Indexed OCR Text

Pages 21-40

التهمبية
والتيسير المذكور في كثير من الآيات، منها الأحداث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ
بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾
[الفرقان: ٣٣].
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ونزول القرآن الكريم منجمًا حوى عدة
حكم تربوية، ذكرها الله سبحانه في الآية
الكريمة. ومن هذه الحكم:
الحكمة الأولی: تثبيت فؤاد النبي صلى
الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ
لِيُغَيْتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.
قال القاسمي: ((أي: نقوّيه به على القيام
بأعباء الرسالة، والنهوض لنشر الحق بين
قادة الجهالة. فإن ما يتواتر إنزاله لذلك،
أبعث للهمة وأثبت للعزيمة وأنهض للدعوة،
من نزوله مرة واحدة))(١).
الحكمة الثانية: التدرج في تربية هذه
الأمة، وتستمد هذه الحكمة من قوله تعالى:
،حيث فسر ذلك سيد قطب
قلته ترتِيلًا
بقوله: ((الترتيل هنا هو: التتابع والتوالي،
وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك
القلوب وإستعدادها للتلقي)» (٢).
فلو جاءتهم جملة واحدة لثقلت عليهم؛
لأنه من العسير أن يتحول أمة بين ليلة
وضحاها إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا عن
التي إعتادوها.
(١) محاسن التأويل، ٧/ ٤٢٧.
(٢) في ظلال القرآن، ٥/ ٢٥٦٣.
والمتأمل للقرآن الكريم يجد جوانب من
التدرج، نذكر منها:
أولًا: التدرج في الحفظ والفهم.
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِنْعِنَ
رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْمِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾
[الجمعة: ٢].
ثانيًا: التدرج في انتزاع الفاسد وتثبيت
الصحيح من العقائد والعبادات.
ومن العادات التي علاجها بالقطع
الحاسم ما يلي:
* الشرك بكل عاداته وتصوراته من عبادة
للاوثان واجتماع حولها وأداء لمراسم
معينة من أجلها.
عادة وأدالبنات، لم یکن یمکن مهادنتها
وهي تقوم على أساس غير إيماني ولا
إنساني.
العادات النفسية من كذب وغيبة ونميمة
٥
وغمز ولمز و کېر وعنجهية .. إلخ، كان
لابد من مواجهتها مواجهة حاسمة(٣).
ثالثاً: التدرج في انتزاع المنكر من
الحكمة الثالثة: مراعاة مناسبات العادات والأخلاق وتثبيت المعروف.
(٣) انظر: منهج التربية الإسلامية، محمد قطب
١/ ٢٠١.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف التاء
يقول الدكتور محمد قطب في كتابه القيم
(منهج التربية الاسلامية):
((وقد بدأ الاسلام -وهو ينشأ في
الجاهلية- بإزالة العادات السيئة التي وجدها
سائدة في البيئة العربية، واتخذ لذلك إحدى
وسيلتين: إما القطع الحاسم، وإما التدرج
البطيء، حسب نوع العادة التي يعالجها،
وطريقة تمكنها في النفس))(١).
والقرآن الكريم زاخر بالأمثلة على الأخذ الكريم عالج كل جوانب الشخصية الإنسانية
بمبدأ التدرج، منها:
التدرج في تحريم الخمر، والتدرج
في تحريم الربا، والتدرج في تعليم الولد
الآداب الإجتماعية.
ثالثًا: الشمول والتكامل:
الشمول مصدر شمل، ومعناه العموم،
قال ابن فارس: ((شمل: شملهم الأمر
یشملهم، إذا عمهم»(٢).
والعموم والإتمام وعدم الاحتياج إلى
غيره، من أهم خصائص التربية في القرآن
الکریم.
فالشمول في التربية القرآنية تعني: أنها
تتناول كل جوانب الحياة، وتهتم بالإنسان
ککل، روحه وجسمه وعقله ونفسه. وأنها
تشمل كل الأزمنة والأمكنة. فالشمول في
التربية تعني:
(١) المصدر السابق.
(٢) مجمل اللغة، ١/ ٥١٢.
١. أنها تربية شاملة لجميع جوانب
الشخصية الإنسانية للمسلم (الجسم،
العقل، الروح).
قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ
ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
يقول الرازي: ((قوله ﴿مَافَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ
مِن شئر﴾ یجب أن یکون مخصوصًا ببيان
الأشياء التي يجب معرفتها))(٣). فالقرآن
فاهتم بالجسم ومتطلباته وبالروح وبالعقل.
وفي مبجث (مجالات التربية) فصلنا القول
في ذلك.
٢. إنها شاملة لجميع فئات المجتمع.
فلا تقتصر على فئة دون أخرى. فالقرآن
الكريم اهتم بالطفل كاهتمامه بالشاب،
واهتم كذلك بالشيوخ والعجائز. تربيته
شملت المرأة کالرجل. فحفاظا على سلامة
الأم أثناء الحمل، دعا لتحقيق حاجاتها
ومعاملتها بأحسن ما یمکن.
قال تعالى: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم
مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيْقُواْ عَلَتِنَّ وَإِن كُنَّ
أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ
[الطلاق: ٦].
٣. إنها تربية شاملة لكل الأزمنة والأمكنة.
فالقرآن الكريم ربى بتوجيهاته الجيل
الذي عاش في زمن النبوة وما بعدها،
(٣) مفاتيح الغيب، ١٢ / ٥٢٦.
٣٢٤
مَوَسُوبَةُ التَّفِيد
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

التعبير
ويربي كذلك الإنسان في عصرنا الحاضر
والمستقبل. وتنبع شمولية التربية القرآنية من
قدرة الواضع لها على إدراك ومعرفة صغائر
الأمور وكبائرها، فلم تتخلف قابلية المنهج
في التطبيق على زمان دون آخر.
والتربية القرآنية إلى جانب شمولها،
متكاملة.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي:
((فليست التربية مقصورة الغاية على جانب
واحد من جوانب الإنسان، التي يهتم بکل
واحدة منها أهلها والمختصون بها. إنها لا
تضع كل إهتماماتها في الناحية الروحية أو
الخلقية التي يهتم بها الفلاسفة والعقليون.
ولا تجعل أكبر همها في التدريب والجندية
التي يحرص عليها العسكريون. ولا تحصر
نشاطها في التربية الإجتماعية كما يصنع
المصلحون الإجتماعيون. إنها في الواقع
تهتم بكل هذه الجوانب وتحرص على كل
هذه الألوان من التربية)» (١).
والقرآن الكريم يؤكد على هذا التكامل
من خلال استنكاره على المنكرين له عدم
تدبر تشريعاته وأحكامه وأوامره. ولو تدبروه
لو جدوه متکاملا یکمل بعضه بعضًا.
قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَّ وَلَوْ كَانَ
مِنْ عِندٍ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ﴾
[النساء: ٨٢].
(١) التربية الإسلامية، ص ٣٢.
يقول سيد قطب: ((والتناسق المطلق
الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها
من يتدبر هذا القرآن أبدًا .. ومستوياتها
ومجالاتها، مما تختلف العقول والأجيال
في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل
يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته
وتقواه- ما يملك إدراكه، في محيط يتكيف
بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى.
ومن ثم فإن كل أحد، و كل جيل، مخاطب
بهذه الآية. ومستطيع - عند التدبر وفق منهج
مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة -ظاهرة
عدم الاختلاف، أو ظاهرة التناسق- ما تهيئه
له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه. وتلك
الطائفة في ذلك الجيل كانت تخاطب بشيء
تدركه، وتملك التحقق منه بإدراكها في
حدودها الخاصة))(٢).
رابعًا: الواقعية:
الواقعية تعني: «مراعاة الطاقة المتوسطة
المقدورة لجماهير الناس والإعتراف
بالضعف البشري، وبالدوافع البشرية،
وبالحاجات الإنسانية؛ نفسية أو مادية))(٣).
والمتأمل للتوجيهات التربوية للقرآن
يجد أنها توافق الفطرة وتنسجم مع الواقع؛
لأن الله تعالى هو صاحب القرآن وهو
(٢) في ظلال القرآن، ٢/ ٧٢١.
(٣) الوسطية في القرآن الكريم، علي الصلابي،
٣/ ٨٥.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف التاء
خالق الإنسان وهو أعلم بمطالبه وحاجاته
﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهَوْ
وطاقاته. قال تعالى:
اللَّطِيفُ الْخَيرُ﴾ [الملك: ١٤].
قال الطبري: ((﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ الرب جل
ثناؤه ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ من خلقه؟ يقول: كيف
يخفي عليه خلقه الذي خلق ﴿وَهُوَ اُللَّطِيفُ﴾
بعباده ﴿الخَيرُ﴾ بهم وبأعمالهم))(١).
وطاقة الإنسان محدودة، فلم يكلفه الله
سبحانه إلا في حدود طاقته. قال تعالى: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾
[التغابن: ٢٦].
والمتأمل في أوامر ونواهي وتوجيهات
القرآن الكريم يرى بوضوح هذه الخاصية.
والإنسان ضعيف بطبعه، والله عزوجل
يعرف ضعفه إزاء المغريات.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْغَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَاُلْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وللتغلب على هذا الضعف جعل
محفزات ومرغبات للعمل الصالح،
ومرهبات ومنفرات عن العمل السيء، وهو
ما يعرف بمبدأ (الثواب والعقاب).
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ
(١) جامع البيان، ٢٢/ ٥١١.
جَوَسُولَةُ التَّفْسِيْ
القرآن الكريم
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
يقول العلامة السعدي: ((أمرهم تعالى
بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي
عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها،
التي أعدها الله للمتقين، فهم أهلها وأعمال
التقوى هي الموصلة إليها، ثم وصف
المتقين وأعمالهم، فقال: ﴿أَلَّذِينَ يُفِقُونَ فِ
السَّرَآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
أي: في حال عسرهم ويسرهم، إن
أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم
يحتقروا من المعروف شيئًا ولو قل))(٢).
ومظاهر الواقعية في القرآن الكريم كثيرة،
منها: اليسر والتيسير، ورفع الحرج، وتحريم
الخبائث، وغيرها من الأمور (٣).
خامسًا: الوسطية:
التربية القرآنية تربية متوازنة، حيث
يتميز الإسلام بالوسطية، قال الله تعالى:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣].
((فالتربية الإسلامية توازن بين الأشياء،
وتميل إلى أن تكون هناك نقطة توازن بين
جوانب الحياة المختلفة، فهي توازن مثلًا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ١/ ١٤٨.
(٣) انظر: فصول في تدريس التربية الإسلامية،
حسن جعفر الخليفة و كمال الدين محمد
هاشم، ص ٧ -٨.
٣٢٦

التربية
بين النظرية والتطبيق في التربية، وبين الحياة
الدنيا والحياة الآخرة، كما توازن بين الحياة
المادية والحياة الروحية.
قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اَللَّهُ
التَّارَ الْآخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾
[القصص: ٧٧]))(١).
أولًا: المحافظة على الفطرة من
فالقرآن الكريم لا يرضى للمسلم أن الانحراف:
يهمل الحياة الدنيا بحجة العمل للأخرى.
قال العلامة الطاهر بن عاشور في تفسير
الآية: ((اطلب بكنوزك أسباب حصول
الثواب بالإنفاق منها في سبيل الله وما
أوجبه ورغب فيه من القربان ووجوه البر
ولا تنس نصيبك من الدنيا))(٢).
ما أجمل قول سيد قطب حين يقول:
((وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي
القويم، المنهج الذي يعلق قلب واجد المال
بالآخرة. ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من
المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا
ویکلفه إياه تکلیفا، کی لا يتزهد الزهد الذي
يهمل الحياة ويضعفها))(٣).
(١) فصول في تدريس التربية الإسلامية، حسن
جعفر الخليفة وكمال الدين محمد هاشم،
ص٧.
(٢) التحرير والتنوير، ٢٠/ ١٧٨.
(٣) في ظلال القرآن، ٥/ ٢٧١١.
مقاصد التربية في القرآن
التربية في القرآن الكريم تسعى إلى
تحقیق غایات ومصالح ومقاصد شتی، نذکر
فیما يلي أبرزها:
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّنِ حَنِيفًاً
فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ
لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّدُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه
أو ينصرانه أو يمجسانه)(٤).
وفي معنى الفطرة ذكر العلماء عدة
أقوال، منها:
١. إن فطرة الله هي ما ركز في الطفل من
قوة العقل.
٢. إن الفطرة هي الخلقة التي يخلق عليها
المولود من المعرفة بربه. وأنکر الذین
قالوا هذا القول أن يكون المولود يفطر
على كفر أو إيمان، وإنما يولد على
السلامة في الأغلب خلقًا وطبعًا ومنية
لیس فیها إیمان ولا کفر.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم ١٣٨٥،
عن أبي هريرة رضي الله عنه.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف التاء
٣. إن الفطرة هي الإسلام. قال ابن عبدالبر:
هو المعروف عند السلف. وأجمع أهل
العلم بالتأويل أن المراد بقوله تعالى:
﴿فِطَّرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
[الروم: ٣٠]: الإسلام. وقد أمر الله نبيه
بلزومها، فعلم أنها الإسلام.
٤. البداءة التي خلقهم عليها، أي: على
ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه
ابتدأهم للحياة والموت والسعادة
والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند
البلوغ.
٥. ما يقلب الله تعالى قلوب الخلق بما
يريد ويشاء، يقول عبدالله بن المبارك:
إن المراد أنه یولد علی ما یصیر إليه من
شقاوة أو سعادة. فمن علم الله أنه يصير
مسلمًا، ولد على الإسلام ومن علم الله
أنه یصیر کافرًا ولد على الكفر(١).
موقف التربية من الفطرة:
من معاني الفطرة الإسلام، وهو يحتاج
إلى تنمية ورعاية ومعرفة بأحكام الشريعة.
فوظيفة التربية تجاه الفطرة هي تنمية هذه
المعارف وتبصيره بأحكام الشريعة، حتى
تبقى الفطرة نقية بيضاء.
ومن معانيها السلامة من العيوب،
والتربية يبقى الطفل سليمًا من الإنحراف.
(١) انظر: نظرات في التربية الإسلامية، عز الدين
التميمي وبدر إسماعيل سمرين، ص٨٩.
واستخلص سيد قطب من الآية الكريمة
﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾
[الروم: ٣٠].
أن القرآن يربط بين فطرة النفس البشرية
وبين طبيعة الإسلام، وأن الله الذي خلق
القلب البشري هو الذي أنزل عليه هذا
الدين، ليحكمه ويصرفه ويطب له من
المرض ويقومه من الإنحراف، وهو أعلم
بمن خلق وهو اللطيف الخبير. والفطرة
لَا تَبْدِيلَ لِخَلَقِ اللَّهِ
ثابتة والدين ثابت
فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة لم بردها
إليها إلا هذا الدين المتناسق مع فطرة البشر
وفطرة الوجود (٢).
ثانيًا: تربية العقل على التدبر والتفكر:
في مطلب التربية العقلية من هذا البحث
ذكرنا اهتمام القرآن الكريم بالعقل وأهم
الوسائل التي يتبعها للارتقاء بالعقل البشري.
فقد شرف الله تعالى العقل بأن خاطبه
وجعله مناط التكليف، وحثه على البحث
والنظر والتفكير والتدبر، ووجه انتباهه إلى
خلق السماوات والأرض وما فيهما من
نجوم وأفلاك وبحار وأنهار وما فيهما من
عجائب المخلوقات، وسنن الكون وأنظمة
الوجود.
قال تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ
(٢) انظر: في ظلال القرآن، ٦/ ٤٥٤.
٣٢٨
موسوعة النفسيةِ الوضوء
القرآن الكريمِ

التنبية
وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْأَيَنتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْرٍ لَّا ويشير القرطبي إلى القراءات الواردة
في الآية، ((وقرأ عكرمة وعمروبن فائد
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
(والأرض) رفعًا ابتداء، وخبره ﴿يَمُرُّونَ
عَلَيْهَا﴾ وقرأ السدي (والأرض) نصبًا
بإضمار فعل، والوقف على هاتين القراءتين
على: السماوات وقرأ ابن مسعود: (يمشون
عليها)))(٣).
يقول أبو حيان الأندلسي في تفسيره لهذه
الآية: ((أمر تعالى بالفكر فيما أودعه تعالى في
السموات والأرض؛ إذ السبيل إلى معرفته
تعالى هو بالتفكر في مصنوعاته، ففي العالم
العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها
وأوضاعها والكواكب، وما يختص بذلك
من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي
في أحوال العناصر والمعادن والنبات
والحيوان، وخصوصًا حال الإنسان. و کثیرًا
ما ذکر الله تعالى في كتابه الحض على الفكر
في مخلوقاته تعالى وقال: ماذا في السموات
والأرض تنبيهًا على القاعدة الكلية، والعاقل
يتنبه لتفاصيلها وأقسامها)»(١).
فالعقل هو السبيل الذي يوصلنا إلى
وجود الله تعالى وإلى قدرته تعالى.
وقد ذم الله تعالى الذين لا يتفكرون
بقوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾
[يوسف: ١٠٥].
يقول أبو حيان: ((إنهم لفرط كفرهم
یمرون على الآيات التي تكون سببًا للإيمان
ولا تؤثر فيهم، وأن تلك الآيات هي في
العالم العلوي وفي العالم السفلي)»(٢).
(١) البحر المحيط، ٦ / ١٠٩.
(٢) المصدر السابق ٦ / ٣٩١.
تهدف التربية القرآنية إلى ترقية عقل
الإنسان من خلال تأهیله للإيمان بالله كما
تؤهله للبحث عن حقائق الأشياء ومعرفة
مكانه من هذا الكون، وترتفع به لإدراك
الحق.
ومن الأدلة على أن الهدف من التربية
القرآنية تربية العقل:
ما ورد في القرآن الكريم من آيات تعلي
من شأن العقلاء حين مدحت أولي الألباب،
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَئِمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَالنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
إن آيات القرآن تحمل بشدة على الذين
لا يرتقون بعقولهم و تفکیرهم، بل یبقون في
مراتب هابطة من التفكير، وقد وصفهم الله
تعالى بالأنعام.
إن الإيمان بالله ينبع من احترام العقل
وحب العلم وتحري الحقيقة: فالله سبحانه
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٩/ ٢٧٢.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف التاء
أعطى الإنسان أكبر منحة وأكبر ميزة ألا وهي ثالثًا: إعداد الإنسان الصالح:
العقل. بالعقل يصبح الإنسان إنسانًا(١).
وقد زخرت الآيات القرآنية ببيان إعمال
العقل في التفكير، لتعليمنا الدقة وكيفة
الاستنتاج والاستدلال والاستنباط، وهذه
العمليات العقلية معنية بتربية العقل والذهن،
فالقرآن يربي الإنسان على إعمال عقله في
التفكير في مخلوقات الله عزوجل، وذلك
لیعلمه الدقة و کیفیة الاستدلال والاستنتاج،
وهذا هو المعني في تربية العقل والذهن
ومطالبته بالتدبر والتفكير والاستنتاج
القياسي والاستقرار.
قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ
عَلَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[ محمد: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣].
((والقرآن يربي الفكر على عدم قبول
شيء بغير حجة أو برهان أو علم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِی
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدَى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ نَ ثَانِىَ
عِطْفِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ، فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ
وَنُذِيقُهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾[الحج:٨-
٩]»(٢).
(١) انظر: نظرات في التربية الاسلامية، عزالدين
التميمي وبدر اسماعيل سمرين، ص ٦٨.
(٢) التربية الإسلامية وأثرها في الفرد والمجتمع،
محمد خلف عساف، ص١٩٢.
تهدف التربية القرآنية إلى إعداد الإنسان
الصالح الفاضل ذي الخلق القويم والعزيمة
القوية، القادر على التلاؤم مع حياة المجتمع
الذي ينتمي إليه وممارسة دوره النافع فيه،
وهو الذي يكون بحق خليفة الله في هذه
الأرض؛ لذا ينبغي أن يكون هذا الإعداد
شاملًا لجوانب حياته كافة الخاصة والعامة
في الدنيا والآخرة.
يقول الله تعالى: ﴿وَأَبْتَغِ فِيمَآءَاتَنكَ
اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَّاً وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ﴾
[القصص: ٧٧](٣).
وهذا الإنسان كرمه الله تعالى وفضله
على غيره بقوله: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ
وَحَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلْطِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠]
وهذا الإنسان سخر الله له جميع
الكائنات.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا
فِ الْأَرْضِ جَميعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣].
والإنسان المفضل على غيره من
الكائنات، له دور مهم في الحياة، وإنه ذو
(٣) انظر: التربية وأساليبها في التشريع الإسلامي،
سناء هدلة، ص ٢٠٢٦.
٣٣٠
جَوَسُولَهُ النَّقية
القرآن الكريم

التربية
فطرة خيرة.
وقد دعا القرآن الكريم إلى المحافظة
على هذه الفطرة وتربيتها، وذلك من خلال:
تنمية جسمه وبدنه، من خلال التربية البدنية،
وتثقيف عقله وتسديد أفكاره من خلال
التربية العقلية، وتوجيه مستمر لأعماله في
الحياة، من خلال التربية الأخلاقية.
وقد حدد الله تعالى معيار الإنسان
الصالح في سورة العصر، وجمعه في نقاط
أربعة:
١. الإيمان.
٢. العمل الصالح.
٣. التواصي بالحق.
٤. التواصي بالصبر.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ
لَفِى خُسْرٍ ن إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ١- ٣].
من أساليب التربية في القرآن
أولًا: القدوة الحسنة:
المراد من القدوة كما يبينه إسماعيل
حقي: ((هي الحالة التي يكون الإنسان عليها
في اتباع غيره؛ إن حسنًا، وإن قبيحًا، وإن
سارًّا، وإن ضارًّا))(١).
فالقدوة من حيث هي متابعة من المقتدي
للمقتدى به في فعله، ويرادفها في المعنى:
الأسوة، والتقليد، والمحاكاة، والتشبه.
والقدوة هي أنجح الوسائل للتربية على
الإطلاق وأجداها وأنفعها: لأن من السهل
تأليف كتاب أو جملة من الكتب تضل
حبرًا على الورق، ما لم يترجم إلى أفعال
وتصرفات ومشاعر.
يقول الأديب المبدع مصطفى صادق
الرافعي: ((لو أقام الناس عشر سنين
يتناظرون في معنى الفضائل ووضعوا
في ذلك مائة كتاب ثم رأوا رجلًا فاضلاً
وخالطوه وصاحبوه لکان الرجل وحده أکبر
فائدة من كل المناظرة وأدل على الفضيلة
من ألف كتاب. ولهذا أرسل الله رسولًا مع
کل کتاب))(٢).
والقرآن الكريم أبدى اهتمامًا بالقدوة
الحسنة مبينًا تأثيرها في الإيمان، وأمر
(١) روح البيان، ٩/ ٣٨٥.
(٢) وحي القلم، ٣/ ٣٨.
www. modoee.com
٣٣١

حرف التاء
المسلمين بالتأسي برسول الله صلى الله وأدابه وتشريعاته، ولما فيه من أسس تربوية
إسلامية وأساليب تربوية قرآنية)»(٢).
علیه وسلم بقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِی
رَسُولٍ اَللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ
اُلْآَخِرَ وَذَّكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
قال البيضاوي: ((قد كان لكم في رسول
اللّه أسوةٌ حسنةٌ خصلة حسنة من حقها أن
يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة
الشدائد، أو هو في نفسه قدوة یحسن التأسي
به كقولك في البيضة عشرون منَّا حدیدًا،
أي: هي في نفسها هذا القدر من الحديد،
وقرأ عاصم بضم الهمزة، وهو لغة فیه))(١).
ويتجلى هذا الأسلوب في القرآن
الكريم بإبراز النماذج الحسنة في التأريخ
لكي يقتدي بهم المؤمنون، وكذلك تسليط
الضوء على النماذج السيئة من أفراد
وجماعات للتحذير منهم ومن أفعالهم.
وهذه القدوة ليست محصورة في زمن
النبوة، بل هي باقية ما بقيت السماوات
والأرض، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْ سَلْنَكَ إِلَّا
رَحْمَةٌ لِّلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
((إن شخصية الرسول هي القدوة الحسنة
الدائمة المتجددة على مر الأجيال والعصور.
تظل حيويتها دافعة شاخصة ولا تتحول إلى
خيال مجرد. حقًّا كان رسول الله بشخصيته
وشمائله وسلوكه وتعامله مع الناس ترجمة
عملية بشرية حية لحقائق القرآن وتعاليمه
(١) أنوار التنزيل، ٤ / ٢٢٨.
مُوتُوالَهُ النَّفْسِدُه
القرآن الكريم
ثانيًا: الحوار:
الحوار هو مبادلة الكلام بين شخصين أو
أکثر في صورة سؤال وجواب أو غيره، دون
وجود دليل على خصومة بينهما.
وهناك مصطلحات قريبة من معنى
الحوار مثل: الجدل والجدال والمجادلة.
وفي معنى هذه المصطلحات.
يقول النووي: ((الجدل والجدال
والمجادلة مقابلة الحجة بالحجة، وتكون
بحق وباطل، وأصله الخصومة الشديدة،
ويسمى جدلًا؛ لأن كل واحد يحكم
خصومته وحجته إحكامًا بليغًا على قدر
طاقته تشبها بجدل الحبل، وهو إحكام
فتله))(٣).
ولكن يبدو أن هناك فروقًا بين هذه
المصطلحات، فالجدال يفيد معنى الصراع،
لكن الحوار تتسع للصراع ولغيره (٤).
الحوار أوسع مدلولاً من الجدال الذي
يفيد معنى الصراع بينما تتسع كلمة الحوار
للصراع ولغيره مما يراد منه إيضاح الفكرة.
فحيثما وجد الجدال وجد الحوار، وليس
(٢) منهج القرآن الكريم في تربية الإنسان، رؤية
منظومية، مصطفى محمود حوامدة، ص ٦٩.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات، ٣/ ٤٥.
(٤) انظر: منهجية الحوار في القرآن الكريم،
محمد عبداللطيف ص ١٨٤.
٣٣٢

التنبية
كلما وجد الحوار وجد الجدال، لأن التشريع الحكيم لحل هذه القضية. وعبر-
سبحانه- بصيغة المضارع، لزيادة التنويه
الجدال ومعه المحاجة يعطيان الحوار قوة
العناد للفكرة والإصرار عليها.
بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورته في
ذهن السامع، ليزداد عظةً واعتبارًا))(١).
وقد وردت مادة حوار في ثلاثة مواضع:
قال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ نَّمَرٌ فَقَالَ لِصَحِهِ.
وَهُوَ يُحَاوِرُ أَنْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾
[الكهف: ٣٤].
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ مُحَاوِرُهُ
أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ
سَوََّكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧].
والحوار هنا وما قبله، يدور بين
صاحبين: أحدهما: غني طاغ، والآخر: فقير
صابر مؤمن.
قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ أَلَّتِى تُجَدِلُكَ
فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِوَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
يقول شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي
حول تفسير هذه الآية: ((وقوله- سبحانه -:
حالية،
﴿وَاللّهُ يَسْعُ تَّاوُركُمَا﴾ جملة
والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين.
يقال: حاور فلان فلانا في الكلام إذا راجعه
فيما يقوله، أي: والحال أن اللّه تعالى يسمع
ما يدور بينك- أيها الرسول الكريم- وبين
تلك المرأة، من مراجعة في الكلام،ومن
أخذ ورد في شأن قضيتها، والمقصود بذلك:
بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور، والتنويه
بأهميته، وأنه تعالی قد تکرم وتفضل بإيجاد
والقرآن الكريم استخدم في آياته
ولأغراض تربوية عدة أسلوب الحوار
والجدال، منها: تنبيه الغافل أو إرشاد
لمسترشد، أو إفحام لمعاند .
وفي القرآن الكريم كثير من نماذج
الحوار في قصص الأنبياء مع أقوامهم،
وقصص الأقوام السابقين، والحوار بين الله
سبحانه وإبليس، والحوار مع الملائكة حول
خلق آدم والسجود له، وكل ذلك يدلنا على
أهمية الحوار واستخدامه في الحياة.
ثالثًا: القصص:
اهتم القرآن الكريم بالقصة، ونظرًا للأثر
الكبير للقصة على أفهام سامعیھا، و کونها
وسيلة ناجحة وتربوية، وللميل الفطري
للقصة لما لها من تأثير كبير، وذكرها
بأسالیب متنوعة مستخدمًا كل أنواعها.
يقول محمد قطب: ((يدرك الاسلام
الميل الفطري إلى القصة ويدرك ما لها من
تأثير ساحر على القلوب فيستغلها لتكون
وسيلة من وسائل التربية والتقويم .. وهو
يستخدم كل أنواع القصة)»(٢).
(١) الوسيط ١٤/ ٢٤٥.
(٢) منهج التربية الإسلامية، ١/ ١٩٣.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف التاء
وكون القرآن الكريم كتاب هداية،
فقد استخدم أسلوب القصة لهداية الناس
وتحذيرهم وتنبيههم من الغفلة ومن
مخاطر الدنيا وويلاتها ومصائبها. وأغلب
القصص القرآنية من حوادث الغيب المتعلق
بالماضي، والمؤمن عليه الإيمان بالغيب.
فالقصة تربينا على الإيمان بها. قال تعالى
معلقًا على قصة كفالة زكريا لمريم: ﴿ ذَلِكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
قال الرازي: ((كان معلومًا عندهم
علمًا يقينيًّا أنه ليس من أهل السماع
والقراءة، وکانوا منکرین للوحي، فلم يبق
إلا المشاهدة، وهي وإن كانت في غاية
الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم
بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع
ولا قراءة، ونظيره ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ
قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾
[القصص: ٤٤].
﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ اَلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ
رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَهُم
مِّن تَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[القصص: ٤٦].
﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا
كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَقْرَهُمْ وَهُمْ يَّكُرُونَ﴾
[يوسف: ١٠٢].
وَتِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرّإِنَ
اٌلْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]))(١).
وقد أبرز القرآن الكريم أهمية القصص
الإيجابية، وتأثيرها النفسي والأخلاقي في
التربية وتهذيب النفس البشرية.
قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ
وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ﴾
[يوسف: ٣].
فقد سمى الله سبحانه قصة يوسف
بأحسن القصص لما اشتملت عليه من
مواعظ ودروس وعبر في كيفية التعامل
الأب مع الأولاد، ومواجهة النفس
والشيطان وغيره من العبر.
يقول السعدي: ((﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ
أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وذلك لصدقها وسلاسة
عبارتها ورونق معانيها، ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ
هَذَا الْقُرْءَانَ ﴾ أي: بما اشتمل عليه هذا
القرآن الذي أوحيناه إليك، وفضلناك به
على سائر الأنبياء، وذاك محض منة من الله
وإحسان))(٢).
والقرآن مليء بالقصص الهادفة كقصة
يوسف ونوح وإبراهيم وأصحاب الكهف
ومريم وغيرها. وقد ركزت القصة في القرآن
(١) مفاتيح الغيب، ٨/ ٢١٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ١/ ٣٩٣.
٣٣٤
مَوَسُوبَةُ التَّقِبـ
القرآن الكريم

التربية
الكريم على الجوانب الروحية والخلقية يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
التي تعمل على تزكية الروح والنفس، وترقية
الوجدان وترسيخ الفضائل، وهي تهدف
أيضا إلى تثبيت الفؤاد والتفكر والإعتبار (١).
يقول الشيخ محمد عبدة: ((إن قصص
الأنبياء والأمم الواردة في القرآن الكريم لم
يقصد بها سرد الوقائع مرتبة حسب أزمنتها،
وإنما المراد بها: الاعتبار والعظة ببيان النعم
متصلة بأسبابها لتطلب لها وبيان النقم
بعللها لتتقي من وجهتها، ومتى ما كان هذا
هو الغرض من السياق، فالواجب أن يكون
ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي
يكون أبلغ في التربية وأدعى إلى التأثير))(٢).
رابعًا: الترغيب والترهيب:
آيات الترغيب والترهيب في القرآن
الکریم أكثر من أن تحصى.
فقد استخدم القرآن الكريم لكل عمل
صالح ترغيبًا فيه بیان ثوابه، وعلى فعل کل
سیئة ترهییًا یتضمن بيان عقابه، سواء كان
العقاب في الدنيا أو في الآخرة.
ففي الترغيب في العمل الصالح، قال
تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
(١) انظر: فصول في تدريس التربية الإسلامية.
حسن جعفر الخليفة وكمال الدين محمد
هاشم، ص ٣١.
(٢) طرق تعليم التربية الإسلامية، محمد
عبدالقادر أحمد، ص ٦٢ - ٦٣.
ما أجمل قول سيد قطب في تفسير الآية
حين يقول: ((وبمناسبة الحساب والجزاء
قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من
الرحمة في حساب عباده، فجعل لمن جاء
بالحسنة وهو مؤمن- فليس مع الكفر من
حسنة !- فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة
فلا يجزى إلا مثلها، لا يظلم ربك أحداً ولا
يبخسه حقه»(٣).
وفي الترهيب من ترك الصلاة، قال
تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ ا الَّذِينَ هُمْ عَنْ
صَلَاتِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ )
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: ١ -٧].
قال سيد قطب: ((إنه دعاء أو وعيد
بالهلاك للمصلين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ
سَاهُونَ ﴾﴾، فمن هم هؤلاء الذين هم عن
صلاتهم ساهون!
إنهم ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ١) وَيَمْنَعُونَ
الْمَاعُونَ﴾.
إنهم أولئك الذين يصلون، ولكنهم لا
يقيمون الصلاة.
الذين يؤدون حركات الصلاة، وينطقون
بأدعیتھا، ولکن قلوبهم لا تعیش معها، ولا
تعيش بها، وأرواحهم لا تستحضر حقيقة
الصلاة وحقيقة ما فيها من قراءات ودعوات
وتسبيحات. إنهم يصلون رياء للناس
(٣) في ظلال القرآن، ٣/ ١٢٤٠.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف التاء
لا إخلاصًا لله. ومن ثم هم ساهون عن ذكر مسائل صعبة الإدراك على الناس،
صلاتهم وهم يؤدونها)) (١).
خامسًا: ضرب الأمثال:
ضرب المثل من الأساليب التربوية
الناجحة، فهو ((يعتمد على تصوير المعاني
وتحليلها بضرب الأمثلة والتشبيهات، وهذا
الأسلوب له دور في التربية أبلغ أثرًا من
مجرد التلقين المباشر، لأنه يثير عواطف
المتلقي ويحرك مشاعره، ويجسد المعاني
مما يجعله تسهل في الفهم وترسخ في
الذهن)) (٢)
وقد أطلق علماء البلاغة على الأمثال
بالمصطلح القرآني عبارة (التشبيه التمثيلي).
يقول محمد أبو زهرة: ((يعرف علماء
البلاغة التشبيه التمثيلي بأنه جعل أحد
الشيئين في مقام الشيء الآخر لأمر مشترك
بينهما، والأمثال القرآنية باب من أبواب
التشبيه التمثيلي، وقد جعلها الله من ينابيع
الاستدلال في القرآن»(٣).
الأغراض التربوية للأمثال في القرآن
الكريم:
١. استخدام الأمثال لتقريب المعاني.
نزل القرآن الكريم بلغة العرب، ولكن
(١) المصدر السابق ٦/ ٣٩٨٥.
(٢) فصول في تدريس التربية الإسلامية، حسن
جعفر خليفة وكمال الدين محمد هاشم،
ص٢٧.
(٣) القرآن المعجزة الكبرى، ص ٢٦٠.
فاحتاج إلى التوضيح لتقريب هذه المعاني
إلى أذهان الناس. يقول الباحث يزيد
الحمزاوي: ((كانت أغلب الأمثال القرانية
في العقائد والإيمانيات، أما المعاملات
والسلوكيات فقد كثرت أمثالها في السنة
النبوية، فالأمثال تلعب دورًا هامًا في تحويل
الغيبيات إلى مشاهد حاضرة أمام العيان،
حتى لا يشرد الخيال بعيدًا في إدراك الحقائق
كما هي»(٤).
٢. ضرب المثل لإقناع المخاطب واستثارة
تفكيره.
القرآن الكريم كتاب هداية للناس، عندما
يريد استثارة التفكير للتأمل يستخدم لذلك
الأمثال، ((فالأمثال ساقها الله في القرآن
للناس لتكشف الغامض أمامهم وتقنعهم
بما يساق لهم من الدليل الواضح الناتج عن
الموازنة الحسية، أو المعنوية الدقيقة التي لا
تدع مجالا للشك»(٥).
ومن خلال التفكر في معنى المثل
يصل الإنسان إلى معرفة الله بمعرفة آثاره
الدالة عليه، فالعقلاء العالمون هم الذين
يصلون ببصيرتهم إلى هذه المعرفة، عندئذ
يخشونه حق خشيته ويتعظون بالحوادث
(٤) المدولات التربوية للأمثال القرآنية، ص ٤٥-
٤٦.
(٥) الأمثال في القرآن الكريم خصائصها التربوية
وسماتها التربوية، سامي عطا حسن، ص ١٨.
٣٣٦
صَوَسُو ◌َ النَّفِي
القرآن الكريم

التربية
والأمثال وينتفعون بما فيها من عبر وأحكام، يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾﴾ [البقرة: ٢٦١].
قال تعالى: ﴿وَتَلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤٣].
ومن الأمثلة عليه قوله تعالى: ﴿أُوَمَنكَانَ
مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ، فِي
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ اَلْقُلْلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
[الأنعام: ١٢٢].
والنسيان من طبيعة الإنسان، والمثل
يعمل على ترسيخ الأفكار في الذاكرة
وصعوبة نسيانها. قال تعالى: ﴿مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ
ڪَاْلْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعُّ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ [هود:٢٤].
٣. ضرب المثل للترغيب والترهيب.
المتأمل لآيات الترغيب والترهيب يجد
في بعضها ضربًا للأمثال، وذلك لكي يتأكد
وقوعه في القلب.
يقول الشيخ مناع القطان: ((يضرب المثل
في الترغيب في الممثل، حيث يكون الممثل
به مما ترغب فيه النفوس، ويضرب المثل
للتنفير أو الترهيب ويكون الممثل به مما
تكرهه النفوس»(١).
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُّونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْتَةُ حَّةٌ وَاللَّهُ
(١) مباحث في علوم القرآن، ص٢٨٨.
٤. ضرب المثل لإبراز النموذج للإعتبار أو
لإبراز القدوة.
استخدم معنى المثل لغرض إبراز نموذج
ما، للاقتداء به أو للنفور منه في عدة آیات
من القرآن الكريم:
﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
قال تعالى:
كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا
رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَّبَعُوا
الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَبَعُواْ الْحَقَّ مِن نَِّهِمْ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾ [محمد: ٣].
يقول سيد قطب: ((وكذلك يضع لهم
القواعد التي يقيسون إليها أنفسهم وأعمالهم.
فيعلمون المثل الذي ينتمون إليه ويقاسون
عليه. ولا يحتارون في الوزن والقياس! ذلك
الأصل الذي قررته الآية الأولى في السورة،
يرتب عليه توجيه المؤمنين لقتال الكافرين.
فهم على الحق الثابت الذي ينبغي أن يتقرر
في الأرض، ويستعلي ويهيمن على أقدار
الناس والحياة ليصل الناس بالحق وليقيم
الحياة على أساسه. والذين كفروا على
الباطل الذي ينبغي أن يبطل وتذهب آثاره
من الحياة)»(٢).
(٢) في ظلال القرآن، ٦/ ٣٢٨١.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف التاء
مما سبق عرفنا مدلول المثل وأهميته
وتوظيف القرآن الكريم له بأساليب شتى
لخدمة أغراض تربوية.
سادسًا: العبر والمواعظ:
اهتم القرآن الكريم بأسلوب الموعظة
كعامل محفز وباعث على أعمال الخير:
يقول الدكتور عبدالله ناصح علوان عن
هذا الأسلوب: ((من أهم الأساليب التي
يسلكها القرآن الكريم في نصائحه ومواعظه،
وهي أساليب متنوعة لها إيحاءاتها المؤثرة
وحساسياتها البالغة واهتزازاتها الضاربة
على أوتار القلوب))(١). وقد راعى القرآن
الكريم في أسلوب الموعظة، عدة أمور منها:
١. أن تكون النصيحة بالسر؛ لأن تأثر
الكلام والنصيحة بالسر أبلغ وأقوى.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ
اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا
بَلِيفًا﴾ [النساء: ٦٣].
٢. أن تكون النصيحة بأحسن ما يمكن
متخيرًا أحسن الألفاظ. قال تعالى:
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْنَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
٣. أن يكون الناصح من العاملين بالنصيحة
قبل أن ينصح به غيره. يقول تعالى
مذممًا أشخاصًا يقولون ما لا يفعلون:
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[البقرة : ٤٤].
(١) تربية الأولاد في الإسلام، ٢/ ٣.
مُوسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٣٣٨

التعبير
التربية بين القرآن والمناهج البشرية
بعد أن سلطنا الضوء على التربية القرآنية
وعرفنا خصائصها ووسائلها، استكمالًا
للفائدة نبحث عن نقاط الاختلاف والاتفاق
بينها وبين التربية في المناهج البشرية قديمها
وحديثها، وذلك من حيث النقاط التالية:
١. المصدر.
فالتربية القرآنية مصدرها الله تعالى خالق
الکون وخالق الإنسان، فهي بذلك مبرأة من
كل عيب ونقصان يعتري المناهج التربوية
البشرية. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيُ﴾
[الملك: ١٤].
٢. المبادئ العامة.
يتجلى المبدأ الواضح للتربية في القرآن
في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
فالتربية القرآنية تعرف الإنسان بخالقه
وتنظم العلاقة بينهما على أساس من ربانية
الخالق وعبودية المخلوق. بينما التربيات
والأفكار الأخرى تتخبط في أفكارها:
((مبدأ الفلسفة الطبيعية هو أن الطبيعة
الذاتية هي التي ترعى وتهذب السلوك
للأفراد، أما المثالية فأمنت بوجود أفكار
عامة ثابتة مطلقة مستقلة من عالم الخبرات
اليومية ومقرها العالم المثالي، والحقيقة
النهائية توجد في عالم الأفكار أو عالم
الحقيقة المطلقة، ومبدأ الواقعية هو أن
الواقع يشمل الحقائق جميعها وهو عالم
مستقر وثابت، في حين نظرت البراجماتية
إلى أن العالم نسبي غير ثابت وفي حالة
تغيير مستمر)) (١).
٣. النظرة إلى التربية.
تربية القرآن الكريم للإنسان تربية شاملة
لروحه وعقله و جسده ونفسه، بحیث تخلق
التوازن المسمى بالتكامل، بخلاف التربيات
الأخرى:
تقول الدكتورة ليلى البيومي: ((فالتربية
اليونانية مثلًا قد اهتمت اهتمامًا بالغًا
بالجانب العقلي للإنسان في الوقت الذي
أهملت فيه بقية الجوانب الأخرى، في حين
أن التربية الرومانية ركزت اهتمامها على
الجانب الجسمي مقابل إهمال غيره من
الجوانب. أما التربية المسيحية فقد عنيت
کثیرًا بالجانب الروحي للإنسان علی حساب
غيره من الجوانب الأخرى، وهكذا))(٢).
فالتربية التي ركزت على القوة والجسم
(١) التربية من وجهة نظر الفلسفات الفكرية
والتربية الإسلامية، المعتصم بالله الجوارنة،
بحث منشور في موقع تربيتنا بتأريخ
١٤٣١/١/١٤ هـ
(٢) نموذج التميز بين التربية الإسلامية والغربية،
ليلى البيومي، مقال منشور على موقع المسلم
بتأريخ ٧/٢٠/ ١٤٢٧هـ.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف التاء
وحدها، ولم توازن بين طاقة الجسم وطاقة والترغيب والترهيب. وهو ما يميز
العقل وطاقة الروح، كانت وبالًا على قومها التربية القرآنية عن غيرها من التربيات.
وشرًّا أصاب غيرها (١).
٤. النظرة إلى القيم.
المقصود بالقيم والمباديء الإسلامية:
((توجيهات الإسلام في مختلف شؤون
الحياة، والتي تقوم أساسًا على التعامل
مع الفرد والجماعة والجماد والحيوان.
فمن ذلك: الإخلاص والإتقان في
العمل، الصدق، الأمانة، الشفقة، الرحمة،
الرفق))(٢). فالقيم القرآنية لا تتغير بتغير
الزمان والمكان: فقيم الصدق والأمانة
والوفاء ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.
بينما ترى الفلسفة الطبيعية أن القيم
متغيرة، والفلسفة المثالية ترى أن القيم لا
تتغير، والفلسفة البراجماتية ترى أن قيم
الحق تتغير بتغير الزمان والمكان (٣).
٥. أساليب التربية.
رأينا في مبحث أساليب التربية في
القرآن تنوعًا وتجددًا في الأساليب من
التربية بالقدوة إلى أسلوب القصة والعظة
(١) انظر: تربية المسلم في عالم معاصر، يوسف
عبدالمعطي، ص ٤١.
(٢) التوجيه الإسلامي لأصول التربية،
عبدالرحمن الحازمي، ص ٢٠٤.
(٣) انظر: التربية من وجهة نظر الفلسفات الفكرية
والتربية الإسلامية، المعتصم بالله الجوارنة،
بحث منشور في موقع تربيتنا بتأريخ
١٤٣١/١/١٤ هـ.
فالأساليب والوسائل التربوية التي أشار إليها
القرآن الكريم متعددة ومتنوعة وترك اختيار
الأسلوب المناسب لتنفيذها لحكمة المربي
وخبرته بما يتوافق والحالة التي يتعامل معها
والبيئة المحيطة به والظروف المتغيرة على
مر الزمن ووفق قواعد وأسس تقوم على
ركائز (العقيدة - العبادات - الأخلاق) (٤).
٦. الهدف من التربية.
التربية القرآنية تدعو الإنسان إلى أن
يرتبط بخالقه وتسلك سلوكًا يتفق مع
عقيدة الإسلام، وهذا معناه اشتمال التربية
على العملية التربوية والتعليمية معًا، سواء
في البيت أو المدرسة أو المجتمع. ولكن
المناهج التربوية الأخرى تفصل بين التربية
والتعليم.
تتميز التربية القرآنية عن غيرها في أنها:
«تسعى إلى ايجاد الإنسان الصالح بكل ما
تحمله هذه الكلمة من المعاني الإنسانية،
فهي تنمي في الإنسان المسلم حسن التعامل
مع كل الناس على اختلاف أجناسهم
وألوانهم وأوطانهم على أنهم بشر خلقهم
الله عزوجل، وأن مقياس التفاضل بينهم ما
قرره الله عزوجل في كتابه العزيز ﴿يَأَيُها
(٤) انظر: إعداد الإنسان الصالح في ضوء التربية
القرآنیة، داود درویش حلّس، ص ٢٦.
مُوسُ حَر النفسية الوضوء
القرآن الكريم
٣٤٠

التربية
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْقَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]))(١).
فالهدف من التربية في المناهج البشرية
هو إعداد المواطن الصالح، أي: الصالح
لوطنه ولمجتمعه فقط، وليس صالحًا
للمجتمعات الأخرى، بينما يهدف منهج
القرآن الكريم إلى إعداد الإنسان الصالح.
وفي مبحث الغاية من التربية، تكلمنا عن
الإنسان الصالح واهتمام القرآن الكريم
بتربيته.
موضوعات ذات صلة:
التربية، الدعوة، الترهيب، النصيحة
(١) الخلاصة في أصول التربية الإسلامية، علي
بن نايف الشحود، ص ٢٣ -٢٤.
www. modoee.com
٣٤١