Indexed OCR Text
Pages 21-38
التبنى في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم(١). فقد اختار الله بيت النبوة، بل نبي الرسالة الخاتمة؛ ليتم على يديه وفي بيته الإعلان العملي لإبطال هذه العادة من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع، فالتعليم الفعلي، أبلغ من القولي خصوصًا إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور (٢). ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ يشير إلى أن الله: ﴿ أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الَهِّ رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى في إبداء هذا الأمر، وإجراء هذا القضاء حِكمًا كثيرة، فالواجب على النبي صلى الله عليه وسلم - وأمته تبع له في ذلك- إذا عُرض له أمران، في أحدهما رعاية جانب الخلق، وفي الآخر رعاية جانب الحق، أن يختار رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالی في إجراء حكم من أحكامه، واختيار أمر من أوامره حكمًا کثيرة، کما قال تعالی في تزوج النبي صلی الله عليه وسلم بزينب: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾(٣). عن أنس رضي الله عنه قال: (جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله (١) روح المعاني، الألوسي ١١/ ٢٠٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٥. (٣) انظر: حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٩/٢٣. عليه وسلم يقول: (اتق الله وأمسِك عليك زوجك). قال أنس: لو کان رسول الله صلی الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه) (٤). وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنَ﴾ و کان رسول الله تبناه وهو صغير فلبث حتى صار رجلًا يقال له: زيد بن محمد؛ فأنزل فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ (٥) وَمَوَِّيَكُمْ﴾ (٥). ﴿ فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا و قوله: زَوَّجْنَكَهَا﴾ الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فرغ منها وفارقها ولم تبق له بها حاجة، طلّقها باختياره (٦)، ولما انتهت عدتها ﴿زَوَّحْنَكُهَا ﴾ صرّح الله تعالی بأنه هو الذي زوّجه إياها ولم يُحوجه إلى ولي وشهود وعقد وصداق؛ تشريفًا له ولها، قال أنس: (فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلی الله عليه وسلم تقول: زوَّجکن أهالیکن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. ٣٦١/١٥ رقم ٧٤٢٠. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٣/٥. (٦) أضواء البيان، الشنقيطي، ٦/ ٢٤١. www. modoee.com ١٤٥ حرف التاء سماوات)(١). وفي رواية كانت تقول: (إن صلى الله عليه وسلم لم يكن لقضاء شهوة، الله أنكحني في السماء)(٢). وهذا من خصوصیاته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين (٣)، وفيه دليل على ثبوت الولي في النكاح (٤)، وفيه دليل على أن أولياء النساء وكلاء الله في تزويجهم؛ لأنهن إماؤه فإذا ولي الإنکاح هو جل وعز لم یکن لو کلاته معه ولایة(٥). ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِىّ أَزْوَجِ أَدْعِيََّبِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَّاً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ أي: إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه دليل على أن الأمة مساوية للنبي صلی الله عليه وسلم في الأحكام، إلا ما قام دليل على تخصيصه به؛ لأنه صرّح بأنه فعل ذلك لنبيه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في مثله(٦). وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، ٣٦١/١٥، رقم ٧٤٢٠ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، ٣٦١/١٥، رقم ٦٤٢١. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠١٧٠/١٤ (٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ٣٧. (٥) انظر: نكت القرآن، القصاب ٦٥٦/٣. (٦) الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي، ص ٥١٥ - ٥١٦. بل لبيان الشريعة بفعله، فإن الشرع يستفاد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، كما يستفاد من القرآن الكريم، ثم بيّن أن زواجه صلی الله عليه وسلم بها مع أنه کان مبيّنًا لشرع، مشتملًا على فائدة كان خاليًا من المفاسد(٧)، فقال: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَجِ فِيمَا فَرَضَ اَللَّهُلَه سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أنه لا حرج ولا ضيق على رسول الله صلی الله عليه وسلم في نيل ما فرض الله وقسم وقدر له من تزويج زینب بعد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء الذين مضوا من أن ينالوا ما أحل الله لهم ووسع عليهم، فلم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا ردٌّ على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه صلى الله عليه وسلم امرأة زيد مولاه ودعيِّه الذي كان قد تبنّاه (٨) ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا ﴾ أي: أمرًا وقضاءً وحكمًا مقضيًّا وكائنًا لا محالة، محددًا وقت وقوعه و کیفیة وقوعه، لا یتأخر ولا یتقدم ولا یتغیر، فلا حرج على أحد فیما أحل له(٩)، فما شاء الله كان ومالم (٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٢١٢. (٨) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٧٨/١٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣٢٣/٤. (٩) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٦٦/١٣، ١٤٦ الْعُرآن الكَرِيمِ التبنى يشأ لم یکن(١). فوائد مستفادة من قصة زيد وزينب رضي الله عنهما: ١. إظهار صلابة الأنبياء في بيان الأحكام الإلهية، وأن يكون ظاهرهم وباطنهم سواء؛ لأن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأن زيدًا سيطلّق زينب وينكحها هو، فما الداعي لوعظه وقوله له ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ﴾(٢). إن هذا الزواج كان امتحانًا قاسيًا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يؤمر به ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة كما نطق القرآن هو تحطيم مبدأ كان معمولا به ومشهورًا عند العرب، هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب (٣)، قال تعالى في المحرمات من النساء، ﴿وَحَلَمِلُ أَبْنَا يُكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. أي: من ولدتموه لا من تبنيتموه(٤)، فيُقهم منه أن حليلة دعيِّه الذي تبناه لا تحرم عليه(٥)؛ لأنه ليس من صلبه، منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص١٢١. (١) انظر: حدائق الروح والريحان، الهرري ٠٣٣/٢٣ (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٤/٢٢-٣٥. (٣) انظر: النبوة والأنبياء، الصابوني، ص ٩٧. (٤) انظر: نكت القرآن، القصاب ٦٥٨/٣. (٥) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٢/١. فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعًا (٦) بقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)(٧). إن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية، ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إيطال تقليد التبني ذاته؛ لذلك شاء الله أن يحمّل نبيه صلى الله عليه وسلم مؤنة إزالة آثار التبني، ويواجه المجتمع بهذا العمل الذي لا يستطيع أحد غيره أن يواجه المجتمع به(٨). ويدل تحرج النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزواج على أن للأعراف والعادات تأثيرًا كبيرًا في المجتمعات والسلوك (٩). ٢. زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب مسألة يتدخل فيها الله تعالى تدخلاً مباشرًا، وفي هذا درس للمؤمنين فيعطوا هذا الموضوع حقه من الفهم والعلم والاحترام والتوقير (١٠). (٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٤/٥. (٧) سبق تخريجه. (٨) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٥٩٤- ٥٩٥. (٩) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٦/٢٢. (١٠) الأساس في التفسير، سعيد حوى، ١٤٦/٥. www. modoee.com ١٤٧ حرف التاء ٣. ينبغي لمن أراد طلاق زوجه أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة؛ لأن زيدًا استشار النبي صلى الله عليه وسلم أنصح الناس للخلق أجمعين، وعلى المستشار تقديم النصيحة والأمر بإمساك الزوجة مهما أمكن صلاح الحال؛ فهو خير من الفرقة (١). ٤. إكرام الله تعالى لزيد رضي الله عنه بأن جعل اسمه يُقرأ على ألسنة المؤمنين إلی یوم الدین(٢). ٥. استخارة الله في الأمور، عن أنس قال: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلی الله عليه وسلم لزید: (فاذكرها عليّ)، قال: فانطلق زيد، أتاها وهي تخمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها؛ فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلی الله علیه وسلم یذکرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن قوله: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْنَكَهَا﴾، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص ١١٨. (٢) أيسر التفاسير، الجزائري، ٧٤٩/٢. فدخل عليها بغير إذن ... )(٣). ٦. منقبة عظيمة لزينب بنت جحش رضي الله عنها ، ورفعة لها وإعلاء لشأنها؛ حيث تولى الله عز وجل تزويجها لرسوله صلی الله عليه وسلم بسبب طاعتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كرهت زواجها لزيد، ثم رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم(٤). عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء زید بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اتق الله، وأمسك عليك زوجك)، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية. قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوَّجکن أهالیکن، وزوَّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات). وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء)(٥). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب واثبات وليمة العرس، ١٠٤٨/٢، رقم٨٩. (٤) انظر: فتح الباري ٤٧٩/٩. (٥) سبق تخريجه. ١٤٨ مَوَسُولَةُ الَِّي القرآن الكْرِيْمِ التبنى شبهات وردود على زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها: قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا نَقَّحْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجٍ أَدْعِيََّبِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَاً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. قوله تعالى: ﴿وَتَخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ ذكر المفسرون روايات كثيرة في تفسيرها نذكر منها: أن النبي صلی الله عليه وسلم لما دخل منزل زيد بن حارثة أبصر امرأته قائمة في درع وخمار، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، من أتم نساء قريش. فأعجبته، فقال: (سبحان مقلّب القلوب)، فلما سمعت زینب ذلك جلست، وجاء زید إلی منزله، فذكرت ذلك له زینب، فعلم أنها وقعت في نفسه، فأتی زید رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقال: ((یا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن بها غيرة وإذایة بلسانها»، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك أهلك)، وفي قلبه غير ذلك، فطلّقها زید(١). وفي رواية: «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا یریده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الربح الستر فانکشف، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله علیه وسلم. فلما وقع ذلك گُرُّهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: ((یا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي)). قال: (مالك، أرابك منها شيء؟) قال: ((لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا)). فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك علیك زوجك واتق الله)، فذلك قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ .. ﴾ تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها (٢). وفي رواية: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها؛ لتتزوجها إن هو فارقها(٣). وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلی بیت زید فلم يجده، وعرضت زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل، وانصرف راجعًا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوی (سبحان الله العظيم، سبحان (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٦٢/٣، أحكام القرآن، ابن العربي ١٥٤١/٣. (٢) جامع البيان، الطبري ١٩ / ١١٦. (٣) المصدر السابق ١٩ / ١١٥. www. modoee.com ١٤٩ حرف التاء مصرّف القلوب)، فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسول الله فقال له: «بلغني یا رسول الله أنك جئت منزلي، فهلا دخلت یا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها)»، فقال عليه الصلاة والسلام: (أمسك عليك زوجك، واتق الله)، فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ففارقها(١). الرد على هذه الشبهة: قال صاحب الرحيق المختوم: (إن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين قرروا أن يشنّوا حربًا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية. وقد ظهرت خطتهم بعد غزوة الأحزاب، حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة، فوجد المنافقون ثلمتين - حسب زعمهم - لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم. الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة فكيف صح له هذا الزواج؟ (١) روح المعاني، الألوسي ٢٠٤/١١. الثانية: أن زینب كانت زوجة ابنه - متبناه- فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب، وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحُسنها وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلّی سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثّرت تلك الدعاية تأثيرًا قويًّا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبيء عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]))(٢). أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه، فباطل وجهل من القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله إلى ما برّأه الله منه، فإن زینب ابنة عمته، وكان یراها ولم یکن حینئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة (٣). إن الله تعالی کان قد أو حی إلی نبيه صلی (٢) الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٣٠٠- ٣٠١. (٣) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١٥٤٣/٣. موسوبر النفسيةالعضوي القرآن الكريم ١٥٠ التبنی الله عليه وسلم أن زيدًا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكي زيد للنبي صلی الله عليه وسلم، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك، وأمسِك عليك زوجك)، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله صلی الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن یتزوج زینب بعد زید وهو متبناه(١) ﴿رُخْفِى فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ أي: مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك بعد طلاق زيد لها (٢) وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّحْنَكَهَا﴾ ولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى (٣). فإن قيل: فلأي معنی قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته؟ قلنا: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/١٤. (٢) انظر نظم الدرر، البقاعي ١٠٨/٦. (٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠٤/١١. أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٤١. الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهية لها ما لم يكن علمه منه في أمرها (٤). ﴿وَخْشَى النَّاسَ تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها، أو تزوج امرأة ابنه؛ لأن زیدًا کان يُدعى ابنه، والله أحق أن تخشاه من الناس ولا تجمع خشية الناس مع خشية الله في أن تؤخر شيئًا أخبرك به لشيء يشق عليك. قال جمع من الصحابة: ((ما نزلت على رسول الله صلی الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية»(٥). فمتعلق الخشية على رأي القائلين بالعشق والغرام هو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يطّلع الناس على ما في قلبه من الحب والميل إلى زينب. أما على رأي المحققين العارفين بأحوال الأنبياء، فمتعلق الخشية خشيته صلى الله عليه وسلم من وقوع الناس في عِرضه وقولهم: تزوج بزوجة ابنه. والفرق واضح بين متعلق الخشيتين في كلتا الحالتين(٦) والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار (٧). وليس معنى الخشية هنا: الخوف، وإنما (٤) أحكام القرآن، ابن العربي ١٥٤٤/٣. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٥/١٩، معالم التنزيل، البغوي ٣٥٥/٦. (٦) انظر: مع المفسرين والمستشرقين، زاهر الألمعي ص٧٨. (٧) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠٤/١١. www. modoee.com ١٥١ حرف التاء معناه الاستحياء، أي: يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته صلى الله علیه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه، بعد نھیہ عن نكاح حلائل الأبناء، فعتبه الله تعالی علی هذا، أو نزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله الله(١)، قال بعض العلماء: «ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطیئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالإستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفی ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس (٢)، وأن يقولوا قولًا ويظنوا ظنًّا فيهلكوا، والرسول صلی اللهعليه وسلم رءوف رحيم بأمته، فهو يخشى عليها من الوقوع في الهلاك باعتقاد ما يتنافى مع كرامة الأنبياء وعصمتهم))(٣). وخاصة أن في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، فكانت خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا یأثمون به ويهلكون، فهذه الخشیة کانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ صلى الله عليه وسلم عليهم إيمانهم(٤). (١) محاسن التأويل، القاسمي ٢٦٩/١٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٩/١٤. (٣) انظر: مع المفسرين والمستشرقين، زاهر الألمعي ص٨٩. (٤) انظر: آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَِّيِّنَّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أمحمد أبو زيد؟ فأجيب بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: ماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله (٥) وخاتم النبيين (٥). والخلاصة في الرد على هذه الشبهة: ١. الروايات في قصة الحب والغرام ضعيفة من حیث السند. ٢. تتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ومکانته من حیث المتن. ٣. لو كان الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو محبته لها لأظهره الله تعالی؛ لأنه تعالی قد وعد باظهاره، ولكن الله تعالى أظهر أنه سیتزوجها. ٤. أن هذا الزواج لحكمة لا تعلوها حکمة في زواج أحد من أزواجه صلى الله عليه وسلم، وهي إبطال بدعة التبني، فما أظهره الله تعالى هو رغبته صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أمر الله وسلم في ضوء العصمة والاجتهاد، عويد المطرفي، ص٢٦٧ - ٢٦٨. (٥) انظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، زكريا الأنصاري ص٣٣٩. ١٥٢ مَوَسُو ◌َةُ النَِّّ جوبيبو القرآن الكريم التبنى بالزواج من مطلقة متبنيه (زيد) لإبطال حكم التبني وتحريم زوجة الدّعي على من تبنّاه(١). ٥. قوله: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجِ أَدْعِيَّابِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أخبرهم الله تعالى أن نساء الأدعياء حلال لهم إذا طلقوهن. وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. فليس على رسول الله صلى الله علیه وسلم حرج في هذا النكاح(٢). ففيه أكبر حجة على الذين خاضوا في عِرض رسول الله صلی الله عليه وسلم. (١) شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، الصابوني ص ٤٥- ٤٩. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٣٤٥/٤. بدائل التبني في الإسلام شرع الإسلام بدائل للتبني تغني عنه، ومن تلك البدائل: أولًا: الأخوة والولاء في الدين: قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِىِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفَاً كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا [الأحزاب: ٦]. حرص الإسلام على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس الحق والعدل والصدق والواقع، فمن أهم صفات أهل الإيمان: الولاية في الله خاصة (٣)، فإن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم (٤)، يتولى بعضهم بعضًا في النصرة والحماية والمحبة (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٩/٨. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٥٥٦. www. modoee.com ١٥٣ حرف التاء والتأييد(١)؛ لأنهم جمعتهم الرحمة والمودة، والإخلاص لله تعالى وللحق، وجماعتهم وأُسرهم تقوم على الفضيلة، والإخلاص والتراحم، فقلوبهم قد صغت لله تعالى، ولانت أفئدتهم له سبحانه، فهم مرتبطون برباط معنوي لا ينفصهم؛ لأنه مربوط بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فهي رباط المؤمنین الذي يستمسكون به (٢)، جماعتهم کالجسد الواحد، وهم کالینیان یشدّ بعضه بعضًا، بينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل وإعلاء كلمة الله(٣). فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون وتكافل وتضامن في تحقيق الخير ودفع الشر(٤)، يعين فيه المسلمون بعضهم بعضًا في أمورهم الحياتية، وتنتشر المودة والرحمة والبركة بين أفراد المجتمع، وبذلك نحمي المجتمع من الفتن والجرائم، ويعيش الجميع في أمان واطمئنان (٥). فالناس يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئون الحياة، وهم في مجموعهم قوة متماسكة لا تبدو في تمامها واكتمالها إلا (١) انظر: أيسر التفاسير، أسعد حومد ١/ ٦٧٥. (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/ ٣٣٧٠- ٣٣٧١. (٣) انظر: تفسير المراغي ٤/ ١٣٠. (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٢/٤ - ٢٥٣. (٥) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٢٦٨/٣. بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، أما الذين تحول ظروف الحياة بينهم وبين تمتعهم بالحقوق التي كفلها الإسلام، فاعتبر المجتمع هو المسئول عن تحقيقها لهم (٦). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتکی منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)(٧). ولا عبرة للتقاليد والعادات المنتشرة بين الناس والجارية على أفواههم إذا ما خالفت الحقيقة أو الشريعة (٨) تعلموا ﴿ فَإِن لذلك قال تعالى: 13 ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِىِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. أي: أدعياؤكم الذين لم تعلموا آباءهم من هم، فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم فتلحقوهم بهم ﴿فَإِخْوَنُكُمْ فِىِ الدِّينِ﴾ إِن كانوا من أهل ملتكم ﴿وَمَوَلِيكُمْ ﴾إن كانوا محرريكم وليسوا بينيكم (٩)، فادعوهم (٦) انظر: منهاج الصالحين، عز الدين بليق، ص٤٢٣ -٤٢٤. (٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ١٢ /٥٠، رقم ٦٠١١، عن النعمان بن بشير. (٨) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن، مجموعة مؤلفين ٦/ ٧٦. (٩) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٢. ١٥٤ القرآن الكريم التبنی بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة فالظاهر عدم الحرمة، وظاهر الآية أيضًا أنه والولاية في الدين، وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم؛ ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط (١). ففیه دلیل علی أن من لا أب له معروف من ولد دعيّ أو لعان لا ينتسب إلى أمه ولکنه یقال له: أخو معتقه ومولاه إن كان حرًّا، أو عبده إن كان رقًّا(٢). ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة، وكان قد تبنّاه قبل(٣)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: (أنت أخونا الإنسان؛ إذ جعل الله تعالى لهم الأولوية ومولانا)(٤). بمعنى أنه حتى في حال عدم علمكم بآبائهم لا يجوز لكم أن تنسبوهم لغير آبائهم، بل ادعوهم بقولكم إخواننا في الدين وموالينا؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض (٥). وظاهر الآية أيضًا يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير: يا بني، (١) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٤٦/١١. (٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٣/ ١٥٠٦. (٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٤٦/١١. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب کیف یکتب هذا ما صالح فلان، ٦٤٣/٥، رقم ٧٦٩٩. (٥) انظر: منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٢٣. یباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، بشرط ألا يكون المدعو فاسقًا فمثل هذا یدعی باسمه أو بـ یا عبدالله، أو یا هذا. ونحوه (٦). قال ابن كثير: ((وأما دعوة الغير ابنًا على سبیل التکریم والتحبیب، فليس مما نُهي عنه في هذه الآية»(٧). ولذوي الأرحام حق عظيم على على غيرهم، ومن هنا مدح الإسلام الذين يصلون أرحامهم ويتقون الله فيهم(٨). قال تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ اَللَّهَ الَّذِى تَسَآَُّ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ [النساء: ١]. وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة: بالحلف (٩)، (٦) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص٦٢٧ - ٦٢٩. (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٤/٥. (٨) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/ ٨٠. (٩) فقد كان الرجل يقول لآخر: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتُطْلب بي وأطلب بك، فإذا فعلاً ذلك ومات أحدهما كان للحي ما اشترط من مال الميت. انظر: تفسير المراغي ١٦٢/٢. www. modoee.com ١٥٥ حرف التاء والهجرة(١)، والتبني، والمعاقدة(٢)(٣). أي: ذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بمیراث بعض في حکم الله وشرعه من الإرث بالايمان والهجرة -کما کان في أول الإسلام- إلا أن تفعلوا - أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية (٤). وولاية المؤمنين بعضهم بعضًا مستمرة، فلا مانع أن تفعلوا إلى من بينكم وبينهم موالاة ومناصرة معروفًا بالإحسان إليهم بالوصية والنصرة والبر والصلة وغير ذلك(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ويدخل في الآيتين (٦) سائر الولايات من المناكح (١) فكان المهاجر يرث من المهاجر إليه، وإن كان أجنبيًّا عنه، إذا كان بينهما مخالطة وود ولا يرثه غير المهاجر وإن كان من أقاربه. انظر: تفسير المراغي ٢/ ١٦٢. (٢) كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل أي: يحالفه، فيستحق من ميراثه نصيبًا. انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١ / ٥٩١. (٣) انظر: أحكام القرآن، القرطبي ٥٩/٥، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٥٣. (٤) التفسير الميسر، نخبة من العلماء، ص ٤١٨. (٥) منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٣٦. (٦) قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُواْ مَمَكُمْ فَأُوْلَكَ مِنْكُنْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي [الأنفال: ٧٥]. كِتَبِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } وقال تعالى: ﴿اَلنَّىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمٌ وَأَزْوَنَّهُ أُمَّهَهُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِنَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَّ أَوْلِيَآَيِكُمْ مَّعْرُوفًاً كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ والأموال والعقل (٧) والموت))(٨). والاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وليًّا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية یوصی له حیث نسخ الميراث عنه إلی ذي الرحم (٩). ثانيًا: كفالة اليتامى: المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون على البر والخير، مجتمع يرى أن التكافل الاجتماعي هو القاعدة التي ينبغي أن يرتكز عليها هذا المجتمع، فعلى المسلمين أن يكفلوا ويراعوا مصالح الضعفاء في مجتمعهم، كما يراعون حقوق أقويائهم وأغنيائهم. واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف، أحوج الناس إلى الرحمة والرفق بهم، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم، ودفع ما ينزل بهم من ضر وجور، فإكرام اليتامى فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخُلق القويم؛ لذلك: حث الله تعالى على كفالة اليتامى مَسْطُورًا ﴾ [الأحزاب: ٦]. (٧) العقل: الدية، وإنما قيل للدية: العقل؛ لأنهم كانوا يأتون بالإبل فيعقلونها بفناء ولي المقتول، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل دية: عقل، وإن كانت دنانير أو دراهم. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١/ ٤٦٠. (٨) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٤٣. (٩) انظر: نكت القرآن، القصاب ٤٥/٣. ١٥٦ القرآن الكريم التبنى والإحسان إليهم: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيٌّ به (١). قال تعالى: إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَنَمَى وَالْمَّسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَالْسَكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَلَىّ وقال تعالى: قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمّْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَاتُوْ اْلْيَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ اَلْقِيْثَ بِالنَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. وقال جل شأنه: ﴿ فَلَ أَقْنَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ( ١١ وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكَّ رَقَّبَةٍ ، أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمِذِى مَسْغَبَةِ ( يَنِيِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١١-١٥]. والإحسان إلى اليتامى ميثاق وعهد، أخذه الله علی بني إسرائيل وليس خاصًّا بهم، بل هو ميثاق النبيين في كل العصور. ولكن بني إسرائيل مع العهود والمواثيق لا يفون، فعلى المسلمين الحذر مما وقع فيه أولئك من مخالفة الميثاق وعدم الوفاء ويجب الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات؛ جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره، فكان من رحمة الله عز وجل وحكمته أن أوصى بالإحسان إليه(٢)، فمن فقد أباه فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف لا تحميه، وغالبًا لا تعوله، ولذلك لا تعوض حماية الأب وكلاءته(٣). عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (٤). ففيه فضل رعاية اليتيم وكفالته، وإن أجر رعایته کبیر، ومحبوب عند الله تعالى(٥). ويجوز خلط الولي ماله بمال اليتيم، ويجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح، ويجوز دفعه مضاربة إلى غيره، (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٨٩/١ - ٢٩٢. (٢) انظر: تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين، ٤٤/٣. (٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٢٩٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيمًا، ٤٨/١٢، رقم ٦٠٠٥. (٥) انظر: الشرح الميسر لصحيح البخاري، محمد علي الصابوني، ١٣٠/٥. www. modoee.com ١٥٧ حرف التاء وجواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الطعام)» (٤). الإصلاح الذي تضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن، وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأدیب الیتیم وضربه بالرفق لإصلاحه(١). فمن علم من نیته أنه مصلح للیتیم، ولیس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غیر قصد لم یکن علیه بأس. ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها، فذلك الذي حرج وإثم، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين (٢). وقد أمر أوصياء اليتامى بتسليم أموالهم إليهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وتحريم استبدال الحرام من أموالهم بأموال الأوصياء الحلال لهم أو خلط أموالهم مع أموال اليتامى فتؤكل جميعًا، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله، حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار(٣). وإن مما يعين على تجاوز أهوال الآخرة ومشقاتها: إطعام الضعفاء في أيام المجاعات، قال قتادة: ((في يوم يُشتهى فيه (١) انظر: الإكليل، السيوطي ص١٢٣ - ١٢٤. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٧٦ . (٣) انظر: المصدر السابق ص٣١٠. فإن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وخاصة إذا كان الإطعام لمن كان جامعًا بين كونه يتيمًا وفقیرًا ذا قرابة، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، وقيل: يدخل فيه القرب بالجوار كما يدخل فيه القرب بالنسب(٥). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان صدقة وصلة)(٦). وقد نهى الله عز وجل عن إهانة اليتيم وقهره. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا آلْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْثَلَهُ رَبُّهُ. فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِّتَ أَكْرَ مَنِ (١٥) وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْتَنُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنِ كَلَّ بَل لَا تُكْرِمُونَ الْبَنِيمَ﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]. وقال عز وجل: ﴿فَمَّا الْيَِّيَمَ فَلَا نَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]. وقال عز وجل: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ بِالذِينِ ٥) أَلْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ١- ٢]. فاوت الله تعالى بين أرزاق الناس لحِكم (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٥/٦. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٥/٣١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٤١٨/٥. (٦) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزكاة، باب ماجاء في الصدقة على ذي القرابة ٣/ ٤٧. قال الترمذي: ((حدیث حسن)). ١٥٨ موس عَرَ التفسير الموضوي القرآن الكريم التبنی كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان، لیس بسط الرزق دليلا على الکرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلًا على المهانة والإهمال، إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء ولا توفون بحق المال، فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه (٢) فقد لامهم الله تعالى على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجین، فأنتم لا تکرمون الیتیم، بل تھینونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم وعدم الرغبة في الخير(٣)، وترك إكرام اليتيم على وجوه، منها ترك بره، ودفعه عن حقه الثابت له في المیراث وأکل ماله، وأخذ ماله منه (٤). وقد نهى الله تعالى عن إساءة معاملة الیتیم، ونهره إذلاله وإهانته، والعبوس في وجهه(٥)، فبعد أن عدّد الله تعالی نعمه على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿فَأَمَّا اَلْيَقِيمَ فَلَا نَفْهَرْ﴾ أي: لا يضيق صدرك عليه ولا تنهره، بل أکرمه وأعطِه ما تيسر واصنع (١) انظر: نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، محمد الغزالي، ص ٥١٨. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٧٣/٨. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤١٣. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٢/٣١. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٣/٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٠. منشودة وامتحان مقصود(١)، كلا ليس الأمر به كما تحب أن يُصنع بولدك من بعدك (٦)، قال مجاهد: ((لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا))، وقال الفراء والزجاج: ((لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه، و کذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم»(٧). وهذه التوجيهات إلى إكرام اليتيم والنهي عن قهره وكسر خاطره وإذلاله، من أهم إيحاءات الواقع في البيئة الجاحدة المتكالبة، التي لا ترعى حق ضعيف، غير قادر على حماية حقه بسيفه، فالله تعالى يغضب للاعتداء على حقوق عباده الضعاف الذین لا یملکون قوة ولا سیفًا یذودون به عن هذه الحقوق(٨). وقد وصف الله عز وجل المكذبين بيوم المعاد والجزاء والثواب، الذي لا يؤمن بما جاءت به الرسل بصفات؛ منها: دفع اليتيم بعنف وشدة ولا يرحمه لقساوة قلبه، ولا يطعمه ولا يُحسن إليه(٩). وحاصل الأمر في دَعِّ اليتيم أمور: دفعه عن حقه وماله بالظلم، وترك المواساة معه وإن لم تكن المواساة واجبة، وزجره (٦) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٠. (٧) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٤٥٧. (٨) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٠٤/٨. (٩) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٤٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٢. www. modoee.com ١٥٩ حرف التاء والاستخفاف به والاضرار به(١). وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعریف الإيمان التقليدي، إن الذي يكذّب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف وپھینه ویؤذيه، فلو صدّق بالدین حقًّا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدّع اليتيم، فالتصديق بالدين يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه المحتاجين إلى الرعاية والحماية؛ لأن الله تعالى يريد مع الإيمان أعمالًا تصدقها (٢). فالإيمان أخو العطاء والعدالة، وسورة الماعون ترفض العبادة الصورية، وترى أن إعانة محتاج شرط في الإيمان(٣). ثالثًا: بنوة الرضاعة: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَنَّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَذَاتُكُمْ وَبَنَاتُ اَلْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآَيِكُمْ وَرَبَيِّبُكُمُ الَّتِ فِي حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنِ لَمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ الَّذِينَ (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١٣/٣١. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٧٩/٨- ٦٨٠. (٣) انظر: نحو تفسير موضوعي، محمد الغزالي ص٥٤٣. مِنْ أَصْلَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. قوله: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ ◌َرْضَعْنَكُمْ} هي في التحريم مثل الأم الحقيقية، فإذا أرضعت المرأة طفلًا حُرّمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها، لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته(٤). وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حُرِّم بالنسب مع الصهر، إما من جهة نسب الرجل، کامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة، كأمها وابنتها، والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها وخالتها (٥)؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)(٦). والتحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين (٧)، ولا فرق بين قليل (٤) انظر: الجامع الأحكام القرآن، القرطبي ٥٪ ١٠٤، الأساس في التفسير، سعيد حوى ٥٠٨/١-٥٠٩. (٥) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٢/ ٤٤٢. (٦) سبق تخريجه. (٧) اختلف العلماء في رضاع الكبيرٍ، والراجح والله أعلم ما ذكره ابن القيم نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني من دخوله على المرأة ويشق ١٦٠ جويق القرآن الكريم التبنى الرضاع وكثيره إذا وصل الأمعاء(١) وبذلك الاختلاط، وإن أمكن إرضاعه من إحدى قال مالك وأبو حنيفة، وذهب الشافعي المحارم لكان أولى؛ حتى يكون كأحد أولادهم من حيث الخلوة والمحرمية (٤). وأحمد في الصحیح عنه وابن حزم إلى أنه لا ودليل استحباب ذلك عموم قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْرِ وَالْعُدْوَنِ ﴾ [المائدة: ٢]. تحرِّم إلا خمس رضعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحرّم الرضعة أو الرضعتان أو المصة أو المصتان)(٢). وهو اختيار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وسواء كان الرضاع من الثدي مباشرة أو بواسطة إناء يوضع فيه اللبن، فإذا رضع من أحدهما أو منهما جمیعًا خمس رضعات ثبت التحريم(٣). والطفل الذي لا يكون له ولي يقوم برعايته يعهد القاضي به إلى رجل صالح يقوم على رعايته، وهذا هو الأصل في الإسلام بدل إيداعه في الملاجيء أو دور الرعاية. أحد هؤلاء وتربيته وتنشئته بحيث يتربى في أحضان الأسرة، بشرط أن لا يلحقه بنسبه، مع مراعاة أحكام الشريعة من حيث (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٪ ١٠٥. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب في المصة أو المصتين، ٢/ ١٠٧٤، رقم ١٤٥١، عن أم الفضل. (٣) تفسير آيات الأحكام في سورة النساء، اللاحم ٤٠١/١. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٥). وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا) ثم شبّك بين أصابعه (٦). ولأن ذلك يعينه في المستقبل، ويكفل للأمة الأمان من شر سوء تربیته. ورد في فتاوى اللجنة الدائمة: ((يجب ويستحب للفرد التقدم لطلب رعاية على من كفل مثل هؤلاء الأطفال أن لا ينسبهم إليه أو يضيفهم معه في بطاقة العائلة؛ لما يترتب على ذلك من ضياع الأنساب والحقوق، ولارتكاب ما حرم الله، وأن يعرف من يكفلهم أنهم إذا بلغوا احتجابها، كحال سالم مولى أبي حذيفة، وأما ما عداه فلا)). انظر: تفصيل المسألة في زاد المعاد ٤ / ١٧٦ - ١٨٢. سن الرشد فإنهم أجانب منه كبقية الناس، لا يحل الخلوة بهم أو نظر المرأة للرجل (٤) الفقه الميسر، مجموعة مؤلفين ٥/ ١٥٦. (٥) سبق تخريجه. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، ١٢ / ٦٤، عن أبي موسى، رقم ٦٠٢٦. www. modoee.com ١٦١ حرف التاء أو الرجل للمرأة منهم، إلا إن وُجد رضاع ولا يثبت لهم الميراث، ولا يثبت لهمم نفقة شرعية (٣). محرم للمکفول، فإنه یکون محرمًا لمن أرضعته ولبناتها وأخواتها ونحو ذلك مما يحرم بالنسب)»(١). ظل ومثل هذا الطفل الذي ينشأ فى أسرة يعرف قيمة التكافل في محيط الأسرة التي تقوم على عواطف الرحمة والمودة والتعاطف، والستر، والطهر، والحصانة، والميول الثابتة في الفطرة الإنسانية، كما تتشرب نفسه مجموعة من الآداب والأخلاق، وهي في صميمها آداب المجتع الإسلامي(٢). فرعاية المولود عمل إنساني كريم أمرنا به الإسلام، فيجب الحفاظ على وجوده، ومعاملته معاملة كريمة تقوم على الود والرحمة، وإرشاده، وتعليمه، وحمايته من الفقر والحاجة، ورعاية ضعفه و غربته. والأطفال الذين يتربَّون في أُسَر ويكونون فيها بمنزلة الأبناء، لا يُعتبر هذا العمل من قبيل التبني؛ إنما هو من قبيل الرعاية الخاصة؛ لأن الأسر التي تضم هؤلاء الأطفال لا تعتبرهم منها دمًا ولحمًا ولا نسبًا ولا إلحاقًا، ولا يكون لهم حقوق الأبناء في حکم الشرع، فلا يثبت تحریم الزواج بهم، (١) فتاوى اللجنة الدائمة، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش ٢٥٥/١٤. (٢) انظر: دستور الأسرة في ظلال القرآن، أحمد فایز، ص ٣٥٤ - ٣٦٨. على أن تتولى دور الرعاية الإنفاق علیهم وزیارتهم من وقت لآخر، و کل ذلك لمصلحة الطفل وتربيته تربية صحيحة، تجعله مواطنًا صالحًا في مجتمعه، بدلًا من أن یکون عامل هدم لمجتمعه؛ لأنه لم يجد من يتكفل برعايته والعناية به. موضوعات ذات صلة: الأبوة، الأمومة، البنوة (٣) تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص ١٢٩ - ١٣٠. ١٦٢ مُوسُو ◌َر النفسية جوسى القرآن الكريمِ