Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ التَّدَيُّ عناصر الموضوع مفهوم التدبر ٢٢٤ التدبر في الاستعمال القرآني ٢٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٦ مقاصد التدبر ٢٢٨ الأسباب المعينة على التدبر ٢٤١ ٢٥٢ صوارف التدبّر ٢٥٨ أساليب القرآن في الحث على تدبره المُجَلََّ الثَّامِنْ حرف التاء مفهوم التدبر أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (دب ر) تدل على آخر الشّيء وخلفه، فمعظم الباب أنّ الدّبر خلاف القبل، ودابرت فلانًا: عاديته، وذلك أن يترك كلّ واحدٍ منهما الإقبال على صاحبه بوجهه، ورجلٌ أدابرٌ: يقطع رحمه؛ وذلك آنّه يدبر عنها ولا يقبل عليها(١). والتدبير: أن يعتق الرجل عبده عن دبر، وهو أن يعتق بعد موته، والتّدبير أيضًا: أن يدبّر الإنسان أمره، وذلك أنّه ينظر إلى ما تصير عاقبته، ودُبُره يعني: آخره(٢). وتدبّر الكلام: النظر في أوله وآخره، ثم إعادة النظر مرة بعد مرة؛ ولهذا جاء على وزن التفعّل كالتجرّع والتفهّم والتبيّن (٣)، ودبّر الأمر أي: فعله بعناية وعن فكر ورويّة، أو نظر فيه وصرّفه على ما يريد (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الجرجاني: ((التدبر: عبارة عن النظر في عواقب الأمور))(٥). أما ابن القيم فعرّفه: ((تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله))(٦). وقيل في معناه: هو التفكر الشامل الموصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة(٧). وقيل: هو تفهّم معاني ألفاظ القرآن والتفکر فیما تدل عليه آياته، وما دخل في ضمنها وما لا تتم إلا به، مما لم يعرّج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه وخضوعه لأوامره، وأخذ العبرة منه (٨). فبهذا تتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، إذا خص التدبر في المعنى الاصطلاحي بالتفكر والتأمل في كلام الله تعالى. (١) انظر: العين، الفراهيدي، ٨/ ٣١، تهذيب اللغة، الأزهري، ٧٨/١٤، الصحاح، الجوهري، ٦٥٣/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٣٢٤. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٧٣/٤. (٣) انظر: دستور العلماء، القاضي نكري، ٢٦٩/٢. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٢٦٥/١١. (٥) التعريفات، ص٥٤. (٦) مدارج السالكين، ١/ ٤٤٩. (٧) انظر: قواعد التدبر الأمثل، الميداني، ص ١٠. (٨) انظر: تدبر القرآن ، سليمان السنيدي، ص ٦٤. ٢٢٤ القرآن الكريم التدبر التدبر في الاستعمال القرآني وردت مادة (دبر) في القرآن الكريم (٤٤) مرة، ويخص مادة التدبر منها (٤) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل المضارع ٤ ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَّكُ لِيَّبَُّوْ ءَبَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ ﴾ [ص:٢٩] وجاء التدبر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: التفكر والنظر في أدبار الأمور (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٥٢، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الدال ص ٤٩٦. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢١١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٥٨٨/٢، تاج العروس، الزبيدي، ١١ /٢٦٥. www. modoee.com ٢٢٥ حرف التاء الألفاظ ذات الصلة ١ التفسير: التفسير لغةً: هو بيان الشيء وإيضاحه. من ذلك الفسر، يقال: فسرت الشيء وفسّرته (١). التفسير اصطلاحًا: ((علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية))(٢). الصلة بين التدبّر والتفسير: إن التدبر لا يكون إلا بعد معرفة التفسير الصحيح للآية، وأن المقصود الأصلي للتفسير هو: بيان معاني كلام الله تعالى، ومقصود التدبر هو: الاتعاظ والاعتبار. التأويل: ٢ التأويل لغةً: التأويل من (الأول)، أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: (الموئل) للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، علمًا كان أو فعلًا (٣)، وقيل: من (الإيالة)، وهي السياسة، كأن المؤول للكلام يسوسه ويضع المعنى في موضعه (٤). التأويل اصطلاحًا: عند السلف المتقدمين: كانوا يطلقون مصطلح التأويل على التفسير، وعند المتأخرين: (التأويل): هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، بما لا يخالف نصًّا من كتاب الله سبحانه و تعالى ولا سنّ رسول الله صلی الله عليه وسلم (٥). الصلة بين التدبّر والتأويل: على اعتبار أن التأويل بمعنى التفسير، فيكون الفرق بين التدبر والتأويل نفس الكلام المذكور سابقًا، أما على المعنى الثاني، فيلتقي التأويل مع التدبر في الغايات والمقاصد، (١) انظر: العين، الخليل بن أحمد، ٢٤٨/٧. (٢) مناهل العرفان، الزرقاني، ٣/٢. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٩٩، لسان العرب، ابن منظور، ١١/ ٣٢. (٤) انظر: الإتقان، السيوطي، ٤ /١٩٢. (٥) انظر: معجم علوم القرآن، إبراهيم الجرمي، ص ٧٨. ٢٢٦ القرآن الكريم التدبر لكن التدبر لعامة المؤمنين، والتأويل لأهل العلم والنظر. الاستنباط: ٣ الاستنباط لغةً: كلمة تدل على استخراج شيء. واستنبطت الماء: استخرجته، والماء نفسه إذا استخرج نبط. ويقال: إنّ النّبط سموا به لاستنباطهم المياه(١). الاستنباط اصطلاحًا: هو استخراج ما خفي من النص بطريق صحيح (٢). الصلة بين التدبّر والاستنباط: إن التدبر أصل الاستنباط، فلا يمكن الاستنباط من النص قبل تدبّره، وأن التدبّر یعم العلماء وغيرهم؛ لأنه متوجه للمقاصد الأصلية للقرآن، والاستنباط خاصٌّ بأولي العلم فقط؛ لأنه یکون لدقائق الأمور. التفكر: ٤ التفكّر لغةً: تردد القلب في الشيء. يقال: تفكر إذا ردّد قلبه معتبرًا. ورجل فكّير: كثير الفكر(٣). التفكّر اصطلاحًا: تصرّف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب، وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء (٤). الصلة بين التدبّر والتفكر: إن التدبر: تصرّف القلب بالنظر في العواقب. والتفكر: تصرّف القلب بالنظر في الدلائل. وأن التفكر أظهر في النظر في الآيات الكونية الواقعة والمشاهدة، أما التدبر فهو أظهر في النظر في الآيات القرآنية (٥). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٨١/٥. (٢) انظر: مفهوم التفسير، مساعد الطيار، ص ١٦٠. (٣) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس، ٧٠٤/١. (٤) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص ٦٣. (٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٧٥. www. modoee.com ٢٢٧ حرف التاء مقاصد التدبر إنّ التدبّر في القرآن هو الغاية الأسمى من نزوله، حیث قال سبحانه وتعالى: ﴿ کنبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ لِيَنَّبَّرُواْ ءَايَتِهِ وَلِسَنَّذَّكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ ﴾ [ص: ٢٩]. وهذا ما دعا العلماء إلى البحث في موضوع التدبر، ومعرفة مقاصد وأهداف التدبر، ولمعرفة مقاصد وأهداف التدبّر نعرضها فيما يلي: أولًا: زيادة الإيمان: إنّ أهم مقصد من مقاصد التدبر في القرآن الكريم، هو أنه عندما يتلى القرآن الكريم بتدبّر، يشعر القارئ بزيادة الإيمان في قلبه، بل إن مقياس التدبر يعرف بزيادة الإيمان، فإذا كان المسلم يشعر بزيادة في إيمانه فإنه يتدبّر القرآن، حیث یقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ. زَادَتْهُمْ إِيَمَنَّا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: ٢]. ويقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: ((ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب؛ ولأنه لابد أن يبيّن لهم معنّى كانوا يجهلونه، أو یتذکرون ما کانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان»(١). والمراد بـ (زيادة الإيمان): هي زيادة انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وانثلاج الخاطر عند تلاوة الآيات (٢)، وقوة اليقين في نفس الموقن، فتلك القوة هي المعبّر عنها بالزيادة، وتفاوتها تدرج في الزيادة، ويجوز أن تسمى: قلة التدرج في الأدلة نقصًا، لكنه نقص عن الزيادة، وذلك مع مراعاة وجود أصل حقيقة الإيمان؛ لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية الإيمان، وقد أشار البخاري رحمه الله إلى هذا بقوله: (باب زيادة الإيمان ونقصانه)(٣)، فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، وهذا هو المراد من وصف الإيمان بالزيادة (٤). وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى للمفعول في قوله: ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾، ﴿تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ﴾؛ للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقین إذا كانوا يخافون، ويزداد إيمانهم عندما يسمعون من غيرهم آيات الله، فإنهم یکونون أشد خوفًا، وأكثر زیادةً للإيمان عند (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣١٥. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢/ ٣٢٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، ١٧/١. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٥٧/٩. ٢٢٨ مُوسُوبَةُ الَّمـ جوب القرآن الكريم التدبير ذکرهم لله، وعند تلاوتھم لآیاته بألسنتهم وقلوبهم. فالمقصود من هذه الصيغة: مدحهم، والثناء عليهم، وبيان الأثر الطيب الذي يترتب علی ذکر الله، وعلى تدبر آیاته(١). (اجلس بنا نؤمن ساعة)(٣)، يعني: بمذاكرة القرآن والتدبر في آياته (٤)، والتعبير في الآية بقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ يدل على أن أعظم آثار القرآن هو الإيمان، وذلك لا يكون إلا بالتدبر، فالإيمان إذا مقصد من ، فى آيات القرآن ما مقاصد المتدبر للقرآن، فعندما تفهم ما تقرأ والقلب المؤمن يجد یزیدہ إيمانًا، وما ینتهي به إلى الاطمئنان، فالقرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، ولا يحول بينهما شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب، ويحجب القلب عنه، فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن، ووجد في آياته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان (٢). وكان المؤمنون إذا أنزلت سورة من القرآن ازدادوا إيمانًا وتصديقًا وإقرارًا؛ حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾[التوبة: ١٢٤]. وذلك لا یکون إلا بعد التدبر في هذه السورة، ولعل المسلمين كانوا إذا سمعوا القرآن قالوا: قد ازددنا إيمانًا، كقول معاذ بن جبل للأسود بن هلال رضي الله عنهما: (١) انظر: الوسيط، طنطاوي، ٦/ ٣٠. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٤٧٥/٣. وتستشعر عظمة الخطاب الموجّه إليك، فإن ذلك يزيد من إيمانك بربك، ويجعلك مستبشرًا بعظيم فضله ومنته، بعكس المنافق المعرض صاحب القلب المريض؛ إذ لا تزيده السورة إلا شگًا وإعراضًا. ومن علامات زيادة الإيمان الناتجة عن تدبر القرآن: البكاء من خشية الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَكَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ: [المائدة: ٨٣]. والقشعريرة خوفًا من الله تعالى، ثم غلبة الرجاء والسكينة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لَلْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَّقْشَعِرٌ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. ومن العلامات أيضًا: السجود تعظيمًا لله عز وجل وزيادة الخشوع، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، ١/ ١٠. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦٥/١١. www. modoee.com ٢٢٩ حرف التاء إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ ١٠) وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَآ إِن كَانَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ﴿ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. ثانيًا: العمل الصالح: إنّ المقصد الثاني من مقاصد تدبر القرآن، هو العمل الصالح، والامتثال لأمر الله ونهيه، وهو ثمرة الإيمان وعاقبة التدبر؛ لذلك حتى يتحقق التدبر في القرآن، يجب أن يكون بنية العمل والامتثال بما فيه، ولو أننا تلونا القرآن، ولم نعمل بما فيه لا يمكن أن نكون قد تدبرناه. ولو تدبرناه لكان القرآن واقعًا عمليًّا في حياتنا وسلوكنا. وهذا ما أكّدته عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (فإنّ خلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن)(١)، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: ((إذا سمعت الله يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ فأرعها سمعك، فإنّه خيرٌ يؤمر به، أو شرٌّ ينهى عنه))(٢)، وذلك استعدادًا لتنفيذ الأوامر. إن التدبر في القرآن هو الطريق للعمل بما جاء فيه؛ وذلك لأن العمل بالقرآن (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب جامع صلاة الليل، رقم ١٦٦٨، ٠١٦٩/٢ (٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، ١/ ٠١٣ يتوقف على فهمه، وفهم القرآن لا يمكن إلا بالتدبر في آياته. ولقد حثّنا القرآن على العمل والامتثال لما جاء فيه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ ◌ِلَوَيِّ أُوْلَبْكَ يُؤْمِنُونَ بِهِهُ وَمَن يَكْفُرْبِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]. الغالبية العظمى من المفسرين على أن المقصود من قوله: ﴿يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، أي: يتبعونه حق اتباعه، فيكون: يتلونه من تلاه، يتلوه: إذا اتّبعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا فَلَهَا﴾ [الشمس: ٢]. أي: اتبعها، فهم يعملون بما فيه، فيحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، ويعملون بمحکمه، ويؤمنون بمتشابهه(٣)، ويقول أبو السعود: ﴿يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِةٍ﴾، ((بمراعاة لفظه عن التحريف والتدبّر في معانيه والعمل بما فیه»(٤)؛ لأنهم إن تدبروه تدبرًا صادقًا، علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب، وتصديق من جاء به لازم(٥). بل إن الفائدة المنشودة من تلاوة القرآن بتدبر هي العمل به، فهو كما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي مالكِ الأشعريّ: (والقرآن حجّةٌ لك، أو عليك)(٦)، وهذا الذي كان عليه السلف (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١/ ١٥٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٥. (٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١ / ١٥٣. (٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣٣٩/٥. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، ٢٣٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التدير كما قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى -: «إن من قبلکم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبّرونها بالليل وينفّذونها بالنهار))(١). ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن آیاته والعمل به، یکون کالمستهزئ بربه، أما الأميّ فعليه سؤال العلماء؛ لشرح معنى القرآن، وإفهامه مراده: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣](٢). ومن هنا فإن الذين لا يتدبّرون القرآن، سوف یفوتهم تطبیق الکثیر من مبادئ الدین في حياتهم العملية، وهم لا يشعرون. ولقد اقترنت دعوة القرآن الكريم للعمل الصالح بالدعوة للإيمان بالله، فلقد كرر القرآن الكريم ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ ﴾ خمسين مرة، في اثنتين وثلاثين سورة. ويجعل القرآن العمل الصالح جزءًا من صفات المؤمن وشرطًا لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [الكهف: ١٠٧]. وهناك ارتباط وثيق في عقيدة أهل السنة والجماعة بين الإيمان والعمل الصالح؛ باب الطهور شطر الإيمان، ١٣٩/١، رقم ٤٠٤. (١) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، ص ٥٤. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١/ ٢٩٧. الصالح -رضي الله عنهم وأرضاهم-، فالإيمان شرطه العمل الصالح، وإلا كان قولًا لا دليل عليه، والعمل الصالح شرطه الإيمان؛ لكي يكون مقبولًا عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: ١٢٤]. وقال في شأن الذين يقدّمون أعمالًا خيّرة، ولكنهم كفار: ﴿وَقَدِ مْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا ﴾[ الفرقان: ٢٣]. إنّ الاستخلاف في الأرض لا يكون إلا بالعمل الصالح بعد الإيمان، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِىِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِىِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَأْ يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ إِ شَيْئًا وَمَن كَفَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥](٣). والتدبر في القرآن الكريم يجعل الفرد المؤمن الصالح إيجابيًّا ونافعًا، ويعيش حياة آمنة مطمئنة، وصفها القرآن بالحياة الطيبة، وجعلها لمن عمل صالحًا، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: ٩٧]. (٣) انظر: فقه النصر والتمكين، علي الصلابي، ص١٨٦. www. modoee.com ٢٣١ حرف التاء وبهذا الترابط الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح يقدّم الإسلام نموذجًا رائعًا وفريدًا بالتطابق بين النظرية والتطبيق، فلیس الإيمان مجرد شعارات وأقوال، بل هو تصديق قلبي ينعكس على عمل المؤمن، وعلاقته بمن حوله، فالإيمان الصحيح يزداد، ویقوى، وينمي، ويترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة، وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره. ولیس العمل لمجرد النفع الدنیوي البعید عن الأخلاق، بل هو مرتبط بحياة أخرويّة، هي بالتأكيد الأفضل والأعلى ﴿وَلَلَآَخِرَةُ خَيرٌّ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]. ولقد حفّزنا القرآن الكريم بأساليب مختلفة على العمل والامتثال، منها: أسلوب الأمر والنهي، وأسلوب الجزاء والعقاب، وأسلوب الوعد والوعيد، وأسلوب الترغيب والترهيب، وهذه الأساليب وغيرها دالة على أن القرآن أنزل للعمل والامتثال. ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، وغاية مرادهم من القرآن، العمل الصالح، ويشهد له: ما أخرجه الإمام مسلم عن سعد بن هشام بن عامر قال: (سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أمّ المؤمنين أنٹيني عن خلق رسول الله صلی الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنّ خلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيءٍ حتى أموت، ثمّ بدالي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلی الله عليه وسلم ، فقالت: ألست تقرأ يا أيّها المزّمّل؟ قلت: بلى، قالت: فإنّ اللّه عز وجل افترض قيام اللّيل في أوّل هذه السّورة، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك اللّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السّماء، حتّى أنزل اللّه في آخر هذه السّورة التّخفيف، فصار قيام اللّيل تطوّمًا بعد فريضةٍ)(١). ففي هذا الحديث دلالة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع القرآن، وهو التخلّق بأخلاقه، والعمل بأوامره. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال له عيينة بن حصن: «هي يا ابن الخطّاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بیننا بالعدل»، فغضب عمر حتی ممّ أن يوقع به، فقال له الحرّ بن قيس: ((يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه تعالى قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وإنّ هذا من الجاهلین»، والله ما جاوزها عمر حین تلاها (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب جامع صلاة الليل، ١٦٩/٢، رقم ١٦٦٨. ٢٣٢ مُؤَهُو القرآن الكريم التديّ علیه، وكان وقّافًا عند كتاب اللّه(١). فأما الذي لا يهتدي بهدي القرآن، فهو وقال الحسن البصري رحمه الله: ((وما لا يتدبّره، بل هو متروك لهواه، والإنسان یتدبّر آیاته إلّا اتباعه بعلمه، والله يعلمه، أما والله ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتّى أنّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كلّه فما أسقط منه حرفًا، وقد أسقطه واللّه کلّه ما بدا له القرآن في خلقٍ ولا عملٍ)»(٢). ثالثًا: الهداية إلى الحق والصواب: قد علم أن المقصد الأول من مقاصد التدبر هو: زيادة الإيمان، وأن المقصد الثاني هو: العمل الصالح، وهو ثمرة ونتيجة الإيمان، وأنهما متلازمان، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. فالأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لا ركيزة له، وبهما معا يتحقق المقصد الثالث من مقاصد التدبر وهو: الهداية إلى الحق والصواب. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا اَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩- ١٠]. فالإيمان والعمل هما القاعدتان الأصيلتان التي تبنى عليهما الهداية. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿خُذِ الْعَقْوَ وَأَمُنْ ◌ِاَلْعُرْفِ ﴾، ٦/ ٦٠، رقم ٤٦٤٢. (٢) فضائل القرآن، الفريابي، ص ٢٤٧، فهم القرآن ومعانيه، المحاسبي، ص٢٧٦. العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره، المندفع الذي لا يضبط انفعالاته، ولو كان من ورائها الشر له، ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها، ولقد يفعل الفعل وهو شر، ویعجل به على نفسه، وهو لا يدري، أو یدري ولكنه لا يقدر علی کبح جماحه، وضبط زمامه، فأين هذا من هداية القرآن له إلى الخير والصواب؟ يقول الله سبحانه وتعالى في حقه: ﴿وَيَدْعُ آلْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾[الإسراء: ١١]. وإنّه مما يؤكّد على أنّ الهداية مترتبة على العمل والاتباع: قوله تعالى: ﴿ یھْدِی په اَللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. فمن الذي يهتدي بالقرآن؟ إنّه الذي يتبع ما يرضي الله. وهذه الهداية حسب الآية لها ثلاث فوائد: ١. إن المتبع لما يرضي الله يهديه إلى الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة باتباع الإسلام؛ لأنه دين الحق والعدل والإخلاص والمساواة. www. modoee.com ٢٣٣ حرف التاء ٢. إنه يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر من زمان أو مكان، ويشمل ما يهديهم إليه والشرك والوثنية والوهم والخرافة إلى نور التوحيد الخالص. ٣. إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى الهدف الصحيح من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة(١). ويقول الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. أي: أن الإنسان إذا اتبع الهدى الوارد من الله سبحانه وتعالى على لسان رسله سلم من أن يعتريه شيء من ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدی وارد من غیر الله، فإنه وإن استفاد منه في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحوال أخرى، وهو أيضًا لا يشقى في الآخرة؛ الشقاء في الآخرة (٢). إنّ هنالك خيارات صعبة وعديدة تطرح أمام الفرد، وأمام الأمة كل يوم، ولاختيار الطريق السليم بين هذه الخيارات، ونهتدي إلى الصواب لابد من الرجوع إلى القرآن، والتدبر في آياته. ومن هنا يقول الله سبحانه: إِنَّ هَذَا أَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. فیشمل الهدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدود (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٦/ ١٣٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٣٠/١٦. كلّ منهج وكلّ طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان. إن التدبر في القرآن الكريم للحظات قليلة فقط، كان منعطفًا تغييريًّا كبيرًا، في حياة الكثير من العصاة. فهذا الفضيل بن عياض كان في بداية حياته مجرمًا خطيرًا، وكان ذكر اسمه كافيًا لإثارة الرعب في القلوب، لقد كان يقطع الطريق على القوافل، ويسلب المسافرين كل ما يملكون، وذات يوم وقعت نظراته على فتاة جميلة، وفي تلك الليلة، کان یتسلق جدار ذلك البیت الذي تسکن فیه الفتاة، وفي هذه الأثناء، تناهى إلى مسامعه صوت يتلو هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَحَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَّهِ وَ مَا نَزَّلَ لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] فأخذ یفگّر في الآية بضع ثوان، وأخذ يردد مع نفسه: ((يا رب قد آن))، ثم هبط من الجدار، وتولى بوجهه شطر المسجد، وجاور الحرم حتى مات(٣). انظر ماذا فعل التدبر في آية واحدة، حوّل رجلًا من مجرم متمرس بالجريمة، إلى معتكف في محراب العبادة، فکیف إذا تدبر الإنسان في كل القرآن؟ ألا يتحوّل إلى رجل كامل !. رابعًا: تحصيل العلم النافع: (٣) انظر: الرسالة القشيرية، القشيري، ١/ ٤٠. فَضْو مَؤُوالَةُ الْبَقِيَّة القرآن الكريم ٢٣٤ التدير إنّ المقصد الرابع من مقاصد تدبر القرآن عن ابن عبّاسٍ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه الكريم هو: تحصيل العلم النافع، وهو أمر وسلم قال: (من يرد الله به خيرًا يفقّهه في مهم لتحقيق المقاصد الثلاثة السابقة؛ ليكون الدّين) (٢). الإيمان والعمل والهداية عن علم واتباع لما جاء به الشرع. ولقد حثّ القرآن الكريم على طلب العلم وتحصيله في أكثر من موضع، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[التوبة: ١٢٢]. قال العلماء: في هذه الآية مشروعية الخروج لطلب العلم، والتفقّه في الدين، جعله الله سبحانه متصلًا بما دل على إیجاب الخروج إلى الجهاد، فیکون السفر نوعين، الأول: سفر الجهاد، والثاني: السفر لطلب العلم. ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر (١). وفي السياق ذاته، قال سبحانه أيضًا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فسؤال أهل الذكر والعلم، هو شكل من أشكال طلب العلم. وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل؛ لما رواه الترمذي: (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٤٧٤. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل اللّه له به طريقًا إلى الجنّة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّ نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فیمن عنده)(٣). كما مدح الله العلماء في مواضع كثيرة في كتابه العزيز، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآَبِّ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهُ كَذَلِكَُ إِنَّمَا يَخْشَى اَللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال أيضًا: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١]. وذمّ سبحانه الجهل والجاهلين فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب إذا أراد الله بعیدٍ خیرا فقهه في الدين، ٢٨/٥، رقم ٢٦٤٥. قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن الذّكر، ٨/ ٧١، رقم ١٦٦٨. www. modoee.com ٢٣٥ حرف التاء الْجَهِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٩](١). وبعد معرفة أهمية طلب العلم، فیجب معرفة أن المنبع الأصيل والمصدر العظيم لطالب العلم هو القرآن الكريم، فهو زاخر بالعلوم النافعة للإنسان في حياته الدنيا وآخرته، ولا يستطيع المسلم أن يحصل عليها إلا من خلال الغوص في هذا البحر المتدفق، والتدبر في آياته؛ لاستخراج الدرر المكنونة فیه؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل: ٨٩]. أي: في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبيّن فيه أتم تبيين بألفاظ واضحة ومعان جلية، حتى إنه تعالى يثنّي فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبدیها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة؛ لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس، فلما كان هذا القرآن تبيانًا لكل شيء صار حجة الله على العباد، وانتفع به المسلمون فصار هدی لهم يهتدون به إلی أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١١/ ٧٩. كل خير في الدنيا والآخرة. فالهدى ما نالوه به من علم نافع وعمل صالح (٢). ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله صلی الله عليه وسلم، فكل حكم سنه الرسول صلی الله عليه وسلم لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز، بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى: ﴿ قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْيِبَّكُمُ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وبقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ تعالى: وقال الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: ١١٥]. فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلی تبیان الکتاب، فمن ثمّ کان تبیانًا لکل شيء (٣). وفي نفس المعنى قال سبحانه أيضًا: ﴿مَّافَرَّطْنَا فِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨]. أي: ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين؛ إما تفصيلاً أو إجمالًا (٤). ومن جهة أخرى، فیخشی أن تكون حال من يقرأ ویحفظ دون تدبر کحال من سبقنا (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٤٧. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٦٢٨. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣/ ٢٢٤. ٢٣٦ جَوَبُو بَرُ التَّقِين لحضور القرآن الكريمِ التديّ من الأمم التي عاب الله عليها مثل ذلك، كما الجهاد، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]. في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلََّّ أَمَانِيَّ ﴾ [البقرة: ٧٨]. قال ابن عاشور رحمه الله: ((الأماني القراءة؛ أي: لا يعلمون الکتاب إلا كلمات یحفظونها ويدرسونها لا يفقهون منها معنی، كما هو عادة الأمم الضالة؛ إذ تقتصر من الکتب علی السرد دون فهم»(١). قال ابن تيمية: ((والإنسان يقرأ السورة مرات حتى سورة الفاتحة، ويظهر له في أثناء الحال من معانيها ما لم يكن خطر له قبل ذلك حتى كأنها تلك الساعة نزلت، فیؤمن بتلك المعاني، ويزداد علمه وعمله، وهذا موجود في كل من قرأ القرآن بتدبر، بخلاف من قرأه مع الغفلة عنه))(٢). خامسًا: الجهاد بالقرآن: مقاصد التدبّر السابقة نفعها ذاتي يعود على المسلم وحده فقط؛ لذلك كان لا بد من تسخير هذه المقاصد لأمر یتعدّی فیه النفع إلى الآخرين، وهذا هو المقصد الخامس من مقاصد التدبر؛ وهو: الجهاد بالقرآن، فلا يمكن تحقيق هذا المقصد من دون تحقيق المقاصد السابقة فهي مترتبة بعضها على بعض. وقد دعانا القرآن لهذا النوع من (١) التحرير والتنوير، ٥٧٥/١. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧/ ٢٣٦. وجاء هذا الأمر بعد أن حذّر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من الوهن في الدعوة، أمره بالحرص عليها والمبالغة فيها، وعبّر عن ذلك بالجهاد، وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة، وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف؛ ولذلك وصف بالجهاد الكبير؛ أي: الجامع لكل مجاهدة. وضمير (به) عائد إلى القرآن؛ أي: جادلهم بالحجج القرآنية والبراهين الربانية أعظم الجهاد وأكبره ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيْنَةْ ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وليس ذلك من العدوان، وإنما هو من الدعوة إلى الله لصالح المخالف؛ ليرجع إلى الحق (٣) وفي قوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ﴾ لفتة عظيمة أن الكافرين والمنافقين لا يتركون لك القرآن، بل يثيرون على آياته الشبهات، فأنت مطالب أن تتحرك في أكثر من محور، تذود عن القرآن شبه الكافرين والمنافقين. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٥٣/١٩. www. modoee.com ٢٣٧ حرف التاء فهذا الدين قام على الدعوة والجهاد، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِّ وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فلا يجوز للمسلمين ترك البشرية تعيش في ضلالها، وعند المسلمين الهدى والنور، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فهذه الأمة مكلّفة بدعوة غيرها من الأمم؛ لإخراجها من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اْلّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]. وجعل التواصي بالحق والصبر من صفات الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ ) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١- ٣]. أفضل أنواع الجهاد؛ لأنه جهاد خواص الأمة، وأتباع الرسل، وورثة الأنبياء، وهو أصعبها؛ لأنه جهاد للمنافقين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض من أبناء جلدتنا، وللمستشرقين والمغرضين من الكفار (١). فالدعوة والأمر والنهي والتواصي نوع من الجهاد؛ ولذلك ساغ لنا أن نتعرّف على كثير من جوانب وصفات الدعوة والداعية قياسًا على أحكام جهاد القتال، بل لذلك أيضًا وجب على الداعية - إن حجب عن خوض القتال لأسباب مختلفة- أن يفهم آيات الجهاد وأحاديثها على أنها خطاب له هو أيضًا ، وهو في أمره ونهيه، ولذلك أيضًا يحق للمجاهد بالقرآن أن يمنّي نفسه بثواب المقاتلين -إن شاء الله -. وهذا ما قرّره الإمام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فقال: ((قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان والجهاد بالقرآن والحجة والبرهان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل))(٢). (١) انظر: موسوعة فقه القلوب، محمد التويجري، ٣/ ٢٥٠٧. (٢) مجموع الفتاوى، ١٨/ ٢٨٤. مُوسُو ◌َر البشرة القرآن الكريم ٢٣٨ التدوير إن ميادين المقارعة بالحجة في كثير أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ؟) قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلّا صدقًا، قال: (فإنّي نذيرٌ لکم بین یدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تبَّ لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ن مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَاكَسَبَ ﴾ [المسد١-٢]. من الأوقات أشد على النفس من میادین المقارعة بالقوة، وتطويع العقول أصعب بكثير من تطويع الأبدان. وإنّ حياة الحبيب المصطفى صلى الله علیه وسلم کلھا کانت جهادا بالقرآن، وموحیات الآيات، وما في طياتها من صور الألم والمعاناة التي لحقت بنفس النبي صلى الله عليه وسلم خلال جهاده بالقرآن یعجز القلم عن بيانها، ويصوّر لنا القرآن ذلك، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنِ اُسْتَعلَمْتَ أَنْ تَّبْتَغِيَ نَفَقًا فِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِىِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم ◌ِئَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىُّ فَلَاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]. ومن أمثلة الجهاد بالقرآن عند النبي صلى الله عليه وسلم: صعوده صلى الله عليه وسلم جبل الصفا، ومناداته بطون قریش بطنًا بطنًا، ویروي البخاري رحمه الله طرفًا من هذه القصة، فعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: (لمّا نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عُشِيرَتَكَ اْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. صعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الصّفا، فجعل ينادي: (يا بني فهرِ، يا بني عديٌّ) - لبطون قريشٍ - حتى اجتمعوا فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال: (أرایتکم لو أخبرتکم أنّ خیلا بالوادي ترید ومن أمثلة الجهاد بالقرآن عند الصحابة: قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي ملك الحبشة، عندما قرأ عليه صدر سورة مريم، ثمّ قال النّجاشيّ: ((إنّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاةٍ واحدةٍ)) (١). ومن ميادين الجهاد بالقرآن مناصحة ولاة الأمر بالتي هي أحسن، ولا يخاف في ذلك لومة لائم، فعن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائٍ، أو أميرٍ جائر)(٢). ومن أشكال الجهاد بالقرآن الكريم: * الدعوة إلى الإيمان به كلّه، والعمل بمحکمه، وردّ متشابهه إلى المتكلم به سبحانه، وألا نکون کمن قال الله تعالی (١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أهل البيت، حديث جعفر بن أبي طالب، ٣/ ٢٦٧. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، ٤ / ١٢٤، رقم ٤٣٤٤. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٨٨٦. www. modoee.com ٢٣٩ حرف التاء فيه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ اُلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍٍ ﴾ [البقرة: ٨٥]. الدعوة إلى الاحتكام إليه فيما شجر بين المسلمين من خلافات في كل مجال، والرجوع إليه عند النوازل؛ التماسًا للخروج من الأزمات، وحل المشكلات، والارتقاء بواقع المسلمين. قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وتبيين أن القرآن هو المرجع الأوّل للتوحيد والعقيدة والمنهج والتشريع، وأن ما خالف القرآن من عقائد ومناهج وقوانين جاهلية هي باطلة مردودة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا [النساء: ٦٠]. تأكيد عقيدة الولاء والبراء على القرآن ومن القرآن، فكل من آمن بهذا الكتاب وعظمه تجب محبته ونصرته وموالاته، وأما من سواه فكيف يحب المؤمن بالقرآن من يكفر بالقرآن أو من ينتقص القرآن ويزدريه بمقاله أو بلسان حاله من أهل الأهواء، ويقول عز وجل: قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبُّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَّ فَإِن تَوَلَّوْاْ ٣١ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢]. ٢٤٠ الْقُرآن الكَرِيْمِ التدير الأسباب المعينة على التدبّر تركّز هذه النقاط على العوامل التي تعين وتساعد العبد على التدبر، وأيّة عبادة من العبادات لاشك أن لها عوامل مساعدة على أدائها، وهذه الأسباب والعوامل تجعل عبادة التدبر في القرآن أيسر وأسهل على المسلم، بل إن الأسباب المعينة تجعل أداء عبادة التدبر تكون على أكمل وجه، وأحسن حال، وهذه الأسباب هي كالآتي: ١. الاستعاذة. إن أوّل سبب من الأسباب التي تعين على التدبر والتخشّع بالقرآن، هو بدء القراءة بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فإنّها مطردة ومبعدة له، وما أكثر ما يزعج الشيطان إلا قراءة القرآن بتدبر، فوجب العمل على إبعاده، ولا يكون ذلك إلا بطلب الالتجاء والاحتماء بالله؛ کي لا یکون عدو الإنسان اللدود حائلا بين المسلم وبين تدبره. وقد أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالاستعاذة من الشيطان في أي وقت يشعر المسلم بمحاولة إفساد الشيطان عليه، أي: أمر من أمور الخير، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ) إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَشَهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مَبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٠ - ٢٠١]. أي: إما يصيبنك ويعرض لك وسوسة من الشيطان، فاطلب النجاة من الله (١)؛ لأنّ الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سمیع لاستعادتك به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه (٢)، إن الذين اتقوا الله فخافوا عقابه إذا أصابهم عارض من وسوسة الشيطان تذكّروا ما أوجب الله عليهم من طاعته، والتوبة إليه، فإذا هم منتهون عن معصية الله على بصيرة(٣). وإن أكثر ما يعمل الشيطان على إفساده، هو التدبر في قراءة القرآن؛ لذلك أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِدِ، مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠]. حيث أمر الله عباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يلجأوا إلى الله من وساوس الشيطان المرجوم الملعون المطرود من رحمة الله؛ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ٣٤٨. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣/ ٣٣٣. (٣) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ١ / ١٧٦. www. modoee.com ٢٤١ حرف التاء حتى لا تلتبس عليهم القراءة، ولتتدبر معاني القرآن(١)، وأنّ وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين الصادقين، فالشيطان مهما تمرد وعتا، فإنه ليس له تسلط واستيلاء واستحواذ بالقهر والغلبة على نفوس الذين آمنوا بالله حق الإيمان، والذين هم على الله وحده يتوكلون. وإنما تسلّط الشيطان وتأثيره على الضالين الفاسقين الذين يتولونه ويطيعونه ويتبعون خطواته (٢) . وحكم الاستعاذة: هي مندوبة عند كلّ تلاوة داخل الصّلاة وخارجها؛ للأمر بها في كتاب الله تعالى، والذي صرف الأمر من الوجوب إلى الندب، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في الأحوال المختلفة، فلم يرد عنه التزام الاستعاذة، كلّما قرأ القرآن قليلًا منه أو كثيرًا، فدلّ ذلك على استحبابها(٣). وأما صيغتها: الّذي عليه اختيار جميع القرّاء من حيث الرّواية، وعليه عامّة الفقهاء، الصيغة المذكورة في الآية السابقة، وهي: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأمّا الزّيادة على ذلك فقد وردت في خمس صيغ، وهي: ١. أعوذ بالله السميع العليم من الشّيطان (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٤/ ٢٣٢. (٢) انظر: الوسيط، طنطاوي ٢٣٤/٨ (٣) انظر: المقدمات الأساسية، عبد الله الجديع، ص٤٩٨. الرّجیم. ٢. أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم. ٣. أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، إنّ اللّه هو السميع العليم. ٤. أعوذ بالله العظيم من الشّيطان الرّجيم، إنّ اللّه هو السميع العليم. ٥. أعوذ بالله السميع العليم من الشّيطان الرّجيم، إنّ اللّه هو السميع العليم (٤). ٢. الدعاء. إنّ أيّة عبادة من العبادات لابد أن نستعين بالله عز وجل على أدائها بحیث تکون علی أكمل وجه، حیث یقول الله سبحانه وتعالى على لسان المؤمنين: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ وَإِنَّكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. والدعاء والتضرع إلى الله أفضل شيء نستعين بهما على أداء العبادة، وقد حثّنا الله سبحانه على دعائه، والتضرع له، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ اُدْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وأعلم الله سبحانه عباده الذين يدعونه أنه قريب منهم، فقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنّى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُواْ ◌ِ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. (٤) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ١/ ٢٤٩ ٢٤٢ جوسو القرآن الكريم