Indexed OCR Text
Pages 21-40
البيوت المفسرين أن ما بين إبراهيم وسليمان عليهما المسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام لحديث أبي ذر السابق، وهو يدل على أنه السلام من الزمان عشرة قرون (١). قد كان بني أيضًا زمن إبراهيم أو إسحاق القول الثاني: إِن أول من بناه هو سلیمان عليه السلام(٢). ويعقوب عليهما السلام، ولكن بنيانه على التمام وكمال الهيئة كان على عهد سليمان عليه السلام (٤). واستدلوا بما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن سليمان بن داود صلى الله علیه وسلم لما بنی بیت المقدس سأل اللهعز وجل خلالا ثلاثة: سأل الله عز وجل حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملگًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتیه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه)(٣). الراجح: الجمع بين القولين فقد جمع بعض المفسرين بين القولين: بأن الذي بنى الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا)، رقم ٣٣٦٦، ٤ /١٤٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم ٥٢٠، ٣٧٠/١. (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١ /٤٧٤، البحر المحيط، أبو حيان ٢٦٨/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٧/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٠١٦/١٥ (٣) أخرجه النسائي في سننه، كتاب المساجد، فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه، رقم ٢،٦٩٣/ ٣٤. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم ٤٢٠/١،٢٠٩٠. وهو أحد المساجد التي تشد إليها الرحال دون غيرها؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى)(٥). ٤ . عامة المساجد. أما عامة المساجد المنتشرة في بقاع الأرض فهي بيوت الله تعالى التي أمر بأن ترفع، ویذکر فیها اسمه، قال تعالى: ﴿فی بُوتٍ أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا اُسْمُهُ يُسَمْحُ لَهُفِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴾ [النور: ٣٦]. قال الماوردي: «في هذه البیوت قولان: أحدهما: أنها المساجد، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٧٤/١ البحر المحيط، أبو حيان ٢٦٨/٣ التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥ / ١٦. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، رقم ١١٨٩، ٦٠/٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، رقم ١٠١٤/٢،١٣٩٧. www. modoee.com ٨١ حرف الباء الثاني: أنها سائر البيوت ، قاله عكرمة. وفي قوله: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أربعة أوجه: أحدها: أن تبنى، قاله مجاهد، کقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧]. أي: يبني. الثاني: أنها تطهر من الأنجاس والمعاصي ، حكاه ابن عيسى. الثالث: أن تعظم ، قاله الحسن. الرابع: أن ترفع فیھا الحوائج إلی الله))(١). كما ذكر الله تعالى هذه البيوت باسم المساجد في آيات، منها قوله تعالى: ﴿ وَ أَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: ١٨]. فقد ذكر المفسرون أن المراد بالمساجد: بيوت الله التي وضعت للصلاة على أحد المعاني الواردة في الآية، قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله أن يخلص المسلمون له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، أي: أن هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغيره، وقال الحسن: أراد (١) النكت والعيون ٤ /١٠٦. وانظر: الوسيط، الواحدي ٣/ ٣٢١. البقاع كلها، يعني: أن الأرض كلها مواضع للسجود، وجعلت مسجدًا لهذه الأمة (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللّهُ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: ١٨]. ١٨ وفي هذه المساجد قولان: أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى، فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: بالمحافظة على إقامة الصلاة. والثاني: بترك الرياء. والثالث: بالخشوع والإعراض عما ینھی. والقول الثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة لإقامة الصلوات. فعلى هذا عمارتها تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى. والثانى: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالی. والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى(٣). وعمارة المساجد نوعان: حسية، (٢) الوسيط، الواحدي ٤ / ٣٦٧. وانظر: النكت والعيون، الماوردي١١٩/٦. (٣) النكت والعيون، الماوردي٢/ ٣٤٧. ٨٢ موسى بر النفسية الوضوء القرآن الكريم البيوت ومعنوية؛ فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها، والمعنوية: بالصلاة وذكر الله والاعتكاف والزيارة للعبادة فيها، وذلك يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلًا عن فضول الحديث(١). والمعنى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ أي: إنما يستحق عمارة المساجد وتستقيم منه العمارة، ويكون أهلًا لها من اتصف بالإيمان بالله تعالى إيمانًا صحيحًا، على النحو المبين في القرآن من الإقرار بوجود الله والاعتراف بوحدانيته، وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، وآمن باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه المستكمل لأركانها وشروطها وتدبر تلاوتها وأذكارها، وخشوع القلب لله وخشيته، وآتى الزكاة لمستحقيها المعروفين كالفقراء والمساكين وأبناء السبيل، ﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ في قوله وعمله إلا الله وحده، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع والضر بيد الله. أما إنه لم يذكر الإيمان بالرسول فلأنه (١) التفسير المنير، الزحيلي ١٣٥/١٠. دل عليه ما ذكر من إقامة الصلاة وغيرها لأنه مما جاء به الرسول، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما يصح من المؤمن بالرسول. وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد الحسية بالبناء والتشييد والترميم، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم، فلا يعمر بيوت الله غيرهم، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا من المهتدين إلى الخير دائمًا، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد، فیشرکون بالله ویکفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام) ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام (٢). کما أن الله تعالی ذم من یسعی في خراب المساجد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ, وَسَعَى فِى خَرَابِهَاً أُوْلَكَ مَا كَانَّلَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلََّّ خَآَيِفِينُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: ١١٤]. قال الرازي في تفسيرها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ الَّهِ أَن يُذْكَرَفِيهَا أُسْمُهُ﴾ ((فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣٨/١٠. www. modoee.com ٨٣ حرف الباء المشرك؛ لأن قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ يتناول المشرك؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان))(١). وقد ورد ذكر بيوت الله التي هي المساجد في السنة النبوية، وذلك فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)(٢). وفيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)(٣). (١) مفاتيح الغيب ٤/ ١٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات، رقم ١،٦٦٦ / ٤٦٢. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم ٢٦٩٩، ٢٠٧٤/٤. ثانيًا: بيوت الأنبياء: ذكرت بيوت الأنبياء في سياقات متعددة، وسیتم الحدیث أولًا عن بیوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثم بيوت غيره من الأنبياء فيما يأتي: ١. بيوت النبي محمد صلى الله علیه وسلم. ذكر القرآن بيوت النبي محمد صلى الله عليه وسلم في سياقات مختلفة كما يأتي: في سياق الجهاد. قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ [الأنفال: ٥]. والإخراج من البيت: هو الإخراج المعين الذي خرج به النبي صلى الله عليه وسلم غازيًا إلى بدر. والمعنى: أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمرًا موافقًا للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك (٤) . الخروج في سياق الآداب الواجبة معها. قال تعالى: ﴿يَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنْهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٦٣، وانظر: النكت والعيون، الماوردي٢٩٥/٢. مُوسوبرُ النَّسيد القرآن الكريم ٨٤ البيوت فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِيَّ فَيَسْتَخِيء مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ، ذَلِكُمْ أَظْهَرُ ◌ِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبَدَأْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا )﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقد تضمنت الآية- فيما يتعلق بالبيوت- حکمین: الحکم الأول: النھي عن دخول بیوت النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال إلا بالإذن لتناول طعام، غير منتظرين وقت نضجه، والمعنى: فيا أيها الذين آمنوا أو صدقوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيتًا من بیوت النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال إلا بالإذن لتناول طعام، غير منتظرين وقت نضجه، فإذا نضج فادخلوا، إذا دعيتم، فإذا تناولتم الطعام فانتشروا في الأرض غير مستأنسين أو مشتغلين بلهو الحديث، إن دخولكم بيت النبي واشتغالكم بالحديث قبل نضج الطعام كان يؤذي النبي، وإيذاؤه حرام، وكان النبي يتضايق من ذلك، ويكره أن ینھاکم عن ذلك من شدة حیاته صلی الله عليه وسلم، والله لا يستحيي من بيان الحق، وهو الأمر بالخروج من البيت، ومنع البقاء فیه، وهذا أدب عام يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين (١). الحكم الثاني: النهي عن النظر إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فكما نهيتكم عن الدخول إلى بیوت النبي صلى الله عليه وسلم من غير إذن، ودون انتظار نضج الطعام، كذلك نهيتكم عن النظر إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طلبتم منهن شيئًا من الأمتعة، كالمواعين وسائر مرافق الدين والدنيا، فاطلبوه من وراء حجاب ساتر، وذلك الحجاب أطهر وأطيب للنفس، وأبعد عن الریبة، لقلوبكم وقلوبهن، من الهواجس ووساوس الشيطان. وذلك لأنه لم یصح لكم أن تؤذوا رسول الله وتضايقوه، كالبقاء في منزله، والاشتغال بالحديث، وانتظار نضج الطعام، ويحرم علیکم أبدًا التزوج بنسائه بعد الفراق بموت أو طلاق، تعظيمًا له، إن إيذاء صلى الله عليه وسلم وزواج نسائه من بعده ذنب عظيم وإثم كبير، والبعد عن الإيذاء سرًّا وعلنًا مطلوب، فإِنکم إن تظهروا شيئًا من الأذى أو تکتموه، فإن الله تام العلم به، يعلم السرائر والخفايا، والظواهر والأحوال كلها. ثم استثنی الله من حکم حجاب أزواج النبي: المحارم، فلا إثم ولا حرج على (١) الوسيط، الزحيلي ٢٠٨٢/٣، وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦ / ٣٩٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٠. www. modoee.com ٨٥ حرف الباء زوجات النبي صلی الله عليه وسلم في ٠٠٢٠ فيطمع خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ﴾ أي: دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخیم، أي: لا ترك الحجاب أمام الآباء والأبناء، بسبب النسب أو الرضاع، والإخوة وأبناء الإخوة والأخوات، وأمام النساء المؤمنات، والأرقاء من الذكور والإناث، بعدًا عن الحرج والمشقة في ذلك بسبب الخدمة، تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها(٢). ودخل الأعمام في الآباء(١). في سياق ذكر أمهات المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَنِسَآءَ النَّيِّ لَسْأُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِسَآءِ إِنْ أَتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (٦) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبُّعَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُولَىّ وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهٌ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ اُلْرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرًا ) وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٢-٣٤]. هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بأنهن إذا اتقين الله عز وجل كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة. ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَفْضَعْنَ بالقولِ﴾ قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا (١) الوسيط، الزحيلي ٢٠٨٣/٣. وفي قوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى عليًّا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، قاله أبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم. الثاني: أنه عنى أزواج النبي صلى الله علیه وسلم خاصة، قاله ابن عباس وعكرمة. الثالث: أنها في الأهل والأزواج ، قاله الضحاك (٣). وقد اختلف الفقهاء والمفسرون في أهل البيت المذكورين في الآية على أقوال، والراجح والصحيح منها: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، أو بنو هاشم خاصة، أو بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب؛ وهذا القول هو اختيار الجمهور والأكثرين من العلماء، ولا شك أن بعضھم أُخص بکونه من آل (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣٦٣. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٤٠١. ٨٦ مُوسوبر التشيكلالعضوي القرآن الكريم البيوت البيت من بعض، فعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين: أخص من غيرهم (١)،(٢)، وكذلك زوجاته صلی الله علیه وسلم يدخلن دخولًا أوليًّا، قال ابن عطية: ((والذي يظهر إلي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت زوجاته وبنته وبنوها وزوجها، وهذه الآية تقضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن))(٣). وقال الشوكاني- بعد أن ذكر تلك الأقوال -: ((أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق هذه الآيات، ولكونهن الساكنات في بيوته صلى الله عليه وسلم النازلات في منازله، ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره، وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب، ويؤيد ذلك ما ذكرناه من الأحاديث المصرحة بأنهم سبب النزول، فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما یجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله، وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي، وابن کثیر، وغيرهما)»(٤). (١) انظر: الوسيط، الواحدي ٢ / ٤٦٠، لباب التأويل، الخازن ٤/ ٩٨، بيان المعاني، العاني ٤ / ٣٧. (٢) انظر في بقية الأقوال وأدلتها: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٣٨٤، فتح القدير، الشو کاني ٤/ ٣٢٣. (٣) المحرر الوجيز ٣٨٤/٤. (٤) فتح القدير ٣٢٣/٤. ٢. بيوت غيره صلی الله عليه وسلم من الأنبياء. ذكر القرآن الكريم بيت نوح عليه السلام في سياق الدعاء. قال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْقِى مُؤْمِنَّا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا نَزِهِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَّبَارًا ﴾ [نوح: ٢٨]. فقد ذكر المفسرون في معنى بيتي المذكور في الآية: بيتي منزلي، وقيل: مسجدي، فيما قال ابن عباس وجمهور المفسرين، وقيل: سفينتي(٥). وقال ابن عباس أيضا: بيته: شريعته ودينه استعار لها بيتًا، كما يقال: قبة الإسلام، وفسطاط الدین(٦). بيت إبراهيم عليه السلام. قال سبحانه: ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِيْنَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ [هود: ٧٣] يعني قالت حَمِيدٌ تَجِيدُ الملائكة لسارة ﴿أَتَمْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ معناه: لا تعجبي من ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فإذا أراد شيئًا كان سريعًا ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ﴾ يعني: بيت إبراهيم عليه السلام، وهذا على معنى الدعاء من الملائكة لهم بالخير والبركة، وفيه دليل على أن أزواج (٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٢١. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٣٧٧. www. modoee.com ٨٧ حرف الباء الرجل من أهل بيته ﴿إِنٌَّ حَمِيدٌ﴾ يعني: هو من الخوف(٥)، وقال عكرمة، عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد (٦). المحمود الذي یحمد على أفعاله کلها، وهو المستحق لأن يحمد في السراء والضراء والشدة والرخاء، فهو محمود على كل حال ﴿تجيدٌ﴾ ومعناه: المنيع الذي لا يرام، وقال الخطابي: المجيد الواسع الكرم (١). ذكر القرآن الكريم بيت لوط عليه السلام. ﴿فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ قال تعالى: [الذاريات: ٣٦]. الْمُسْلِمِينَ أي: لوطًا عليه السلام وابنتيه(٢)، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم (٣). بيت موسى وهارون عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةٌ وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: ٨٧]. ٨٧ وذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو القبلة (٤). وقال الزجاج: صلوا في بيوتكم لتأمنوا (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٤٥٧، لباب التأويل، الخازن ٢ / ٤٩٤. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ / ٤٠٥. (٣) انظر: الوسيط، الواحدي ١٧٨/٤. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ١٧٥. ثالثًا: بيوت المؤمنين: ذكرت بيوت المؤمنين في سياقات متعددة یمکن بيانها فيما يأتي: في سياق الهجرة. قال تعالى: ﴿﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًاً وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ١٠٠ [النساء: ١٠٠]. في سياق الأكل في البيوت. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُوتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَائِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاناً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوَنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِبُّ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [النور: ٦١]. (٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٠/٣. (٦) الوسيط، الواحدي ٢/ ٥٥٦. ٨٨ جَوَسُو ◌َ النَّيَّ القرآن الكريم البيوت في سياق آداب دخول البيوت. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُّسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ [النور: ٢٧]. رابعًا: بيوت الظالمين: ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام التذکیر بنعم الله تعالی. قال سبحانه: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَمَلَكُمْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِثُونَ الْجِبَالَ بُوتًّاً فَاذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللّهِ وَلَا نَّعْثَوْاْ فِى [الأعراف: ٧٤]. اٌلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ® فقد ذكّر نبي الله صالح عليه السلام قومه بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، والمعنى: أي وتذكروا نعم الله علیکم وإحسانه إليكم، إذ جعلكم خلفاء لعاد فى الحضارة والعمران والقوة والبأس، وأنزلكم منازلهم تتخذون من سهولها قصورًا زاهية، ودورًا عالية، بما ألهمكم من حذق في الصناعة، فجعلكم تضربون اللّبن وتحرقونه آجرًا (الطوب المحرق) وتستعملون الجص، وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة، وتنحتون من الجبال بيوتا، إذا علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد. فقد كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة والعمل. قال تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ ءَالَآءَ اللّهِ وَلَا نَّعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]. أي: وتذكروا هذه النعم العظام، واشكروها له بتوحيده وإفراده بالعبادة، ولا تتصرفوا فيها تصرف كفران وجحود بفعل ما لا يرضي الله الذي خلقها لكم، فما بالكم بالكفر والعثي في الأرض بالفساد(١). كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام العذاب الذي استحقته. قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل: ٥٢]. ٥٢ قال الطبري: ((يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْخَاوِبَةً﴾ فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم ﴿بِمَاظَلَمُوا﴾ يقول تعالى ذكره: بظلمهم أنفسهم بشرکهم بالله، وتكذيبهم رسولهم ﴿إِنَ فِى ذَلِكَ لَبَةُ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة، لعظة لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا، من قومك الذین یکذبونك فیما جئتهم به من عند ربك (١) انظر: تفسير المراغي ١٩٩/٨. www. modoee.com ٨٩ حرف الباء وعبرة))(١). كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام تذکیر المكذبين برسلهم وكيف كانت سنة الله تعالى فيمن كان قبلهم وسلك مسلكهم، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَفِي مَسَكِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَتِ لِّأُوْلِ النُّعَى ﴾﴾ [طه: ١٢٨]. قال ابن جرير الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: أفلم یهد لقومك المشرکین بالله، ومعنی یهد: یبین، يقول: أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الأمم التي سلكت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم سوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا، ويتعظوا بهم، ويعتبروا، وينيبوا إلى الإذعان، ويؤمنوا بالله ورسوله، خوفًا أن یصیبھم بکفرهم بالله مثل ما أصابهم»(٢). ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَمْ كُمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ (١)﴾ [السجدة: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَّد تَبَّيَّنَ لَكُم مِن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ()﴾ [العنكبوت: ٣٨]. ﴿فَكَيِّنٍ مِّن قَرْيَةٍ وقوله تعالى: أَمْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَ عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ◌ِهَا أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الُدُورِ [الحج: ٤٥ - ٤٦]. أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرًا ومواعظ ودلائل متناظرة تبين أخبار من تقدم كيف كان أمرهم (٣) كما ذكر الله تعالى بيوت الظالمين في مقام النفاق وأنها سبب للفرار من الجهاد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َِّفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَ مُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيِقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ [الأحزاب: ١٣]. وكذلك ذكر سبحانه بيوت الظالمين بأنها بيوت شهوات وانحلال وخيانة، كما ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ قَالَ مَعَاذَا الَّهِ إِنَّهُ رَبٍ أَحْسَنَ مَثْوَىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: ٢٣]. وتشير الآية إلى أن اتباع الشهوات (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣٣٢. (١) جامع البيان ١٩ / ٤٨٠. (٢) جامع البيان ٣٩٧/١٨. مَوْسُورَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريمِ ٩٠ البيوت وارتكاب الخيانات في البيوت من هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحل بهم سخطه أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم (٢). الظلم، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّهُلَا يُقْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إنه تعالى لا يفلح الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس بخيانة وتعد على الأعراض، لا في الدنيا ببلوغ الإمامة والرياسة، ولا فى الآخرة بالوصول إلى رضوان الله تعالى ودخول جنات النعيم(١). خامسًا: بيوت المخلوقات: إن بيوت المخلوقات من غير بني آدم المذكورة في القرآن هي: ١. بيوت العنكبوت. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوَهَنَ اٌلْبُبُوتِ لَبَيْتُ اَلْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤١]. يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتیالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، ﴿كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ﴾ في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها،﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، فكذلك (١) انظر: تفسير المراغي ١٣٠/١٢. قال ابن کثیر: «هذا مثل ضربه الله تعالی للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله یرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آکھتھم، إلا کمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولیاء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها)»(٣). ٢. بيوت النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَحْلِ أَنِ اَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ [النحل: ٦٨]. وقوله: ﴿أَنِ أَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. أي: خلايا، وهي الأمكنة التي يضع النحل فيها العسل، ويقال: إنما يضع العسل (٢) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٨. (٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٥٢. www. modoee.com ٩١ حرف الباء في أجواف الأشجار، وقد يضع على أغصان نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه الأشجار، وقوله: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ يعني: ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضًا من یینون، وقد جرت عادة أهلھا أنھم یینون لها الأماکن فهي تأوي إليها بتسخير الله إياها لذلك (١). قال الرازي: في تفسير قوله: ﴿أَنِ أَّخِذِى مِنَ لِْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. يقال: وحى وأوحى، وهو الإلهام، والمراد من الإلهام: أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: الأول: أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار، والثاني: أنه ثبت في الهندسة أن تلك البیوت لو كانت مشكلة بأشكال سوی المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البیوت فرج خالية ضائعة، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا یبقی فيما بينها فرج ضائعة، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب، والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية، وذلك الواحد یکون أعظم جثة من الباقي، ویکون (١) تفسير القرآن، السمعاني ١٨٥/٣. الأعاجيب، والرابع: أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت إلى موضع آخر، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلی وکرها، وهذا أيضًا حالة عجيبة، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام، وهي حالة شبيهة بالوحي، لا جرم، قال تعالى في حقها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَنَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ()﴾ [النحل: ٦٨](٢). النظرة العلمية: إن بعض العلماء الذين كرسوا جهودهم لدراسة حياة الحشرات وقفوا على حقائق عجيبة وألفوا مئات الكتب التى أثبتت صحة ما جاء في القرآن من أن هناك فصائل برية من النحل تسكن الجبال وتتخذ من مغاراتها مأوى لها، وأن منه سلالات تتخذ من الأشجار سكنا بأن تلجأ إلى الثقوب الموجودة في جذوع الأشجار وتتخذ منها بیوتًا تأوي إلیھا، ولما أراد الإنسان أن ينتفع بعسل النحل استأنسها وصنع لها خلايا من الطين أو الخشب (٢) مفاتيح الغيب ٢٣٦/٢٠. مَوَسُوبَةُ الْبَسيد القرآن الكْرِيْمِ ٩٢ البيوت يعيش فيها، وهكذا تبين الآية الكريمة كيف أن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا جور فيه، ولئن علم بها لم توطأ، ويقال: وهم لا كانت هذه الحشرات بإلهام من الله تأوى إلی مساکنها المختلفة منذ القدم إلى يومنا هذا(١). يشعرون يعني: جنوده خاصة؛ لأنه علم أن فَنَبَسْمَ سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده ٣. بيوت النمل ضَاحِكَامِّن قَوْلهَا﴾ کما یکون ضحك الأنبياء عليهم السلام، وإنما ضحك من ثنائها على سلیمان بعدله في ملکه، يعني: أنه لو شعر بکم لم یحطمنکم. ویقال: فتبسم ضاحگًا أي: متعجبًا ويقال: فرحًا بما أنعم الله تعالى عليه(٢). قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَّ إِذَا أَنُواْ عَلَى وَادِ التَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُودُهُ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَنَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىّ وَكَ وَلِدَفَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنَّهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ [النمل: ١٧ - ١٩]. وقد ذكر الله تعالى بيوت النمل في سياق الملك العظيم الذي وهبه لنبيه سليمان عليه السلام، والمعنى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ يعني: في بيوتكم، ﴿لَا يَخْطِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يهلكنكم، ويقال: لا یکسرنکم سلیمان وجنوده بأن یظلموکم، وإنما خاطبهم بقوله ﴿أَدْخُلُواْ﴾ بخطاب العقلاء؛ لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء، ثم قال: ﴿وَهُزْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: قوم سليمان لا يشعرون بكم، ولو كانوا يشعرون بكم، لا يحطمونكم؛ لأنهم علموا (١) القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل إبراهيم ص ١٥١. (٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٥٧٦. وانظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٥٣٨٦/٨. www. modoee.com ٩٣ حرف الباء الخروج من البيت ابتغاء مرضاة الله إن الهجرة والخروج من البيوت ابتغاء لمرضات الله تعالى يكون في أمور، منها: الهجرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، والسفر المباح، وبيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: الهجرة: الهجرة هي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وکانت فرضًا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح: هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حیث کان، فإن بقي في دار الحرب، ولم يهاجر عصى(١). وفي الهجرة ترك البيوت ابتغاء مرضاة الله تعالى. قال سبحانه: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ، عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا )﴾ [النساء: ١٠٠]. أي: إن من يهاجر فى سبيل الله، أي: لقصد رضاه وإقامة دينه كما يجب وكما يحب الله تعالى، يجد فى الأرض سبيلًا يرغم به أنوف من كانوا مستضعفين له، ومأوى يصيب فيه الخير والسعة فوق (١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦٠٠/٦. النجاة من الاضطهاد والذل، وفي هذا وعد للمهاجرين فى سبيله بتسهيل سبل العيش لهم وإرغامهم أعداءهم والظفر بهم (٢). كما وعد من يموت فى الطريق قبل وصوله دار الهجرة بالأجر العظيم الذي ضمنه له عز وجل إذا كان يقصد بهجرته رضا الله ونصرة رسوله فى حياته، وإقامة سننه بعد وفاته، وكان مستحقًّا لهذا الأجر ولو مات بعد أن تجاوز عتبة الباب ولو لم يصب تعبًا ولا مشقة، فإن نية الهجرة مع الإخلاص كافية لاستحقاقه له، كما في حديث عمر رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)(٣). وفی إبهام هذا الأجر وجعله حقًّا واجبًا عليه تعالى إيذان بعظم قدره وتأكيد ثبوته ووجوبه، ولله تعالی أن یوجب علی نفسه ما یشاء، ولیس لغیرہ أن یوجب علیه شيئًا، إذ لا سلطان فوق سلطانه. ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] أي: وكان شأن الله الغفران أزلًا وأبدًا لأمثال هؤلاء المهاجرين الذين دعاهم إيمانهم لترك أوطانهم لإقامة دينه واتباع سبيله، والرحمة (٢) تفسير المراغي ١٣٤/٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم ١، ٦/١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنية))، رقم ٣،١٩٠٧ /٠١٥١٥ مَوَسُوبَة النفسية العضوي القرآن الكريم ٩٤ البيوت الشاملة لهم بعطفه وإحسانه(١). واختلف المفسرون في معنى المراغم المذكورة في الآية: فقال بعضهم: هو التحول من أرض إلى أرض، وقال آخرون: مبتغى معيشة، وقال آخرون: المراغم، المهاجر(٢)، وقال مجاهد: المرغم: المتزحزح، وقال الكسائي: المراغم: المذهب. قال أبو جعفر النحاس: ((وهذه الأقوال متفقة المعاني فالمراغم هو المذهب والمتحول في حال هجرة، وهو اسم للموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرغام، ورغم أنف فلان، أي: لصق بالتراب، وراغمت فلانًا هجرته وعاديته)) (٣). أما السعة فقال أبو جعفر بعد أن ذكر أقوال المفسرين في معنى السعة: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطربًا ومتسعًا، وقد يدخل في ((السعة))، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهم والکرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني (السعة)، التي هي بمعنی الروح والفرج من مكروه ما کره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دلالة على أنه (١) تفسير المراغي ١٣٥/٥. (٢) جامع البيان، الطبري ١١٩/٩. (٣) إعراب القرآن، النحاس ٢٣٥/١. عنى بقوله: (وسعة)، بعض معاني (السعة) التي وصفنا، فكل معاني (السعة) التي هي بمعنی الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخل في ذلك)»(٤). والهجرة ابتغاء مرضات الله تعالى هي سنة النبيين عليهم، فقد هاجر نبي الله إبراهيم ولوط عليهما السلام. قال تعالى: ﴿﴿ فَعَامَنَ لَهُّ لُوطٌ وَقَالَ إِّ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( [العنكبوت:٢٦]. فقد خرج إبراهيم عليه السلام من أرض العراق مهاجرًا إلى ربه، وخرج معه لوط عليه السلام وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدینه والأمان على عبادة الله حتى نزل حران من دمشق، فمکث بها ما شاء الله أن یمکث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام ونزل بلاد السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط عليه السلام بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله سبحانه نبيًّا (٥). يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم أنه آمن له (٤) جامع البيان ٩ / ١٢٢. (٥) الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ٢٨٣. www. modoee.com ٩٥ حرف الباء لوط عليه السلام، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم من مصر ﴿قَالَ عَسَى رَّتِ أَن يَهْدِيَفِى سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]. علیه السلام، ولم يؤمن به، من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل، ثم أخبر عنه عليه السلام بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ, هُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية(١). وکذلك فعل نبي الله موسى عليه السلام فقد خرج من مصر، خائفًا يترقب، أي: ينتظر الطلب، قال: رب نجني من القوم الظالمين الكافرين، قال تعالى: باخايفا يترقبَ صفر قَالَ رَبِّ نَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وَلَمَّا تَوَعَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَّتِ أَن يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ [القصص: ٢١-٢٢]. أي: سلك الطريق التي يلقى مدين (٢) فيها، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٢٤٦. (٢) مدين: اسم بلاد ذكر في القرآن، وكانت تمثل إقليمًا كبيرًا وواسعًا، وكانت تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك والبحر الأحمر، وتعرف اليوم باسم: البدع، وهي بلدة بين تبوك وساحل البحر الأحمر على بعد ١٣٢ كيلا غرب تبوك، وشرق رأسٍ الشيخ حميد، على البحر، بمسافة ٧٠كيلًا، وهي تابعة لمنطقة تبوك التي تقع شمال غرب المملكة العربية السعودية. انظر: معجم المعالم الجغرافية، عاتق البلادي ص٢٨٤، أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص ١٣٩. أي: قصد الطريق إلى مدين(٣). والهجرة بترك البيوت هي كذلك سنة سید الخلق محمد صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنُ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ. بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّغْلَىُّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِى الْعَلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ [التوبة: ٤٠]. وفي الآية إخبار بهجرة رسول إلى المدينة و تر که مكة وبيته فيها ابتغاء مرضات الله تعالى. والمعنى: إلا تنصروه أي: تنصروا رسوله فإن الله ناصره ومؤيده و کافیه و حافظه، كما تولى نصره إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين في عام الهجرة لما همّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا بصحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيروا نحو المدينة، فجعل أبو بكر رضي (٣) معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥٢٨. ٩٦ القرآن الكريم البيوت الله عنه یجزع أن یطلع علیھم أحد فیخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أذى، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم یسکنه ویثبته ويقول: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)(١)(٢). ثانيًا : الجهاد: إن في الجهاد ترگًا للبيوت ابتغاء مرضات الله تعالى، كما قال تعالى عن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ [الأنفال: ٥]. وفي قوله عز وجل: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قولان: أحدهما: کما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهة فريق من المؤمنين، كذلك ينجز وعدك في نصرك على أعدائك بالحق. والثاني: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ من المدينة إلى بدر بالحق، كذلك جعل لك غنيمة بدر بالحق. وفي قوله: ﴿پآلحَقِّ ﴾ وجهان: أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق. الثاني: أنه أخرجك بالحق الذي وجب (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، رقم ٢٣٨١، ١٨٥٤/٤، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٦/٤. عليك. ﴿وَإِنَّ فَرِبِقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: كارهون خروجك. الثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم؛ لأنهم لم يعلموا أن الله تعالى قد جعلها لرسوله صلی الله عليه وسلم (٣). وقد أمر الله تعالى بالخروج من البيوت والمنازل للجهاد الواجب وتوعد من لم يخرج بالعذاب الأليم والاستبدال بقوم يخرجون للجهاد. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّا قَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةُ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِ اَلَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ إِلَّا نَفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ ﴾ [التوبة: ٣٨-٣٩]. وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم على الجهاد وغزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ﴿مَالَكُمْ﴾، أي: شيء أمركم ﴿إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، أي: إذا قال (٣) النكت والعيون، الماوردي ٢٩٥/٢. www. modoee.com ٩٧ حرف الباء لكم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وثقالا أي: مستكثرين منه، وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل، وقال مرة ﴿أَنْفِرُوا﴾، أي: اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم، وأصل النفر، مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك (١). الهمداني: أصحاء ومرضى، وقال يمان ابن رباب عزابًا ومتأهلين، وقيل: خفافًا من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالًا مستكثرين بهم، وقد أمر الله تعالى بالخروج من البيوت للجهاد في كل الأحوال والظروف. وقيل: خفافًا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، وثقالًا بعد التروي فيه والاستعداد له)) (٤) قال تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: ٤١]. قوله: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: شیبًا وشبانًا(٢)، وموسرین ومعسرین، خفت عليكم الحركة أو ثقلت، ركبانًا ومشاة (٣). قال الإمام البغوي: (قوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: شبانًا وشيوخًا، وعن ابن عباس: نشاطًا وغير نشاط، وقال عطية العوفي: ركبانًا ومشاة، وقال أبو صالح: خفافًا من المال، أي: فقراء، وثقالًا أي: أغنياء، وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يضيع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له، ویروی عن ابن عباس قال: خفافًا أهل الميسرة من المال وثقالًا أهل العسرة، وقيل: خفافًا من السلاح، أي: مقلین منه، (١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٢٥١. (٢) المصدر السابق ١٤/ ٢٦٢. (٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٤٩/٢. ثم بين سبحانه شرط الخروج من البيوت للجهاد الذي يقصد به ابتغاء مرضات الله بأن لا يتخذ الخارجون أعداء الله تعالى أولیاء. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمّ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمُ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِي سَبِيلِ وَابْتِغَاءَ مَرْ ضَائِيَّ تُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَاً أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَّةَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: ١]. وجواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إِن كُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ وَأَبْنِغَاءَ مَنْ ضَافِ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه أى: إن كنتم -أيها المؤمنون- قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، فاتركوا اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء، واتركوا مودتهم ومصافاتهم. (٤) معالم التزيل، البغوي ٣٥٣/٢. ٩٨ القرآن الكْرِيْمِ البيوت فالمقصود من الجملة الكريمة: زيادة على الإنسان، ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ التهييج للمؤمنين، حتى لا يبقى في قلوبهم يعني المنافقين إذا رجعتم إليهم: ﴿لَوِ أي شيء من المودة نحو الكافرين(١). ثم بين سبحانه موقف المنافقين من الخروج للجهاد بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّأَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوٍ أُسْتَطَعْنَا لَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ ﴾ [التوبة: ٤٢-٤٣]. والعرض كل ما عرض لك من منافع الدنيا، فالمعنى: لو كانت غنيمة قريبة، أي: ءَا قَاصِدًا لو کان ما دعوا إليه غنمًا، وَسَفَرًا. أي: سهلًا قريبًا لاتبعوك ﴿وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾، أي: بعدت عليهم الغاية التي تقصدها، وكان هذا حين دعوا إلى غزوة تبوك، فثقل عليهم الخروج إلى نواحي الشام (٢). والمعنى: لو كان ما دعوا إليه عرضًا قريبًا غنيمة قريبة، وسفرًا قاصدًا قريبًا هينًا، لاتبعوك طمعًا في المال ﴿وَلَكِنَّ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾ [التوبة: ٤٢]. المسافة، وقال الكلبي: يعني: السفر إلى الشام، والشقة السفر البعيد؛ لأنه يشق (١) الوسيط، طنطاوي ١٤ / ٣٢٣. (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٤٩/٢. أَسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] أي: لو قدرنا وكان لنا سعة في المال، يهلكون أنفسهم بالكذب والنفاق، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]؛ لأنهم كانوا يستطيعون الخروج وكانوا مياسير، ذوي زاد وسلاح وعدة، قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣](٣). وَلَوْ أَرَادُوا ثم قال سبحانه: الْخُرُوجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ الْقَعِدِينَ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ اٌلْفِتْنَةَ وَفِيَكُنْ سَمَّعُونَ لَمُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: ٤٦-٤٧]. أي: إن المنافقين لو أرادوا الجهاد لتأهبوا أهبة السفر، فترکهم الاستعداد دليل على إرادتهم التخلف ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللهُ اَلْبِحَاثَهُمْ﴾ أي: خروجهم معك ﴿فَشَبَّطَهُمْ﴾ أي: حبسهم عنك وخذلهم، لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين، ويدل على هذا أن بعده: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيَكُمَّا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا﴾ ﴿وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اَلْقَعِدِينَ﴾ قيل: هو من قول بعضهم (٣) الوسيط، الواحدي ٢/ ٥٠٠. www. modoee.com ٩٩ حرف الباء عليه وسلم، ويكون هذا هو الإذن الذي تقدم ذكره، قيل: قاله النبي صلی الله علیه وسلم غضبًا فأخذوا بظاهر لفظه وقالوا: قد أذن لنا، وقيل: هو عبارة عن الخذلان، أي: أوقع الله في قلوبهم القعود، ومعنى: ﴿مَعَ الْقَهِدِينَ﴾ أي: مع أولي الضرر والعميان والزمنى والنسوان والصبيان(١). ثم ذكر الحكمة في ذلك، فقال:﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي: نقصًا، ﴿وَلَأَوضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾ أي: ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين: ﴿يَبْغُونَكُمُ اَلْفِتْنَةَ﴾ أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم. ﴿وَفِيَكُمْ﴾ أناس ضعفاء العقول ﴿سَمََّعُونَ لَمُمْ﴾ أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فلله أتم الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفًا من أن يداخلهم ما لا ينفعهم، بل يضرهم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٦/٨. لبعض، وقيل: هو من قول النبي صلى الله المفاسد الناشئة من مخالطتهم (٢). فَإِن رَّجَعَكَ وهؤلاء قال تعالى عنهم: اللَّهُ إِلَى طَآَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل ◌َّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ ٨٣ ﴾ [التوبة: ٨٣]. يقول تعالى آمرًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردك الله من غزوتك هذه ﴿إلى طائفة منهم﴾ قال قتادة: ذکر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا ﴿فَأَسْتَقْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَلِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُتْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كُمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّقِ﴾ [الأنعام: ١١٠](٣). وقوله تعالى: ﴿فَفْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ يعني: مع المتخلفين من النساء والصبيان، وقيل: مع المرضى والزمنى، وقال ابن عباس رضي الله عنه: مع الذين تخلفوا بغير عذر، وقيل: مع المخالفين يقال: صاحب خالف إذا كان مخالفًا كثير الخلاف. وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٣٩. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٩/٤. ١٠٠ مَوَسُو بَرُ النَسية الوضوء القرآن الكريم