Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الُيُ عناصر الموضوع مفهوم البيوت ٦٢ البيوت في الاستعمال القرآني ٦٣ الألفاظ ذات الصلة ٦٤ البيوت نعمة ٦٨ أنواع البيوت ٧٧ الخروج من البيت ابتغاء مرضاة الله ٩٤ ١٠٣ آداب دخول البيوت ١١٠ البيوت والفتنة ١١٥ البيوت والعذاب ١١٨ النساء والبيوت المُجَلَّدَ الثَّامِنْ حرف الباء مفهوم البيوت أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: (((بيت) الباء والياء والتاء أصل واحد، وهو المأوى والمآب ومجمع الشمل، يقال: بيت وبيوت وأبيات (١)). والبيت سمي بيتًا؛ لأنه يبات فيه ليلًا(٢). قال الراغب: ((أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: إذا أقام بالليل، كما پقال: ظل بالنهار، ثم قد یقال للمسکن: بيت من غیر اعتبار الليل فیه، وجمعه: أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر)) (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرفه ابن العربي بقوله: ((كل ما علاك فأظلك فهو سقف، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت)) (٤). وقال القرطبي: ((البيت سمي بذلك؛ لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية، وإن لم یکن بها ساکن»(٥). وعرفه إسماعيل حقي بقوله هي: ((اسم مبنى مسقف مدخله من جانب واحد، بنى للبيتوتة سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثة))(٦). وعرفه ابن عاشور بقوله: ((البيت: اسم جنس للمكان المتخذ مسكنًا لواحد، أو عدد من الناس في غرض من الأغراض، وهو مكان من الأرض يحيط به ما يميزه عن بقية بقعته من الأرض ليكون الساكن مستقلًا به لنفسه، ولمن يتبعه فيكون مستقرًّا له، وكنّا يكنّه من البرد، وساترًا يستتر فيه عن الناس، ومحطًّا لأثاثه وشؤونه))(٧). (١) مقاييس اللغة ٣٢٤/١. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٣٨/١٤. (٣) المفردات ص١٥١. (٤) أحكام القرآن ١٤٨/٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٢٥. (٦) روح البيان ٤ / ٤٨٣. (٧) التحرير والتنوير ٧٠٨/١. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ ٦٢ البيوت البيوت في الاستعمال القرآني ورد (البيت) في القرآن الكريم (٦٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال مفرد ٢٦ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةُ لِّلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥] ﴿أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَيِكُمْ﴾ ٣٧ جمع [النور: ٦١] وجاءت البيوت في القرآن على ثلاثة أوجه (٢): الأول: المكان المعد للمبيت، ويشمل المنزل والخيمة وغيرها، ومنه قوله تعالى: دَخَلْتُمْ مُوَنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. أي: منازل. الثاني: المسجد: ومنه قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. أي: مساجد. الثالث: الكعبة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥]. أي: جعلنا الكعبة. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلعوم، ص٣٤٧-٣٤٨. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ١٩٦/٢-١٩٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٢٠٧. فَإِذَا www. modoee.com ٦٣ حرف الباء الألفاظ ذات الصلة المنزل: ١ المنزل لغة: موضع النزول، وهو الحلول، تقول: نزلت نزولًا ومنزلًا؛ ويطلق المنزل على المنهل والدار(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْفِىِ مُنَا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. المنزل اصطلاحًا هو: اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مسقف ومطبخ ليسكنه الرجل بعياله(٢)، وهو عند الفقهاء دون الدار وفوق البيت، وأقله بيتان أو ثلاثة (٣). الصلة بين البيت والمنزل: أن البيت أخص من المنزل، والمنزل أعم من البيت. الدار: ٢ الدار لغة: المحل الذي يجمع البناء والعرصة، وهو من دار يدور؛ لكثرة حركات الناس فيها (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَ تْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَثِينَ ﴾ [الأعراف: ٩١]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: ٢٥]. الدار اصطلاحًا: هو اسم لما اشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقف(٥). الصلة بين البيت والدار: أن الدار أشمل من البيت والمنزل لاشتمالها عليهما(٦). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٥٦/١١، المصباح المنير، الفيومي ٢٠٦/١، تاج العروس، الزبيدي ٤٧٨/٣٠. (٢) انظر: أنيس الفقهاء، القونوي ص٧٨. (٣) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخورازمي ص٤٦١. (٤) انظر: المحكم، ابن سيده ٤١٨/٩، لسان العرب، ابن منظور ٤/ ٢٩٨. (٥) انظر: الكليات، الكفوي ص٢٣٩. (٦) انظر: دستور العلماء، القاضي نكري ٢/ ٦٩. مَوَسُوبَةُ النَِّيَة القرآن الكريم ٦٤ البيوت المسكن: ٢ المسكن لغة: مكان السكنى، والموضع الذي يسكن فيه(١)، كما يطلق المسكن: على المنزل والبيت (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥]. المسكن اصطلاحًا: هو البيت سواء كان بناء، أم خيمة، أم غير ذلك (٣). الصلة بين البيت والمسكن: أن المسكن هو البيت الذي يسكن فيه الإنسان إلا أن المسكن فيه معنى الإقامة والاستيطان والاستقرار بالمكان (٤). المأوى: ٤ المأوى لغة: المكان (٥)، قال الجوهري: ((المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلاً أو نهارًا))(٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿عِندَهَاجَنَّةُ الْأْوَى ﴾ [النجم: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّالْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: ٣٩]. المأوى اصطلاحًا: هو كل مكان يأوي إليه شيء، ويكون ملجأ للشخص ومستراحًا يستريح إليه من الحر والبرد(٧). الصلة بين البيت والمأوى: أن البيت هو محل المأوى الذي یأوي إليه الإنسان ویجتمع شمله بمن أوی إليهم. (١) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٨٥٦. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢١٢/١٣، المصباح المنير، الفيومي ٦٧/١. (٣) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٤٣. (٤) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنيبي ص٤٢٩. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٢/١٤، تاج العروس، الزبيدي ١١٥/٣٧. (٦) انظر: الصحاح ٢٢٧٤/٦. (٧) انظر: الكليات، الكفوي ص ٨٠٣، روح المعاني، الألوسي ١٣١/١١. www. modoee.com ٦٥ حرف الباء العمارة: ٥ العمارة لغة: نقيض الخراب: يقال: عمر أرضه: يعمرها عمارة، قال تعالى: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الَْرَاءِ﴾ [التوبة: ١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ١٨]. إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من قولهم: عمرت بمکان کذا، أي: أقمت به(١). وعمر المنزل بأهله عمرًا، وعمره أهله: إذا سكنوه، وأقاموا به، وعمرت الدار عمرًا أيضًا: بنيتها، والاسم العمارة بالكسر، والعمران: اسم للبنيان(٢). العمارة اصطلاحًا: هي اسم للبيت المؤلف من طبقات وشقق (٣). الصلة بين البيت والعمارة: أن العمارة اسم للبيت الواسع المكون من طوابق وشقق إلا أن فيه معنى حفظ البناء والإقامة فيه. الخراب: ٦ الخراب لغة: ضد العمارة، قال تعالى: ﴿وَسَعَى فِيِ خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤](٤). قال ابن فارس: (((خرب) الخاء والراء والباء أصل يدل على التثلم والتثقب، فالخربة: الثقبة، ومن الباب، وهو الأصل، الخراب: ضد العمارة))(٥). الخراب اصطلاحًا: هو ذهاب العمارة (٦) (١) انظر: المفردات، الراغب ص٥٨٦. (٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٤٢٩/٢. (٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنيبي ص ٣٢١. (٤) انظر: المفردات، الراغب ص٢٧٧. (٥) مقاييس اللغة ٢ / ١٧٤. (٦) انظر: التوقيف، المناوي ص ١٥٤. مَؤُودَةُ الْبَقِيَّة جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٦٦ البيوت الصلة بين البيوت والخراب: أن الخراب هو نقيض البيوت وعمارتها والسكن فيها. الخواء: ٧ الخواء في اللغة: قال ابن فارس: (((خوى) الخاء والواو والياء أصل واحد يدل على الخلو والسقوط»(١)، وخوت الدار: تهدمت وسقطت؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُّهُمْ خَاوِيَةَ بِمَا ظَلَمُوَأْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: ٥٢]. أي: خالية، كما قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِتْرٍ مُعَظِّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ [الحج: ٤٥]؛ أي: خالية، وقيل: ساقطة على سقوفها، وأرض خاوية: خالية من أهلها (٢). الخواء اصطلاحًا: سقوط البيوت وتهدمها بعد خلوها من سكانها الذين كانوا يعمرونها (٣). الصلة بين البيوت والخواء: أن الخواء صفة للبيوت الخالية من سكانها بسبب ما حل بها من عذاب، كما يلاحظ ذلك من الآيات التي ورد فيها لفظ: (خاوية)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقال تعالى: ﴿فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ [الحج:٤٥]. وقال سبحانه: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل: ٥٢]. ٥٢ (١) مقاييس اللغة ٢٢٥/٢. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٥/١٤. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٢٩٠، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٢٠. www. modoee.com ٦٧ حرف الباء البيوت نعمة من نعم الله تعالى على عباده أن جعل البيوت مكانًا للعبادة، ومكانًا للأمن ومكانًا للستر، وللراحة والاستقرار، ومكانًا للأكل والإدخار، وبيان ذلك في الفقرات الآتية: أولًا: مكان للعبادة: إن البيوت التي جعلها الله للعبادة على ثلاثة أنواع: ١. البيت الحرام. وهو مكان للعبادة حيث يجب على المسلم استقبال البيت الحرام في كل صلاة، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦]. قال أبو جعفر الطبري: ((ومعنى ذلك: إن أول بيت وضع للناس لعبادة الله فیه»(١). وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِبِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: ((كانت البيوت قبلة، ولكن كان أول بيت وضع لعبادة الله))(٢). وقد أمر الله تعالى باستقبال البيت الحرام بقوله: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ (١) جامع البيان ٦/ ٢٢. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٧٠٧/٣. شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. والمعنى: ((من أي مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شطره، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده))(٣). كما أنه مكان لعبادة الحج قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ أَلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. أي: ويجب الحج على المستطيع من هذه الأمة، واستطاعة السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، واختلاف البعد عن البيت والقرب منه (٤). والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، أي: فرض واجب لله تعالى على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام(٥). ٢. المساجد. إن المساجد بيوت ومكان للعبادة، قال تعالى: ﴿فِ يُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٩/٣. (٤) تفسير المراغي ٤ / ٩. وانظر: جامع البيان، الطبري ٣٧/٦، معالم التنزيل، البغوي ١/ ٤٧٣. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧/٦، الوسيط، الواحدي ١ / ٤٦٧. ٦٨ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البيوت ٦٤ [الفرقان: ٦٤]. فِيَهَا أَسْمُهُ يُسَمِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴾ لِرَيْهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا لَ [النور: ٣٦](١). والبيوت المذكور في الآية هي: المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وقوله: ﴿يُسَمِحُ لَهُ فِيَهَا بِلْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾، أي: أذن الله أن تبنى، فيصلى فيها الصلاة المفروضة بالغدو والآصال بالبكر والعشايا(٢). ٣. بيوت المؤمنين. إن بيوت المؤمنين مكان للعبادة كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُونًا وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٨٧] يقول: واجعلوا بيوتكم ٨٧ مساجد تصلون فيها(٣)، وقيل: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُوتَكُمْ قِبْلَةُ﴾ أي: صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف؛ لأنهم آمنوا على خوف من فرعون (٤)، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ ﴾ أي: في بیوتکم، وفي ذلك دلالة على جواز كتم الْمُؤْمِنِينَ بَشْرِ الصلاة عند الخوف، أي: بالنصرة في الدنيا، والجنة في العقبى (٥). كما أن الله تعالى أخبر عن حال عباده في بيوتهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسِتُونَ (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥٣٤/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٢/١٩، الوسيط، الواحدي ٣٢١/٣. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥ / ١٧١. (٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٠/٣. (٥) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٦ / ٥٦. أي: والذين يبيتون ساجدين قائمين لربهم، أي: يحيون الليل كله أو بعضه بالصلاة، وخص العبادة بالبيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أخص وأبعد عن الرياء، وقال ابن عباس رضي الله عنه: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدًا قائمًا، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [السجدة: ١٦]. ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا وقوله تعالى: يَهْجَعُونَ ﴿ وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ١٨ [الذاريات: ١٧- ١٨]. وقوله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: ٩](٦). وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الرجل من صلاته غير المفروضة في بیته شيئًا، فقد روى ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا)(٧). (٦) انظر: تفسير المراغي ٣٧/١٩. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، رقم ٤٣٢، ٩٤/١، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، رقم ١،٧٧٧/ ٥٣٨. www. modoee.com ٦٩ حرف الباء وروى زيد بن ثابت رضي الله عنه: يؤذي الأبدان من حرِّ وقرٌّ ومطرٍ، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه، فإذا كان في بيته وجاءه أحد فهو لا يدخله حتی یصلح ما في بیته ولیستر ما یحب أن يستره، ثم یأذن له أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب (٢). أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة قال: حسبت أنه قال من حصیر- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: (قد عرفت الذي رأیت من صنیعکم، فصلوا أيها الناس في بیوتکم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)(١). المؤمنین مکان للصلاة، وفيها أيضًا حث للصلاة فى البيوت فيما عدا الفروض، فإنها تكون في المساجد من أجل الجماعة. ثانيًا: مكان للأمن: جعل الله تعالى البيوت مكانًا يأمن فيه الإنسان على نفسه وأهله وماله، وجعل لهذه البيوت حرمة لا يجوز دخولها إلا بإذن من صاحبها فقال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُمَّا غَيَّرَ بُيُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَأَ ذَلِكُمْ خَبِّرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النور: ٢٧]. وشرع الاستئذان لمن يزور أحدًا في بيته؛ لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار مما (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب صلاة الليل، رقم ٧٣١، ١٤٧/١، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، رقم ٥٣٩/١،٧٨١. وحكمة الاستئذان هي: توفير حرمة المسكن وحرية السكان، لذا قال الله تعالى: ﴿َلِكُمْ خَبِرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أن وفي هذه الأحاديث بيان بأن بيوت الاستئذان خير وأفضل للطرفين، المستأذن وأهل البيت، فهو خير من الدخول فجأة، والمعنى: قد أنزل الله عليكم هذا الأدب، وأرشدكم إليه، لتتذكروا وتتعظوا، وتعملوا بالأصلح لكم، ﴿وَإِن ◌َّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا نَدْ خُلُوهَا حَّى يُؤْذَنَ لَكُّ وَإِنِ قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُوا فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَنَّكَى لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ٢٨ [النور: ٢٨] أي: فإن لم تجدوا في بيوت غیرکم أحدًا يأذن لكم، فلا تدخلوها حتى يأذن لكم صاحب الدار، فلا يحل الدخول في هذه الحالة؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه؛ ولأن للبيوت حرمة، وهي محل السكن الخاص والطمأنينة الشخصية، والراحة والوداعة(٣). وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم حرمة من تطلع في بيوت الغير بغير إذن، (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٦/١٨. (٣) انظر: الوسيط، الزحيلي ٢ / ١٧٤٤. جوبير القرآن الكريم ٧٠ البيوت وأهدر كل جناية تقع عليه؛ لما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بعصاة ففقات عینه، لم یکن عليك جناح)(١)، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم، حل لهم أن يفقؤوا عينه)(٢). وفي هذه الأحاديث دليل على أن البيوت مكان للأمن حيث يأمن فيها الإنسان على نفسه وحرمه وأهله، ولهذا فقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الجناح عن من تطلع في بيت غيره بغير إذن بأن يفقأ عين من يفعل ذلك، وأن ذلك هدر لا قصاص فيه، ولا دية. والأمن في البيوت نعمة تستوجب الشكر؛ لما رواه سلمة بن عبيد الله بن محصن الخطمي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم:(من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا)، وحِيزَت: جُمِعَت(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه، رقم ٩،٦٩٠٢/ ٠١١ (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، رقم ٢١٥٨، ١٦٩٩/٣. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد عن وقد جعل الله تعالى بيته الحرام مكانًا للأمن العام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَّةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِثَمَ مُصَلّ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهْرَا بَيْقَِ لِلَطِّفِينَ وَالْمَكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [البقرة: ١٢٥]. فقد استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبٍّ أَجْعَلٌ هَذَا بَدًا ءَمِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ، قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِّ وَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: ١٢٦]. فجعل الله مكة المكرمة بلدًا آمنًا من الظلم والإغارات الواقعة على غيره، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه فیه فلا یھیجه(٤). وقال تعالى: ﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِتَهِيدٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. أي: وأمن من دخله، والعرب جمیعًا قد اتفقوا على احترامه وتعظيمه، فمن دخله أمن على نفسه من الاعتداء والإيذاء، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، رقم ٢٣٤٦، ٤ /٥٧٤، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب القناعة، رقم ١٣٨٧/٢،٤١٤١. والحديث حسنه الترمذي، والألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم ٦٠٤٢، ٠١٠٤٤/٢ (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٤٩. www. modoee.com ٧١ حرف الباء أن يسفك دمه أو تستباح حرماته ما دام فيه، قطع شجرها (٢). وقد مضوا على ذلك الأجيال الطوال في الجاهلية على كثرة ما بينهم من الأحقاد والضغائن، واختلاف المنازع والأهواء، وقد أقر الإسلام هذا، وكل ذلك بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رَبٍ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]))(١). والمعنى: ومن دخله کان آمنًا يعني: حرم مکة إذا دخله الخائف یأمن من كل سوء، و کذلك کان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَةُ، كَانَ ءَامِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا یطعم ولا یسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَّا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُ واْرَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ ﴾ [قريش: ٣- ٤]. وفٍ وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة (١) انظر: تفسير المراغي ٤ /٨. جَوَبُو ◌َرَ النَقِيقِ المُضوية القرآن الكريم ثالثًا: مكان للستر: جعل الله تعالى البيوت مكانًا لستر العورات والحرمات، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنا وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]. أي: جعل لكم موضعًا تسكنون فیه أيام مقامكم، وقيل: معناه: جعل لكم من بيوتكم ما تسكن إليه أنفسكم من ستر العورة والحرم، فتهدأ فيه جوارحکم(٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ يُوتِكُمْ سگا﴾ موضعًا تسكنون فیه، قال ابن عباس، ومجاهد: يعني: المساكن من الحجر والمدر یستر عوراتكم وحرمكم، وذلك أن الله خلق الخشب والمدر والآلة التي بها ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ يمكن تسقيف البيوت وبناؤها، مِّن جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُيُوتًا﴾ يعني: الأنطاع والأدم، بيوتًا يعني: القباب والخيام، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ﴾ يخف عليكم حملها في أسفاركم، ومعنى الظعن: سير أهل البوادي لنجعة، أو حضور ماء، أو طلب مرتع، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قال مقاتل: لا تثقل عليكم في الحالتين(٤). (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨/٢. (٣) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٦/ ٤٠٥٨. (٤) انظر: الوسيط، الواحدي ٧٦/٣. ٧٢ البيوت رابعًا: الراحة والاستقرار: جعل الله تعالى البيوت مكانًا للراحة والاستقرار، وهذا ما يفيده معنى السكن الذي جعله الله تعالى في البيوت. قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُودِ الْأَنْعَمِ بُيُوتًا تَسْتَخِقُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ ﴾ [النحل: ٨٠]. يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البیوت التي هي سکن لهم، يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا، أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر، ولهذا قال: ﴿تَسْتَخِقُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ بما يحقق لهم الراحة والاستقرار فيها في كلا الحالين (١). قال سيد قطب: ((والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشردون الذین لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة، وذكرها في السياق يجيء بعد الحديث عن الغيب، وظل السكن ليس غريبًا عن ظل الغيب، فكلاهما فيه خفاء وستر، والتذكير (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٠٧. بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة. ونستطرد هنا إلى شيء عن نظرة الإسلام إلى البيت، بمناسبة هذا التعبير الموحي: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَا﴾ فهكذا يريد الإسلام البيت مكانًا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري، هكذا يريده مريحًا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة، أو باطمئنان من فیہ بعضھم لبعض، ویسکن من فيه كل إلى الآخر، فليس البيت مكانًا للنزاع والشقاق والخصام، إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام. ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه، فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان، ولا يقتحمه أحد- بغير حق - باسم السلطان، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة، فيروع أمنهم، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق! ولأن المشهد مشهد بيوت وأكنان وسرابيل، فإن السياق يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُوْنَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا www. modoee.com ٧٣ حرف الباء ٨٠ وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثْنًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ [النحل: ٨٠]. وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبي الضرورات وما يلبي الأشواق، فيذكر المتاع، إلى جانب الأثاث، والمتاع ولو أنه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات، إلا أنه یشي بالتمتع والارتياح»(١). فهذه البيوت التي جعلها الله سكنًا للإنسان، یاوي إلیھا، ويجد فيها أنس النفس وروح الروح، بما يجتمع إليه فيها من زوج وولد .. أليس هذا من نعم الخالق ومن سابغات أفضاله؟ ثم هذه البيوت الخفيفة الحمل التي يتخذها الإنسان من جلود الأنعام، أو مما على جلودها من أصواف وأوبار وأشعار- أليست مما يسر الله للإنسان، ومكن له منها؟(٢). خامسًا: مكان للأكل والادخار: جعل الله تعالى البيوت مكانًا للأكل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُوْ مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآيِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُنَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ (١) في ظلال القرآن ٢١٨٦/٤. (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣٣٦/٧. خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَدُ: أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١]. فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة - وهي أحد عشر بيتا- وإن لم يكن فيها أصحابها، ما دام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك، وأنه لا يكره هذا ولا يتضرر منه، استنادًا إلى القواعد العامة في الشريعة، والتي منها: (لا ضرر ولا ضرار)(٣)، وأنه (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)(٤)(٥) . ((قال سعيد بن المسيب: إن المسلمين كانوا إذا غزوا وخلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتیح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا. وكانوا يتحرجون من ذلك، وقالوا: لا ندخلها وهم غيب. فنزلت هذه الآية رخصة لهم، ومعنى الآية: نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت أقاربهم، أو بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو، وقوله: ﴿وَلَا عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُويَكُمْ﴾ [النور: ٦١]. (٣) انظر: الأشباه والنظائر، ابن نجیم ص٧٢. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٠٦٩٥، ٢٩٩/٣٤، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم ٠٣١٦/٨،١٦٧٥٦ وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٠١٢٦٨/٢،٧٦٦٢ (٥) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٥٦. مُوسُو ◌َ النَِّّ القرآن الكريم ٧٤ البيوت أي: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من معناها الخزائن، كقوله: ﴿وَعِندَهُ، مَفَاتِحُ اُلْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩](٣). أموال عيالكم وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الرجل، وقال ابن قتيبة: أراد أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الأولاد كسبهم وأموالهم كأموالهم)»(١). وذكر سبحانه بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج في أن يأكل الإنسان من بيته، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم سبحانه بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب، يتساوى في نفي الحرج مع أكلهم من بيوتهم، أي: أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفي حرج منه (٤). كان متوهمًا، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أکلهم من بیوت أقاربهم وأصدقائهم، وبین أكلهم من بيوتهم(٢). ثم ذکر سبحانه بیوتًا أخری لا حرج علیھم في الأكل منها، فقال: ﴿بُيُوتِ ءَابَآَيَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَدِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَيِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّتِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَ لِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَدُ﴾ [النور: ٦١]. يعني: بیوت عبيدكم ومما يملكون، وذلك أن السيد يملك منزل عبده، والمفاتح (١) الوسيط، الواحدي ٣٢٩/٣. (٢) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٥٦. ويجوز أن تكون التي یفتح بها، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس. قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَدُ﴾ [النور: ٦١] ما خزنتموه لغيركم، قال ابن عباس: يعني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر حائطه، ويشرب من لبن ماشيته، قال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، وقال السدي: الرجل یولی طعام غیرہ یقوم علیه، فلا بأس أن یأکل وقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] معطوف على ما قبله والصديق هو من يصدق في مودتك، وتصدق أنت في مودته، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع، والمراد هنا: الجمع، أي: ولا حرج عليكم أيضًا في الأكل من بيوت أصدقائكم(٥)، والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأکلوا من منازل أصدقائكم وأصحابکم إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا (٦) إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك. (٣) انظر: المصدر السابق. (٤) انظر: الوسيط، الواحدي ٣٢٩/٣. (٥) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٠/ ١٥٦. (٦) انظر: الوسيط، الواحدي ٣٢٩/٣. www. modoee.com ٧٥ حرف الباء وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه (١). وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَكُمْ جُنَائُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. قال ابن كثير: ((قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِأَلْبَطِلِ ﴾ [النساء: ٢٩] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل من الأموال، فلا يحل لأحد منا أن یأکل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَ الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. و کانوا أيضًا یأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتی یکون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، أن یأکلوا جميعا أو أشتاتًا، وقال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل لیسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا، فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة وإن كان الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل»(٢) . (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٩. (٢) المصدر السابق. وانظر: الوسيط، الواحدي ٣٢٩/٣. أما الادخار في البيوت: جعل الله تعالى البيوت مكانًا للادخار وحفظ ما يحتاجه الإنسان في المستقبل، وذلك لأن مسكن الإنسان أعز البيوت عنده وأخفی لما يريد أن يخفيه، ومكان أمنه واستقراره فلا غرابة أن يكون مكان مدخراته، وهذه المدخرات لا يعلم بها إلا صاحبها (٣)، ولهذا جعلها الله تعالى من معجزات سيدنا عيسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَرَسُولَا إِلَى بَنِيِّ إِسْرَِّيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُّكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمَّ أَنْ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الِّينِ كَهَيَّئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَبْرِىُّ الْأَكْمَهُ وَالْأَبْرَمَ وَأُحْيِ اَلْمَوْقَ بِإِذْنِ اللّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٩]. والمعنى: أن عیسی علیه السلام قد قال لقومه بنى إسرائيل: وإن من معجزاتي التي تدل على صدقي فيما أبلغه عن ربي أني أخبركم بالشيء الذي تأكلونه وبالشيء الذي تخبئونه في بیوتکم لوقت حاجتكم إليه(٤). والادخار هو: إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه، ويقال: لا يعرف الادخار من المخلوقات إلا الإنسان والفأر والنمل، أما الحمار مثلًا مع قدرته على الحمل لا يحمل (٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤ / ٤٠٦. (٤) انظر: الوسيط، طنطاوي ١١٥/٢. ٧٦ مُوسُو ◌َ النَّسيد جوبير القرآن الكريمِ البيوت رزقه؛ لذلك تراه إن شبع لا يدخر شيئًا، وربما يدوس الأكل الباقي، أو يبول عليه، وكذلك كل الحيوانات (١). (١) انظر: تفسير الشعراوي ١١٢٥١/١٨. أنواع البيوت إن البيوت المذكورة في القرآن الكريم على أنواع، منها: بيوت الله تعالى، وبيوت الأنبياء عليهم السلام، وبيوت المؤمنين، وبيوت الظالمين، وبيوت المخلوقات من غير بني آدم، وسيكون بيانها في المطالب الآتية: أولًا: بيوت الله تعالى: إن بيوت الله تعالى المذكورة في القرآن هي: البيت المعمور، والبيت الحرام، والمسجد الأقصى، وعامة المساجد، ويمكن بيانها بإجاز في الفقرات الآتية: ١. البيت المعمور. من بيوت الله تعالى المذكورة في القرآن الكريم: البيت المعمور، وقد ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ [الطور: ٤]. وفي البيت المعمور فيه قولان: القول الأول: أنه بيت في السماء، وفي أي سماء هو؟ فیه ثلاثة أقوال: أولًا: إنه في السماء السابعة، وهذا هو مذهب جمهور المفسرين (٢)، وهو الصحيح، ويدل على ذلك ما رواه أنس (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٥٥/٢٢، الوسيط، الواحدي ٤/ ١٨٤، تفسير القرآن العظیم، ابن کثیر ٧/ ٣٩٨. www. modoee.com ٧٧ حرف الباء رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (أتیت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتھی طرفه)، قال: (فر کبته حتى أتيت بيت المقدس)، .... ، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلی الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهیم صلى الله عليه وسلم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه)(١). ويدل عليه كذلك حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في ((الصحيحين)) قال: «قال النبي صلی الله عليه وسلم: (بينا أنا عند البيت بين النائم، واليقظان فأتينا السماء السابعة، قيل من هذا؟ قيل: جبريل، قیل من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أرسل إلیه، مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابن ونبي، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل، فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم ١،١٦٢ / ١٤٥. خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم) (٢). ثانيًا: إنه فى السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه(٣). ثالثًا: إنه في السماء الدنيا، روي عن ابن عباس رضي الله عنه، وقال: هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فیه حتى تقوم الساعة، یسمی الضراح (٤). القول الثاني: أنه البيت الحرام، وعمارته بالحج والطواف، قاله الحسن (٥). ووصف هذا البيت بأنه معمور لكثرة غاشیته، وقاصديه (٦). قال الماوردي: ((وفي ﴿اَلْمَعْمُورِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه معمور بالقصد إلیه، (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٧، ١١١/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلی الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم ١٦٢، ١٤٥/١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٥٥/٢٢، الوسيط، الواحدي ١٨٤/٤، تفسير القرآن، السمعاني ٢٦٧/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٧٥. (٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٦٧/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٧٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٦٠. (٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٧٨/٥، تفسير القرآن، السمعاني ٢٦٧/٥، زاد المسیر، ابن الجوزي ٤/ ١٧٥. (٦) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٥٤. ٧٨ القرآن الكريم البيوت والثاني: بالمقام عليه))(١). وقال ابن كثير: «ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخر ما عليهم)(٢)، يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بکعبتهم، کذلك ذاك البيت المعمور هو کعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه السلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة))(٣). ولعظمة هذا البيت فقد أقسم تعالى به مع ما ذكر في الآية من غيره من مخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة على أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم (٤). ٢. البيت الحرام. إن البيت الحرام هو: أول بيت وضع في الأرض، وأعظم المساجد وأفضلها، (١) النكت والعيون ٣٧٨/٥. (٢) سبق تخريجه قريبًا. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /١٧٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٨/٧. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٨/٧. وأهم موضع في مكة، وهو اسم لمسجد الكعبة، وقد يمتد إلى حدود الحرم، وهو قبلة المسلمين، وإليه يحجون من كل فج عميق (٥). وقد ورد ذكر البيت في القرآن الكريم في عشرة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِ بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ فِيهِ مَايَتُ بَيْنَتُ مَّقَامُ إَِّهِيمٌ وَمَن ٩٦ دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦-٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]. كما ورود بلفظ المسجد الحرام في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعًا، منها قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنْهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن زَيِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا [البقرة: ١٤٤]. ١٤٤ يَعْمَلُونَ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ سَنَثَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١١٥/٣، معالم التنزيل، البغوي ١/ ٤٧٢، الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٥١. www. modoee.com ٧٩ حرف الباء [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ. لِتُرِيَهُ مِنْ مَايَئِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١](١). ٣. المسجد الأقصى. من بيوت الله تعالى: المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس، وهو أولى القبلتين، ومسرى الرسول الكريم، قال تعالى: ﴿ُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ، لِتُرِيَهُ مِنْ مَايَئِنَأَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١]. وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام (٢) أو لأنه أبعد المساجد التي تزار، ويبتغى في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام (٣). وقد بارك الله حوله بالماء والأنهار والأشجار والثمار، قال مجاهد: سماه مباركًا؛ لأنه مقر الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة (٤). (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١١٥/٣، معالم التنزيل، البغوي ٤٧٢/١، الكشاف، الزمخشري ١٥١/٣. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٢٦/٣، الوسيط، الواحدي ٣/ ٩٤. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٣٣٣. (٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٦/ ٥٥. وقد ذكر المسجد الأقصى في القرآن مرتين مرة باللفظ الصريح كما سبق في الآية السابقة والثانية بلفظ المسجد في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاْ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٧]. ٧ والمعنى: وليدخلوا المسجد، أي: بيت المقدس كما دخلوه أول مرة، أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، وليتبروا أي: يدمروا ويخربوا ما علوا أي: ما ظهروا عليه تدمیرًا(٥). اختلف المفسرون في من بنى المسجد الأقصى؟ على قولين: القول الأول: ذهب بعض المفسرين إلى أن أول من بناه هو إبراهيم عليه السلام ويدل على ذلك الحديث الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أي؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه)(٦)، وقدر بعض (٥) تفسير القرآن العظيم ٤٥/٥. وانظر: جامع البيان، الطبري ٣٨٨/١٧، النكت والعيون الماوردي ٢٣١/٣. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم ٨٠