ يَشْعُرُونَ﴾
لا يشعرون بما وراء المال والبنين من مصير
قائم ومن شر مستطير!)) (١).
ورسوله صلی الله عليه وسلم، وما ينتج عن
ذلك من التشاغل بها والركون إليها، حتى
يصير الإنسان كأنه مسترقٌّ لها لا يستطيع
عمل ما يخالفها، وإن كانت في ذلك سعادته
ونجاحه، وقد حذّر الله تعالى في كتابه
عباده من تقديم حبّهم لشهواتهم وملذّاتهم
على حبّه وحبّ رسوله صلى الله عليه
ويزداد تأثير كثرة النعم ووفرتها على
الإنسان، وجرّه إلى الترف وغاية الرفاهية
حين يكون مولودًا في النّعم، لم تمرّ به
حالات بؤس، ولم يعرف شدّة البلاء
ومعاناة الفقر، بل جاءه المال وتوفرت لديه
النّعم بسهولة ویسر من دون ما کسب أو بذل
جهد.
وسلم، والعمل لدينه، فقال تعالى: ﴿ قُلْإِن
كَانَ ءَابَآؤَّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكٌ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ أَقْتَّرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَعْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
٢. حب النفس للشهوات.
((حبّب الله تعالى للبشر زينة الحياة الدنيا
زيّنَ لِلنَّاسِ
وزخرفها، فقال الله تعالى:
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ
الْمُقَنطَّرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْعَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ
الْحَيَوْةِ الدُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُّ الْمَعَابِ﴾ [آل
عمران: ١٤].
وليست المشكلة في ذلك الحب الذي
وضعه الله تعالى في القلوب، بل إنه فطري،
وضروري لاستمرار الحياة والقيام بواجب
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٧٢.
فليحذر الإنسان من الترف الذي يجعل
نفسه عرضةً لعبودية الهوى والشهوات،
ويردّ الحقّ ويكذّب به، قال تعالى: ﴿فَلَوْلًا
كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ
الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ
وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُثَّرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ
◌ُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةِ
مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ.
كَفِرُونَ ﴾ [سبأ: ٣٤].
﴿وَذَرْنِ وَالْتُكَذِّبِينَ أُوْلِىِ النَّعْمَةِ
وقال:
www. modoee.com
٣٩١
حرف التاء
وَمَهِّلْهُمْقِلًا ﴾ [المزمل: ١١]))(١).
٣. طول الأمل ونسيان الموت.
((الانشغال بمتاع الدنيا وشهواتها ناتج
عن طول الأمل، ونسيان الإنسان كونه في
رحلة إلى الدار الآخرة تكتمل بنزول ملك
الموت لقبض الروح، ونظرًا لخطورة تلك
الغفلة عن ذلك المصير وما تنتجه من
ضعف الخوف من الله تعالى وقلّة الخشية
له، وبالتالي عدم المحاسبة للنفس والمراقبة
لعملها.
قال تعالى محذّرًا من ذلك: ﴿ ذَرْهُمْ
يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِِمُ الْأَمَلُّ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
قوله: ﴿وَيُلَّهِيِمُ﴾ أي: يشغلهم أملهم
في الدنيا والتزيّد منها عن النظر والإيمان
بالله ورسوله))(٢)، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ((أي:
عاقبة أمرهم))(٣).
وقال صلى الله عليه وسلم موصيًا ابن
عمر: (كن في الدّنيا كأنّك غريبٌ أو عابر
) (٤)
سبیلٍ)(٤).
((وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد
(١) الترف وخطره على الدعوة والدعاة، فيصل
البعداني، مجلة البيان، بتصرف یسیر.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٣٥٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٤٥٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول النبي
صلى الله عليه وسلم: (كن في الدّنيا كأنّكَ
غريبٌ أو عابر سبيلٍ)، ٨٩/٨، رقم ٦٤١٦،
من حديث عبد الله بن عمر.
الغربة، ولا تشاغل لدیه بملذاتها وملهیاتها،
بل قلبه معلّق بوطنه الذي يرجع إليه)) (٥)
«والمسافر لا همّ له في الاستكثار من متاع
الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنما يكتفي
بتحصيل زاد السفر له ولراحلته لا غير))(٦).
٤. الاغترار بالمال والسلطان.
((قال الله تعالى عن قارون أنه قال: ﴿قَالَ
إِنَّمَا أُوِيتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ [القصص: ٧٨].
أي: فضّلت به على النّاس واستوجبت
به التفوق عليهم بالمال والجاه))(٧). (إنها
قوله المغرور المطموس الذي ینسی مصدر
النعمة وحكمتها، ويفتنه المال ويعميه
الثراء. وهو نموذج مكرر في البشرية. فكم
من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما
سبب غناه. ومن ثم فهو غير مسؤول عما
ینفق وما یمسك، غیر محاسب على ما يفسد
بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حسابًا،
ولا ناظر إلى غضبه ورضاه!» (٨).
((إنّ الجاه والمنصب قد يحمل على
الظلم، والتعدّي، وعدم المبالاة بحقوق
الآخرين، كما هي عادة المترفين)) (٩).
(٥) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٣٧٨/٢
بتصرف.
(٦) المصدر السابق ٢/ ٣٨١.
(٧) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ / ٢٥.
(٨) في ظلال القرآن ٥/ ٢٧١٢.
(٩) الترف وذمه في القرآن الكريم، محمد
المحیمید ص٢٣٤.
٣٩٢
القرآن الكريم
الترف
(ومن مضار الجاه أن يستخدمه فيما
يسوء الخلق، فالأمير قد يظلم المأمور
بتوقیفه بحجّة باهتة، أو بالاستيلاء على ماله،
أو بمنعه من دخول البلاد، والموظف -وهو
أمير على من تحته- قد يظلمهم ... ، ولا
يعمل تلك الأعمال إلا المترفون المنعمون
بحصول الجاه لهم))(١).
٥. ضعف الإيمان.
من أبرز أسباب الترف: ضعف الإيمان
أو انعدامه، وقلة الوازع الديني؛ فإن «الترف
مرتبط بالبعد عن دين الله ارتباطًا وثيقًا؛ ولذا
فإن الترف إنما ورد ذكره في السور المكية،
وفي ذمّ القوم المعاندين للرسل الذين
أبطرتهم النعمة وصدتهم عن الإذعان للحق
النازل من عند الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ
قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِفِ آلْأَرْضِ
إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنَيْنَا مِنْهُمُّ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مَا أَتَّرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [هود:
١١٦ ].
إنّ النعمة إذا لم تصادف قلبًا مؤمنًا خاشعًا
فإنها تتحول في كثير من الأحيان والأحوال
إلى أداة للترف والبطر والطغيان.
قال تعالى: ﴿ وَمَّا أَرْسَلْنَا فِ قَرْیَةٍ مِّن
تَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّابِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ
٦ وَقَالُواْ فَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ -٣٥].
ولا يعني ذلك أن الترف خاصّ بالكفار
والمكذبين، بل هو خلقٌ عامٌ ينطبق على
کل من اتصف به، والله تعالى يذكر صفات
القوم لیحذّرنا من الوقوع فيها، وقد وقع کثیر
من المسلمين في الترف، وهذا راجع إلى
ضعف الإيمان، وقلة الوازع، والانغماس
في المعاصي، والاغترار ببريق الدنيا
وزخارفها)»(٢).
٦. التقليد.
إنّ الإنسان يتأثر ببيئته تأثّرًا كبيرًا، فمن
نشأ في بيئةٍ مترفةٍ لا تهتم بتربية النّشء على
الجلد والخشونة، ولا توجهه في كيفية
التعامل مع فتنة الحياة الدنيا وزخرفها، فإنّه
پتأثر بذلك حتمًا إلا من رحم الله.
وقد جاء في بعض آيات الترف الإشارة
إلى تأثّر المترفين ببيئتهم وأسلافهم في قوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْیَةٍ مِّن
نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا
عَلَى ءَائِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
يقول المترفون: ((وجدنا آباءنا في نعمةٍ
من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل
رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك
(١) الترف وأثره في المجتمع، ناصر العمار ص (٢) الترف وذمه في القرآن الكريم، محمد
المحیمید ص٢٣٦.
١٨.
www. modoee.com
٣٩٣
حرف التاء
على آثارهم))(١).
ثانيًا: مظاهر الترف ومجالاته:
المتأمل لحقيقة الترف يجد أنّ صوره
وأشكاله قد تعدّدت وتنوّعت في القرآن
مما يدّل على خطورته وأثره في سلوك العبد
مسلمًا كان أم كافرًا، وهذه المظاهر حينما
يتأملها المسلم في الآيات يشعر بمدى
عظم ذلك الجرم، ويرى في ثنايا الآيات
رحمة الله بعباده المسلمين حيث حذّرهم
من هذه الآفات التي أهلكت الأمم السابقة،
فيدفعه ذلك إلى شكر نعم الله تعالى عليه،
والتحدّث بها ظاهرًا والإقرار بها باطنًا،
وتصريفها في مرضاته.
وللترف مظاهر كثيرة، من أبرزها ما يلي:
١. الترف في مواجهة الأنبياء.
للترف أثرٌ بالغ في الدول والمجتمع
بل هو معول هدمٍ لطاقاتها وقدراتها؛
فهو يغري صاحبه بالإخلاد إلى الأرض
والخوض في الدنيا، والتعلّق بالمناصب
والجاه والمال، ونسيان معالي الأمور
والجهاد؛ ولهذا عدّ المترفون أعداءً للأنبياء
والمرسلين؛ لأنهم يقفون في طريق الإصلاح
الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
المترفون و عقيدة التوحید.
ما من رسول إلا دعا قومه إلى توحيد
الخالق سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ﴾
[الأنبياء: ٢٥].
ومن خلال تتبع قصص الأنبياء في
القرآن الكريم وجد أن الصفة التي تكاد
تطرد في جمیع مکذبهم هي الترف الحامل
على رفع لواء العتوّ والاستكبار والإباء،
فالمترفون «هم الذین یبادرون إلى تكذيب
الأنبياء)»(٢)، وهم الملأ الذين يتولون كبر
معارضة الرسل، كما ورد في آيات كثيرة من
القرآن.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ.
إِ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿ أَنْ لَّا نَعَبُّدُوَاْ إِلَّ اللَّهُ
وعدم المخاطرة بالنفس في طلب العلم إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦) فَقَالَ
اٌلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًّا
مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ
أَرَاذِلْنَا بَادِىَ الرَّأْبِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن
فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧].
(١) المحرر الوجيز ٥/ ٥١.
مَؤُوالَرُ النَّبيِ الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ١٦٧.
٣٩٤
الترف
وقال تعالى: ﴿ثُمَّأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ
فَأَرْ سَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُرُمِّنْ
٣١
إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوْقِ
اُلُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ
مِنْهُ وَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) وَلَيْنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١ -
٣٤].
وحينما دعا نبي الله هود عليه السلام
قومه لدعوة التوحيد أجابوه بقولهم:
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اَللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ
مَا كَانَ يَعْبُّدُ مَابَآؤُنَا فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن
كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠].
ومثل ذلك وقع من قوم نبي الله صالح
عليه السلام.
قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُّرْسَلٌ
مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ
قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ
ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦].
وقال تعالى: ﴿وَعِبُوْ أَنْ جَآءَ هُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمَّ
وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّ كَذَّابُ ل أَجَعَلَ
اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَاحِدًاً إِنَّ هَذَا لَشَقُ عُجَابٌ ، وَأَنْطَلَقَ
الْمَلَّ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتَّكُمْ إِنَّ هَذَا
لَشَىْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٤- ٦].
المترفون وجحد الرسالات.
واجه المترفون رسلهم أيضًا في أصل
رسالتهم ونبوّتهم من الله تعالى، وأخذوا
يشكّكون في ذلك، ويرفضون قبول أنهم
مرسلون من الله تعالى مبلّغون عنه، مما
زاد من الضيق والحرج في صدور أنبياء
الله، وقد بيّن القرآن هذه المواجهة في آيات
كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿قُرَّأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُرُمِنْ
إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ تَنَّقُونَ () وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْتَهُمْ فِي الْحَيَوِ
الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ
مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣١ -
٣٤].
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ
فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ في هذين الوصفين إيماء
إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولهم؛
لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقّع
المؤاخذة بعد الموت، وثروتهم ونعمتهم
تغريهم بالكبر والصلف؛ إذ ألفوا أن يكونوا
سادةً لا تبعًا.
وجملة: ﴿مَا هَذَآَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كناية
عن تكذيبه في دعوى الرسالة؛ لتوهمهم أن
البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولًا من
الله، فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه.
www. modoee.com
٣٩٥
حرف التاء
وجملة: ﴿يَأَكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ
مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ في موقع التعليل والدليل
للبشرية؛ لأنه یأکل مثلهم ویشرب مثلهم ولا
يمتاز فيما يأكله وما يشربه(١).
ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إلیه رسولهم
من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة
باتباعهم ما يأمرهم به، فقال بعضهم لبعض:
﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُمِ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُر
٣٤
تُخْرَجُونَ ﴾ فلما أنكروا رسالته وردوها،
أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت،
والمجازاة على الأعمال.
المترفون وعقيدة البعث.
رفض المترفون الإقرار والإذعان بعقيدة
البعث بعد الموت، واستهزءوا برسولهم
فيما قال، وواجهوا هذه العقيدة بالسخرية،
فقالوا: ﴿ أَيَعِدُكُمْأَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا
أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
(٦) إِنْ ◌ِىَ إِلَّ حَيَاتُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
◌َحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٥
- ٣٨].
قال ابن عاشور رحمه الله: ((والاستفهام
في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ للتعجب، وهو انتقال
من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في
المرسل به، وجعلوا موجب الاستبعاد هو
حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب
قصور عقولهم، وهي حال الموت المنافي
للحياة، وحال الكون ترابًا وعظامًا المنافي
لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك»(٢).
وبيّن سبحانه وتعالى أن ذلك التكذيب
من أسباب عذابهم يوم القيامة.
فقال تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ
الشِّمَالِ ( ١) فِ سَهُورٍ وَحَمِيٍ ﴿ وَظِلٍ مِّنْ يَحُْومٍ
﴿ لَّ بَارِدٍ وَلَاَ كَرِدٍ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ
مُتْرَفِينَ ﴿ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ
٤٦
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَيِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَهِنَّا
لَمَبْعُوتُونَ ﴿ أَوَءَابَاؤُنَا اْأَوَّلُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يوم
الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ
مَعْلُومِ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥٠].
فقد («كانوا يقيمون على الكفر بالله
والإشراك به ومعصيته، ولا ينوون التوبة من
ذلك، وكانوا يقولون إنكارًا للبعث: أنبعث
إذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية؟ وهذا
استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له))(٣).
قال البيضاوي رحمه الله: ﴿ وَكَانُواْ
يَقُولُونَ أَبِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَا
لَمَبْعُولُونَ﴾ كررت الهمزة للدلالة على
إنكار البعث مطلقًا وخصوصًا في هذا
الوقت، كما دخلت العاطفة في قوله:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨/
٥٢-٥٣ باختصار.
(٢) المصدر السابق.
(٣) التفسير الميسر لنخبة من العلماء ١/ ٥٣٥.
٣٩٦
القرآن الكريم
الترف
﴿أَوَءَابَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ للدلالة على أن الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا
وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
ذلك أشد إنکارًا في حقهم لتقادم زمانهم،
وللفصل بها حسن العطف على المستكن
في ﴿لَمَبْعُونُونَ﴾))(١).
ولذلك جاءت الآيات لتواسي النبي
صلى الله عليه وسلم في مواجهته لعتو قومه
من المترفین و کفرهم بدعوته.
قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَافِ قَرْبَةٍمِّن نَذِيرٍ
إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾
[سبأ: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا
عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى مَاتَرِهِمْ مُقْتَدُونَ قَلَ أَوَلَوْ
◌ِنْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ مَاجَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا
بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤].
٢. الترف في متاع الحياة الدنيا.
من أبرز مظاهر الترف في الحياة الدنيا ما
يلي:
الترف في المال.
الإنسان بطبعه یحب المال حبًّا کثیرًا؛ فهو
وسيلته للعيش في الحياة الدنيا، وللزينة فيها
كثرت أو قلّت، قال الله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ
اَلْمَالَ حُبََّجَمَّا﴾ [الفجر: ٢٠].
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
[العاديات: ٨].
وقال تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ١٨٠.
وقد جعل الله الأموال قيامًا للناس،
وقسمها بين عباده كما يشاء، قال تعالى:
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَيِّكَّ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوْوِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرًِا
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِنَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:
٣٢].
وكان هذا المال مجالًا لطاعة الله
وعبادته لأهل الإيمان والدين، ينفقونه في
مرضات الله بعدما یکتسبونه مما أحلّ الله،
وأما أهل الشر والفساد؛ فإنهم يكتسبونه من
الحرام، أو ينفقونه في الحرام، أو هما معًا.
وقد قال تعالى عن إبليس: ﴿وَاُسْتَفْزِزْ
مَنِ أَسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ
وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَاْأَوْلَدِ
وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾
[الإسراء: ٦٤].
ومشاركة إبليس للعباد في أموالهم هو ما
یأمرهم به من إنفاقها في معاصي الله تعالى،
فكل مال عصي الله فيه بإنفاق في حرام، أو
اکتساب في حرام، فهو من مشارکات إبليس
لعنه الله، والله تعالى لا يحب الفساد.
والمال في الأصل هو مال الله، أعطاه
للإنسان وديعة؛ لينفقه على نفسه، وعلى
مجتمعه في سبيل الخير، وهذا ما صرّح به
www. modoee.com
٣٩٧
حرف التاء
القرآن، قال تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اُلَّهِ
الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ
◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧].
فإسراف الغني في إنفاق المال وتبذيره
بغير الطرق المشروعة هو اعتداء على
مجموع الأمة؛ لأن المال عصب الحياة،
ومصدر قوّة الأمّة.
ولقد وصف الله المبذرين بالسفه، وأمر
بالحجر على أموالهم، قال تعالى: ﴿
وَلَا
تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُرْ قِيَمًا
[النساء: ٥]. يعني: لئلا يضيعوها.
وإضاعة المال تكون بإنفاقه في غير
وجوهه الشرعية، وكذلك تعريضه للتلف.
ولقد راج التبذير في مجتمعنا في الطبقة
الغنية والطبقة المتوسطة، وهذا ما ينذر
بأوخم العواقب.
ومن صور الترف في المال ما ذكره الله
تعالى في قصة قارون؛ فهذا الرجل قد أعطاه
الله من الخير المال الكثير والرزق العميم،
وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، ولكنه لم
یشکر الله تعالى، وبدّل نعمته تعالی کفرًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
مُوسَى فَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُّهُ لَا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٦) وَأَبْتَغْ فِيمَآً
ءَاتَنْكَ اَللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَاً وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ, عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَدُ
مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جْعَاْ وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِي زِينَيْهِ.
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَآ أُوتِى قَدرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ
خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا
الضَبِرُونَ ﴿ لَقَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا
كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنِ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ.
بِاَلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اللّهَ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ
لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلًاً أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ ﴾ ◌ِلْكَ
الدَّارُ الْآَخِرَةُ فَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيِدُونَ عُلُوًّا فِ
الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ [القصص:
٧٦ - ٨٣].
هذه الآيات قد فصّلت حاله، وبيّنت
مآله، وكشفت شيئًا من ترفه في المال، فمن
ذلك:
أن مفاتح كنوزه تعبي المجموعة من
أقوياء الرجال ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ
مَفَاتِحَهُ لَفَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ
أنه لم ینتصح بما أسداه إليه قومه من
نصح، بل استعد وتجمّل بأعظم ما
٣٩٨
جوب
القرآن الكْرِيْمِ
الترف
يمكنه ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتْهِ ﴾
مريدًا بذلك إظهار عظمته وكثرة
أمواله. فکان مآله: ﴿ فَسَقْنَابِهِ، وَیِدَارِو
اُلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ, مِن
دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
وهنا يجب مراعاة أمر مهم ألا وهو أن
ما سبق لا يعني محاربة أو رفض الحياة
الهانئة، بل إن الأمر يتعلق بمدى الانغماس
في النعيم، فلا يجب إنکار هذا التنعم إذا ما
وقع في إطار الاعتدال.
قال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْلَمْ يُسْرِقُواْ
وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان: ٦٧].
أما ما كان منه في إطار المبالغة التي تصل
إلى حدّ الإسراف والتبذير فإنه ولا شك
مذموم مرفوض.
٤ الترف في الطعام.
لا بد للإنسان من قوت حلال يقيم
صلبه، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحً إِنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[المؤمنون: ٥١].
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال تعالى:
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُّدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
لكن البعض یأکل ليس لأجل الحاجة
لأکل، بل لأجل التعوّد، فهو مثلا تعوّد على
نظام الوجبات الثلاث، والتوسّع في المآكل
والمشارب، والتفتّن في إعداد الطعام
وتزيينه، والإكثار من الحديث عنه والتفاخر
به، والبحث عن أطايبه، والتنادي إلی کل
ذلك، والاجتماع عليه والتواصي به، وذلك
من مظاهر الترف الذي جعل الجم الغفير
من الناس يعانون بسببه من السمنة وكثير من
الأمراض الناشئة عن التّخمة.
ومعظم أمراض الإنسان ناتجة عما
يدخله الإنسان إلى جوفه، وقد نهى الحكماء
عن إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: ((إن
ذلك أساس المرض)). ((والذي يضبط لك
هذا الباب، ويحفظ قانونه على الميزان: أن
تأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا، ولا تتكلف
الطيب وتتخذه عادة))(١).
وينبغي أن يكون القصد من الأكل عند
الإنسان أن يكون بلغة إلى الآخرة، ومعينًا
على عبادة الله، وتحقيق الموازنة القائلة:
لا ضرر ولا ضرار. فالقصد هو الاعتدال
دون التّخمة في الأكل. وهذه قاعدة نافعة،
مبعدة للآخذ بها عن الترف، وقد أمرنا بعدم
الإسراف في الطعام.
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا
شْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: ٣١].
والمقصود بالإسراف في الطعام ((إما
أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره
(١) قمع الحرص بالزهد والقناعة، القرطبي ص
٢٠٥ بتصرف.
www. modoee.com
٣٩٩
حرف التاء
في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن
يكون بزيادة الترفّه في المآكل والمشارب
واللباس)) (١).
الترف في المسكن والبناء.
من مظاهر الترف صرف الأموال
الضخمة في بناء المنازل والدور، والتباهي
في إعدادها وتصاميمها البديعة في الشكل
الخارجي والداخلي، مع الحرص على
تعدّد مواقعها، فبعضها للشتاء والآخر
للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة،
ومع الحرص على سعتها وكثرة غرفها
ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه
فيها، مع الإكثار من الفرش الوثيرة والأواني
الفاخرة والمتاع الراقي، مع أن الذي يكفي
الإنسان من ذلك الشيء القليل، وأيام العمر
تقصر، وتأبى أن تتسع للعبد لکي ينتفع بها
ويستخدمها.
و کلامنا هذا لا يعني أن لا نبني بيوتنا
بوسائل البناء الحديثة، بل نستفيد مما هو
موجود في حدود الاعتدال، مع البعد عن
المفاخرة والتظاهر، ومع تذكر أننا راحلون
إلى دار آخرة مي خیر من هذه، فلا نتمادى
في تشييد المباني، بل القصد هو الخير.
والقرآن ذكر لنا صورًا من ترف الأمم
المترفة السابقة في المسكن والبناء، من هذه
الصور:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٨٧.
الصورة الأولى: قوم (عاد) المترفون:
حيث أنكر نبي الله هود عليه السلام عليهم
هذا الترف في المساكن بقوله: ﴿ أَنَبْنُونَ
بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨].
قال ابن كثير رحمه الله: ((ولهذا قال:
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً﴾ أي: معلمًا بناء
مشهورًا، ﴿تَبَثُونَ﴾ أي: وإنما تفعلون
ذلك عبئًا لا للاحتیاج إلیه، بل لمجرد اللعب
واللهو وإظهار القوة؛ ولهذا أنكر عليه نبيهم
عليهم السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان،
وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما
لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة»(٢).
«فبناء قوم عاد للمساكن يبدو من الآيات
أنه کان ترفًا، وأن القصد من ذلك كان هو
التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن
ثمّ سماه عبئًا، ولو كان لهداية المارة، ومعرفة
الاتجاه ما قال لهم: ﴿َعَبَثُونَ ﴾ فهو توجيه
إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق
المال فیما هو ضروري ونافع، لا في الترف
والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة)) (٣).
الصورة الثانية: قوم ثمود: فهؤلاء القوم
المترفون ذكر القرآن عنهم على لسان نبيهم
صالح عليه السلام أنه قال لهم: ﴿وَتَنْحِتُونَ
مِنَ الْجِبَالِ بُونًا فَرِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
قال ابن كثير رحمه الله: ((قال ابن
(٢) تفسير القرآن العظيم، ١٥٢/٦.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٠٩/٥
بتصرف.
٤٠٠
مَوَبُو بَرُ النَّفيالوضوء
القرآن الكريم
الترف
عباس وغير واحد: ((يعني: حاذقين))، وفي والناس وضيع، وإن اغترّ به البعض.
رواية عنه: ((شرهين أشرين)) وهو اختيار
مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما؛ فإنهم
كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في
الجبال أشرًا وبطرًا وعبئًا، من غير حاجة
إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها
ونقشها))(١).
فنخلص من هذا إلى أنّ البناء إذا كان
للترف والمفاخرة، وعدم الحاجة فهو
المنهي عنه، والمذموم صاحبه، أما إذا كان
البناء للحاجة مع الاعتدال، وعدم المفاخرة
والتباهي فلا شيء في ذلك، والشرع لم ينه
عنه، والله أعلم.
الترف في الملبس.
قال الله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ
عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُلَا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
عندما أمر الله تعالى بالزينة في الملبس
قصد من ذلك أن تضمن لصاحبها مظهرًا
مقبولًا، يستر ما تحته من عورة، ويقي من
البرد في فصل الشتاء، ويمنع الحرّ في فصل
الصيف، وأن لا يكون في ذلك الملبس
أي نوع من الخيلاء؛ لأن من سلك مسلك
المترفين فلا شك أنه أصيب بالمخيلة،
وهو مرض عضال، یسقط صاحبه من حیث
رفعه، فهو في نفسه رفيع، وفي نظر الله
(١) تفسير القرآن العظيم، ٦ /١٥٦.
ومن مظاهر الترف جعل المال في
الملابس الراقية، والاكتفاء بلبس الجديد
والفاخر، حتی کثرت بسبب ذلك الملابس
غير المستخدمة في المنازل، وتكدست
مع وجود تنوع في الاستعمال حسب تعدد
فصول العام، واختلاف أوقات اليوم، ويبرز
ذلك الجانب أکثر لدى النساء.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن من شرار
أمتي الذين غذوا في النعيم يطلبون ألوان
الطعام وألوان الثياب يتشدّقون بالكلام) (٢).
وليس معنى هذا أن نترك زينة الدنيا
ونحرّمها على أنفسنا ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةً
اللَّهِ الَِّيّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاُلِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ
[الأعراف: ٣٢].
ولكن الأساس في هذا النوع من التنعم
وغيره من سائر وجوه التنعم أن ينضبط بحد
القصد والاعتدال.
ومن صور الترف في الملبس: ليس
الحرير للرجال، فقد نهى عنه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال: (لا تشربوا
في إناء الذّهب والفضّة، ولا تلبسوا الدّيباج
والحرير، فإنّه لهم في الدّنيا، وهو لكم في
الآخرة يوم القيامة)(٣).
(٢) أخرجه أحمد في الزهد ص ٧٧.
وصححه الألباني بمجموع طرقه، في
السلسلة الصحيحة ٤/ ٥١٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس
www. modoee.com
٤٠١
حرف التاء
٣. الافتخار بالنفر والجاه.
مما درج عليه المترفون في حياتهم
افتخارهم بالنفر والجاه، والاستعلاء بهما
على الناس، وهذا أمر مطرد بين كل الأمم
المترفة، والقرآن ذكر لنا من حال هؤلاء
المترفين في افتخارهم بالنفر والجاه عدة
آیات، منها: قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَافِى
قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّابِمَا أُزْسِلْتُمبِهِ،
كَفِرُونَ ) وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٥].
((هذا هو رد المترفين على كل دعوة
إلى الإيمان بالله، وتلك هي حجتهم عند
أنفسهم وعند الناس، إنهم بما يملكون من
كثرة في الأموال، وما عندهم من كثرة في
الأولاد والرجال لن يكونوا تابعين لغيرهم،
ولن یجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو
كان رسولًا من رسل الله، يدعوهم إلى
الله، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق
والهدى! إنهم أكثر أموالًا وأولادًا من هذا
الرسول، فکیف یقوم فیھم مقام الناصح ذي
الرأي والسلطان؟! وكيف يتفضّل إنسان
على من كان أكثر منه مالًا وولدًا؟!
وفي قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ إشارة
إلى أنهم بما لهم من كثرة في المال والأولاد،
لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا
عذّب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن
يعذبوا هم؛ فإن الله ما أعطاهم هذا الوفر
في المال والكثرة في الأولاد إلا لأنهم أهل
للكرامة، وموضع للفضل عنده، و کما كانوا
في الدنيا في هذا المقام بين الناس، فهم في
الآخرة - إن كانت هناك عندهم آخرة- في
هذا الموضع أيضًا، حيث يعذّب الفقراء
والمستضعفون، أما هم فلن يعذّبوا، بل
ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز؛ ذلك ظنهم
بأنفسهم»(١).
والمتمعن في الآية يستطيع أن يستنبط
السبب الرئيس للتكذيب من قبل المترفين
لأنبيائهم، ألا وهو خوفهم من زوال النعم
والشهوات التي نعّموا بها، من قبيل كثرة
الأموال والأولاد، واستعلاؤهم بما آتاهم
الله من فضله ونعمائه، حيث اعتقدوا أنّ
الفيصل في المفاضلة بين الناس هو الثروة
و کثرة النسل من الذكور.
وقد ذكر لنا القرآن مثالًا عمليًّا من تكبّر
المترفين بنفرهم، واعتزازهم بأولادهم في
قصة صاحب الجنتين، حيث قال: ﴿وَأَضْرِبْ
لَهُم مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبِ
وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ) كِلْنَا
اَلْنََّيْنِ ءَانَتْ أَكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا
والزينة، باب تحريم الشرب في آنية الذهب
وخاتم الذهب والحرير على الرجل،
١٦٣٧/٣، رقم ٢٠٦٧، عن البراء بن عازب.
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٨٢٩/١١-٨٣٠٩ بتصرف يسير.
مَوسُوبَة النَّقِيَة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٠٢
الترف
خِلَلَهُمَا نَهَرًّا أَ
وَكَانَ لَهُ, ثَمَرُّ فَقَالَ لِصَاحِیهِ.
٣٣
٣٤
وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَا لَّا وَأَعَزُّ نَفَرًّا
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَّآ أَعُنُّ أَنْ
تَبِيدَ هَذِهِه أَبَدًا (٥) وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً
وَلَيِن رُّدِدْتُّ إِلَى رَبٍ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا ﴾
[الكهف: ٣٢ - ٣٦].
فصاحب الجنتين ((تمتلئ نفسه بهما،
ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو،
وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس،
ويتعالى على صاحبه الفقير: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ
مَالَا وَأَعَزُّ نَفَرًّا
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين،
وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور وقد
نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه
وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا،
أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد
هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب
الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه
ملحوظًا في الآخرة! ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَّا أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِِِ أَبَدًا لـ
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِن زُدِدتُ إِلَى رَقِّ
لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ .
إنه الغرور يخيّل لذوي الجاه والسلطان
والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها
أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم
حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون
علی أهل هذه الأرض فلا بد أن یکون لهم
عند السماء مكان ملحوظ)» (١).
والقرآن الكريم لم يترك هذا الاعتقاد
عند المترفين دون ردِ عليهم وبيان لخطئهم،
بل بيّن لهم موازين القيم، وأنها مرتبطة
بالإيمان والعمل الصالح، وليس بكثرة
النفر والأولاد، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَلُكُمْ
وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَكُرْ عِندَنَا زُ لْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ
وَعَمِلَ صَدِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الصِّْفِ بِمَا عَمِلُواْ
وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
وقد بيّن الله تعالى أن التوسعة في
النعم على العباد في الدنيا إنما هو امتحان
وابتلاء، بخلاف ما يعتقدونه، فقال تعالى:
﴿أَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُمْ بِهِ مِن قَالٍ وَبِنَ )
تُسَارِعُ لَكْ فِ اَلْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:
٥٥ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿فَلَ تُمْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآ
أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَنِفِرُونَ ﴾ [التوبة:
٥٥].
وكما ذكر القرآن مثالًا عن افتخار
المترفين بالنفر فإنه ذكر لنا مثلاً على
الافتخار بالجاه يتجلّ في موقف قريشٍ
من رسالة النبي صلی الله عليه وسلم حیث
قالوا: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اٌلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
((أي: هلا كان إنزال هذا القرآن على
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٧٠/٤.
www. modoee.com
٤٠٣
حرف التاء
رجلٍ عظيمٍ كبير في أعينهم من القريتين!
يعنون: مكة والطائف)) (١)، ((فهم يرون
أنفسهم أحق بالرسالة لعظم جاههم، وهذا
الجاه النابع عن المادة مردٍ، ويزول بزوال
صاحبه، أما الجاه النابع عن الروح -وهو
ما يضطر الإنسان إلیه- فإنه منج، وباقٍ ولو
توفي صاحبه)» (٢).
أخلاق المترفين وعاقبتهم
تحدث القرآن الكريم عن المترفين
وأخلاقهم وعاقبتھم، وهو ما نتناوله فيما
يأتي:
من أخلاق المترفين وسلوكهم:
أولًا: من أخلاق المترفين:
١. الكبر.
المتأمل في نصوص القرآن الكريم
يجد أن الله تعالى ذمّ الترف والمترفين،
وذكر للمترفين أخلاقًا عرفوا بها في القرآن
الکریم، ومن هذه الأخلاق الکبر، وهو بطر
الحقّ، وغمط النّاس (٣) (٤).
ونجد الکبر ورفض الحقّ واضحًا جليًّا
في مقابلة الملأ المترفين لدعوة رسلهم
وأنبيائهم.
فمنذ عهد نوح عليه السلام نجد هؤلاء
الملأ المترفين المستكبرين يقفون في
وجه الدعوة، مستقلّين شأن المتبعين لها
من الفقراء الذين لا مال لهم ولا جاه، بل
ويطلبون أن يطرد هؤلاء الأراذل في رأيهم؛
قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٥/٧
بتصرف يسير.
(٢) الترف وأثره في المجتمع، ناصر العمار ص
١٨ بتصرف.
(٣) بطر الحق: أي دفعه وأنكره وترفع عن قبوله.
غمط الناس: احتقارهم والتهاون بحقوقهم.
انظر: فيض القدير، المناوي ٥/ ٦٢.
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه،
١/ ٩٣، رقم ٩١ عن عبد الله بن مسعود.
٤٠٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ