Indexed OCR Text
Pages 21-40
التدرج الله، وإنما يدعون الناس إلى ترك الربا، تأجيل هذا المقصد إلى وقته المناسب(٢). ثالثًا: التدرج في التربية والتعليم: وإلى المعاملات الحسنة ... ، لكن التوحید لا یذکرونه، ولا يلتفتون له، وكأنه ليس مفروضًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، فهؤلاء مهما أتعبوا أنفسهم فإن عملهم لا ينفع؛ حتى يحقّقوا الأصل في الأساس الذي تبنى عليه أمور الدين، من حاكمية، ومن صلاة، ومن زکاة، ومن حج، إلى آخره، هذا منهج الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦](١). فمن الحكمة والاتّباع أن يراعي الداعية مبدأ التدرج في الدعوة؛ فلقد استقر في المنهج الشرعي النظر إلى المقاصد والغايات ورعايتها، ومما يوصل إلى تحقيق الغايات والمقاصد الأخذ بسنّة التدرج؛ لئلا تثمر الخطوة نتائج عكسية غير مرغوبٍ فيها؛ وتطبيقًا لهذا المعنى ينبغي أن يكون معلومًا لدى الداعية أنّ تحصیل الكليات من الدين مقدّمٌ على تحصيل الأمور الفرعية، ولا مانع من تحصيل شيءٍ من الفروع قبل الأصول إذا كانت في الطريق، ولم يكن ذلك على حساب تحصيل الأصول، أما إذا كان تحصيل الفروع على حساب الأصول فإن الحكمة وإن مراعاة سنة التدرج تقتضي (١) انظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح الفوزان ١/ ١٠٧. سلك القرآن الكريم في تغيير أحوال النفس وتربيتها وتزكيتها وتعليمها منهج التدرج. ومن الأدلة التي تدل على التدرج في التربية قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٦ وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ [الحج: ٧٨]. مِن حرج وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)(٣). وقال: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق)(٤) وقوله صلى الله عليه وسلم: (والقصد (٢) انظر: دعوة إلى السنة في تطبيق السنة منهجًا وأسلوبًا، عبد الله الرحيلي ص ٥٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ١٦/١، رقم ٣٩. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٦/٢٠، رقم ١٣٠٥٢. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٤٧، رقم ٢٢٤٦. www. modoee.com ٢٨١ حرف التاء القصد تبلغوا)(١). و کل هذه الأدلة تدل على أن الإسلام لم يكلّف النفس إلا وسعها واستطاعتها، وأن الله لم يرد بها إلا الیسر، ولم يرد بها العسر، وأن من اليسر بها: أنه تدرج بها نحو التزكية والكمال درجة درجة. وامتدح الله تعالى الذين يسلكون هذا المسلك -التدرج- في تربية الناس، فقال: ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبِِّيْتِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. ففي البخاري: (الرّبّانيّ: الّذي يربّي النّاس بصغار العلم قبل كباره)(٢). وقال ابن الأثير رحمه الله: ((الربانيّ: قیل: هو من الرب بمعنی التربية، کانوا یربّون المتعلمین بصغار العلوم قبل کبارها)»(٣). ويقول الراغب الأصفهاني: ((الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام)) (٤). وهذا هو التدرج. وهذا يعني أن تربية الأمم والمجتمعات لا تتم إلا بهذه السنة الربانية، والطريقة النبوية، وسبب ذلك أن التربية على منهج الإسلام تحتاج إلى جهد کبیر ووقت طويل، ولا تتم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ٨ / ٩٨، رقم ٦٤٦٣. (٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل، ١ / ٢٤. (٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ١٨١/٢. (٤) المفردات ص ٣٣٦. بين يوم وليلة، يقول سيد قطب: ((ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ولينشيء مجتمعًا، ویقیم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وتأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثّر والانفعال إلى واقع، والنفس البشرية لا تتحوّل تحوّلًا كاملًا شاملًا بين يوم وليلة بقراءة كتاب شامل للمنهج الجديد، إنّما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقیه رويدا رويداً، وتعتاد على حمل تکالیفه شيئًا فشيئًا، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدّم لها ضخمًا ثقيلًا عسيرًا))(٥). فالداعية الذي يريد تأثيرًا لكلماته، وثمارًا لدعوته فعليه أن يسلك هذا الطريق القرآني النبوي في الدعوة إلى الإسلام؛ لأنّ بهذه الطريقة بنى النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام، يقول ابن تيمية: ((فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما کان بيانه کما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، بمنزلة بيان الرسول لما بعث شيئًا فشيئًا، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبلّغ إلا ما أمكن عمله والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، کما یقال: إذا أردت أن تطاع فامر بما يستطاع)»(٦). وقد أشار الإمام النووي لهذا المسلك (٥) في ظلال القرآن ٥/ ٢٥٦٢. (٦) مجموع الفتاوى ٣٠/ ٦٠. مَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكريم ٢٨٢ التلاج التربوي، فقال: ((وينبغي أن يؤدّب المتعلم النهائي على وجه القطع. على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية» (١). والتدرج في التعليم والتربية هو ما لأن تربية النفس الأمارة بالسوء، وغسلها نراه ملموسًا وعمليًّا في تعليم النشء على مراحل، وصفوف، وحصص، وساعات مدرسية وسنوات، وهذا المنهج في التدرج أحد خصائص التشريع الإسلامي الذي أنزله الله تعالى الحكيم في شرعه، الخبير بنفوس عباده، وأشرف على تطبيقه عمليًّا المعلم الأول، والمربي الرحيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله واجتباه، وكلّفه حمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وتربية الأمة، والأخذ بها إلى جادة الصلاح والرشاد، فهو مبدأ تربوي مقبول عقليًّا وواقعيًّا. والمتأمل في التربية القرآنية للصحابة رضي الله عنهم يجد أنها كانت تربية متدرّجة، فبدأت بتصحيح العقيدة، ونبذ الشرك والأوثان، وإفراد الله تعالى بالعبودية، ثم بعد بضع سنين من تصحيح العقيدة وتثبيتها في قلوب المؤمنين فرضت الصلاة، ثم الصوم، وباقي الأركان، وكذلك التدرج في تحریم المنكرات مثل الخمر کان على مراحل، بدأ بتذكير المؤمنین بما له من مضار ومفاسد، ثم بعد ذلك کان التحریم (١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٤١. بل إن مراعاة التدرج كانت سمة لازمة للتربية النبوية للصحابة في مكة والمدينة؛ وتزكيتها وتطهيرها حتى يزول ما علق بها من شرك وجبروت وآفات ليس بالخطب الهين، كما أن ما تجذّرت عليه من مألوفاتها لا يمكن إزالتها في وقت وجيز، بل الأمر يحتاج إلى تدرج، ومراحل عديدة. والذي يمكن التأكيد عليه أن التدرج لازم لتربية النفوس؛ إذ هو سنة من سنن الله في خلقه التي يجب مراعاتها والأخذ بها، فكما بدأت الدعوة النبوية بالتدرج عبر مراحل، فكذلك التربية والدعوة جزء منها، وهذا في غاية الأهمية؛ إذ لا يمكن أن نتصور تغييرًا بين عشية وضحاها، فلو كان الأمر كذلك لكان سيد الوجود أولی به، وقد أخذ بسنة التدرج في كل أنواع الجهاد، من تربية ودعوة وقتال في سبيل الله، وبناء المجتمع الإسلامي؛ لأن التربية عليها مدار كل شيء؛ إذ لا يمكن أن نتصور جهادًا بدون تربية، هذا فضلا على أن التربية تقوم بمعالجة أشخاص لهم ماضٍ وبيئة اجتماعية مفتونة، واستعدادات، هذه المعالجة تريد من المربي أن يتدرج في التربية، وتريد منه حلمًا كثيرًا وتؤدة، وصبرًا طويلًا، وتنويعًا في الوسائل والأساليب، حتى تنضج الثمرة، www. modoee.com ٢٨٣ حرف التاء ويشتد عود الغرس. وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في مكة، وعشر سنوات في المدينة يربي أصحابه على الإيمان والمحبة والبذل والتؤدة والجهاد، مراعيًا سنة التدرج، وسنة الله في تغيير الأنفس، فتدرجت التربية من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإیمان بکل أركانه، وذكر الله وعبادته، إلى اختبار الصدق والإخلاص بالابتلاء، إلى البذل والسخاء، إلى ربط العلم بالعمل، إلى التميز عن المشركين ومفارقتهم، إلى الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله، إلى تجديد قصدٍ ومضاءٍ في الطريق، إلى اكتمال الرجولة والجهاد والموت في سبيل الله. وجدير بالذكر أن إعداد هذا الجيل قد تم تأسيسه على مدى ثلاثة وعشرين عامًا؛ أي: إنه لم يتم ذلك في دفعة واحدة، ولا بجرة قلم، ولا بأوامر واجبة التنفيذ في الحال، ولكنه تم بتدرج؛ مراعاة الأحوال النفس البشرية، فإنها لا تتخلى عن مألوفاتها ومعتقداتها في يوم وليلة، ولكن الله الحكيم العليم الخبير الرحيم، سلك بهم طريق التدرج حتى صار الإيمان في قلب الواحد منهم كالجبل، وصار الدين عند أحدهم أغلى وأعزّ عليه وأحب إليه من ماله وولده ونفسه والناس أجمعين(١). (١) انظر: القرآن ونقض مطاعن الرهبان، صلاح رابعًا: التدرج في الإصلاح والتغيير: لقد تدرّج القرآن في عملية الإصلاح والتغيير، سواء كان هذا الإصلاح للمجتمع أو للفرد، أيًّا كان هذا الفرد، ابنًا أو زوجة أو عبدًا. ولنأخذ مثالًا على هذا التدرج في عملية الإصلاح والتغيير، وهي من الحالات التي ينبغي التدرج فيها، وهي حالة نشوز وعصيان الزوجة. قال تعالى: ﴿وَلَّتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِ بُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. فهذه الآية تتحدث عن وسائل ناجعة لعلاج المرأة عند ظهور بدايات النشوز والتمرد عندها، وقبل أن يستفحل النشوز عندها، وتعلن تمرّدها، وهذا لا يصیب کل الزوجات إنما يصيب بعضهن، ومعظم الزوجات المسلمات ملتزمات بأحكام الشرع، تعرف الواحدة منهن واجبها فتؤدّیه، وتعرف حقّها على زوجها فتأخذه، فالآية لا تضع تشريعًا لكل الزوجات وإنما للنسبة القليلة الناشزة منهن !. وترشد الآية زوج الناشز إلى اتخاذ ثلاث خطواتٍ متدرجة، فإن تم العلاج في الأولى الخالدي ص٣٨٥. ٢٨٤ مُوسُوبَةُ التَّقِين القرآن الكريم العلاج وهذا الترتيب بين هذه الأفعال المعطوفة غير متلقّى من صيغة لفظية؛ إِذ العطف بالواو وهي مسلوبة الدلالة على الترتيب متمحضة الإشعار بالجمعية فقط، وإنما يتلقّى الترتيب المذكور من قرائن خارجة عن اللفظ، مفهومة من مقصود الكلام وسياقه. قال القاسمي: ((وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك في معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب، بأن يبدأ بالوعظ، ثم بالهجر، ثم بالضرب؛ لأن الله تعالى قد أمر بذلك؛ ولأنه قد رتّب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التي تبدأ بالعقوبة الخفيفة، ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة، ثم إلى الأكثر شدة))(١). فالأمور الثلاثة مرتبة؛ لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل، فاعتبر فيها الأخف فالأخف، وقيل: إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثّر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب. حتى الطريقة الثالثة وهي: ﴿وَأَضْرِبُوهُنٍ﴾ فلابد أن یکون ضرب تأدیب غیر مبرّح ولا مشین. قال الرازي: ((وبالجملة، فالتخفيف (١) محاسن التأويل، القاسمي ٩٩/٣. فبها ونعمت، وإلا انتقل للثانية، والثالثة آخر مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، الخيارات. ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب؛ وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق))(٢). وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب والتدرج، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب. والتعبير بالخوف في قوله تعالى: ﴿وَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ﴾ ظاهره أنّ ترتب العقوبات المذكورة يكون بمجرد خوف النشوز وإن لم يقع النشوز بالفعل، إلا أن هذا الظاهر بعيد؛ لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدّر مضافًا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن، ومنهم من قدّر معطوفًا محذوفًا: تخافون نشوزهن ونشزن(٣). ومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتی ظهرت (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٥/٣. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٧٢. www. modoee.com ٢٨٥ حرف التاء هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل کان ذلك نشوزًا محققًا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب. والمراد بالوعظ: أن يقول لها مثلًا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقًّا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك، ونحو ذلك. واختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد: تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبیتهن، فیکون في ذلك ترك جماعهن، وترك مکالمتهن، ولا یزید في هجر الكلام عن ثلاثة أيام، وفسّر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرّح(١). وسنة التدرج في الإصلاح والتغيير تقتضي النظر إلى العواقب، والسير برفق وتأنٍّ، فليس كل منكر تجب إزالته أو تغييره على الفور، وإنما ذلك مشروط بألا يؤدي إلی منکر أکبر منه، فإن أدی إلی منکر أكبر منه وجب التوقف بشأنه، مع الكراهة القلبية له، ومقاطعته، ومع البحث عن أنجح الوسائل لإزالته، والأخذ بها، ومع العزم الصادق على الوقوف في أول الصف حين تتاح فرصة التغيير(٢). (١) تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٢٨٤. (٢) انظر: آفات على الطريق، السيد محمد نوح ٣٥/١. وفي السنة والسيرة شواهد على ذلك: فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، أي: أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة؛ ليقينه صلى الله عليه وسلم بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم قبل أن يحطمها من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع وأشنع فيعظم الإثم، ويتفاقم الضرر؛ لذلك تركها، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهّر القلوب، حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة، ويزيل الأصنام مرددًا: ﴿ وَقُلْ جَآءَ أَلْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في شأن تجديد الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهیم خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى منكر أكبر، وهو الفرقة والشقاق؛ بدليل قوله في رواية أخرى: (ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم)(٣). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، ١٤٦/٢، رقم ١٥٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جدر الكعبة وبابها، ٢ / ٩٧٣، رقم ١٣٣٣. ٢٨٦ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العلاج بل إن المسلم حين يسكت عن منكر فيه)) (١). خوفًا من أن یؤدي إلی منکر أکبر مع الرفض القلبي والمقاطعة، ومع البحث عن أفضل السبل للتغيير، ومع العزم الصادق على أنه حین تتاح الفرصة لن يكون هناك توانٍ ولا تباطؤ لا يكون آئمًا بذلك، وصدق الله الذي يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً! [البقرة: ٢٨٦]. ﴿ فَقُواْاللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ ﴾ [التغابن: ١٦]. والمقصود أن سنن الله في التغيير وإصلاح المجتمعات جرت على اعتبار سنة التدرج، وسنة الأجل المسمى؛ لأن ما تراكم من الخطأ والانحراف في سنين لا يمكن تغييره بين عشية وضحاها؛ ولذلك وجب التأني والتدرج في علاج الأمور. وقد قال سبحانه: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّئَةُ آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَلِىٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: ٣٤]. وقد جعل الله لكل حال وواقع أجلًا مسمى يمضي فيه؛ ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: «ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث في الوقت ما لم يظهره الله ومن أشهر أمثلة التدرج في الإصلاح ما وقع من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز؛ فإنه جاء إلى الحکم بعد مظالم اقترفها بعض الذين سبقوه، فتدرّج في الإصلاح، ولم يتعجل في التغيير، فدخل عليه ولده عبد الملك، فقال له: يا أبت: ما منعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله! ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك، قال: یا بنيّ! إني إنّما أروّض النّاس رياضة الصّعب، وإنّي أريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخّر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدّنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذه(٢). ومما يبيّن أهمية التدرج في التغيير والإصلاح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ((فأمّا إذا كان المأمور والمنھيّ لا يتقيّد بالممكن: إمّا لجهله، وإمّا لظلمه، ولا یمکن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكفّ والإمساك عن أمره ونهيه ... ، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخّر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التّمكّن، فإذا حصل من يقوم بالدّين من العلماء، أو الأمراء أو مجموعهما؛ كان بيانه لما جاء به الرّسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرّسول لما (١) حكم ابن عطاء الله السكندري، الحكمة ١٧ ص٧. (٢) انظر: الزهد، أحمد بن حنبل، ص ٢٤٣، رقم ١٧٢٩ . www. modoee.com ٢٨٧ حرف التاء بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلومٌ أنّ الرّسول لا حياة للفرد والمجتمع والدولة؛ لذا فإنّ يبلّغ إلّا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت عمل الدعاة إلى الإسلام يتركّز في التوعية والتثقيف وتعميق الوعي الإسلامي، وتبصير المسلمين بدينهم، متّخذين من الرسول الكريم محمّد صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة، ومن القرآن دليلًا وهاديًا. الشّريعة جملةً ... ، فكذلك المجدّد لدینه، والمحيي لسّه لا يبلّغ إلّا ما أمكن علمه والعمل به ... ، ولا یکون ذلك من باب إقرار المحرّمات، وترك الأمر بالواجبات؛ لأنّ الوجوب والتّحريم مشروطٌ بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبّر هذا الأصل فإنّه نافعٌ))(١). إنّ هذه المنهجيّة، منهجيّة التدرّج والمرحليّة في التغيير تضع أسسًا علميّة وشرعيّة بين أيدي الدّعاة والعاملين على تغيير المجتمع، من أوضاعه غير الإسلامية إلى أوضاع تقوم على أساس الإسلام، في الفكر والثقافة والتّشريع والقيم والأعراف والعادات. إنّ التّغيير كما في ثقافة القرآن ومنهجه يبدأ من أعماق الذات الإنسانية، فما لم تتغيّر الأفكار والثقافة والعواطف والأخلاق لا يتغيّر الوضع الاجتماعي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا يَنْفُسِهِمُ﴾ [الرعد: ١١]. جدير ذكره أنّ الأوضاع الاجتماعية الخارجية لها آثارها وبصماتها في سلوك الأفراد وثقافتهم؛ لذا فإنّ إصلاح البيئة الاجتماعية، وحلّ مشاكل الإنسان الماديّة والمعاشيّة هي إحدى أهم الوسائل في فإنّ مجتمعات المسلمين الحاضرة إصلاح المجتمع إذا قام الإصلاح المادي تحمل في أبعادها المختلفة أوضاعًا غير على أساس قويم من الإصلاح الفكري والسّلوكي. إسلامية؛ ولكي يتمّ استئصال تلك الظواهر وتغييرها واستبدالها بأوضاع إسلاميّة، فهم في حاجة إلى أن يتبعوا منهج القرآن في سنّة التدرّج، رغم إنّ المسلمين جميعًا يؤمنون بالإسلام غير أنّ الغالبية منهم يعوزها فهم الإسلام ووعي مناهجه. والمشكلة الأخرى هي عدم العمل بالإسلام وتطبيقه شريعةً ونظامًا ومنهج (١) مجموع الفتاوى ٦٠/٢٠. مَوَسُولَةُ الْبَّفسِد القرآن الكريم ٢٨٨ التلاج ضوابط التدرج للتدرج ضوابط، نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: البدء بالأهم والأيسر: لما كانت الشريعة منها ما هو أركان، ومنها ما هو واجبات، ومنها مستحبات، كان لابد عند الأخذ بمبدأ التدرج الانتباه إلى البدء بالأهم والأيسر. ولهذا نجد أن الشارع قد بدأ في الدعوة بالأهم، ثم المهم، فافترض عليهم أول شيء بعد التوحيد الصلاة؛ وذلك لعظيم أهميتها، فكان فرض الصلاة متقدمًا قبل بقية أركان الشريعة، يدل على ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى)(١). ففي قولها: ((ثم هاجر)» دليل على تقدّم فرض الصلاة، وأنها فرضت قبل هجرته صلی الله عليه وسلم ؛ مما يدل على مزيتها على سائر الفرائض والعبادات، يؤكد هذه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟، ٦٨/٥، رقم ٣٩٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، ١/ ٤٧٨، رقم ٦٨٥، واللفظ للبخاري. الأهمية أنه صلی الله عليه وسلم كان يبايع عليها بعد التوحيد، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) (٢). يقول ابن حجر مبيّنًا البدء بالصلاة بعد التوحید: «وکان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة؛ لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة؛ لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس))(٣). وكما كان صلى الله عليه وسلم يشترط بعد التوحيد الصلاة قبل غيرها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقدّمها على غيرها في فعله، يدل على ذلك حديث عتبان رضي الله عنه قال: (أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأنخذه مصلی، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه ... )(٤). وقد استنبط الإمام النووي فائدة عظيمة (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب البيعة على إقام الصلاة، ٥٠١/١٣، رقم ١٩٦. (٣) فتح الباري ١٨٨/٢. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ١/ ٣٣، رقم ٦١. www. modoee.com ٢٨٩ حرف التاء من هذا الحديث الكريم، حيث قال: ((وفيه البداءة بالأهم فالأهم، فإنه صلى الله عليه وسلم في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة، ثم أكل))(١). فدل هذا العمل النبوي الكريم على أهمية التدرج، ومراعاة البدء بالأهم فالأهم في الدعوة إلى الشريعة، وقد نبّه الإمام القرطبي إلى هذا التدرج الحكيم، فقال: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: بعث النبي صلی الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم) (٢). ویدل على ذلك أيضًا حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث يقول: (لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلی نحو أهل الیمن، قال له: (إنك تقدم علی قوم من أهل الكتاب، فلیکن أول ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فتردّ على (١) شرح صحيح مسلم ٢/ ٢٤٥. (٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٦٤/١٦. فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموال الناس)(٣)، فقرر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث التدرج في الدعوة إلى هذه الأركان، والبدء بالأهم فالمهم، وإلى هذا يشير النووي بقوله: ((ولأنه صلى الله عليه وسلم رتّب ذلك في الدعاء إلى الإسلام وبدأ بالأهم؛ ألا تراه بدأ بالصلاة قبل الزكاة)» (٤)، فدل على أهمية مراعاة التدرج في الدعوة والتعليم، والبدء بالأهم فالأهم (٥). وكما تدرج الشارع في الدعوة إلى أركان الإسلام مراعيًا بالبدء بالأهم ثم المهم؛ فقد راعى هذا الجانب في الدعوة إلى أخلاق الإسلام؛ حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة (٦) مراعيًا في ذلك جانب التدرج في الوجوب والعلو (٧)حیث حاجة الفرد إليها أمس، وأداؤها عليه أوجب، وقد جاءت الأدلة تؤكد اهتمامه صلى الله عليه وسلم (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم ٦٩٣٧. (٤) شرح صحيح مسلم ١/ ١٩٨. (٥) انظر: التدرج في دعوة النبي، إبراهيم المطلق ص ٥١ . (٦) انظر: الأخلاق في القرآن، محمد عبد الله دراز ص ٨٨، الفضائل الخلقية في الإسلام، أحمد إبراهيم ص١١٩. وهذا الأثر أخرجه الطبري في تفسيره (٧) انظر: الفضائل الخلقية في الإسلام، أحمد ٢٦/ ٧٢. إبراهيم ص١٣٨ . مَشَبُوالَهُ النَّسِّيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٩٠ العلاج في هذا الجانب في عهد مبگّر من دعوته، من ذلك ما رواه البخاري عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره: ((أن هرقل أرسل إليه، فقال: فما يأمركم؟ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة)) (١)، فدل هذا علی أن هذه حاله صلی الله عليه وسلم مع الناس في ابتداء دعوته))(٢). يؤيد هذا حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي، وفيه قوله: (فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ... )(٣)، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم وطبّق المسلمون الإسلام، وامتد ميدان الدعوة، واتسعت البيئة أصّل الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى ركائز أخرى في أخلاق المسلم من التآخي والتراحم والتعاون وترك التباغض والتحاسد، حيث حاجة الأمة المسلمة إلى هذه الأخلاق أشد، ممتثلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب صلة المرأة أمّها ولها زوج، ٨/ ٤، رقم ٥٦٣٥. (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١/ ٦٤. (٣) أخرجه أحمد ٢٥٠/١، رقم ١٧٣٩. كَثِيرًا مِّنَ النَّنِّ إِنَّ بَعْضَ النَِّنِّ إِنَّ وَلَا تَهْتَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُّكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأَكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ أَلَهَ إِنَّ اَللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. وکما کان صلی الله عليه وسلم يحث أصحابه على التخلّق بكماليات الأخلاق، فقد كان يحذّرهم من الأخلاق السيئة التي تفضي بهم إلى التشبه بالمنافقين، والتخلّق بأخلاقهم (٤)، ويستفاد من هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان يركّز في هذا العهد على الدعوة إلى كماليات الأخلاق التي فيها خير وصلاح للأمة الإسلامية (٥). وكذلك من التدرج البدء بالأيسر قبل الأثقل والأصعب، فالحانث مثلًا في اليمين مخيّر في الإطعام أو الكسوة أو العتق، وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر. قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِّ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُّهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنَّكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة: ٨٩]. قال الفخر: ((وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمّ وجودًا، والمقصود منه التنبيه على أنه سبحانه يراعي التخفيف والتسهيل في (٤) شرح صحيح مسلم، النووي ٢/ ٤٧. (٥) انظر: التدرج في دعوة النبي، إبراهيم المطلق ص ٥١. www. modoee.com ٢٩١ حرف التاء التكاليف)»(١). و کذلك في حالة الدفاع عن النفس، فقد قال أهل العلم: ((الدافع عن نفسه يجب عليه أن یدفع بالأیسر فالأیسر، ولیس له أن يقصد القتل، بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك». وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها: (ما الله عنه قال: (حدّثوا الناس بما يعرفون، خيّر رسول الله صلی الله عليه وسلم بین أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه)(٢). قال النووي: ((فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق، ما لم يكن حرامًا، أو مكروهًا، قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هنا من الله تعالی فیخيّره فیما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال، وأخذ الجزية، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار، وكان يختار الأيسر في كل هذا))(٣). ثانيًا: مراعاة حال المخاطبين: من ضوابط التدرج ودواعيه مراعاة حال المخاطب، ومستوى فهمه، واستيعابه (١) مفاتيح الغيب ٦٤/١٢ -٦٥. (٢) أخرجه مسلم في صحيح، كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، واختیارہ من المباح أسهله، وانتقامه لله عند انتهاك حرماته، ١٨١٣/٤، رقم ٢٣٢٧. (٣) شرح صحيح مسلم ١٥/ ٨٣. للأمور، فإن من الناس من یکون حي القلب، تام الفطرة، ومنهم من يكون عكس ذلك. وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ما أنت بمحدّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)(٤). وفي صحيح البخاري عن علي رضي أتحبون أن یکذّب الله ورسوله؟)(٥)، وقوله: ((بما يعرفون)» أي: بما يفهمون، قال الحافظ: «وزاد آدم بن أبي إیاس في کتاب العلم له، عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: ودعوا ما ينكرون، أي: ما يشتبه عليهم فهمه، قال: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة»(٦). وممن رأى التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة في الجرابین، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. قال الشيخ ابن عثيمين: ((ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا (٤) أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ١١/١. (٥) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم، كراهية أن لا يفهموا، ١/ ٣٧، رقم ١٢٧. (٦) فتح الباري، ابن حجر ١/ ٢٢٥. مَوَسُو ◌َرُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٩٢ العلاج يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويدًا رويدًا غرائب المسائل التي لا يعرفها إلا الراسخون حتى تستقر عقولهم، وليس معنى: ((بما في العلم، بل تعلّمهم مبادئ ميسّرة سهلة یتدرّجون بها شيئًا فشيئًا. يعرفون)) أي: بما يعرفونه من قبل؛ لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل ... فإن قيل: هل ندع الحديث بما لا تبلغه عقول الناس وإن كانوا محتاجين لذلك؟ أجیب: لا ندعه، ولکن نحدثهم بطريقة تبلغه عقولهم؛ وذلك بأن ننقلهم رويدًا رویدا حتی یتقبلوا هذا الحدیث، ویطمئنوا إليه، ولا ندع ما لا تبلغه عقولهم، ويقال: هذا شيء مستنكر لا نتكلم به. ومثل ذلك: العمل بالسنّة التي لا يعتادها الناس ويستنكرونها، فإننا نعمل بها، ولکن بعد أن نخبرهم بها، حتى تقبلها نفوسهم، ويطمئنوا إليها، ويستفاد من هذا الأثر: أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوین، وینزّل كلّ إنسانٍ منزلته))(١). فالحاصل أن طالب العلم والواعظ والمعلم يجب عليه أن يراعي أحوال الحاضرين وأحوال الناس، ويعطيهم ما يحتاجون إليه من المسائل، ولا يلقي عليهم المسائل الغريبة التي لم يتوصلوا إليها، فلو أتيت عند طلبة علم مبتدئين، فلا تلق عليهم (١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠ / ٧٧٤ - ٧٧٥ بتصرف. ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الهلال: لم یبدو دقیقًا، ثم یزید حتى يمتلئ نورًا -أي: يصير بدرًا - ثم يعود دقيقًا كما كان؟! نزل القرآن منبهًا إلى فائدة، دون الإجابة عن الحقيقة العلمية مع أنها محطّ السؤال، قال عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة : ١٨٩]. والله سبحانه وتعالى وهو خالق الكون علويّه وسفليّه ومدبّره، والعليم بكل أسراره، كان يعلم الحقيقة العلمية ولا ریب، وكان من الممكن اليسير أن يعلّمها لنبيه صلى الله عليه وسلم ؛ ليجيب بها، أو لعله أعلمه بها، ولكن جاء القرآن على هذا الأسلوب الحكيم، بالتنبيه إلى الفائدة والغاية من هذا؛ رحمة بالناس، ورفقًا بعقولهم، فليست كل العقول كانت متهيئة في هذا الزمن البعيد لتقبّل الحقيقة العلمية، وقد يكون لبعضهم فتنة، فمن ثمّ ترك ذلك إلى العقول؛ لتصل إلى الحقيقة بعلمها وجدّها وبحثها، والعالم في تقدّمه مدین لهذا المنهج القرآني، فهو الذي فتح للبشرية آفاق العلم، والمعرفة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، واستعداداتهم، www. modoee.com ٢٩٣ حرف التاء وله في ذلك السياسة الحكيمة، والتوجيهات الظواهر واستعرضها وعرضها على الناس الرشيدة(١). ومن هنا نستطيع أن نفهم السر في هذه الإجابة التي جاء بها القرآن الكريم للسائلين عن أوجه القمر بصرفهم عن السؤال ولفت أنظارهم إلى فوائد ذلك ومزاياه ... (ومنها): أن القرآن الکریم لو عرض لبيان هذه الشئون كلها، واستوعب حقائقها وتفصيلاتها لصعب على الناس حفظه، ولمضت الأزمان الطويلة دون استيعابه نزولًا أو معرفة، ولنسي الناس هديه وإرشاده، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، ولقد يسّره الله تعالى وسهّله؛ ليكون ذلك أدعى إلى تذكّره، وأقرب للوصول إلى مقاصده، والعمل بما فيه: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧]. وهذه من بعض الحكم التي من أجلها لم يتناول القرآن الكريم حقائق العلوم الكونية بالتفصيل والتوضيح، وترك ذلك للعقل البشري يرقى إليه ببحثه المتواصل، ويتذوق لذة معرفته بكفاحه وجهاده، وهناك حكم أخرى لا نطيل القول فيها، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد، والكلام في أسرار کتاب الله ذو سعة. ومن ذلك: أن القرآن الكريم جاء بهذه في كثير من المواضع لغرض واحد؛ هو العبرة والعظة، ولفت العقل والقلب إلى ما فيها من جمال وروعة ورقة، وإعجاز وإبداع لا یکون إلا عن صانع حكيم(٢). والمقصود أن التدرج ومراعاة أحوال المخاطبين ونفسياتهم وأفهامهم، وبخاصة أن الناس مختلفون، فيراعى في أهل الريف محدودية ثقافتهم، وضعف مستواهم التعليمي، مما يجعل الداعية يستخدم من العبارات ما يتناسب مع قدراتهم الذهنية، وأيضًا فالمتعلمون أنفسهم تتفاوت درجاتهم، فالمتعلم في رحاب جامعة أكاديمية يختلف عن المتعلم في رحاب وسيلة من وسائل الإعلام الأخرى، فالأول لا يخشى عليه عند عرض المادة العلمية من اختلاف المختلفين؛ إذ إنه يعلم عند التعارض والاختلاف کیف یکون الجمع أو الترجیح؟ ولهذا لا ينبغي أن يطرح على العوام بعض أحاديث الصفات-كحديث الصورة- التي لا تصل إليها أفهامهم، أو بعض شبهات المبتدعة والكافرين، أو بعض النصوص التي قد تبدو للجاهل وبادي الرأي متعارضة، أو بعض مسائل الاختلاف، أو الحديث عن (١) انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب (٢) انظر: نظرات في كتاب الله، حسن البنا ص ٣٦٠. التفسير، محمد أبو شهبة ص ٤٩. مَوَسُورًا لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٩٤ العلاج ووالدي الرسول، ونحو ذلك من المسائل التي قد تكون فتنة للجاهل والعامي؛ ولأجل هذا جاء النهي عن كثير من السلف عن الأغلوطات والمسائل المشكلة، وقد ترجم لهذا المعنى البخاري في صحيحه، فقال: «باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا)) (١) (٢) فليعلم الداعية إلى الله أن مفاجأة الناس بالسنّة التي يجهلونها، والإنكار عليهم بما يفعلونه؛ قد يسبّب بغضًا للسنّة وأهلها من قبلهم، وهو ما يصنع الحواجز بين الدعاة وبعض الناس في تعليمهم وتبيين السنّة لهم، ولا يعني هذا ترك نصحهم، وإنما المراد التدرج في دعوتهم. ثالثًا: القدرة: التدرج في تطبيق الشريعة المحكمة هو التدرج المبني أو المرتبط بالقدرة والعجز، فما قدرنا عليه وجب فعله، وما عجزنا عنه فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، ومن المعلوم وجوب امتثال المكلف لأمر الله عز وجل قدر استطاعته، وأن من قدر على فعل المأمور، وترك المحظور لم يسعه المخالفة. فالتدرج يكون حسب قدرة المكلّف، (١) صحيح البخاري، ١/ ٣٧. (٢) انظر: حقيقة البدعة وأحكامها، سعيد الغامدي ٣٣/٢. مسائل القضاء والقدر، وأطفال المشركين، والله تعالى قد قيّد التكليف بالقدرة والاستطاعة، والوسع والطاقة، فلا تكلّف نفس إلا وسعها، وقد قرّر الله سبحانه وتعالى ذلك المبدأ في كثير من الآيات، فقال: ﴿فَنَّقُوا اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمُ﴾ [التغابن: ١٦]. ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وقال: وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦]. والحجة تقوم على الإنسان، ويجب عليه العمل إذا كان مستطيعًا له، عالمًا به، يقول الإمام ابن تيمية: ((والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به))(٣). فإذا عجز المكلّف عن فعل الأثقل، تدرّج به إلى ما هو دونه، وأسهل منه، مع الأخذ في الاعتبار أن العجز نوعان: * حسي. ومعنوي. فمن صور العجز الحسي: المرض والکبر وغيرهما. ومن صور العجز المعنوي: ترتب مفاسد أكبر من المصلحة التي تم تحصيلها بإقامة الشرع، وقد قال تعالى: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ اُلْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ولا يجوز تغيير المنكر بمنکر أعظم منه، فإذا ترتب على فعل المعروف أو النهي عن المنكر ما هو أشد منه فسادًا في عرف الشرع (٣) مجموع الفتاوى ٢٠/ ٥٩. www. modoee.com ٢٩٥ حرف التاء كان المكلف في حكم العاجز في هذه والتوبيخ من الفاسق لا يعدّ من الإكراه الذي الحالة. يسقط وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (٢). ومن هذا الباب امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة وبنائها بناءً صحیحًا خشية الفتنة، وأن يرتد الناس عن الإسلام، فهذا من أدلة العجز المعنوي، رغم کونه کان فاتحًا لمکة، ومع ذلك امتنع عن تطبيق بعض المعروف لما ذكرنا. ومن هذا امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل بعض المنافقين خشية من الضجيج الإعلامي الذي قد يشوّه صورة الإسلام عند من لا يعرف حقيقته، فیصد عن الدخول فيه؛ إذ سينتشر الخبر في الشام والعراق وغيرها أن محمدًا يقتل أصحابه(١). وليس من التدرج في شيء: الامتناع عن تطبيق ما قدرت عليه، أو ما ترتب عليه مفسدة أقل من المصلحة المترتبة على الفعل، فقد دل الشرع على إهدار بعض المفاسد، وعدم اعتبارها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [التوبة: ٢٨]. ونقل القرطبي الإجماع على أن اللوم (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ١٥٤/٦، رقم ٤٩٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، ١٩٩٨/٤، رقم ٢٥٨٤. وليس من التدرج في شيء: الوقوع في الحرام، أو التوسع فيه وتكثيره أو إقراره! قال ابن رجب: ((والتحقيق في هذا أن الله لا یکلّف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم، ورحمة لهم، وأما المناهي فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلّفهم تركها على كل حال، وأن ما أباح أن يتناول من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة، لا لأجل التلذذ والشهوة، ومن هنا يعلم صحة ما قاله الإمام أحمد: ((إن النهي أشد من الأمر))، وقد روي عن النبي -صلی الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - من حديث ثوبان وغيره أنه قال: (استقيموا ولن تحصوا)(٣) يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها)» (٤). والحاصل: أنه ينبغي الالتزام بهذه (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٨/٤. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٠/٣٧، رقم ٢٢٣٧٨، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء، ١٠١/١، رقم ٢٧٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢٢٥/١، رقم٩٥٢. (٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢٥٥/١. مَوَسُولَةُ الْنَفْسِيَةْ القرآن الكريم ٢٩٦ العلاج الضوابط عند الأخذ بالتدرج، وإلا تحوّل التدرج في تطبيق الشريعة إلى شعار يؤدي لتفريغ الشريعة من مضمونها. رابعًا: ما لا يجوز التدرج فيه: التدرج بصفته منهجًا ربانيًّا تشريعيًّا لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه، بدون ضوابط ولا قيود، بل لابد من معرفة ضوابطه، وما يجوز فيه التدرج وما لا يجوز، ومما لا يدخل فيه التدرج ما يلي: ١. أصول العقيدة. إن عقيدة المسلم تقوم على الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهي تتعلق بالفكر والقلب، وهي أمور نظرية، فلا تخضع للتدرج؛ لأنها جازمة باتة، ولا تقبل المساومة، ولا التجزؤ، ولا المهادنة في إعلانها رسميًّا، والنطق بها أمام العالم في الداخل والخارج، وهي في الغالب أمور فردية وشخصية، ولا علاقة لها بالتنظيم والتقنين والتشريع. وهذا منهج الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أول البعثة، وعند تبليغ الدعوة، وهو ما سار عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم(١). (١) انظر: التدرج في تطبيق الشريعة، الشريف ص٦٦، والتدرج في التشريع والتطبيق في الشريعة الإسلامية، الزحيلي ص ٩٨. ٢. التدرج في الشريع بعد وفاة النبي صلی الله عليه وسلم. إن الأحكام الشرعية الأساسية تثبت بالنصوص القاطعة، وتواتر النقل فيها تواترًا حقيقيًّا أو معنويًّا، واستقر العمل عليها بالقبول، وأصبحت مسلمات في الدین، فلا تحتاج إلى دليل كأركان الإسلام، وأصول المباحثات والعقود، وكبائر المنهيات والمحرمات، فهذه الأحكام لا تقبل التدرج أيضًا كأمور العقيدة؛ لأنها ثوابت الشرع التي يقوم عليها، وتحدد الإطار العام للشريعة، ومقاصد التشريع، وإن المساس بها يخل بالموازين والأسس التي يقوم عليها (٢) المجتمع(٢). فالأمور المحرمة قطعًا والثابتة في النصوص كالزنا والربا والخمر لا يمكن التدرج بها بإقرارها وإباحتها مبدئيًّا، ثم التدرج في إبطالها؛ لأنها تدخل ضمن المعلوم من الدين بالضرورة؛ لذلك يجب الإعلان عنها، والتصريح بتحريمها؛ ولكن یمکن التدرج في تعلیم الناس، فیسکت عن بعضها إلى حين تمكن الإيمان من القلب وتعلم الأهم فالمهم. (٢) التدرج في تطبيق الشريعة، الشريف ص ٦٨. www. modoee.com ٢٩٧ حرف التاء مقاصد التدرج شرع الله سبحانه وتعالى التدرج لحكم عظيمة، ومقاصد جليلة، منها: أولًا: تهيئة النفوس لتقبل التكاليف: سلك الشرع أسلوب التدرج؛ لترويض النفوس على تقبّل أحكام الله، فلم تفرض التكاليف كلها مرة واحدة، ولم تفرض بشکلها النهائي دفعة واحدة، بل تدرج بهم شيئًا فشيئًا. فمثلًا: نجد أن الصلاة شرعت في أول الأمر صلاتين فقط، صلاة في الغداة، وصلاة في العشي، واستمر المسلمون على ذلك في مكة حتى نهاية العام العاشر للبعثة، ووقع الإسراء والمعراج وفرض الله خمس صلوات على المسلمين، وكانت صلاة الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر، وزيدت في الحضر إلى أربع، کما سبق بيان ذلك. قال ابن القيم: ((كان فرض الصلاة أولًا ركعتين ركعتين؛ لما كانوا حديثي عهد بالإسلام، ولم یکونوا معتادین لها، ولا ألفتها طباعهم وعقولهم فرضت عليهم بوصف التخفيف، فلما ذالت بها جوارحهم، وطوّعت بها أنفسهم، واطمأنت إليها قلوبهم، وباشرت نعيمها لذتها وطيبها، وذاقت حلاوة عبودية الله فيها، ولذة مناجاته، زيدت ضعفها، وأقرّت في السفر على الفرض الأول؛ لحاجة المسافر إلى التخفيف، ولمشقة السفر علیه، فتأمل كيف جاء كل حكم في وقته مطابقًا للمصلحة والحكمة! شاهدًا لله بأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، الذي بهرت حكمته العقول و الألباب، وبدا على صفحاتها بأن ما خالفها هو الباطل، وأنها هي عين المصلحة والصواب))(١). وكانت الزكاة في أول الأمر اختيارية، وكان المسلم يخرج ما شاء صدقة لله تعالى؛ لقوله عز وجل: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. ثم فرضت الزكاة في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّإِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وكذلك الصيام لم يفرض جملة واحدة، وإنما شرع على التدرج، كان مفروضًا في يوم عاشوراء، وفي بعض الأيام المعدودات، حتی فرض الصيام شهرًا كاملًا في رمضان. قال ابن القيم في بيان الحكمة من ذلك: «لما كان - أي: الصوم- غير مألوف لهم ولا معتاد، والطباع تأباه إذ هو هجر مألوفها ومحبوبها ولم تذق بعد حلاوته وعواقبه المحمودة، وما في طيّه من المصالح والمنافع فخیّرت بینه وبین الإطعام، وندبت (١) مفتاح دار السعادة ٢٩/٢. ٢٩٨ جَوَسُولَةُ النفسية القرآن الكَرِيْمِ العلاج إليه، فلما عرفت علته -يعني: حكمته- ثانيًا: التمهل في استئصال العادات القبيحة المتأصلة في النفوس: وألفته، وعرفت ما ضمنه من المصالح والفوائد حتّم عليها عينًا، ولم يقبل منها سواه، فكان التخيير في وقته مصلحة، وتعيين الصوم في وقته مصلحة، فاقتضت الحكمة البالغة شرع کل حکم في وقته؛ لأن المصلحة فيه في ذلك الوقت))(١). وقال ابن حجر الهيتمي: ((وحكمته -أي: التدرج في الصوم- الرفق بالأمة؛ لأنهم لما لم يألفوا الصوم كان تعيينه عليهم ابتداء فيه مشقة، فخيّروا بينه وبين الفدية أولًا، ثم لما قوي يقينهم، واطمأنت نفوسهم حتّم عليهم الصوم وحده، ونظير ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أول ما بعث لم يكلّف الناس إلا بالتوحيد فقط، ثم استمر على ذلك مدة مديدة، ثم فرض عليهم من الصلاة ما ذكر في سورة المزمل، ثم نسخ ذلك كله بالصلوات الخمس، وكان كلما ازداد ظهورًا وتمكنا ازدادت الفرائض وتتابعت، کل ذلك لما قررته من الرفق والتدرج في المراتب حتی تؤخذ بحقها»(٢). (١) المصدر السابق ٢٩/٢. (٢) إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام ص ٧٨-٧٩. كان التدرّج في تحريم المحرّمات والعادات القبيحة لاسيما العادات المتوارثة على مرّ قرون طويلة مراعاةً لأحوال الناس، ورحمةً بهم، وتيسيرًا عليهم؛ إذ جاء الإسلام والعرب قد تأصّلت في نفوسهم غرائز ألفوها، ولا يسهل اقتلاعها مرة وحدة؛ فتدرج بهم التشريع في تحريمها على مراحل. وقد جاء الإسلام إلى مكة وكان أهلها قد استحکم فيهم عادات وأعراف، ولم یکن من السهل نهيهم عنها جملة؛ لذلك تدرج بهم حتی تخلّصوا منها. فمثلًا الخمور كانت منتشرة في المجتمع قبل بعثة النبي صلی الله عليه وسلم ، حتى صار شرب الخمر في البيئة العربية جزءًا من السلوك الاجتماعي الذي یفاخر به، ویتغنی به الشعراء. قال النعمان بن نضلة العدوي(٣): فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلّم فلم يكن من الحكمة تحريم الخمر مرة واحدة، إنما الأنفع والأصلح هو التدرج في (٣) البيت للنعمان بن نضلة العدوي، انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٥٧٢، نهاية الأرب ، النويري ٤ / ١٠٢. www. modoee.com ٢٩٩ حرف التاء التحريم، ومن ثمّ حرّمت الخمر على أربع وهذا الواقع إلى نور الإسلام بالأمر السهل، مراحل كما سبق ذكره. قال القفال: ((والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أنّ الله تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، و کان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق))(١). والمقصود أن بعض العادات السيئة التي إذا ألفها الإنسان، واعتاد عليها، واستحكمت في نفسه، لا يمكن تغيّرها إلا بنوع مخصوص من أنواع العلاج، وهو جعل الإنسان يتخلى عنها رويدًا رويدًا. فكان التدرج هو العلاج الناجع لهذه الأمراض، يقول الشيخ عبد القادر بن ملا العاني: ((وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بعث والعرب على عادات مستحكمة فيهم، منها ما هو صالح للبقاء، لا ضرر فيه على تکوینھا، ومنها ما هو ضار، يجب إبعادهم عنها، فاقتضت حكمته أن يتدرج في نهيهم عنها شيئًا فشيئًا))(٢). ثالثًا: تسهيل الانقياد للحق: لقد جاء القرآن في بيئة لا تعرف للحق نصرة، وتتخبط في ظلمات الضلال والفساد، ولم يكن إخراجهم من هذه الحياة (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٩٦. (٢) بيان المعاني، العاني ٢٠/١. فراعى التشريع الإسلامي ذلك، فنزلت التشريعات متدرجة حتى يسهل انقيادهم للحق، ويمتثلون الإسلام دينًا ودولة. يقول الأستاذ مصطفى شلبي: ((والحكمة في ذلك التدرج أن هذا النوع من التشريع یکون أقرب إلى القبول والامتثال، خصوصًا مع أولئك العرب الذين كانوا في إباحية مطلقة، تجعلهم ينفرون من التكليف بالجملة)»(٣). فإذا كان نزول التشريعات مدرّجة يسهل الانقياد والامتثال، فإن نزولها جملة ينفّر المجتمع، ولا ينقاد إلى هذه التشريعات الجديدة، يقول الإمام القرطبي: ((﴿وَنَزَّْتَهُ تَنْزِيلًا ﴾ [الإسراء: ١٠٦]. مبالغة وتأكيدًا بالمصدر للمعنى المتقدم، أي: أنزلناه نجمًا بعد نجم، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا)) (٤). لأنها تكلّفهم ما لا يستطيعون تحمله، وفي امتثالهم لها عنت ومشقة؛ لأن الإنسان إذا كان في حياة منحلّة عن التدين واعتادت نفسه عليها لا يستطيع أن يكلّف نفسه الخروج من هذه الحياة إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا، ويمتثل تشاریع أخرى جديدة بین یوم وليلة، وعدم استطاعته لها سببان: (٣) المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، مصطفی شلبي ص ٧٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٤٠. مُوسُوبَةُ الْنَفسِد القرآن الكريم ٣٠٠