Indexed OCR Text
Pages 41-60
البيوت
عنه وترك مصاحبته؛ لأن الله سبحانه
وتعالى منع المنافقين من الخروج مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد،
وهو مشعر بإظهار نفاقهم وذمهم وطردهم
وإبعادهم؛ لما علم من مکرهم وخداعهم إذا
خرجوا إلى الغزوات (١).
ثالثًا: السفر:
في السفر ترك للبيوت، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
ضَُّمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ
الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَغْيِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ
كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا
[النساء: ١٠١].
١٠١
والضرب في الأرض هو السفر، قال الله
تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٌّ وَءَاخَرُونَ
يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ
يُقَيِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠](٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ
نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ أي: تخففوا فيها إما من
كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه
الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على
قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في
ذلك، فمن قائل: لا بد أن يكون سفر طاعة
من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم،
أو زيارة، وغير ذلك، کما هو مروي عن ابن
عمر وعطاء ويحيى عن مالك في رواية عنه
نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنَّ خِقْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ
(١) لباب التأويل، الخازن ٣٩١/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير١/ ٥٤٢.
كَفَرُوا﴾.
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا
بد أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ
فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار
بشرط أن لا یکون عاصیًا بسفره، وهذا قول
الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة (٣).
وهناك أسفار فيها ترك البيوت ابتغاء
مرضات الله تعالی یمکن ذكرها بإيجاز فيما
يأتي:
أولًا: سفر العلم، وهو مشهور لدى
العلماء؛ لأن طلب العلم فريضة على كل
مسلم ومسلمة (٤).
ثانيًا: سفر الحج والعمرة، وسفر الحج
واجب على المستطيع، وهو من فروض
العين (٥)، وسفر العمرة مندوب (٦).
ثالثًا: سفر الكسب والمعاش: فقد يتعذر
على الرجل معاشه مع الإقامة، فيخرج في
طلبه لا يزيد عليه، ولا ينقص من صيد أو
احتطاب أو احتشاش أو استئجار، وهو
فرض عليه (٧)، وهو جائز إذا أراد التوسع
(٣) المصدر السابق ٣٤٨/٢.
(٤) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١٣، بيان
المعاني، عبد القادر العاني ٤ / ٥٠٠.
(٥) بيان المعاني، عبد القادر العاني ٤ /٥٠٠.
(٦) أحكام القرآن، ابن العربي ١ / ٦١٣.
(٧) المصدر السابق ١/ ٦١٣.
www. modoee.com
١٠١
حرف الباء
بأكثر مما هو فيه، وواجب إذا كان محتاجًا أحببته فيه)(٥)(٦).
له لنفسه أو لمن يعوله(١).
رابعًا: سفر التجارة والكسب الزائد
على القوت، وذلك جائز بفضل الله
سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن
زَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. أي: التجارة
في البيع والشراء(٢)، يعني التجارة، وهي
نعمة من الله بها في سفر الحج، فكيف إذا
انفردت (٣).
خامسًا: سفر الزيارة: وسفر الزيارة إما
یکون للإخوان في الله(٤).
ومن الترغيب فيه روى أبو هريرة رضي
الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن
رجلًا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله
له، علی مدرجته، ملگًا فلما أتی علیه، قال:
أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية،
قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا،
غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني
رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما
(١) بيان المعاني، عبد القادر العاني ٤ / ٥٠٠.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٦٥/٤.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥١/٥.
وانظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١/ ٣٧٤.
(٤) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١٣.
ومنه قصد البقاع الكريمة، وهو مطلوب
لثلاث أمكان، لما رواه أبو هريرة رضي الله
عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (لا
تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه
وسلم، ومسجد الأقصى)(٧) (٨).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب في فضل الحب في الله،
رقم ٢٥٦٧، ١٩٨٨/٤.
(٦) بيان المعاني، عبد القادر العاني ٤/ ٥٠٠.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة،
رقم ١١٨٩، ٦٠/٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد، رقم ١٠١٤/٢،١٣٩٧.
(٨) بيان المعاني، عبد القادر العاني ٤ / ٥٠٠.
وانظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١٢.
مُوسُو ◌َة النَِّي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٠٢
البيوت
آداب دخول البيوت
هناك آداب لدخول البيوت سواء أكانت
بيوت الله تعالى، أو بيوت النبي صلى الله
عليه وسلم أو بيوت سائر المخلوقات من
الإنس والجن، كما سيأتي توضيح ذلك في
المطالب الآتية:
أولًا: آداب بيوت الله تعالى:
١. يستحب لدخول بيوت الله تعالى
الطهارة، وأخذ الزينة عند كل مسجد.
قال تعالى: ﴿يَبَفِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ
كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ
الْمُسَّرِفِينَ
﴾ [الأعراف: ٣١](١).
٣١
قال الزمخشري: ((﴿خُذُواْ زِينَتَمْ﴾ أي:
ريشكم ولباس زينتكم عند كل مسجد،
كلما صليتم أو طفتم، وكانوا يطوفون عراة،
وعن طاوس: لم یأمرهم بالحریر والديباج،
وإنما كان أحدکم یطوف عریانًا ويدع ثيابه
وراء المسجد، وإن طاف وهي علیه، ضرب
وانتزعت عنه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في
ثياب أذنبنا فيها))(٢).
وقال أبو حيان: ((والذي يظهر أن الزينة
هو ما يتجمل به ويتزين عند الصلاة، ولا
يدخل فيه ما يستر العورة؛ لأن ذلك مأمور
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٩/١٤.
(٢) الكشاف ٢/ ١٠٠.
به مطلقًا))(٣).
أما الطهارة: فإنها من آداب دخول بيوت
الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر
في بیته، ثم مشی إلی بيت من بيوت الله
ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت
خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع
درجة) (٤)، ما لم يكن الدخول للصلاة أو
الطواف بالبيت الحرام، فإنها تكون واجبة.
٢. التيمن في دخول المسجد.
من آداب دخول بيوت الله تعالى أن
يدخل على السنة الواردة في دخولها، فقد
أخرج البخاري في ذلك قوله: ((وكان ابن
عمر رضي الله عنه - عند دخول المسجد
- يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله
اليسرى، فيه: عائشة رضي الله عنها قالت:
(كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه
کله في طهوره، وترجله، وتنعله)»(٥).
٣. الدعاء عند الدخول في المسجد
والخروج منه.
عن أبي حميد، أو عن أبي أسيد، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا
(٣) البحر المحيط ٤١/٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا،
وترفع به الدرجات، رقم ١،٦٦٦ / ٤٦٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب التيمن في دخول المسجد وغيره،
رقم ١،٤٢٦/ ٩٣.
www. modoee.com
١٠٣
حرف الباء
دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح إلى المسجد الحرام يبدأ بالطواف، ثم يصلي
صلاة المقام، فلا یجلس إلا وقد صلى، فأما
لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم
إني أسألك من فضلك)(١).
لو دخل المسجد الحرام، وأراد القعود قبل
الطواف، فإنه يشرع له أن يصلي التحية(٥).
٤. تحية المسجد.
یستحب لداخل بيوت الله تعالى أن يركع
ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، وذلك
لما رواه أبو قتادة السلمي رضي الله عنه: أن
رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (إذا
دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل
أن يجلس)(٢).
والقول بذلك هو مذهب الشافعي
وأحمد والجمهور، وذهب قوم مالك
والثوري وأصحاب الرأي إلى أنه يجلس
ولا يصلي (٣)، والراجح هو مذهب
الجمهور لحديث أبي قتادة السابق فهو نص
في المسألة.
أما تحية المسجد الحرام فقد ذكر ابن
القيم أن تحية المسجد الحرام الطواف؛ لأنه
صلى الله عليه وسلم بدأ فيه بالطواف (٤)،
وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس،
إذ التحية إنما تشرع لمن جلس، والداخل
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب ما يقول إذا دخل
المسجد، رقم ١،٧١٣ /٤٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
قبل أن يجلس، رقم ٤٤٤، ١ / ٩٦.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/٤.
(٤) زاد المعاد ٢/ ٢٠٨.
والطواف بالبيت ورد في قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوقُواْ نُّدُورَهُمْ
وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ
(٢٩)
[الحج: ٢٩].
ومما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم من أن
الطواف هو تحية المسجد الحرام ما رواه
ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت
صلاة، إلا أن الله عز وجل قد أحل فيه
المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير) (٦).
٥. عدم رفع الصوت في المسجد.
من آداب دخول بيوت الله تعالى: عدم
رفع الصوت في المسجد بغير الذكر، فقد
ورد ما يدل على كراهة ذلك فيما رواه
السائب بن يزيد رضي الله عنه، قال: كنت
قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت
فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال:
اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من
(٥) نيل الأوطار، الشوكاني ٨٥/٣.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده ، رقم١٥٤٢٣،
١٤٩/٢٤، والنسائي في سننه، كتاب مناسك
الحج، باب إباحة الكلام في الطواف،
رقم ٥،٢٩٢٢/ ٢٢٢.
والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع
الصغير وزيادته رقم ٣٩٥٤، ٢/ ٧٣٣.
جَوَسُو عبد النفسية
القرآن الكريم
١٠٤
البيوت
أنتما- أو من أين أنتما؟ - قالا: من أهل الثوم- فلا يقربن مسجدنا)(٤).
الطائف، قال: (لو كنتما من أهل البلد
لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد
رسول الله صلی الله علیه وسلم)(١).
وفيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (من سمع رجلًا ينشد ضالة
في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك، فإن
المساجد لم تبن لهذا)(٢).
٦. المحافظة على نظافة المسجد.
إن المحافظة على نظافة بيوت الله تعالى
من البصاق والروائح الكريهة وغيرها من
آداب الداخل إليها؛ لما رواه أنس بن مالك
رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها
دفنھا)(٣).
وكذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غزوة
خيير: (من أكل من هذه الشجرة -يعني:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب رفع الصوت في المساجد، رقم ٤٧٠،
١٠١/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة
في المسجد وما يقوله من سمع الناشد، رقم
٣٩٧/١،٥٦٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب كفارة البزاق في المسجد، رقم ٤١٥،
٩١/١.
ثانيًا: آداب دخول بيت النبوة:
ذكر الله تعالى آداب دخول بيت النبوة
في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَنَهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُ واْ وَلَا مُسْتَحْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ
◌َلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِيَّ فَيَسْتَحِيء مِنكُمٌّ
وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَلْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَآ أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِهِ
أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا )
[الأحزاب: ٥٣].
وهذه الآداب يمكن إجمالها فيما يأتي:
١. النهي عن دخول بيوت النبي صلى
الله عليه وسلم إلا إذا كانت الدعوة لطعام
غیر منتظرین إدراکه ونضجه.
والمعنى: أيها الذين آمنوا بالله ورسوله
لا تدخلوا بیوت نبيه صلی الله عليه وسلم
إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه فلا تدخلوا
البيت إلا إذا علمتم أن الطعام قد تم نضجه،
وانتهى إعداده، إذ قبل ذلك يكون أهل البيت
فی شغل عنکم، وقد يلبسن ثياب البذلة
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب ما جاء في الثوم الني والبصل والكراث،
رقم ٠١٧٠/١،٨٥٣
www. modoee.com
١٠٥
حرف الباء
والعمل فلا يحسن أن ترونهن وهن على إنسان(٢).
هذه الحال، إلى أنه ربما بدا من إحداهن ما
لا يحل النظر إليه (١).
طعمتم فانتشروا ﴿وَلَا مُسْتَعْلِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾
أي: ولكن إذا دعاكم الرسول صلى الله
عليه وسلم فادخلوا البيت الذي أذن لكم
بدخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم
إلى أكله فتفرقوا واخرجوا ولا تمكثوا فيه
لتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة.
وعلة ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْزِى
النَّبِىَّ فَيَسْتَحِي، مِنكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِ، مِنَ
اَلْحَقِّ﴾ أي: إن ذلك اللبث والاستئناس
والدخول على هذا الوجه كان يؤذى النبي
صلی الله علیه وسلم، لأنه کان یمنعه من
قضاء بعض حاجاته، إلى ما فيه من تضييق
المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من
إخراجكم ومنعكم مما يؤذيه، والله لم يترك
الحق وأمركم بالخروج.
وفي هذا إيماء إلى أن اللبث يحرم على
المدعو إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان فى
ذلك أذى لرب البيت، ولو كان البيت غير
بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فالتثقيل
مذموم في كل مكان، محتقر لدى كل
(١) تفسير المراغي ٢٨/٢٢.
مَضوري
مَوَسُوبَة النفسي
القرآن الكريم
٣. سؤال نساء النبي متاعًا من وراء
حجاب.
فإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله
٢. الانتشار بعد الطعام.
والمعنى: ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا عليه وسلم ونساء المؤمنين اللواتي لسن
لكم بأزواج، شيئًا تتمتعون به من ماعون
وغيره فاطلبوا منهن ذلك من وراء ستر
بینکم ویینھن.
﴿وَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
أي: ذلك الدخول بالإذن وعدم الاستئناس
للأحاديث أطهر لقلوبكم وقلوبهن من
وساوس الشيطان والريب؛ لأن العين رسول
القلب، فإذا لم تر العين لم يشته القلب،
فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم
الفتنة (٣).
ثالثًا: آداب بيوت سائر المخلوقات:
هناك آداب في دخول بيوت المخلوقين
من الإنس والجن:
١. أن يكون الدخول على سنة الإسلام،
وهو الإتيان من أبواب البيوت لا من
ظهورها.
قال تعالى: ﴿* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَمِلَّةِ
قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ
بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ
مَنِ أَنَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأْ
(٢) المصدر السابق ٢٢/ ٢٩.
(٣) المصدر السابق ٣٠/٢٢.
١٠٦
البيوت
وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[البقرة: ١٨٩].
فقد كان قوم من قريش وجماعة معهم
من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة
فلم یقضها ولم تتيسر له رجع، فلم يدخل
من باب بيته سنة، يفعل ذلك تطيرًا، فأعلمهم
الله عز وجل أن ذلك غير بر، أي: الإقامة
على الوفاء بهذه السنة ليس بير، وقال الأكثر
من أهل التفسير: إنهم الحمس، وهم قوم
من قريش، وبنو عامر بن صعصعة وثقيف
وخزاعة، كانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط،
ولا ينفون الوبر ولا يسلون السمن، وإذا
خرج أحدهم من الإحرام لم يدخل من باب
بيته، وإنما سموا الحمس لأنهم تحمسوا في
دينهم، أي: تشددوا.
وأعلمهم أن البر التقي، فقال: ﴿وَلَكِنَّ
الْبِرَّمَنِ اُنَّقَى﴾ والمعنى: ولكن البر بر من
اتقی مخالفة أمر الله عز وجل، فقال: ﴿وَأُتُوا
اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾ فأمرهم الله بترك
سنة الجاهلية في هذه الحماسة (١)، ومن
ثم أصبح إتيان البيوت من أبوابها هو السنة
والأدب الذي ينبغي في إتيانها.
٢. الاستئذان.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ
بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ٢٦٢.
وانظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٢٣٧.
عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[النور: ٢٧].
ففي الآية هذه آداب شرعية، أدب الله
بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان
فقد أمرهم أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم
حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول،
ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن ثلاث
مرات، فإن أذن له وإلا انصرف (٢).
كُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾
[النور: ٢٧].
يقول: استئناسكم وتسليمكم على أهل
البيت الذي تريدون دخوله، خير لكم؛
لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير
إذن، على ماذا تهجمون؟ على ما يسوؤكم
أو يسركم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا
على ما تكرهون، وأديتم بذلك أيضًا حق
الله عليكم في الاستئذان والسلام، وقوله:
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: لتتذكروا بفعلكم
ذلك أوامر الله عليكم، واللازم لكم من
طاعته، فتطيعوه(٣).
٣. السلام.
فمن دخل دارًا وجب عليه أن يسلم
على الحاضرين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم
بُّكَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ
مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيُِّ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩ / ١٤٩.
www. modoee.com
١٠٧
حرف الباء
اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
[النور: ٦١].
ويدل على وجوب السلام ما يأتي:
الأول: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لًا
تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَّرَ بُوتِكُمْ حَقَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].
ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أفشوا السلام بينكم) والأمر للوجوب (١).
الثاني: أن من دخل على إنسان كان
كالطالب له، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه
يطلبه لخير أو لشر، فإذا قال: السلام عليك،
فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف، وإزالة
الضرر عن المسلم واجبة، قال صلى الله
عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون
من يده ولسانه)(٢) فوجب أن يكون السلام
واجبًا، الثالث: أن السلام من شعائر أهل
الإسلام، وإظهار شعائر الإسلام واجب،
وأما المشهور فهو أن السلام سنة، وهو قول
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون،
رقم ١،٥٤/ ٧٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده، رقم ١١/١،١٠، من حديث عبدالله
ابن عمرو رضي الله عنه، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل
الإسلام، وأي أموره أفضل، رقم ٤١، ١/ ٦٥،
من حديث جابر رضي الله عنه.
(٣)
ابن عباس والنخعي
.
والسلام واجب في دخول عموم البيوت
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ يُونًا فَسَلِمُواْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِّنْ عِندِ اَلَّهِ مُبَرَكَةٌ
طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِبُّ اللَّهُ لَكُمُ
اْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].
فيجب السلام عند الدخول على الأهل
والأقارب في البيوت المسكونة، وكذا غير
المسكونة، فيسلم المرء فيها على نفسه
بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، وكذا المساجد، فيسلم على من
کان فيها، فإن لم يكن في المساجد أحد،
فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قاله إبراهيم
النخعي والحسن البصري عن آية: ﴿فَإِذَا
دَخَلْتُمْ بُونًا﴾ أراد: المساجد(٤).
قال ابن العربي: ((القول بالعموم في
البيوت هو الصحيح، ولا دليل على
التخصيص))(٥)، ((وبيانه أن الله سبحانه
قال في الآية الأولى: ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُتًا
غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى
أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧].
فنص على بيوت الغير، ثم قال في هذه
الآية الثانية: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُّنًا فَسَلِمُواْ عَلَى
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٦٣.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ٣٠٩/١٨.
(٥) أحكام القرآن ٤٢٧/٣.
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
١٠٨
البيوت
أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
أي: ليسلم بعضكم على بعض، وأطلق
القول؛ لأنه قد بين الحكم في بيوت الغير،
لیدخل تحت هذا العموم کل بیت، كان للغير
أو لنفسه، وقال: ﴿عَ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
ليتناول اللفظ سلام المرء على عينه،
وليأخذ المعنى سلام الناس بعضهم على
بعض، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، وإن دخل
بيتًا لنفسه سلم، کما ورد في الحديث يقول:
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛
قاله ابن عمر، وهذا إذا كان فارغًا.
فأما إذا كان فيه أهله وعياله وخدمه
فليقل: السلام عليكم، فإنهم أهل للتحية
منه، وإن كان مسجدًا فليقل كما جاء في
الحديث: (السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين)(١)، وعليه حمل ابن عمر البيت
الفارغ.
والذي اختاره إذا كان البيت فارغًا أنه لا
يلزم السلام، فإنه إذا كان المقصود الملك
فالملائكة لا تفارق العبد بحال، أما إنه إذا
دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله))(٢).
وقال الطبري: ((أولى الأقوال في ذلك
بالصواب، قول من قال معناه: فإذا دخلتم
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم ٣٥١٤،
٠٤٣٤/٢
قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه)) ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) أحكام القرآن ٤٢٦/٣.
بيوتًا من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم
على بعض، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب
لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُونًا﴾
ولم یخصص من ذلك بيتًا دون بیت، وقال:
﴿فَسَلِمُواْ عَ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني: بعضكم على
بعض، فكان معلومًا إذ لم يخصص ذلك
على بعض البيوت دون بعض، أنه معني به
جميعها، مساجدها وغير مساجدها، وقوله:
﴿َجِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾، بمعنى: تحيون
أنفسكم تحية من عند الله السلام تحية فكأنه
قال: فليحي بعضكم بعضًا تحية من عند
الله، ووصف جل ثناؤه هذه التحية المباركة
الطيبة لما فيها من الأجر الجزيل والثواب
العظيم))(٣).
٤. دعاء دخول البيت.
ومن آداب دخول البيت: أن يقول
الداخل الدعاء الوراد في حديث أبي مالك
الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل
بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج،
وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله
خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على
أهله) (٤).
(٣) جامع البيان ١٩/ ٢٢٧.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
ما يقول الرجل إذا دخل بيته، رقم ٥٠٩٦،
٣٢٥/٤.
والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع
www. modoee.com
١٠٩
حرف الباء
٥. السواك.
فعن المقدام بن شریح، عن أبيه، قال:
سألت عائشة، قلت: بأي شيء كان يبدأ
النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟
قالت: (بالسواك)(١).
أما آداب دخول مساكن الجن مبسوطة
في السنة فلیرجع إليها.
[انظر: الاستئذان: الاستئذان لدخول بيوت
الآخرين]
البيوت والفتنة
إن البيوت والفتنة في القرآن الكريم
تتمثل في: الاغترار بالبيوت، وأنها سبب
للفرار من الجهاد، والبيت قد يكون مكانًا
للخلوة بالنساء، وما يظن المنافقون من أن
البيوت تمنع الموت، وبيان ذلك في النقاط
الآتية:
أولًا: الاغترار بالبيوت:
من الفتنة بالبيوت الاغترار بها، وهي من
صفات الكافرين.
قال تعالى: ﴿وَتَنْحِقُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا
* [الشعراء: ١٤٩].
(١٤٩)
فَرِهِينَ
أي: وتتخذون تلك البيوت المنحوتة
فى الجبال أشرًا وبطرًا من غير حاجة إلى
سكناها مع الجد والاهتمام فى بنائها(٢).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ
اُلْجِبَالِ يُوتًا فَِهِينَ (١)﴾ [الشعراء: ١٤٩].
قال ابن عباس وغير واحد: يعني:
حاذقين، وفي رواية عنه: شرهین أشرین،
وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة
بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت
المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبئًا من
غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين
متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من
الصغير وزيادته، رقم ٢٠٦/١،٨٣٩.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب السواك، رقم ٢٢٠/١،٢٥٣.
(٢) تفسير المراغي ١٩/ ٩١.
١١٠
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
البيوت
حالهم لمن رأى منازلهم(١).
والاغترار بالبيوت يؤدي إلى الأمن
المذموم في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ
اْجِبَالِ بُونَاءَامِنِينَ ﴾ [الحجر: ٨٢].
فقد كان أصحاب الحجر، وهم ثمود
قوم صالح، ينحتون من الجبال بيوتا آمنین
من عذاب الله، وقيل: آمنين من الخراب
أن تخرب بيوتهم التي نحتوها من الجبال،
وقيل: آمنين من الموت(٢).
قال ابن عطية: ((وقوله
قيل: معناه: من انهدامها، وقيل: من حوادث
الدنيا، وقيل: من الموت لاغترارهم بطول
الأعمال، قال القاضي أبو محمد ابن عطية:
وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك
أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة. فكانوا لا
يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب
الأمن منها))(٣).
كما أن الاغترار بالبيوت يؤدي أيضًا
إلى كفران النعم والفساد في الأرض، كما
قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام:
﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ
وَبَوَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦ / ١٤٠.
وانظر: الوسيط، الواحدي ٣/ ٣٦٠، لباب
التأويل، الخازن ٣٣٠/٣، مدارك التنزيل،
النسفي ٢/ ٥٧٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٢٧.
(٣) المحرر الوجيز ٣٧٢/٣.
قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُوتًّاً فَأَذْكُرُواْ
ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ {
٧٤
[الأعراف: ٧٤].
وذلك؛ لأن بناء البيوت وتشييد القصور
ونحت الجبال بيوتا من النعم التي تستوجب
الشكر، فقد ذكر صالح عليه السلام قومه
بما أنعم الله به عليهم، وهي جعلهم خلفاء
بعد الأمة التي سبقتهم، وما اختصوا به من
اتخاذ القصور من السهول ونحت الجبال
بيوتًا، ثم طلب منهم شكر هذه النعم بقوله:
﴿فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ (٤)، أي: نعمه
عليكم لتصرفوها إلى ما خلقها لأجله ولا
تعثوا في الأرض مفسدين بالمعاصي وعبادة
غيره تعالى (٥).
ثانيًا: سبب للفرار من الجهاد:
بين الله سبحانه وتعالى أن البيوت فتنة
للمنافقين وسبب للفرار من الجهاد، قال
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َطَايِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَلَا
مُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّقَّ
يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا
فِرَارً ﴾ [الأحزاب: ١٣].
فقد ذكر الله تعالى أن المنافقين يحرضون
بعض المجاهدين على ترك الجهاد والرجوع
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٩٣/٥.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٥/ ١٢٧.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٠٦،
مفاتيح الغيب، الرازي ١٤ / ٣٠٦.
www. modoee.com
١١١
حرف الباء
إلى بيوتهم، بل إن بعضهم جعل البيوت سببًا على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب
ودعته إلى نفسها، وقالت: هيت لك،
للفرار من الجهاد، والمعنى: لا مقام لكم
أي: هاهنا یعنون عند النبي صلی الله عليه
وسلم في مقام المرابطة، فارجعوا أي: إلى
بیوتکم ومنازلكم(١).
فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و﴿قَالَ مَعَاذَ
اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ وكانوا يطلقون
الرب على السيد الكبير، أي: إن بعلك
ربي أحسن مثواي أي: منزلي، وأحسن إلي
فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إِنَّهُلَايُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾(٣).
ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى
منزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكذبهم
الله تعالى وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار،
لضعف إيمانهم، وجبن نفوسهم (٢).
ثالثًا: البيت قد يكون مكانًا للخلوة:
من فتنة البيوت ما يقع فيها من خلوة
محضورة بالنساء وقد صور الله تعالى فتنة
البيوت هذه بقوله: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَِّ مُوَ فِى
بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ
لَكَّ قَالَ مَعَاذَ اُللهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: ٢٣].
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان
يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها
به وبإكرامه، فراودته عن نفسه، أي: حاولته
على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًّا
شديدًا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٨/٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٦/٢٠، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٢١٩، الوسيط،
طنطاوي ١١/ ١٨٤.
مُوسُو ◌َةُ اللَّهِـ
القرآن الكريم
والتعبير عن امرأة العزيز بطريق
الموصولية في قوله: ﴿اَلَِّ هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾
لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة
يوسف صلى الله عليه وسلم لأن كونه في
بيتها من شأنه أن يطوعه لمرادها، وبيتها بيت
سکناها الذي تبيت فيه، فمعنى هو في بيتها
أنه کان حينئذ في البيت الذي هي به، ويجوز
أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو
قصر العزيز، ومنه قولهم: ربة البيت، أي:
زوجة صاحب الدار، ويكون معنى هو في
بيتها أنه من جملة أتباع ذلك المنزل (٤).
ولمنع هذه الفتنة فقد حرم النبي صلى
الله عليه وسلم الدخول على النساء، وذلك
فيما رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه:
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(إياكم والدخول على النساء) فقال رجل
من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٥/٤.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٠/١٢.
١١٢
البيوت
قال: (الحمو الموت)(١).
والحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب
الزوج ابن العم ونحوه، اتفق أهل اللغة على
أن الاحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه
وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم،
والأختان أقارب زوجة الرجل والأصهار
يقع على النوعين، وأما قوله صلى الله عليه
وسلم: الحمو الموت، فمعناه: أن الخوف
منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة
أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة
من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي،
والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج غیر آبائه
وأبنائه فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته
تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت
وإنما المراد: الأخ وابن الأخ والعم وابنه
ونحوهم ممن ليس بمحرم وعادة الناس
المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه، فهذا
هو الموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي (٢).
وكذلك ما رواه جابر رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب، إلا أن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم،
والدخول على المغيبة، رقم ٥٢٣٢، ٣٧/٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب
تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها،
رقم ٢١٧٢، ٤ /١٧١١.
(٢) شرح صحيح مسلم ١٤ / ١٥٤.
یکون ناكحًا أو ذا محرم)(٣).
قال الإمام النووي: ((ومعناه: لايبيتن
رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها، قال
العلماء: إنما خص الثيب لكونها التي يدخل
إليها غالبًا، وأما البكر فمصونة متصونة في
العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة، فلم
يحتج إلى ذكرها؛ ولأنه من باب التنبيه؛
لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس
في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى،
وفي هذا الحديث تحريم الخلوة بالأجنبية
وإباحة الخلوة بمحارمها، وهذان الأمران
مجمع عليهما)» (٤).
رابعًا: البيوت لا تمنع الموت:
إن البيوت لا تمنع الموت.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ
أَمَنَةُ نُّغَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ
أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِالِّ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
اَلَْهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَهْءٌ
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا
يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ
مَّا قُتِلْنَا هَهُنَأُ قُل لَّوْ كُمْ فِ بُيُوتِّكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاحِعِهِمٌ وَلِيَبْتَلِىَ اَللّهُ
مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها،
رقم ٤ / ٢١٧١،١٧١٠.
(٤) شرح صحيح مسلم ١٤/ ١٥٣.
www. modoee.com
١١٣
حرف الباء
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
عمران: ١٥٤].
قال أبو جعفر الطبري: ((يعني بذلك
جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت
لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في
بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم،
ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من
المشركين، فيظهر للمؤمنين ما كنتم تخفونه
من نفاقکم، وتکتمونه من شککم في دینکم
﴿كَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾، أي: لظهر
للموضع الذي کتب علیه مصرعه فیه، من قد
کتب علیه القتل منهم، ولخرج من بيته إليه
حتى يصرع في الموضع الذي كتب عليه أن
يصرع فيه)) (١)
﴿قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَ مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: لخرج
الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح
المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإقامة
بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور
ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه.
﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ
مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل يلقوه(٣).
عمران: ١٥٤].
أي: وليمتحن ما في صدوركم
ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق،
﴿وَلُمَحِصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾، أي: وليكشفه
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٢٤.
جَوَسُولَةُ النَِّيَة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
[آل ويميزه أو يخلصه من الوساوس.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ بخفياتها
قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على
أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين
المؤمنين وإظهار حال المنافقين(٢).
والخلاصة: إن الحذر لا يدفع القدر،
والتدبير لا یقاوم التقدیر فالذین قدر علیھم
القتل لا بد أن يقتلوا على كل حال، وإلا
انقلب علم الله جهلاً، فقتل من قتل إنما
جاء لانتهاء آجالهم كما قدر ذلك فى
اللوح المحفوظ، وكتب مع ذلك أنهم هم
الغالبون، وأن العاقبة لهم، وأن دين الإسلام
سیظهر علی الدین کله.
وفى هذا ترغيب وترهيب، وتنبيه إلى
أن الله غني عن الابتلاء والامتحان، وإنما
يظهر ذلك على هذه الصورة لحكم يعلمها
كمران المؤمنين على الصبر وتحمل
المشاق وإظهار حال المنافقين؛ لأن
الحقائق قد تخفى على أربابها، فينخدعون
للشعور العارض بدون تمحيص ولا ابتلاء،
كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٤٤.
(٣) تفسير المراغي ١٠٥/٤.
١١٤
البيوت
البيوت والعذاب
ذكر القرآن الكريم البيوت والعذاب على
صور مثل: خراب البيوت وخوائها، وترك
بعضها آية وعبرة، وبيان ذلك في النقاط
الآتية:
أولًا: خراب البيوت:
ذكر الله تعالى خراب البيوت في قوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مِن دِبَرِجِ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ
يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ
فَأَنَّهُمُ اَللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِمُ
الرُّعَبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ
فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ اَلْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢].
والمعنى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِهِ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ أي: في
أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم
هذا الذل قبل ذلك، أو في أول حشرهم
للقتال أو الجلاء إلى الشام، وآخر حشرهم
إجلاء عمر رضي الله عنه تعالی عنه إياهم
من خيبر إليه، أو في أول حشر الناس إلى
الشام وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه
عند قيام الساعة فیدرکهم هناك، أو أن نارًا
تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب،
والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر،
﴿مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾ لشدة بأسهم
ومنعتهم، ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم
مِّنَ اُللَّهِ ﴾ أي: أن حصونھم تمنعهم من بأس
الله، وتغيير النظم وتقديم الخبر وإسناد
الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط
وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم
أنهم في عزة ومنعة بسببها، ويجوز أن تكون
حصونهم فاعلًا لـ ﴿مَانِعَتُهُمْ﴾، ﴿فَأَنَنُهُمُ
اللَّهُ﴾ أي: عذابه، وهو الرعب والاضطرار
إلى الجلاء، ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ لقوة
وثوقهم، ﴿وَقَّذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وأثبت
فيها الخوف الذي يرعبها أي: يملؤها،
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ﴾ ضنَّا بها على
المسلمين وإخراجًا لما استحسنوا من
آلاتها، ﴿وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنهم أيضًا كانوا
يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعًا لمجال
القتال، وعطفها على ((أيديهم)) من حيث
إن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم،
فكأنهم استعملوهم فیه(١).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ يعني: يهود بني النضير،
قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير
واحد: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم
عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه،
فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل
الله بهم بأسه الذي لا مرد له، وأنزل عليهم
قضاءه الذي لا يصد، فأجلاهم النبي صلى
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٩٨/٥.
www. modoee.com
١١٥
حرف الباء
الله عليه وسلم وأخرجهم من حصونهم الكون(٣).
الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا
هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى
عنهم من الله شيئًا وجاءهم من الله ما لم
يكن ببالهم، ولهذا قال تعالى: ﴿مُخْرِبُونَ
بُيُوتَّهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَيِرُوا يَتَأُوْلِى
الْأَبْصَرِ﴾ أي: تفكروا في عاقبة من خالف
أمر الله وخالف رسوله، و کذب کتابه کیف
يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما
يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم(١).
ثانيًا: خواء البيوت:
إن خواء البيوت من العذاب الواقع عليها
قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا
ظَلَمُوَأْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[النمل: ٥٢].
٥٢
أي: فتلك مساكنهم خاوية خالية منھم،
ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله
فأبادهم بسبب ظلمهم أنفسهم بشرکهم بالله
وتکذیبھم رسولهم(٢).
﴿إِنَ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
أي: أن في فعلنا بثمود ما قصصناه عليك
لعظة لمن كان من أولي المعرفة والعلم،
فيعلم ارتباط الأسباب بمسبباتها، والنتائج
بمقدماتها بحسب السنن التي وضعت فى
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٨٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٠/١٩.
((خاوية)) أي: ساقطة متهدمة، لا أثر لحياة
فيها .. والإشارة هنا، لفت الأنظار إلى هذه
الديار الخاوية، حيث ينظر المشركون إلى
حيث متجه الإشارة، فلا يرون إلا أطلالًا،
يرى فيها أولو العلم وأهل النظر، آية من
آيات الله، فيما يحل بالظالمين من بأسه،
وما يرميهم به من عذابه(٤).
وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة، ثلاثة
أمور:
الأول: أنه دمر جميع قوم صالح،
﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ﴾، أي: خالية
من السكان لهلاك جميع أهلها، ﴿يِمَا
ظَلَمُواْ﴾، أي: بسبب ظلمهم الذي هو
كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي
جعلها آية لهم، وقال بعضهم: خاوية، أي:
ساقطًا أعلاها على أسفلها.
الثاني: أنه جل وعلا جعل إهلاكه قوم
صالح آية، أي: عبرة يتعظ بها من بعدهم،
فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل
به ما نزل بهم من التدمير، وذلك في قوله:
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا
وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، وهو
نيي الله صالح عليه السلام ومن آمن به من
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٤٩/١٩.
(٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٢٥٦/١٠.
١١٦
مَوَسُوبَةُ المَشِيَة
القرآن الكريم
البيوت
قومه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَسْنَا
٥٣
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
[النمل: ٥٣](١)
ثالثًا: ترك بعضها آية وعبرة:
ترك الله تعالى بعض البيوت التي وقع
وَكَّمْ أَهْلَكْنَا مِن
عليها العذاب آية وعبرة:
قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَوْـ
◌ُتْكُن مِنْ بَعْدِ هِمْ إِلَّا قَلِيلًاً وَكُنَا غَمْنُ الْوَرِثِنَ
[القصص: ٥٨].
٥٨
فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم
بربهم، ومنازلهم لم تسكن من بعدهم إلا
قليلا يقول: خربت من بعدهم، فلم يعمر
منها إلا أقلها، وأكثرها خراب. ولفظ الكلام
وإن كان خارجًا على أن مساكنهم قد سكنت
قليلاً فإن معناه: فتلك مساكنهم لم تسكن
من بعدهم إلا قليلا منها، كما يقال: قضيت
حقك إلا قليلًا منه(٢).
والمعنى: ﴿فَيْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُستَّكَنْ
مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: فلم يعمر منها إلا
أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس رضي
الله عنه: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق
يومًا أو ساعة ﴿وَكُنَا نَحْنُ الْوَرِثِينَ}
نظيره قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ
عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: ٤٠].
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ١٢٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٠٣/١٩.
[آل عمران: ١٨٠](٣).
قال ابن عباس رضي الله عنه: في قوله:
﴿فَيْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [القصص: ٥٨].
لم يسكنها إلا المسافرون، وماروا الطرق
يومًا أو ساعة. والمعنى: لم تسكن من بعدهم
إلا سكونًا قليلاً، ﴿وَكُنَّا غَقْنُ الْوَرِئِينَ﴾
[القصص: ٥٨].
يعني: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في
منازلهم، فبقيت خرابًا غير مسكونة، کقوله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
﴾ [مريم: ٤٠] (٤).
فقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ﴾
أي: رجعت خرابًا ليس فيها أحد (٥).
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَا وَجَدْنَا
فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَتَرَّكَا فِيهَا
ءَايَّةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ
[الذاريات: ٣٦-٣٧].
والمعنى: وتركنا في القرية المذكورة،
وهي سدوم أثرًا من العذاب باقيًا مؤرخًا
لا يفنى ذكره فهو: آية أي: علامة على
قدرة الله وانتقامه من الكفرة، ويحتمل أن
يكون، المعنى: وترکنا في أمرها، كما قال:
﴿ لَقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ»َايَتُ لِلسَّآيِلِينَ
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٧/ ٢٥٦.
(٤) انظر: الوسيط، الواحدي ٤٠٤/٣.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٢٢٣.
www. modoee.com
١١٧
حرف الباء
﴾ [يوسف: ٧](١)
﴿وَقَرَّكْنَا فِهَآ ءَايَّةٌ لِّلَّذِينَ
وقوله تعالى:
يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [الذاريات: ٣٧].
أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من
العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا
محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة
للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم(٢).
وقد عقب الله تعالى على الآيات
الواردة في عذاب البيوت بأن جعلها عبرة
وعظة للمعتبرين، ففي قوله تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِىَ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ دِيَرِهِمْ
لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنُّواْ أَنَّهُم
مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ
حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَّذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُحِبُونَ
بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِى
اَلْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢].
أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله
وخالف رسوله و کذب کتابه کیف یحل به
من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره
له في الآخرة من العذاب الأليم.
﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَنْصَرِ ﴾ أي: تفكروا
في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله
و کذب کتابه کیف یحل به من بأسه المخزي
له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من
العذاب الأليم (٣).
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٩/٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٩٤.
(٣) انظر: المصدر السابق ٨٦/٨.
النساء والبيوت
ذكر القرآن الكريم النساء والبيوت في
موضوعات تتعلق بهن مثل: القرار في
البيوت، والتعلم والتعليم فيها، وفي لزوم
البيوت في قضاء العدة، والحبس في البيوت
عند ارتكاب الفاحشة، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: القرار في البيوت:
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ وَلَا
تَبَّحْنَ تَبُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ
وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَّقِرَكُمْ تَظْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي
صلى الله عليه وسلم ونساء الأمة تبع لهن
في ذلك، وذلك فيما يأتي:
١. القرار في البيوت.
قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ ﴾ أي:
الزمن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج
الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا
تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن
تفلات)(٤)
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من
النساء والصبيان وغيرهم؟، رقم ٩٠٠، ٦/٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب
خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب
١١٨
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
البيوت
وفي رواية (وبیوتهن خیر لهن)(١)(٢).
ولهذا كانت الدعوة إليهن بالقرار في
البيوت مقترنة بالدعوة بإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة وإطاعة الله ورسوله، فهذا هو دأبهن
في الحياة .. الاتجاه إلى الله، والعمل لما
يرضي الله، ورسول الله صلى الله عليه
(٣)
وسلم(٣).
وخص تعالی الصلاة والزكاة، لأهمیتهما
وخطورتهما وآثارهما الكبرى، فالأولى
طهارة النفس وعماد الدين، والثانية طهارة
المال وطريق مقاومة الفقر، فهما عمودا
الطاعة البدنية والمالية (٤).
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ قرئت على
وجهين: فقرأ المدنيان، وعاصم بفتح
القاف، وقرأ الباقون بكسرها(٥).
عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة، رقم ٤٤٢،
٣٢٧/١.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٥٤٦٨،
٩/ ٣٣٧، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد،
رقم ١٥٥/٥٦٧١، والحاكم في مستدركه ،
رقم ١،٧٥٥/ ٣٢٧.
والحديث صححه الحاكم، والألباني في
صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم ٧٤٥٨،
١٢٤٢/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣٦٣.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١١/ ٧٠٦.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ١٠.
(٥) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
٣٤٨/٢.
فأما القراءة الأولى فتحتمل وجهین:
أحدهما: أن يكون من الوقار، تقول: وقر
پقر وقارًا أي: سکن، وتأويلها کن أهل وقار
وسكينة.
والوجه الثاني: أنیکون من القرار، تقول:
قررت بالمكان (بفتح الراء) وأما قراءة أهل
المدينة وعاصم، فعلى لغة العرب: قررت
في المكان إذا أقمت فيه (٦).
ومعنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت،
وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله
علیه وسلم فقد دخل غیرهن فیه بالمعنى،
هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء،
كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن،
والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة،
فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه
وسلم بملازمة بيوتهن، وخاطبهن بذلك
تشریفًا لهن(٧).
وبهذا تكون الآية قد طلبت من النساء
القرار في البيوت والإقامة فيها مع لزوم
السكينة والوقار في أقوالهن وأفعالهن عملًا
بالقراءتين.
٢. النهي عن التبرج.
وهو: إظهار الزينة، وإبراز المرأة
محاسنها للرجال(٨).
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٧٨/١٤
(٧) انظر: المصدر السابق ١٧٩/١٤.
(٨) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٦٠.
www. modoee.com
١١٩
حرف الباء
قال الشوكاني: التبرج: ((أن تبدي المرأة
من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره،
مما تستدعي به شهوة الرجل))(١).
والمقصود من الآية: مخالفة من قبلهن
من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار
المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا
يجوز شرعًا، وذلك يشمل الأقوال كلها
ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة
إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام(٢).
والجاهلية الأولى هي: القديمة التي
يقال لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن
الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام: كانت
المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط
الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقيل:
ما بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام،
وقيل: بين إدريس ونوح عليهما الصلاة
والسلام، وقيل: زمن داود وسليمان عليهما
الصلاة والسلام والجاهلية الأخرى: ما بين
عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام،
ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى: جاهلية
الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى
جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن
المعنى: ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في
الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر(٣).
(١) فتح القدير ٣٢٠/٤.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٠/١٤.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٣٧/٣.
قال ابن عاشور: ((والجاهلية: المدة التي
كانت عليها العرب قبل الإسلام والجاهلية
نسبة إلى الجاهل؛ لأن الناس الذين عاشوا
فيها کانوا جاهلین بالله وبالشرائع، ووصفها
بـ(الأولى) وصف كاشف؛ لأنها أولى
قبل الإسلام، وجاء الإسلام بعدها ومن
المفسرين من جعلوه وصفًا مقيدًا، وجعلوا
الجاهلية جاهليتين، فمنهم من قال: الأولى
هي: ما قبل الإسلام، وستكون الجاهلية
أخرى بعد الإسلام يعني: حين ترتفع أحكام
الإسلام والعياذ بالله، ومنهم من قال:
الجاهلية الأولى هي القديمة من عهد ما قبل
إبراهيم عليه السلام ولم يكن للنساء وازع
ولا للرجال، ووضعوا حكايات في ذلك
مختلفة أو مبالغًا فيها أو في عمومها، وکل
ذلك تكلف دعاهم إليه حمل الوصف على
قصد التقیید»(٤).
ثانيًا: التعلم والتعليم:
دل قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَايُتْلَ
فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةٍ إِنَّ اللّهَ
كَانَ لَطِيفًا خَبيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
على التعلم والتعليم للنساء أنه يكون في
البيوت.
يقول تعالى ذكره لأزواج نبيهمحمد صلى
الله عليه وسلم: واذكرن نعمة الله علیکن؛
(٤) التحرير والتنوير ١٣/٢٢.
١٢٠
جَوَسُولَةُ النَّفي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ